امى ربتني لوحدها

أمي ربتني لوحدها، وكان طول عمرها بتقولي إن أبويا سابنا ومشي من قبل ما أتولد. بس بعد اتنين وعشرين سنة، وفي يوم تخرجى، ظهر قدامي وقال لي أمك كدبت عليك طول عمرك.
أمي كان عندها عشرين سنة بس لما حملت فيا. كانت لسه بتدرس في الجامعة، ورغم كده كانت بتشتغل ساعات طويلة، وتذاكر بالليل، وتدفع إيجار شقتنا الصغيرة، وبتعافر عشان توفر لنا لقمة العيش.
في كل عيد ميلاد ليا، كانت بتعمل كل اللي تقدر عليه عشان تحسسني إنه يوم مميز. كانت بتخبز الكيكة بنفسها، وتعلق زينة على الحيطان المقشرة، وتملى الأوضة بلالين. أنا عمرى ما شوفت أبويا، ولا حتى عمري شفت له صورة واحدة. كل ما كنت بسألها عنه، كانت بتقولي بس إنه مشي وسابنا من قبل ما أتولد.
دي كانت الحقيقة الوحيدة اللي أعرفها.
يوم تخرجي، أمي كانت واقفة وسط الناس، ودموعها في عينيها وهي شايفاني باستلم شهادتي. بعد الحفلة، اتصورنا مع بعض وإحنا بنضحك ومبسوطين كأن كل حاجة في الدنيا مثالية.
وفجأة لمحت راجل واقف قريب مننا، كان بيراقبني من ورا الزاوية.
في الأول منفضتش للموضوع وما اهتمتش.
بس بعد كده لقيت خطوته جاية علينا.
حط إيده على كتفي وابتسم.
وش أمي خطفه الدم واصفر تماماً.
وفي اللحظة دي، عرفت بالظبط

هو مين.
أبويا الحقيقي.
اتسمرت في مكاني ومبقتش عارف أتحرك.
كح كده ونضف صوته وقال يا ابني، أنا بقالي سنين بدور عليك. أنا أبوك.
أمي وقفت مبرقة ومش قادرة تنطق بكلمة.
بص عليها بصه سريعة، وبعدين رجع بصلي تاني وقال
أمك كدبت عليك طول حياتك. لو عايز تعرف الحقيقة واللّي حصل فعلاً من اتنين وعشرين سنة، لازم تسمعني.
حسيت بقلبي اتقبض وصدرى ضاق.
دموع أمي نزلت وهي بتصرخ وتترجاه لأ، أرجوك كفاية! ملقاش دعوة بابني ومتقولوش حاجة!
الراجل بص لأمي ببرود ونظرة كلها قسوة، وقال لها لأ يا هدى، جه الوقت اللي ابننا يعرف فيه الحقيقة، كفاية تمثيل لحد كده.
أنا كنت واقف في النص مشتت، باصص لأمي اللي كانت بتترعش ودموعها مش راضية تقف، وباصص للراجل اللي أول مرة أشوفه في حياتي وبيقول إنه أبويا. الدنيا لفت بيا ومبقتش شايف قدامي.
الراجل قرب مني خطوة كمان وقال أمك مفهمتك إني سبتكم ومشيت، صح؟ الحقيقة إني عمري ما سبتكم. أمك هي اللي خدتك وهربت زمان لما كنا متجوزين، وحرمتني منك وعيشتني في عذاب طول السنين دي وأنا قالب عليك الدنيا في كل مكان. هي اللي دمرت عيلتنا بغرورها وأنانيتها.
أمي صرخت بأعلى صوتها والناس بدأت تتلم حوالينا حرام عليك يا أحمد! اتقي الله! أنت جاي تتبلى عليا وتدمر فرحة ابني يوم تخرجه؟ مين اللي رماه وهو لحم دم؟ مين اللي رفض يصرف عليه وقال ماليش دعوة بيه؟
أحمد ضحك باستهزاء وقال أنا كنت ببعت لك فلوس كل شهر، وأنتِ اللي كنتِ بترجعيها وتقولي مش عايزه منه مليم! اسألها يا عادل.. اسألها وخلّيها تحلف على المصحف إنها مرجعتش الفلوس دي وباعت دهبها لمجرد إنها تبعدني عنك!
بصيت لأمي وأنا مذهول، وسألتها بصوت مخنوق الكلام ده بجد يا أمي؟ هو كان بيسأل عليا؟
أمي غطت وشها بإيديها وقعدت في الأرض تبكي بحرقة وتقول يا ابني افهمني.. أبوك كان عايز ياخدك مني ويسفرك معاه بره مصر ويحرمني من ريحتك.. كان عايز يربيك بعيد عن ديني وعن بلدي.. أنا كنت بحميك!
الراجل زعق وقال كنت بضمن له مستقبله! وأنتِ عيشتيه في شقة حيطانها مقشرة وحرمتيه من أبوه!
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة كنت مصدقها في حياتي اتهدت. أمي اللي ضحت بكل حاجة عشان تربعني، طلعت مخبية عني نص الحقيقة، وأبويا اللي كنت فاكره ندل وسابنا، طلع كان بيدور عليا.. بس بطريقته الأنانية.
أمي بصت لي وهي بتترجاني بعينيها سامحني يا عادل.. أنا ربيتك بالحلال وعلمتك، وكنت بخاف عليك من الهوا الطاير.
بصيت لهم هما الاتنين، وشريط حياتي كله بيمر قدام عيني. أخدت شهادة تخرجي في إيدي، ولقيت نفسي مش قادر أقف معاهم في مكان واحد. لفيت ضهري ومشيت وسبتهم هما الاتنين واقفين، وأنا مش عارف هروح فين، ولا هبص في وش أمي إزاي بعد النهاردة.
مشيت في شوارع القاهرة وأنا مش شايف قدامي، رجلي كانت بتتحرك لوحدها والشهادة اللي تعبت فيها سنين في إيدي ملهاش أي قيمة دلوقتي. الدنيا كانت بتلف بيا، وصوت زعيقهم وخناقهم لسه بيرن في ودني. كل خلايا عقلي كانت بتسأل مين فيهم الصادق ومين الكداب؟ هل أمي اللي سهرت وشقيت وضحت بعمرها كله عشان تطلعني راجل، ممكن تكون أنانية لدرجة إنها تحرمني من أبويا؟ ولا أبويا اللي ظهر فجأة بعد اتنين وعشرين سنة جاي يرمي سمّه ويهد البيت اللي اتبنى بالدموع والشقى؟
قعدت على قهوة عادية على الرصيف، طلبت كوباية شاي ودموعي نزلت غصب عني. الراجل صاحب القهوة، راجل كبير وشكله طيب، جابلي الشاي وبص في وشي وقالي استعيذ بالله من الشيطان يا ابني، مفيش حاجة في الدنيا تستهل دموع الشاب يوم تخرجه، افرح بشهادتك. هزيت راسي وأنا بقول في سري يا ريتها كانت على قد الشهادة يا عم الحاج.
طلعت تليفوني، لقيت مكالمات كتير وفايتة من أمي، ورسائل تترجاني فيها أرجع وأسمعها. وفي وسط ده كله، لقيت رسالة من رقم غريب.. كانت من أحمد، أبويا. كاتبلي
لمحة نيوز

فيها أنا مستنيك في العنوان ده … بكره الساعة 5، وعندي كل الأوراق والمستندات اللي تثبت إني مكنتش ظالم، والقرار يرجعلك يا ابني.
فضلت طول الليل صاحي، مروحتش البيت. نمت عند واحد صاحبي بعد ما حكيتله إني تعبان ومحتاج أرتاح ومروحتش لأمي. وتاني يوم، صليت العصر واستخرت ربنا، وقررت إني لازم أواجه الإتنين، بس هبدأ بأبويا الأول عشان أشوف آخره إيه.
رحت العنوان، كان مكتب كبير وفخم في منطقة راقية. دخلت وقعدت قدامه. أول ما شافني، عينيه لمعت بدموع حقيقية أو هكذا ظهرلي، وقام حضني، بس أنا كنت ناشف ومش قادر أبادله الحضن. قعد وطلعلي ملف قديم، فتحه ووراني وصولات أمانة وحوالات بنكية باسم أمي، كلها رجعت من البنك بملحوظة مرفوض من المستلم.
أحمد قال بصوت هادي وفيه حزن أنا مش جاي أهد حياتك يا عادل، أنا جاي آخد حقي فيك. أمك كانت بتغار من عيلتي ومن نجاحي، ولما اختلفنا، قررت تحرق قلبي عليك. أنا كنت مستعد أعيشك في أحسن مستوى، بس هي اختارت العند. والنهاردة أنت راجل متعلم ومسؤول، وتقدر تحكم بنفسك.
أخدت الورق في إيدي، وبصيت له وقولتله الورق ده يثبت إنك حاولت تبعت فلوس.. بس ما يثبتش إنك حاولت تقف على الباب وتخبط وتشوف ابنك عيان ولا جعان. الفلوس مش كل حاجة يا أستاذ أحمد. سبته وقمت من غير ما أسمع رده، ومشيت وأنا حاسس إن في جزء من الحقيقة معاه، بس الأكيد إن طريقته كانت غشيمة وأنانية.
رجعت البيت لأمي. أول ما فتحت الباب، لقيتها قاعدة على سجادة الصلاة، وشها دبلان وعينيها حمرا من كتر البكا، وبتدعي ربنا وهي بتبكي بحرقة. أول ما شافتني، قامت جريت عليا وحضنتني وهي بتترعش وتقول سامحني يا ابني.. والله ما أردت إلا الخير ليك.. كنت خايفة ياخدك مني ويسافر ومشوفكش تاني.. أنا مليش غيرك في الدنيا.
نزلت على ركبي قدامها، ومسكت إيديها وبستها. قولت لها يا أمي، أنا مش زعلان منك، وأنا عارف إنك شيلتيني في عينيكي وعيشتيني بالحلال ودخلتيني أحسن مدارس وجامعات بعرقك وشقاكي.. أنا عمري ما هنسى فضلك، ودينك في رقبتي ليوم الدين. أمي ارتاحت ودموعها نزلت بس المرة دي دموع راحة.
كملت كلامي وقولت لها بس يا أمي، الغلط غلط.. كان لازم تقوليلي الحقيقة وماتعيشينيش في كدبة، كان لازم تسيبيني أنا اللي اختار لما أكبر. الكدب عمره ما كان حماية.
الحكاية مخلصتش بنهاية سعيدة ومثالية، ومفيش حاجة رجعت زي الأول. أنا مابقتش عادل بتاع زمان، بقيت راجل شايل هم تقيل وشايف الدنيا على حقيقتها. مبقتش بقاطع أبويا، بقيت بشوفه من وقت للتاني بحدود ومن غير ما يتدخل في حياتي، لأن صلة الرحم فرض، بس هيفضل مكانه في حياتي مجرد خط عابر. أما أمي، ففضلت هي بيتي وسندي وأماني، لأن اللي شال في وقت الشدة وبنى، مش زي اللي ظهر وقت الحصاد عشان يهد.
مرت الأيام والشهور، وبدأت أستلم أول شغل ليا بعد التخرج. نزلت معترك الحياة بجد، وبقيت بشتغل الصبح وبالليل عشان أثبت نفسي وأشيل عن أمي حمل السنين. في وسط طاحونة الحياة دي، بدأت أفهم الدنيا بنظرة تانية.. نظرة الراجل اللي بيواجه المسؤولية، مش الشاب الصغير اللي مستني الدعم من حد.
أبويا، أحمد، حاول بكذا طريقة إنه يجر رجلي لحياته. كان بيعرض عليا عربية، ويدخلني في مشاريع معارفه، وبيحاول يعوضني عن سنين الحرمان بالفلوس والمظاهر. في الأول، الشيطان لعب في دماغي، وقولت لنفسي ما ده حقي، وده تعويض عن الأيام اللي عيشتها محروم. بس كل ما كنت بفتكر كلامه عن أمي يوم تخرجي، وكأنه جاي يصفّي حسابات قديمة مش جاي يدور على ابنه بحب، كنت بتراجع.
في يوم، جالي اتصال من سكرتيرة مكتبه، صوتها كان متوتر وقالت لي أستاذ عادل، والدك تعب فجأة ونقلوه المستشفى في العناية المركزة، وهو طالب يشوفك.
الدنيا اسودت في عيني للحظة. رغم كل اللي عمله، ورغم الجرح اللي سابه جوايا، إلا إن غريزة الابن حركتني. لقيت نفسي بجري على المستشفى، ورجلي بتشيلني بالعافية. أول ما وصلت، شوفت عيلته التانية مراته وأولاده واقفين بره، وبصولي بنظرات فيها قلق واستغراب، بس أنا مكنش يهمني نظرات حد.
دخلت له الأوضة.. كان متعلق له أجهزة كتير، ووشه اللي كان مليان كبرياء وفخر يوم التخرج، بقى شاحن وضعيف. أول ما شافني، حاول يبتسم ومد إيده ليا بصعوبة.
مسكت إيده، ولقيت نفسي بقوله شد حيلك يا بابا.. ربنا يشفيك ويعافيك. دي كانت أول مرة في حياتي أنطق فيها كلمة بابا. الكلمة طلعت تقيلة بس كان لازم تطلع، لأن الموت والمرض مفيش فيهم كبر.
بصلي وعينيه دمعت، وقال بصوت واطي ومبحوح سامحني يا عادل.. أنا ضيعت عمري كله في العند مع أمك، وكنت فاكر إن الفلوس والنفوذ هيعوضوا أي حاجة.. بس لما قعدت على السرير ده، عرفت إن مفيش حاجة تسوى نظرة رضا من ابنك. أنا كتبت لك نصيبك الشرعي في كل حاجة ومأمن مستقبلك.. بس أنا محتاج أسمع منك إنك مسمحني.
في اللحظة دي، افتكرت كلام ربنا عن بر الوالدين والإحسان ليهم حتى لو اختلفنا معاهم. قولت له ونفسي راضية مسامحك يا بابا، ربنا يغفر لنا جميعاً ويقومك بالسلامة.
قعدت معاه ساعات، لحد ما

حالته استقرت والدكاترة طمنونا. وأنا خارج من المستشفى، حسيت إن في جبل انشال من على صدري. كلمت أمي وحكيت لها على اللي حصل.. أمي سكتت شوية، وسمعت صوت تنهيدتها الطويلة اللي طالعة من قلبها، وقالت لي بصوت مليان إيمان ورضا أنت عملت الصح يا ابني.. اتقي الله فيه وزوره، أنا خلاص مسامحة في حقي عشان خاطرك، وعشان ربنا يبارك لك في دنيتك وأخرتك.
أمي عظيمة.. عظيمة في شقاها وعظيمة في عفوها.
النهاردة، وأنا واقف في بلكونة شقتنا القديمة، باصص على الشارع وبشرب كوباية الشاي اللي بتفكرني بكل ليلة سهرت فيها أمي تدعيلي. الحكاية بدأت بصدمة هزت كياني، وشرخت ثقتي في أغلى الناس ليا، بس النهاية مكانتش انتقام ولا قطيعة. النهاية كانت درس رباني كبير.. إن البيوت بتتبني بالصبر والأصل، وإن الحقيقة مهما كانت مُرة، المواجهة فيها بالحق والرحمة هي اللي بتداوي القلوب.
أنا عادل.. ابن الست اللي شقيت وربت بالحلال، وابن الراجل اللي عرف غلاوة ابنه وت Hourly ولو متأخر.. والحمد لله اللي جعلني بار بيهم هما الاتنين، وخرجت من المحنة دي راجل بجد.
مرت سنتين على المحنة دي، والحياة دارت بينا وفتحت لنا أبواب جديدة. أبويا خرج من المستشفى صحته على قد حاله، بس العلاقة بيننا بقت أهدى وفيها احترام للمسافات. الفلوس والميراث اللي كان بيتكلم عنهم بقوا في إيدي فعلاً، بس أنا صممت آخد طريقي بنفسي؛ فتحت شركة هندسة صغيرة مع اتنين من زمايلي، وربنا كرمني وبدأت تكبر وتسمّع في السوق.
كنت كل شهر باخد جزء من أرباح الشغل ده وأروح بيه لأمي، أحطه تحت رجليها وأقول لها ده عرق ابنك يا أمي، وده مال حلال ميه في الميه ملوش علاقة بفلوس حد.. ده بركتك ودعاكي. كانت بتاخدهم وتدعيلي وهي عينيها مليانة فخر، وتوزع جزء منهم لله بنية الشكر والحمد.
وفي يوم، وأنا قاعد معاها بنشرب الشاي بعد صلاة المغرب، بصت لي وقالت لي بصوت حنين عادل يا ابني.. أنت بقيت راجل ملء هدومك، وصاحب عمل، وربنا فتحها عليك.. مش جِه الوقت بقى نفرح بيك وأشوف عيالك قبل ما أقابل وجه كريم؟
ابتسمت وقولت لها يا ست الكل، هو أنا هجيب حد يحبني ويخاف عليا زيك؟
قالت لي يا حبيبي دي سنة الحياة، وأنا نقيت لك عروسة بنت أصول، تتقي الله فيك وتصونك، من عيلة طيبة نعرفهم من زمان.
سبت نفسي لاختيار أمي، ولما رحت اتعرفت على البنت وأهلها، حسيت براحة غريبة في صدري؛ بنت ناس، ومتربية على الأصول والدين، وشكلها وش السعد عليا.
يوم كتب الكتاب، صممت إن الفرح يكون في مسجد كبير. كتبت كتابي وأنا حاسس إن ربنا بيعوضني عن كل الوجع اللي عيشته. وفي وسط الزحمة والمباركات، لقيت الباب بيتفتح، ودخل أبويا أحمد وهو ساند على عصايته وبيمشي بالعافية، وجايب معاه عيلته.
الجامع كله سكت للحظة، وعيني راحت تلقائي على أمي اللي كانت قاعدة في مكان الستات وراء الستارة.
أبويا قرب مني وعينيه بتلمع بالدموع، حضني وقال لي مبروك يا باشمهندس، مبروك يا ابن عمرى.. كان نفسي أكون أول واحد يبارك لك. في اللحظة دي، شوفت أمي بتتحرك من مكانها، قربت مننا وبصت لأبويا؛ نظرة مفيهاش عتاب ولا غل، نظرة كلها سلام داخلي وعفو خالص لوجه الله.
أمي بصت له وقالت بصوت هادي ومسموع الله يبارك فيك يا بو عادل.. عقبال ما تفرح بأولادك الباقيين.
أبويا وطى راسه، وبان عليه التأثر الشديد، وقال لها الله يكرم أصلك يا هدى.. أنتِ عيشتي راجل، وربيتي راجل، وأنا اللي خسرت.
اللقطة دي كانت هي المسك اللي قفل كل الجروح القديمة. مفيش أحضان مبالغ فيها، ومفيش رجوع لأيام زمان، بس كان فيه رضا وتسامح حقيقي، وتطبيق لقول الله تعالى وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
النهاردة، وأنا باخد مراتي في إيدي وبندخل شقتنا الجديدة، بصيت للسما وقولت الحمد لله.
الحمد لله اللي ألهمني الحكمة ومخلانيش أكون عاق لأبويا رغم قسوته، ولا جاحد لأمي اللي شقيت عشان برشتي تطلع للسما. القصص مبتبقاش دايماً وردية، والناس مش ملايكة، بس لما بنمشي بما يرضي الله وندور على الأصول، ربنا بيصفي النفوس وبيدي كل واحد على قد نيته.
أنا عادل.. ودي كانت حكايتي، حكاية صدمة هزتني، بس في الآخر صنعت مني الراجل اللي أنا عليه النهاردة.
ومرت السنين، وبقيت أب.. جالي ولد وبنت، وسميت الواد أحمد على اسم أبويا، والبت هدى على اسم أمي. في اليوم اللي شيلت فيه ابني الصغير بين إيدّيا، وسمعت أذان الفجر في ودنه، حسيت بوجع السنين كله بيدوب، وفهمت بجد يعني إيه كلمة أب وأم.. فهمت الخوف، والمسؤولية، والحرقة اللي بتبقى في قلب الأهل على عيالهم.
أبويا توفاه الله بعد جوازي بثلاث سنين، بس مات وهو راضي عني، مات وأنا واقف جنبه في مرضه الأخير وبدعي له. ساب لي ورث كبير، بس الورث الأكبر كان الدرس اللي اتعلمته منه إن الفلوس من غير لمة وعيلة ملهاش أي عازة.
أما أمي.. الست هدى، فدي بقى بقت بركة البيت. نقلتها تعيش معايا في بيتي الجديد، ومبقتش أسيبها تعمل أي حاجة. كبرت وبقت صحتها على قدها، وجسمها انحنى من شقى السنين، بس وشها لسه منور بالإيمان والنور.
في ليلة من
ليالي الشتا، وأنا راجع من الشغل تعبان وشايل هموم الدنيا، دخلت أوضتها لقيتها قاعدة على السرير وبتسبح. أول ما شافتني، ابتسمت الابتسامة اللي بتنسيني اسمي. قعدت تحت رجليها، وقولت لها تعبان يا أمي.. الحمل تقيل والدنيا بقت صعبة.
حطت إيدها المليانة تجاعيد على راسي، وطبطبت عليا وقالت بصوتها الحنين اللي يداوي العليل يا حبيبي، طول ما لقمة الحلال بتدخل جوفك، وطول ما أنت ساجد لربك، متخافش من حاجة. الدنيا دي دار ممر، والراجل بيبان في الشدة. أنا شقيت في صغري عشان أشوفك الراجل ده، ومستخسرتش فيك عمري.. ادعيلي بس يا عادل بالستر وحسن الخاتمة.
بست إيدها وراسها وقولت ربنا يبارك في عمرك يا ست الكل، أنتِ اللي عملتيني.
النهاردة، وأنا واقف وسط عيلتي، وباصص لأولادي وهم بيلعبوا حوالين جدتهم، عرفت إن الحكاية مكنتش مجرد دراما عائلية أو خناقة على ورق وفلوس. الحكاية كانت اختبار من ربنا ليا.. هل هختار القسوة والعند والقطيعة، ولا هختار الأصول والرحمة والبر؟
الحمد لله إني اخترت طريق ربنا. البيوت المهدودة مبتتبنيش بالغل، بتتبني بالتسامح وبأننا نعدي لبعض عشان المركب تمشي. أنا عادل، عيشت حكاية صعبة، بس نهايتها كانت رضا من ربنا، وراحة بال ملوش مثيل. ودي أقصى حاجة ممكن إنسان يتمناها في الدنيا.
الزمن جري بيا، ولقيت نفسي النهاردة بحتفل بمرور عشر سنين على تأسيس شركتي. الشركة كبرت وبقى ليها اسم محترم في السوق، ومكتبي مابقاش مجرد أوضة صغيرة، بقى مبنى كامل فيه شباب زي الورد بيشتغلوا وبيبنوا مستقبلهم.
في يوم الحفلة اللي عملناها بمناسبة النجاح ده، كنت واقف لابس بدلتي، وباصص للناس وللشركاء وهم بيهنوني. وفي وسط الزحمة دي، عيني راحت على ركن هادي في القاعة.. كانت قاعدة مراتي وصياني، وجنبها ابني أحمد وبنتي هدى اللي بقوا في الابتدائي، وفي النص كانت قاعدة الملكة بتاعتي.. أمي.
رغم تعب السنين ورغم إنها بقت بتحرك بكرسي متحرك، إلا إن عينيها كانت بتلمع بنفس الفخر والدموع اللي شوفتها في عينيها يوم تخرجي من اتنين وعشرين سنة.
سيبت كل رجال الأعمال والمهندسين والناس المهمة، ورحت مشيت ناحيتها. نزلت على ركبي قدام كرسيها وسط ذهول كل الموجودين في القاعة. مسكت إيدها وبستها وقولت لها بصوت مسموع الشركة دي، والنجاح ده، والاسم ده.. كله بتاعك أنتِ يا أمي. أنا مجرد ثمرة لشقاكي ودعاكي في جوف الليل.
أمي دمعت وطبطبت على كتفي وقالت رفع راسي يا ابن عمري، ربنا يجعلك دايماً سند للغلبان ويجعل مالك حلال ويزيدك من فضله.
في اللحظة دي، افتكرت أبويا أحمد.. افتكرت إني برضه مسبتش حقه؛ رحت لولاده إخواتي من أبويا ودخلتهم معايا شركاء في مشاريع تانية، ووقفت جنبهم لحد ما بقوا رجالة وواقفين على رجليهم. مخلتش الغل القديم يورث للجيل الجديد، وجمعت العيلة اللي كانت متفرقة، وبقوا أولادي وأولادهم عيلة واحدة بيحبوا بعض ويخافوا على بعض.
وأنا قاعد بالليل في بيتي، بعد ما هديت الدنيا، دخلت أوضة أولادي عشان أطمن عليهم وهم نايمين. بوست أحمد وبوست هدى، ولقيت نفسي ببتسم وبقول في سري يا رب أكون أب صالح ليهم زي ما أمي كانت أم صالحة ليا، ويا رب أطلعهم على الأصول والدين والحلال.
الحكاية اللي بدأت بكسرة قلب ودموع وصدمة يوم التخرج، انتهت بأكبر نصر ممكن إنسان يحققه في حياته.. نصر النفس على الشيطان، ونصر الرحمة على الانتقام. الدنيا مش دايماً بتديك اللي أنت عاوزه، ومفيش حد حياته كاملة، بس الشاطر هو اللي بياخد المحنة ويقلبها منحة بفضل ربنا.
أنا عادل.. ودي كانت حكايتي الكاملة. حكاية شاب مصري، أمه ربته على الحلال، وأبوه غلط بس رجع، وهو اختار إنه يعيش ب اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ.. والحمد لله رب العالمين على تمام النعمة وراحة البال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *