بابا 4

في تلك اللحظة الحرجة، ثبتت عقارب الساعة وكأن الزمن توقف داخل المدافن. برودة الأسلحة الآلية الموجهة نحو صدورهم لم تكن أشد برودة من الخيانة التي صدمت الضابط وحسام. العقيد شريف، الرجل الذي كان يُفترض أنه حبل النجاة، اتضح أنه ضلع آخر في نفس الشبكة الفاسدة، واليد الضاربة للمستشار فريد.

العقيد شريف اقترب خطوة، وانتزع الحقيبة القماشية من يد الضابط بعنف، ثم نظر إليها بانتصار وقال بنبرة متهكمة: “فاكرين نفسكم أبطال؟ الحوت الكبير مبيقعش بشريط كاسيت وشوية ورق.. أنتم دخلتم عش الدبابير برجلكم، والنهارده جثثكم هتتدفن هنا مع السر ده، وهيتكتب في التقرير إنكم اشتبكتم مع العصابة اللي قتلت مدحت ومتم في خدمة الوطن.. أهو تاخدوا شهادة وفاء بالمرة!”

شريف أخرج الولاعة، وضغط عليها لتخرج شعلة نار صغيرة، وقربها من الحقيبة ليحرق التسجيلات والأوراق فوراً أمام أعينهم.

حسام، أمين الشرطة، كان يتنفس بسرعة وعينه تلمع بذكاء ابن البلد الذي لا يستسلم بسهولة. لمح بطرف عينه الخبثاء أن أحد العساكر الأشداء التابعين لمديرية الأمن (والذين جاؤوا معهم في الميكروباص) كان لا يزال منبطحاً في الظل خلف سور المقبرة ولم تلمحه قوة العقيد شريف بعد، وإصبعه على زناد بندقيته الخرطوش.

حسام غمز للضابط بعينه، وفي أجزاء من الثانية، صرخ حسام بأعلى صوته ليشتت الانتباه: “يا فندم.. الثعبان ملوش أمان!”

ومع الكلمة الأخيرة، التفت العسكري المختبئ وأطلق دفعة خرطوش في الهواء أحدثت دوياً هائلاً هز أرجاء المقابر الصامتة، وتطاير الشرر في كل مكان.

الفوضى اندلعت في لحظة؛ تراجعت قوة العقيد شريف غريزياً هرباً من مصدر الصوت، والضابط استغل تلك الثانية الذهبية واندفع بكل قوته نحو العقيد شريف، وضربه بكتفه ضربة عنيفة أسقطت الحقيبة والولاعة من يده على الأرض.

حسام ارتمى على الأرض والتقط الحقيبة بسرعة، بينما انطلقت رصاصات عشوائية من رجال شريف تملأ الجو. الضابط صرخ في حسام والعسكريين: “على الميكروباص.. بسرعة!”

تراجع الضابط ورجاله وهم يطلقون النار للتغطية على انسحابهم، ونجحوا في ركوب الميكروباص المدني. حسام ضغط على دواسة البنزين بكل قوته، لتنطلق السيارة بأقصى سرعة وهي تطيح ببوابة المقابر الخارجية وسط وابل من الرصاص الذي اخترق الزجاج الخلفي للميكروباص.

بينما كانت السيارة تطير على الطريق الصحراوي المظلم هرباً من مطاردة سيارات الدفع الرباعي التي بدأت تلاحقهم، فتح الضابط الحقيبة وهو يلهث، وأخرج جهاز التسجيل الصغير وتأكد أنه لم يمسسه سوء.

لكنه لاحظ شيئاً لم ينتبه له في المقبرة؛ في قاع الحقيبة، كان هناك جيب سري مغلق بسوستة صغيرة.. سحبها الضابط ليجد بداخلها مفكرة صغيرة مكتوبة بخط يد المستشار فريد شخصياً، وفي الصفحة الأولى منها كانت هناك قائمة بأسماء الضحايا القادمين الذين سيتم تصفيتهم والاستيلاء على أملاكهم بنفس الطريقة بشبكة الكهرباء “الثعبان”.

انقبض قلب الضابط عندما قرأ الاسم الأول في القائمة.. لم يكن اسم رجل أعمال أو شخص غريب، بل كان الاسم: *الطبيبة “منى”.. خط نجدة الطفل*!

الشبكة كانت تخطط لتصفية الطبيبة التي استمعت لشهادة الطفلة شهد قبل أن تنطق بأي شيء للنيابة، والمصيبة الأكبر أن شهد والطبيبة كانتا في تلك اللحظة بمفردهما في المستشفى، ورجال العقيد شريف يملكون تصاريح لدخول أي مكان! تابعو صفحه رومانى مكرم

طار الميكروباص على الطريق الصحراوي وكأنه قذيفة في عتمة الليل، ورصاص سيارات الدفع الرباعي التابعة للعقيد شريف ينهش في جسد السيارة الصاج. حسام كان يصارع عجلة القيادة بيدين ترتجفان من الأدرينالين، بينما الضابط وعيناه مثبتتان على الاسم في المفكرة: *الطبيبة منى.. خط نجدة الطفل*.

“حسام.. اقلب على طريق المنصورية واطلع على مستشفى الأطفال فوراً!” صرخ الضابط وهو يغير خزنة مسدسه، “شرف وعصابته رايحين يصفوا الدكتورة منى والبنت شهد عشان يقفلوا المحضر تماماً!”

حسام انحرف بالسيارة بعنف على خط جانبي ضيق، تاركاً خلفه السيارات المطاردة التي لم تتوقع هذه المناورة المفاجئة في الظلام. الضابط أخرج هاتفه واتصل مباشرة برقم الدكتورة منى. رن الهاتف مرة.. واثنين.. وثلاثة، حتى جاء صوته خائفاً وهمساً: “ألو.. سيادة الضابط؟”

الضابط قال بسرعة ونبرة حاسمة: “دكتورة منى.. اسمعيني كويس ومتقاطعينش. أنتِ وشهد في خطر قاتل حالا. اطلعي من الأوضة فوراً واستخبي في أي مكان.. فيه قوة شرطة مزيفة هتوصل عندك خلال دقايق تصفيتكم!”

سمع الضابط عبر السماعة صوت شهقة رعب من الطبيبة، متبوعاً بصوت صرير باب غرفتها بالمستشفى وهو يفتح ببطء، ثم انقطع الخط تماماً!

في نفس اللحظة، كان الميكروباص يصل إلى البوابة الخلفية للمستشفى. ترجل الضابط وحسام يركضون في الممرات الطبية الهادئة، والأنوار الخافتة تضفي على المكان جواً من الموت المرتقب. وصلا إلى الدور الثالث حيث غرفة شهد، ليجدا ممرضتين ملقاتين على الأرض غائبتين عن الوعي إثر ضربات على الرأس، وباب الغرفة مشرعاً على مصراعيه.

داخل الغرفة، كانت الصدمة..

الدكتورة منى كانت مثبتة على كرسي، ومكممة الفم، وعيناها مليئتان بدموع الرعب. وأمامها، كان يقف رجل يرتدي معطفاً طبياً أبيض، لكن ملامحه القاسية وجسده الرياضي لا يمت للأطباء بصلة. كان يمسك في يده كابلاً كهربائياً أسود مجدولاً ينتهي برأس حديدي مروع.. “الثعبان الصغير”، نسخة محمولة من جهاز التعذيب الصامت تعمل ببطاريات ضخمة!

وعلى السرير، كانت الطفلة شهد منكمشة وهي تحتضن دبدوبها المقطع، صامتة تماماً كأنها اعتادت هذا المشهد البشع.

“اثبت مكانك!” صرخ الضابط وهو يوجه مسدسه نحو الرجل.

الرجل التفت ببرود وثقة غريبة، ولم يرتعش، بل ابتسم ابتسامة صفراء وقال بنبرة هادئة: “تفتكر هتلحق تضربني؟ الجهاز ده متوصل بلوحة إنذار الحريق للمستشفى كلها.. لو صباعي ارفع عن الزرار ده، ماس كهربائي هيولع في شبكة الأكسجين المركزية، والمستشفى باللي فيها هتبقى رماد في ثواني”.

في تلك اللحظة الحرجة، ظهر العقيد شريف من خلف باب الغرفة، وبصحبته ثلاثة مسلحين، ووجه سلاحه مباشرة لرأس حسام وقال بنبرة منتصرة: “سلم السلاح يا سيادة الضابط.. وسلمني الحقيبة والمفكرة. اللعبة انتهت.. والمستشار فريد باعت لكم سلام مخصوص!”

الضابط نظر حوله؛ محاصر من كل الاتجاهات، المستشفى مهددة بالانفجار، والطبيبة والطفلة تحت رحمة القتلة. لكن في عمق عيني الضابط، كانت هناك نبتة خطرة وخطة أخيرة لا تخطر على بال شيطان.

نظر للعقيد شريف وقال بنبرة هادئة ومزلزلة: “أنا هسلمك الورق يا شريف.. بس تفتكر المستشار فريد هيسيبك عايش بعد ما يعرف إنك فشلت تخلص علينا في المقابر، وإن كل الكلام اللي قلته في اللاسلكي متسجل لايف وصوتك واصل حالا لغرفة عمليات الأمن الوطني؟”

وقبل أن يستوعب العقيد شريف الكلمات، انطلق صوت جهاز اللاسلكي الخاص به فجأة، وجاء منه صوت هز كيان كل من في الغرفة.. صوت غاضب وآمر لم يكن سوى صوت وزير الداخلية شخصياً! تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء التاسع (الأخير)

كان صوت وزير الداخلية عبر اللاسلكي كصاعقة نزلت على رؤوس الجميع: *”العقيد شريف.. أنت وقوتك محاصرون بالكامل. أي حركة غبية منكم تعني تصفيتكم فوراً. سلم سلاحك حالا!”*

تصلب جسد العقيد شريف، والمسدس في يده بدأ يهتز للمرة الأولى. تراجع رجاله المسلحون خطوة للخلف وعلامات الرعب تكسو وجوههم. لم يكونوا يعلمون أن الضابط، منذ لحظة خروجهم من المقابر، كان قد قام بتحويل خط اللاسلكي السري لسيارة الميكروباص ليعمل كجهاز إرسال مفتوح ومباشر متصل بغرفة الطوارئ الرئيسية بوزارة الداخلية، مما جعل كل كلمة، وكل تهديد، وكل تفصيل عن “المستشار فريد” يُسمع على أعلى مستوى في الدولة.

استغل حسام، أمين الشرطة، لحظة الذهول والانهيار التي حلت بالعقيد شريف، واندفع كالفهد نحو الرجل الذي يرتدي معطف الطبيب ويمسك بـ”الثعبان الصغير”. بضربة سريعة ومتقنة من كعب مسدسه، أطاح حسام بالجهاز بعيداً عن لوحة الأكسجين قبل أن يضغط الرجل على زر التفجير، وثبّته على الأرض بمهارة.

في نفس الثانية، اقتحمت قوات العمليات الخاصة المقنعة نوافذ وأبواب الغرفة، وفي حسم لم يستغرق سوى ثوانٍ، كان العقيد شريف ورجاله ملقيين على الأرض والكلابشات الحديدية تقيد أيديهم، منكسي الرؤوس بعد أن سقطت عنهم أقنعة السلطة الزائفة.

الضابط تقدم نحو الدكتورة منى وفك وثاقها، بينما ركضت الطفلة شهد نحو حسام وارتمت في حضنه وهي تبكي لأول مرة بحرقة، لكنها كانت دموع الراحة.. دموع النهاية للكابوس الذي عاشت فيه. حسام ربت على ظهرها بحنان وقال لها: “خلاص يا شهد.. الثعبان مات ومحدش هيقدر يؤذيكي تاني أبداً”.

**بعد مرور ٢٤ ساعة..**

في مشهد هز الرأي العام والشارع المصري بأكمله، أصدرت النيابة العامة بياناً عاجلاً أعلنت فيه عن القبض على المستشار “فريد” المحامي العام، بعد أن تمت محاصرة مكتبه وتجريده من حصانته القانونية بناءً على الأدلة الدامغة والتسجيلات والمفكرة السحرية التي عثر عليها أبطال الشرطة في المقبرة.

الإمبراطورية السوداء تهاوت كأوراق الشجر في الخريف؛ وتم فتح كل الدفاتر القديمة وقضايا القتل والتزوير التي طمست لسنوات، وعادت الأملاك المنهوبة إلى أصحابها والورثة الشرعيين الذين مات آباؤهم بـ”عضات الثعبان” الغامضة.

داخل مكتب ضابط المباحث بمديرية الأمن، كان الضابط يجلس ومعه أمين الشرطة حسام، وأمامهم فنجانان من القهوة بعد رحلة كفاح مريرة لم يناموا فيها لـ 48 ساعة.

التفت حسام إلى الضابط وابتسم قائلاً: “الحمد لله يا فندم.. الحق ظهر، وشهد والدكتورة منى في أمان دلوقتي.. بس تفتكر بلدنا فيها تعابين تانية لسه مستخبية في الجحور؟”

الضابط أخذ رشفة من قهوته، ونظر إلى ملف القضية المغلق أمامه، ثم قال بنبرة واثقة وهادئة: “التعابين طول ما هي في الجحور ملهاش قيمة يا حسام.. والمهم إن طول ما فيه رجالة صاحية وبتتقي الله في شغلها.. أي ثعبان هيحاول يرفع راسه، هيداس بالجزمة ويموت في مكانه”.

**تمت بحمد الله..**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *