جوزي طلب يطلقني

جوزي طلب يطلقني في نفس اللحظة اللي أخته قالتلي فيها إني طمعانة في فلوسه… لكن محدش فيهم كان يعرف إن الفلاشة الصغيرة اللي خدتُها وأنا ماشية من البيت، هتخلي عيلته كلها تتمنى إن الليلة دي ما حصلتش.

—لو إنتِ كارهة عيلتنا أوي يا منى، اطلقي من أخويا وبطلي تعيشي على قفاه.

داليا قالت الجملة وهي مبتسمة بكل برود، كأنها ما رمتش قنبلة في نص سفرة العشا.

كنت واقفة شايلة صينية الفراخ اللي قضيت حوالي تلات ساعات في المطبخ عشان أجهزها.

اليوم ده كان المفروض يبقى من أسعد أيام حياتي.

بعد سبع سنين جواز، وكشوفات دكاترة، وشهور من الانتظار والخيبة…

كنت أخيرًا حامل في الشهر التاني.

وكنت مخططة أقول لجوزي، كريم، بعد العشا.

حتى إني اشتريت شراب بيبي صغير أبيض، وحطيته في علبة هدايا وخبيتها في أوضتنا.

لكن داليا وصلت بدري كعادتها.

دخلت البيت من غير ما تخبط، رمت شنطتها على الكنبة، وبدأت تتصرف كأن البيت بيتها.

وحماتي دخلت وراها، تلف بعينيها في كل ركن.

—السفرة لسه ملمسها مش نضيف… وداليا قالتلي إن التراب كان مالي البيت المرة اللي فاتت.

بلعت غثيان الحمل وسكت.

ولما كريم رجع، داليا ما ضيعتش وقت.

—كويس إنك جيت يا كريم. مراتك استلمت تلات كراتين النهارده. أنا مش بتدخل طبعًا… بس الفلوس مش بتطلع على الشجر.

بصلي كريم.

—اشتريتي إيه تاني؟

كنت عايزة أقوله الحقيقة.

فيتامينات للحمل.

هدوم مريحة.

وكتب عن الأمومة.

لكن داليا كانت بتبصلي كأنها مستنية مني غلطة.

—حاجات محتاجاها.

ضحكت بسخرية.

—محتاجاها؟ إنتِ أصلًا ما عندكيش شغل حقيقي. عايشة في بيت أخويا، بتاكلي من فلوسه، ولسه بتصرفي كأنك إنتِ اللي بتتعبي فيها!

حاجة جوايا اتكسرت.

—الفلوس دي كانت فلوسي أنا.

السفرة كلها سكتت.

حماتي تنهدت وقالت:

—الست الأصيلة ما تحسبهاش مع جوزها بالورقة والقلم.

بصيت لكريم.

استنيته يدافع عني.

يقول كلمة واحدة.

لكنه حط الكوباية على السفرة وقال بمنتهى البرود:

—لو هتفضلي تتكلمي بالطريقة دي… يبقى يمكن الطلاق أحسن.

حطيت الصينية قدامي.

وبصيتله.

—تمام. نتطلق.

وشه اتغير.

طلعت موبايلي وفتحت الفواتير قدامه.

—أنا اشتريت فيتامينات، وهدوم حمل، وكتب عن الأطفال… لأني حامل في الشهر التاني.

كريم وشه شحب.

أما داليا، فضحكت وقالت:

—وحامل من مين؟

بصيتلها.

وفي اللحظة دي، عرفت إن الليلة دي انتهت.

ما صرختش.

ما عيطتش.

وما استنيتش كريم يدافع عني.

دخلت أوضتي، لمّيت هدومي، وخدت علبة شراب البيبي من الدولاب.

لكن وأنا بقفل درج المكتب، عيني وقعت على فلاشة صغيرة سودا، مكتوب عليها اسم الشركة اللي كريم وأبوه وداليا شغالين فيها.

افتكرت إن كريم كان قالي قبل أسبوع:

—لو الفلاشة دي ضاعت، ناس كتير هتدخل السجن.

بصيت ناحية باب الأوضة.

وبعدين حطيتها في جيبي.

بعد عشر دقايق، خرجت بشنطتي.

كريم كان واقف في الصالة.

—منى… سيبي مفتاح البيت قبل ما تمشي.

حطيت المفتاح قدامه.

—حاضر.

داليا ابتسمت بانتصار.

وحماتي قالت:

—بكرة لما تهدى هتعرف إنها خسرت إيه.

بصيتلهم للمرة الأخيرة.

ومشيت.

لكن وأنا نازلة السلم، موبايلي رن.

رقم غريب.

رديت.

صوت راجل قال:

—مدام منى؟ إحنا بندور على الفلاشة اللي معاكي بقالنا تلات سنين.

وقفت مكاني.

—مين حضرتك؟

سكت ثانيتين.

وبعدين قال الجملة اللي خلت إيدي تبرد على شنطتي:

—أنا الراجل اللي جوزك وعيلته أعلنوا موته من خمس سنين… والمشكلة إنهم ما يعرفوش إني لسه عايش.

بصيت للفلاشة في إيدي.

وفجأة…

سمعت باب الشقة بيتفتح بعنف.

وصوت كريم بيصرخ:

صوت كريم وهو بيصرخ ورايا في السلم كان مليان ذعر مش بس غضب: “منى! اقفي مكانك! الفلاشة مش لعب، ارجعي البيت حالا!”
ما وقفتش. بالعكس، سرّعت خطوتي وخرجت للشارع. الجو كان بيمطر، والشوارع شبه فاضية. ركبت أول تاكسي قابلني، وقلت للسواق: “أي طريق بعيد عن المنطقة دي.. بسرعة!”
الموبايل في إيدي كان بيتهز من كتر الرسايل اللي كريم بيبعتها، بس تجاهلتها. الراجل اللي كلمني على الرقم الغريب بعتلي رسالة فورية: “لو عايزة تعيشي إنتي واللي في بطنك، ما تروحيش لأي قسم شرطة.. استني في المقهى اللي في أول الشارع، فيه عربية سودة هتجيلك.”
قلبي كان بيدق بسرعة، أنا اللي كنت من ساعة واحدة “زوجة مغلوبة على أمرها”، بقيت دلوقتي في نص لعبة حياة أو موت. وصلت المقهى، قعدت في ركن ضلمة، وطلعت الفلاشة وبصيت عليها. يا ترى إيه اللي جواها ويخلي عيلة كاملة تعيش في رعب؟
بعد دقيقتين، عربية سودة فخمة وقفت قدام المقهى. نزل منها راجل ملامحه حادة، عيونه فيها ذكاء وشر، وقرب ناحيتي. قعد قدامي وقال بصوت واطي: “أنا عارف إنك مصدومة. كريم وعيلته سرقوا “مستقبل” شركتي، ولفقوا لي تهمة إني مت من 5 سنين عشان يورثوا كل حاجة أنا بنيتها بدمي.”
بصيت له بذهول: “أنت مين؟ وليه أنا؟”
قال ببرود: “أنا “فارس المنصوري”. وأنتِ يا منى مش بس مراته، أنتِ الوحيدة اللي كان عندها “كود” الدخول للملفات اللي على الفلاشة دي، كريم كان بيستخدم بصمة صباعك وأنتِ نايمة عشان يفتح الملفات دي، بس ما كانش عارف إنك كنتِ بتفتحيها كمان.”
في اللحظة دي، سمعت صوت فرامل عربية كريم وهي بتوصل قدام المقهى. كريم وداليا نزلوا وهما بيجروا ناحيتي، داليا كانت بتزعق: “هاتي الفلاشة يا منى، إنتِ مش فاهمة إنتِ بتلعبي مع مين!”
فارس بص لي وابتسم: “دلوقتي.. عندك خيارين. إما تسلميهم الفلاشة وترجعي لحياتك الذليلة مع راجل بيخونك، أو تسلميهالي ونفتح ملفات الـ 5 سنين اللي فاتوا ونخليهم يدفعوا تمن كل دمعة نزلت من عينك.”
بصيت لكريم اللي كان بيقرب مني وشه أحمر من الغضب، وبصيت لفارس اللي كان مستني قراري. في ثانية، وقفت، وخدت قرار غير حياتي:
— “أنا لا عايزة كريم ولا عايزة حياته.”
مسكت الفلاشة ومديتها لفارس.. وفي نفس اللحظة، كنت بفتح “اللايف” على فيسبوك من موبايلي وبوجهه ناحيتهم كلهم!

الفيديو المباشر اللي عملته كان زي النار في الهشيم، داليا اتصدمت لما شافت عدد المشاهدات بيزيد بالآلاف، وحاولت تهجم على الموبايل، بس فارس المنصوري كان أسرع، وقف في وشها وقال بصوت جهوري: «كل حركة بتعملوها متصورة ومحفوظة، وأي محاولة اعتداء هتكون دليل إضافي ليكم في السجن.»
كريم وقف في مكانه، نظراته اتغيرت من الغضب للرعب، بص لي وقال بصوت مخنوق: «منى، أرجوكي.. داليا هي اللي ضغطت عليا، الفلاشة دي هتدمرنا كلنا!»
بصيت له بكل برود، ولأول مرة حسيت إني أنا اللي في إيدي القوة، قلتله: «الـ 5 سنين اللي كنت بتدعي فيهم إن فارس ميت، كنت بتسرق فيها مجهوده، وبتعيشني في وهم إنك سند.. أنا دلوقتي مش بس بسلم الفلاشة، أنا بسلم كل التسجيلات اللي عندي للشرطة اللي وصلت دلوقتي.»
سمعنا صوت سرينة البوليس بتقترب من المقهى. داليا وقعت على الأرض بتعيط، وحماتي -اللي كانت مستخبية في العربية- نزلت وهي بتصرخ بكلمات مش مفهومة. الشرطة طوقت المكان، وتم القبض على كريم وداليا بتهمة النصب، السرقة، والتآمر.
فارس بص لي وابتسم: «مش بس دمرناهم، إحنا استردينا كل قرش اتسرق من الشركة، وده حقك أنتِ وابنك اللي جاي، لأنك كنتِ الشريك الصامت في بناء الإمبراطورية دي.»
بعد الحفلة الكبيرة من التحقيقات، رجعت لبيتي.. بس مش البيت اللي كنت عايشة فيه، رجعت لبيت أهلي القديم، مكان ما بدأت حياتي قبل كريم. الفلوس اللي رجعت لي كفتني أبدأ مشروعي الخاص، والشرطة وفرت لي حماية لأن “عيلة المنصوري” بقت ورا القضبان بتواجه أحكام قاسية.
بعد شهور، كنت قاعدة في مكتبي الصغير، بقرأ كتاب عن الأمومة، وبحس بحركة البيبي جوه بطني. جالي تليفون من فارس: «منى، كل شيء انتهى، كريم وداليا خدوا أحكام طويلة، والشركة دلوقتي تحت إدارتي وإدارتك.»
قفلت التليفون، وبصيت من الشباك على الشارع، وشفت طفل صغير بيجري بيلعب. ابتسمت لنفسي.. أنا كنت فاكرة إن الطلاق نهاية العالم، بس اكتشفت إنه كان “البداية” لحياة جديدة، حياة مش مبنية على الكذب، حياة ملكي أنا وبس.
تمت الحكاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *