اشتغلت في الوظيفة 4
الفصل السابع
كانت ليلى أول واحدة وصلت لسليم قبل ما يقع على الأرض.
مسكت ذراعه بسرعة.
لكنها اتفاجئت بحاجة عمرها ما حسّتها قبل كده.
القوة.
رغم سنوات الشلل.
ورغم الضعف.
ورغم إن عضلاته كانت شبه ضامرة.
إلا إنه كان بيقاوم بكل ما يملك.
كان واقف بينه وبين الأرض إرادة رجل رافض يخسر ابنه للمرة التانية.
قال الطبيب بسرعة:
“ارجع للسرير فورًا.”
لكن سليم هز رأسه بعنف.
لأ.
لأول مرة من ثلاث سنين.
كان بيعبر عن رأيه بنفسه.
ولأول مرة شافوا الإصرار الحقيقي في عينيه.
جلس بصعوبة على حافة السرير.
وإيده بتترعش.
ثم مدها ناحية النوتة.
أعطته ليلى القلم.
وبدأ يكتب.
كل حرف كان بيخرج كأنه معركة.
لكن الجملة ظهرت في النهاية.
“هنلاقيه.”
نادر قبض على كتفه بقوة.
وقال:
“هنرجعه.”
لكن المشكلة كانت إن الفيديو ماكشفش مكان يوسف.
ولا أي معلومة واضحة.
بس في الخلفية كان فيه صوت.
صوت قطار.
وصوت صفارة طويلة.
وأصوات معدنية متكررة.
بعد ساعات طويلة من مراجعة الفيديو.
كانوا قاعدين في مكتب سليم القديم.
ليلى.
نادر.
خبير إلكتروني استدعاه نادر.
واثنين من رجال الأمن الموثوقين.
الخبير أعاد تشغيل الفيديو عشرات المرات.
وبعدين وقف الصورة فجأة.
وقرب جزء صغير جدًا من الخلفية.
ثم قال:
“استنوا.”
الجميع اقترب.
ظهرت لافتة صدئة على الحائط البعيد.
الكلمات كانت شبه ممسوحة.
لكن بعد تحسين الصورة ظهر جزء منها.
“… النصر للمعدات”
تبادلوا النظرات.
الخبير قال:
“دي غالبًا شركة قديمة أو مخزن صناعي.”
ثم أكمل البحث.
وبعد ساعات أخرى.
وصلوا لأول خيط حقيقي.
مخزن مهجور بالقرب من منطقة صناعية قديمة على أطراف القاهرة.
كان المكان قريب من خط قطارات شحن.
وده يفسر الأصوات اللي في الفيديو.
لكن نادر رفض التحرك فورًا.
قال:
“لو دخلنا بعشوائية هنق*تله بإيدينا.”
أما ليلى فكانت تفكر في حاجة تانية.
رامز.
كل ده ريحته ريحة رامز.
لكن في حاجة غلط.
رامز شخص ذكي جدًا.
أذكى من إنه يرسل دليل ممكن يقودهم للمكان.
إلا لو كان عايزهم يوصلوا.
وفي منتصف الليل.
كانت ليلى قاعدة وحدها في أوضة سليم.
القصر هادي.
والجميع نايم.
فجأة سمعت صوتًا خافتًا.
التفتت.
واكتشفت إن سليم بيحاول يتكلم.
شفايفه اتحركت.
مرة.
واتنين.
وصوت مبحوح خرج بالكاد.
“را…”
قربت منه بسرعة.
“إيه؟”
حاول مرة تانية.
العروق ظهرت في رقبته من المجهود.
ثم خرجت كلمة أوضح.
“رامز.”
شهقت.
لأنها أول كلمة نطقها منذ ثلاث سنوات.
لكن سليم لم يتوقف.
أخذ نفسًا مؤلمًا.
ثم قال بصوت متقطع:
“مش… لوحده.”
اتسعت عيناها.
“إيه؟”
لكنه كان منهكًا.
ورأسه سقط على الوسادة.
نام من شدة التعب.
أما ليلى فبقيت طول الليل تفكر.
رامز مش لوحده.
يعني في شريك.
حد أكبر.
حد أقوى.
حد كان موجود من البداية.
وفي الصباح.
وصلت مفاجأة جديدة.
أمينة.
الخادمة العجوز.
طلبت تتكلم مع ليلى لوحدهما.
أخذتها إلى غرفة صغيرة خلف المطبخ.
وأغلقت الباب.
ثم أخرجت ظرفًا قديمًا.
كانت إيديها بتترعش.
وقالت:
“أنا ساكتة من سنين.”
بصت ليلى للظرف.
“إيه ده؟”
نزلت دموع أمينة.
وقالت:
“ذنبي.”
ثم جلست.
وبدأت تحكي.
قبل الحادثة بأسبوع.
سمعت رامز بيتخانق مع شخص غريب داخل مكتب سليم.
الشخص كان بيهدده.
وبيطلب فلوس.
وكان بيقول جملة واحدة باستمرار.
“الوزير مش هيستنى.”
اتقبض قلب ليلى.
وزير؟
أي وزير؟
أمينة كملت:
“بعدها بيومين شفت رامز داخل القصر ومعاه شنطة مليانة أوراق.”
ثم سكتت.
وأضافت:
“وفي يوم الحادث… شوفت حاجة عمري ما نسيتها.”
بلعت ريقها.
وقالت:
“سليم كان مسافر بالطائرة لوحده.”
“أيوة.”
“بس قبل الإقلاع بنص ساعة رامز سلّم الطيار ظرف كبير.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
ثم قالت أمينة:
“بعد الحادث مباشرة اختفت كل كاميرات المطار.”
شهقت ليلى.
لأن الصورة بدأت تكتمل.
الحادث مدبر.
وفي ناس كبيرة متورطة.
أكبر من رامز.
بكتير.
لكن قبل ما تتكلم أي واحدة منهم…
سمعوا دوّي انفجار هائل هز القصر كله.
ارتجت الجدران.
وتكسرت بعض النوافذ.
وصراخ العاملين ملأ المكان.
جرت ليلى للخارج.
ونادر خرج من مكتبه.
والجميع اتجه نحو الحديقة.
ثم توقفوا فجأة.
مصدومين.
في وسط الحديقة.
كانت سيارة محترقة بالكامل.
والنيران ما زالت مشتعلة.
لكن المرعب لم يكن السيارة.
المرعب كان ما وجدوه بداخلها.
ج*ثة.
متفحمة.
وفي يدها خاتم فضي مميز.
خاتم يعرفه الجميع.
لأنه لا يملكه إلا شخص واحد.
رامز الحديدي.
لكن ليلى لم تصدق.
ولا نادر صدق.
ولا حتى سليم عندما أخبروه.
لأنهم جميعًا كانوا يعرفون شيئًا واحدًا.
رامز من النوع الذي يق*/تل الآخرين.
وليس من النوع الذي يموت بسهولة.
وفي نفس اللحظة التي كان الجميع ينظر فيها إلى السيارة المشتعلة…
كان رجل يجلس داخل طائرة خاصة متجهة خارج البلاد.
ينظر من النافذة.
ويبتسم.
وفي يده هاتف.
ظهرت عليه صورة ليلى.
ثم ضغط على زر الاتصال.
يتبع…
الفصل الثامن
في اللحظة اللي رن فيها هاتف ليلى، كانت واقفة وسط الحديقة والناس كلها متجمعة حوالين السيارة المحترقة.
الدخان كان لسه طالع.
وأصوات رجال الأمن والشرطة بدأت تملأ المكان.
بصت للشاشة.
رقم مجهول.
لكن قلبها قالها مين المتصل قبل ما ترد.
ضغطت زر الإجابة.
وجمدت مكانها.
الصوت اللي خرج من السماعة كان هادئًا جدًا.
هادئ بطريقة مخيفة.
“مساء الخير يا ليلى.”
اتقبض قلبها.
رامز.
حي.
طبعًا حي.
قالت ببرود وهي بتحاول تسيطر على نفسها:
“فين يوسف؟”
ضحك.
ضحكة قصيرة.
ثم قال:
“عجبني إن ده أول سؤال.”
سكت ثانية.
وأضاف:
“واضح إنك اتعلقتي بالعيلة أكتر من اللازم.”
كانت عايزة تصرخ فيه.
لكنها تماسكت.
“فين يوسف؟”
رد بهدوء:
“عايش.”
ثم أكمل:
“لحد دلوقتي.”
شعرت برغبة في خنقه بيديها.
لكنها استمرت في الكلام.
“إنت عايز إيه؟”
قال:
“الفلاشة.”
“مستحيل.”
ضحك مرة تانية.
وقال:
“يبقى عندك 24 ساعة.”
ثم أغلق الخط.
ببساطة.
كأن حياة إنسان مجرد موعد على جدول أعماله.
في نفس الوقت.
كان نادر بيتابع التحقيق في الج*ثة المحترقة.
وبعد ساعات قليلة ظهرت النتيجة.
الج*ثة ليست لرامز.
كانت لرجل مجهول.
تم وضع خاتم رامز في يده عمدًا.
تمامًا كما توقعت ليلى.
أما الخبر الأسوأ فجاء بعد ذلك.
كل الحسابات البنكية السرية بدأت تتحرك.
ملايين الجنيهات.
ثم عشرات الملايين.
ثم مئات الملايين.
كانت الأموال تُسحب بسرعة جنونية.
وكأن رامز بيهرب كل أثر له قبل الاختفاء النهائي.
لكن وسط الفوضى دي كلها.
حدث شيء أهم.
شيء لم ينتبه له أحد إلا ليلى.
سليم بدأ يتكلم.
في البداية كلمات متقطعة.
ثم جمل قصيرة.
ثم أصبح قادرًا على التعبير بشكل أفضل كل يوم.
كان كأن جسمه قرر أخيرًا يرجع للحياة.
وفي مساء اليوم التالي.
كانت ليلى قاعدة معه وحدهما.
فجأة قال بصوت مبحوح:
“آسف.”
رفعت رأسها بسرعة.
ابتسم ابتسامة ضعيفة.
وقال:
“ورطتك.”
نزلت دموعها دون إرادة.
لأنها لأول مرة تسمع صوته الحقيقي.
قالت:
“لو كنت مكانك كنت هعمل أكتر.”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“إنت أنقذتيني.”
سكتت.
أما هو فأكمل:
“كنت خلاص استسلمت.”
لأول مرة منذ سنوات.
شعرت ليلى أن الرجل الذي أمامها لم يعد مجرد مريض.
بل إنسان كامل.
رجل عاش سنوات من الرعب والعجز.
وشاهد أخاه يسرق حياته أمام عينيه.
وفي تلك الليلة.
وصلت رسالة جديدة.
لكن هذه المرة لم تكن إلى ليلى.
كانت إلى سليم نفسه.
رقم مجهول.
رسالة واحدة.
صورة واحدة.
فتحها.
فتغير لونه فورًا.
ليلى اقتربت بسرعة.
وشهقت.
الصورة كانت ليوسف.
لكنه لم يكن مقيدًا هذه المرة.
كان واقفًا.
حرًا.
وخلفه مبنى قديم.
لكن تحت الصورة جملة قصيرة.
“ابنك هيعرف الحقيقة كلها بكرة.”
سليم ظل يحدق في الصورة طويلًا.
ثم همس:
“لا.”
بدا عليه الذعر فجأة.
ذعر حقيقي.
قالت ليلى:
“إيه؟”
نظر إليها.
ثم قال جملة أربكتها تمامًا:
“يوسف… مش عارف الحقيقة كلها.”
“إزاي؟”
أغمض عينيه.
وقال:
“لأن الحقيقة أسوأ.”
اتسعت عيناها.
“أسوأ إزاي؟”
لكن قبل أن يجيب.
دق باب الغرفة بعنف.
دخل أحد رجال الأمن وهو يلهث.
وقال:
“لقيناه.”
وقف الجميع.
“مين؟”
“يوسف.”
سادت لحظة صمت.
ثم أكمل الرجل:
“بس في مشكلة.”
اتقبض قلب ليلى.
“إيه هي؟”
قال:
“مش لوحده.”
“مع مين؟”
نظر الرجل نحو سليم مباشرة.
ثم قال:
“مع الست اللي ربته طول عمره.”
سليم شحب وجهه فجأة.
لدرجة أن ليلى شعرت أن الرجل سيغمى عليه.
لأن الاسم الذي نطق به رجل الأمن بعد ذلك…
كان اسم امرأة يفترض أنها ماتت منذ ثلاث سنوات.
امرأة كانت السبب الحقيقي وراء كل ما حدث.
وقال الرجل:
“مع الدكتورة نادين.”
وفي اللحظة دي…
فهم سليم أن الماضي كله رجع من جديد.
وأن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد.
يتبع…