ضحكو على البنت2

الفصل الثالث

لم ينتظر سيف الحديدي الطلقة الرابعة.

في اللحظة التي دوى فيها صوت الرصاص الثالث جذب ليلى نحوه وانخفضا معًا خلف منصة الرقص الرخامية.

حولهم كانت الفوضى تبتلع القاعة.

نساء يصرخن.

رجال أعمال يندفعون نحو المخارج.

كؤوس تتحطم.

وأصوات حراس يصرخون في أجهزة الاتصال.

لكن وسط كل ذلك كان عقل سيف يعمل بهدوء مخيف.

قال بصوت منخفض

“كم شخص مع كريم؟”

أجابت فورًا

“على الأقل سبعة.”

رفع حاجبه.

“متأكدة؟”

“خمسة من الأمن واثنين من الإدارة المالية.”

سكت لحظة.

ثم سأل

“وعرفتي منين؟”

ابتسمت رغم الموقف.

“أنا محاسبة يا سيف.”

لم تكن مجرد محاسبة.

وكان يعلم ذلك الآن.

خلال ثلاث سنوات كانت ليلى ترى ما لا يراه الجميع.

الفواتير.

الحسابات.

التحويلات.

الأسماء.

المستندات.

الخيوط الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى شبكة كاملة من الأسرار.

وفجأة أضاءت أنوار الطوارئ الحمراء.

تحولت القاعة إلى بحر من اللون القاني.

وبين الظلال رأى سيف رجالًا يتحركون.

بعضهم يحاول الهرب.

وبعضهم يتحرك باتجاه محدد.

باتجاهه هو.

همست ليلى

“شايف الرجل اللي عند العمود؟”

نظر سيف سريعًا.

أومأ.

قالت

“مش ضيف.”

“إيه اللي خلاكي متأكدة؟”

“لأنه لسه لابس السماعة.”

تجمدت نظرات سيف.

كانت محقة.

الرجل كان يتظاهر بالذعر مثل الجميع.

لكن السماعة ما زالت في أذنه.

قالت ليلى

“في اتنين كمان.”

ثم أشارت بعينيها فقط.

سيف لمحهم فورًا.

الثلاثة يتحركون بطريقة واحدة.

ببطء.

وبثقة.

كأنهم يعرفون مكان هدفهم حتى وسط الفوضى.

قال سيف

“خليكي هنا.”

لكنها أمسكت ذراعه بقوة.

“لو خرجت لوحدك هتموت.”

نظر إليها.

كانت خائفة.

لكنه للمرة الأولى رأى أنها لا تخاف على نفسها.

كانت تخاف عليه.

وهذا أربكه أكثر من الرصاص.

فجأة ظهر شخص من الظلام.

رفع س*لاحه.

لكن قبل أن يضغط الزناد دوى صوت آخر.

طلقة دقيقة.

سقط الرجل فورًا.

التفت سيف.

فوجد كريم الجندي رئيس فريق الحراسة الاحتياطي يقف عند المدخل الخلفي.

كان يحمل بندقية قصيرة.

وخلفه أربعة رجال.

قال كريم بصوت مرتفع

“باشا ناحية المطبخ بسرعة.”

تحرك سيف فورًا.

وأمسك بيد ليلى.

ركضا وسط الفوضى.

عبر الطاولات المقلوبة.

وعبر الزجاج المتناثر.

حتى وصلا إلى ممر الخدمة الخلفي.

هناك فقط سمح سيف لنفسه بالتوقف.

التفت إلى كريم.

“مين معانا؟”

قال كريم

“الناس اللي لسه أوفياء.”

ثم أضاف

“لكن مش كتير.”

صمت الجميع.

الجملة كانت كافية.

الخيانة أعمق مما توقعوا.

فتح أحد الحراس جهاز الاتصال.

وجاء صوت متقطع.

“السيارات الخارجية اتاخدت.”

تجمدت الوجوه.

وقال آخر

“في ناس سيطرت على الجراج.”

همست ليلى

“قلتلك انقلاب.”

نظر إليها سيف.

ثم سأل

“إيه الجزء اللي لسه ماقولتيهوش؟”

سكتت.

لأول مرة منذ بداية الليلة.

سكتت فعلًا.

عرف سيف أن هناك شيئًا أكبر.

شيئًا أخفته حتى الآن.

اقترب منها خطوة.

“اتكلمي.”

نظرت إليه.

ثم قالت أخيرًا

“شريف الجندي مش عايز يقت*لك بس.”

“أمال؟”

أخذت نفسًا عميقًا.

وقالت

“هو عايز ياخد الشركة كلها.”

“وده معروف.”

هزت رأسها.

“لا.”

ثم أكملت بصوت أخفض.

“عايز ياخدها لأنه مقتنع إن الوريث الحقيقي للإمبراطورية موجود بالفعل.”

ساد الصمت.

حتى أصوات الفوضى بدت بعيدة فجأة.

ضاقت عينا سيف.

“إنتِ بتقولي إيه؟”

نظرت إليه ليلى مباشرة.

وقالت الجملة التي غيرت كل شيء

“في شخص بيقول إنه ابنك يا سيف.”

وتوقف الزمن للحظة.

الفصل الرابع

لم يتكلم أحد.

حتى أصوات أجهزة الاتصال انخفضت وكأن المكان كله تجمد عند الجملة الأخيرة.

في شخص بيقول إنه ابنك يا سيف.

ظل سيف الحديدي ينظر إلى ليلى عدة ثوانٍ.

ملامحه لم تتغير.

لكن كل من يعرفه كان سيدرك أن الهدوء الذي يسبق انفجاره أخطر من أي غضب.

قال أخيرًا

“أعيدي اللي قولتيه.”

أخذت ليلى نفسًا عميقًا.

“من حوالي ستة شهور بدأ يظهر اسم في ملفات شريف الجندي.”

“مين؟”

“شاب اسمه عمر.”

انتظر سيف.

فأكملت

“عمر عنده أربعة وعشرين سنة.”

“وبعدين؟”

“وشريف بيقدمه لبعض المستثمرين على إنه الوريث الحقيقي لعائلة الحديدي.”

ضحك أحد الحراس بتوتر.

لكن سيف لم يضحك.

أبدًا.

قال بهدوء مخيف

“وأنا المفروض أصدق الهبل ده؟”

ردت ليلى

“أنا كمان ما صدقتش.”

ثم أخرجت من حقيبة صغيرة كانت معلقة في معصمها فلاشة معدنية صغيرة.

وضعتها في يده.

“علشان كده بدأت أحقق.”

نظر إليها.

“من وراك؟”

ابتسمت.

“طبعًا.”

لأول مرة ظهر شيء يشبه الابتسامة على شفتيه.

شيء صغير جدًا.

ثم اختفى.

قال

“وإيه اللي لقيتيه؟”

ترددت للحظة.

ثم قالت

“لقيت إن أم الشاب ده كانت موظفة قديمة في مجموعة الحديدي.”

عقد حاجبيه.

“اسمها؟”

“نجلاء فؤاد.”

وفجأة تغيرت ملامحه.

لاحظت ليلى ذلك فورًا.

لاحظ الجميع.

كان الاسم يعني شيئًا.

شيئًا قديمًا.

شيئًا دفنه الزمن.

قال سيف بصوت منخفض

“مستحيل.”

سألت ليلى

“إنت تعرفها؟”

نظر بعيدًا للحظة.

ثم عاد بعينيه إليها.

“من خمسة وعشرين سنة كانت سكرتيرة أبويا.”

ساد الصمت.

ثم أضاف

“واختفت فجأة.”

شعرت ليلى بقشعريرة تمر في جسدها.

لأنها رأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل.

الصدمة.

قال كريم

“باشا إحنا لازم نتحرك.”

عاد سيف إلى الواقع فورًا.

أغلق يده على الفلاشة.

وقال

“هنطلع من الفندق الأول.”

أومأ الجميع.

لكن قبل أن يتحركوا دوى انفجار قوي في الطابق السفلي.

اهتزت الجدران.

وسقط غبار من السقف.

صرخت إحدى العاملات في الممر.

وأمسك الحراس أسلحتهم فورًا.

قال أحدهم عبر الجهاز

“الجراج انفجر.”

لعن كريم بصوت خافت.

أما ليلى فأغمضت عينيها للحظة.

كانت الخطة أكبر مما تخيلت.

أكبر بكثير.

قال سيف

“شريف مش بيلعب.”

رد كريم

“واضح.”

ثم أضاف

“بس في حاجة غريبة.”

نظر إليه سيف.

قال كريم

“لو شريف عايز يق*تلك كان ممكن يعملها من زمان.”

سكت الجميع.

لأنهم فكروا في نفس الشيء.

قال كريم

“كل الليلة دي فيها استعراض زيادة عن اللزوم.”

رفعت ليلى رأسها فجأة.

ثم اتسعت عيناها.

“يا نهار أبيض.”

نظر الجميع إليها.

قال سيف

“في إيه؟”

همست

“إحنا فهمنا الخطة غلط.”

اقترب منها.

“اشرحي.”

قالت بسرعة

“مش الهدف قت*لك.”

تجمد الجميع.

ثم أكملت

“الهدف يخلوك تختفي.”

ضاقت عينا سيف.

“يعني إيه؟”

“يعني العالم كله يصدق إنك مت الليلة.”

ساد صمت ثقيل.

ثم بدأت الصورة تتضح.

انفجار.

فوضى.

حريق.

محاولة اغتيال.

شهود.

فندق كامل مليان ناس.

إذا اختفى سيف الآن فالجميع سيفترض أنه مات.

وسيبدأ الصراع على الإمبراطورية فورًا.

قال كريم ببطء

“وابنه المزعوم يظهر.”

أومأت ليلى.

“ويبقى الوريث الوحيد.”

أغلق سيف عينيه لثانية واحدة.

ثم فتحهما.

وكانت البرودة التي بداخله كفيلة بإسكات الغرفة كلها.

قال

“يبقى شريف مش عايز يق*تلني.”

ثم ابتسم لأول مرة منذ بداية الليلة.

ابتسامة جعلت الحراس ينظرون لبعضهم بقلق.

وأضاف

“هو عايز يسرق حياتي.”

ثم رفع رأسه.

وقال بصوت ثابت

“وأكبر غلطة عملها إنه خلاني أعرف قبل ما يخلص اللعبة.”

في تلك اللحظة رن هاتف ليلى.

نظرت إلى الشاشة.

وتجمد الدم في عروقها.

لأن الرسالة كانت من رقم مجهول.

رسالة قصيرة مكونة من أربع كلمات فقط:

“قولي لجوزك الحقيقة.”

رفعت ليلى الهاتف ببطء.

أما سيف فانتزع الهاتف من يدها.

وقرأ الرسالة.

ثم التفت إليها ببطء شديد.

وقال

“إيه الحقيقة اللي لسه ما قولتيهاش يا ليلى؟”

وتحولت كل الأنظار إليها.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *