حكايات اماني السيد التالت

الناس بدأت تقف في الشارع وتتفرج، والهمسات بدأت تعلى حوالينا. منظر راجل واقف على ركبه وبيعيط وبيمسك في رجلي قدام شركتي كان كفيل يخلي الدم يهرب من عروقي، بس المرة دي مش من الصدمة ولا من الانكسار.. المرة دي من القرف والاشمئزاز.

بصيت لشكله المتبهدل، العكاز اللي ساند عليه، هدومه الدبلانة، ودموعه اللي نازلة تطلب السماح. افتكرت فوراً منظره من كام شهر وهو لافف إيده على وسط البنت وبينفخ الدخان في وشي بكل برود وبيقولي: “أنتِ كرت محروق بالنسبالي.. صفحة ورميتها في الزبالة”. سبحان مغير الأحوال، الزبالة اللي اتكلم عنها بقت هي حياته الحالية.

سحبت رجلي منه بعنف لورا، وقولتله بصوت حاد ومسموم هز المكان: “قوم.. قوم اقف على رجلك ومتعملش الشو الرخيص ده هنا! أنت فاكر إنك لما تذل نفسك قدام الناس هتعطف عليا؟ أنت خلاص مبقتش تحرك فيا شعرة واحدة، لا بحبك ولا بكرهك.. أنت بقيت بالنسبالي مجرد هوا”.

وقف بصعوبة وهو ساند على عكازه، وعينيه دبلانة ومليانة انكسار، وقال بنبرة تترجى: “أنا اتقهرت يا …، البنت دي طلعت عصابة هي وأخوها، نصبوا عليا في كل قرش حيلتي، ولما واجهتهم ضربوني وعملوا فيا عاهة في رجلي زي ما أنتِ شايفه ورموني في الشارع.. أنا خسرت كل حاجة، خسرت فلوسي وصحتي وكرامتي.. ربنا جاب حقك مني في الدنيا قبل الآخرة، بس أنا مش طالب منك غير إنك تسامحيني.. مش قادر أعيش والذنب ده حارق قلبي، أنا عرفت إنك اتكتب كتابك الأسبوع الجاي على رجل الأعمال اللي شغال معاكي.. أبوس إيدك سامحيني عشان أقدر أكمل اللي باقي من عمري”.

كلامه عن جوازي الجديد خلاني أبتسم ابتسامة ثقة وراحة. فعلاً، ربنا عوضني براجل بجد، بيحترمني وبيشيلني فوق راسه، عرف قيمتي من أول يوم ومستخصرش فيا الفرحة.

بصيت لطليقي للمرة الأخيرة، مكنش فيه في قلبي شماتة، كان فيه نوع من السلام النفسي الرهيب، لأن ربنا أثبتلي إن العدالة مبتاخدش وقت عشان تتحقق.

قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه المكسورة وقولتله بكل برود: “عايزني أسامحك؟ المسامحة دي بينك وبين ربنا، إنما أنا.. أنا بشكرك. بشكرك لأنك في اليوم ده وفّرت عليا سنين كنت هضيعها وأنا فاكرة إنك راجل وتستاهل. الحكاية خلصت، والصفحة دي مبقاش فيها سطر واحد فاضي يتكتب فيه اسمك.. اتكل على الله يا …، وشوف طريقك”.

لفت ضهري ودخلت مبنى الشركة، ومبصتش ورايا ولا خطوة. سبته واقف مكانه مع عكازه وندمه، يتجرع من نفس الكاس اللي سقاني منه، بس الفرق إن أنا قمت ووقفت على رجلي وبقيت بطلة قصتي، وهو هيفضل واقف مكانه بيتحسر على “الجميز” اللي طلع غالي وميطولوش غير ولاد الأصول.

دخلت مكتبي، وقعدت ورا مكتبي الكبير، أخدت نفس طويل وطلعت كارت دعوة الفرح بتاعي اللي هيقspecific الأسبوع الجاي.. بصيت لاسمي المكتوب بماء الذهب، وابتسمت وأنا حاسة إن اللي جاي كله خير، وإن الوجع القديم مبقاش أكتر من مجرد قصة بكتبها عشان الناس تتعلم منها..

لكن تليفون المكتب رن تاني، والسكرتيرة قالتلي بنبرة متوترة: “يا فندم.. فيه محامي بره طالب يقابلك ضروري، وبيقول إنه بيمثل عيلة كبيرة، ومعاه ورق يخص قضية قديمة طليقك كان مخبيها عليكي، والورق ده هيقلب كل الموازين…”

حسيت برعشة خفيفة مرت في ضهري أول ما السكرتيرة قالت الجملة دي. بصيت لكارت الفرح اللي في إيدي، وسألته نفسي: هو الماضي ده مش هيموت أبداً؟ كل ما أقول قفلت الصفحة، ألاقي السطور بتفتح نفسها من جديد.

أخدت نفس طويل وهديت نفسي، وقولت للسكرتيرة بنبرة ثابتة: “دخليه يا سمر”.

بعد دقيقة، دخل راجل في الخمسينات من عمره، وقور، لابس بدلة شيك جداً وفي إيده شنطة جلد سودا. انحنى باحترام وقعد على الكرسي اللي قدام مكتبي بعد ما أذنت له.

بصيت له وقولت بجدية: “أهلاً بحضرتك.. السكرتيرة قالت لي إنك محامي ومعاك ورق يخص طليقي.. أفهم إيه الموضوع؟ لأن أنا مبقاش يربطني بالبني آدم ده أي شيء”.

المحامي فتح الشنطة بالراحة، وطلع ملف أزرق وحطه قدامي على المكتب، وقال بصوت هادي ورزين: “أنا مقدر ده يا فندم، وعارف إنك ميعاد فرحك الأسبوع الجاي ومبروك مقدماً. أنا اسمي المستشار رفعت صبري، وبمثل ورثة الحاج عبد الحميد الرفاعي، الله يرحمه.. شريك طليقك القديم”.

سكت فجأة وكمل وهو بيشاور على الملف: “طليقك لما قالك إنه خسر فلوسه في المشروع القديم قبل ما تطلقوا، وإن البيت اللي انتوا كنتوا عايشين فيه والشركة اللي صفاها كانوا بسبب خسارة ديون.. الكلام ده كذب بنسبة مية في مية”.

حسيت بنبض قلبي بدأ يسرع تاني، وقولتله: “يعني إيه كذب؟ أنا شوفت ورق الحجز بعيني ساعتها!”

المستشار رفعت ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “ورق الحجز ده كان لعبة ومتفبرك بالاتفاق مع ناس تانية عشان يهرب فلوسه من الشراكة، والأهم من ده.. عشان يطلقك ويخرجك من حياته مكيش مليم ولا تطلبي مؤخر ولا نفقة ولا تاخدي نصيبك من الشقة اللي أنتِ كنتِ دافعة نص تمنها من ورث أبوكي! طليقك كان مخبي حساب بنكي بره مصر باسم البنت اللي كانت معاه في الكافتيريا، والحساب ده كان فيه ملايين.. الملايين دي هي اللي اتنصب عليه فيها بعد كده، يعني الفلوس اللي اتقهر عليها دي كانت أصلاً فلوسك وفلوس شريكه الله يرحمه”.

فتحت الملف بصدمة، وبقيت بقلب في الورق.. عقود شقاق قديمة، تحويلات بنكية بتاريخ قديم جداً وأنا لسه على ذمته، وتنازلات ممضية ومتبصم عليها من ورايا! الراجل ده مكنش مجرد ندل وخاين في المشاعر.. ده كان حرامي ومخطط لكل ده من سنين!

المستشار رفعت كمل: “الورثة لما عرفوا بالتلعيب دي بعد ما البنت وأخوها نصبوا عليه، رفعوا قضية، وإحنا تتبعنا الخيوط ولقينا إن من حقك قانوناً ترفعي قضية تبديد وحجر واسترداد أموال، والورق ده يوديه في داهية ويخليه يدفع لك تعويض يخليه يشحت بقية عمره.. أنا جاي أعرض عليكي التعاون، حقك وحق موكليني هيرجع”.

فضلت باصة للورق.. وافتكرت منظره بره من شوية وهو راكع على ركبه وبيبكي بيطلب السماح ويقول “الذنب حارق قلبي”.. هو مكنش ندمان على كسر قلبي، هو كان مرعوب لإن الخناق بدأ يضيق عليه والورق ده كان هيتكشف!

قفلت الملف براحة، وبصيت للمحامي وقولتله: “الورق ده هيفضل معايا.. وبكرة الصبح المحامي بتاعي هيتواصل مع حضرتك عشان ندمج القضيتين.. أنا مكنتش ناوية أأذيه وهو مكسور، بس اللي يسرق شقا عمري ويستغفلني السنين دي كلها، يستاهل القانون ياخد مجراه معاه لأخر نفس”.

المحامي قام وقف، وسلم عليا باحترام وخرج.

قمت وقفت وبصيت من الشباك، لمحته كان لسه قاعد على الرصيف بعيد مستني يمكن أحن وأبعتله قرشين. نزلت التليفون وطلبت أمن المبنى وقولت ببرود: “فيه راجل ساند على عكاز قدام البوابة.. خلوه يمشي فوراً وميوقفش هنا تاني”.

حسيت براحة مش طبيعية، ربنا مبيسبش الحقوق ناقصة.. بيجيبها كاملة لحد عندك.

فات الأسبوع، وجيه يوم الفرح..

القاعة كانت منورة، والكل فرحان، وأنا لابسة الفستان الأبيض اللي كان لايق عليا وكأني ملكة. جوزي الجديد مسك إيدي وباسها بكل حب واحترام، وبص في عيني وقال: “أنتِ أحلى حاجة حصلت في حياتي”.

ضحكت من قلبي وأنا حاسة إن الدنيا أخيرًا بتضحكلي..

وفجأة، وسط المعازيم والفرحة والرقص، دخل واحد من بره وجري على جوزي وهمس في ودنه بكلمتين.. وش جوزي اتقلب تماماً، وبصلي بنظرة غريبة ومربكة، وساب إيدي وخرج بسرعة من القاعة، وسابني واقفة في وسط الكوشة لوحدي والمعازيم كلها بتبص عليا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *