بعد بكرة أول يوم عيد الاضحى
بعد بكرا اول يوم عيد الاضحي كلمت جوزي وقولتلة هعزم بابا وماما عندنا وهعمل ليهم فخدة ضاني وفتة جنبها جوزي كتر خيرة معترضش وفعلا بدات اجهز للعزومة وتبلت الفخدة وحطتيتها في التلاجة وقولت بكرا اكمل باقي التجهيزات……
بغتح التلاجة ملقتش الفخدة بقيت هتجنن وبما ان حماتي عايشة معانا فروحت سالتها طنط كنت متبلة فخدة ضاني في التلاجة حضرتك شوفتيها….
قالتلي اه خدتها ودتها لبنتي عشان تعيد بيها قولتلها طنط انا كنت متبلاها عشان اعزم عليها اهلي اول بوم العيد دول ياما اكرموني ودي اقل حاجة اقدمها ليهم بعد ما كبروا ومبقوش يقدروا يعملوا حاجة لنفسهم قالتلي وبنتي متاكلش يعني قولتلها طنط بنتك مش محتاجة وجوزها ماشاء الله بيدبح كل سنة انا جايبة الفخدة دي من فلوسي محملتش جوزي اي حاجة عشان عارفة الظروف ردت بكل برود عليا وقالتلي ابوكي وامك اكلتهم ضعيفة انا طلعتلك كيس كفته ابقي اعمليه ليهم وبعدين عشان تحرمي تعزمي حد من غير ما تستأذنيني
انا بصتلها بذهول وقولت انا استأذنت جوزي وهو وافق وحضرتك علي عيني وراسي بس حضرتك هنا ضيفة عندي ودا بيتي
حماتي اتعصبت وردت وقالت انا ضيفة لا يا حبيبتي دا بيت ابني وانتي هنا اللي ضيفة فيه يعني لو قام طلقك دلوقتي وان شاء الله هخلية يعملها قريب هتخرجي برا البيت دا وملكيش حاجة فيه لانك لسة مخلفتيش
اعدت اعيط وبقيت منهارة من العياط علي قهرتي من كلام حماتي ليا وانها مستقلية باهلي واني مش هلاقي حاجة عليها القيمة اقدمها لاهلي اللي ياما تعبوا عشاني واكرموني وعلي فلوسي وتعبي اللي راحوا في الأرض
اعدت اعيط طول اليوم وافكار كتير تيحي في بالي لحد ما خطرت علي بالي فكرة اعملها اعلم حماتي بيها درس عمرها ما هتنساه وانها ازاي تحترم مشاعر الناس ومتجيش علي حق حد تاني وتخليها في حالها….
والفكرة كانت ……
…………….
والفكرة كانت إني لازم أرد اعتباري وأفرح أهلي، وفي نفس الوقت من غير ما أخرب بيتي أو أبان أنا الشريره قدام جوزي. دخلت أوضتي، مسحت دموعي، وفتحت الموبايل كلمت جزار معرفة وطلبت منه فخدة ضاني تانية، وحولتله تمنها فوراً من باقي فلوسي اللي كنت شايلاها، وقولتله يبعتهالي متبلة وجاهزة على التسوية الصبح بدري، وكلمت أهلي أكدت عليهم العزومة وأنا بحاول أداري كسرة نفسي في صوتي.
تاني يوم الصبح، كانت الفخدة الجديدة وصلت وحطيتها في الفرن، وريحتها قلبت الشقة، وحماتي كانت بتبصلي بذهول وهي شايفة اللحمة بتستوي ومستغربة أنا جبتها منين. عملت أحلى فوتوسيشن للأكل ونزلت الصور على جروب العيلة اللي فيه حماتي وبنتها وجوز بنتها، وكتبت: “أحلى فخدة ضاني لأغلى ناس في الدنيا، من خيري ومن فلوسي اللي شقيانة بيها، مش من خير حد تاني ولا بنقوط حد”.
على الساعة 4 العصر، الباب خبط، كنت فاكرة أهلي اللي وصلوا، فتحت لقيت جوز بنتها واقف، ووشه في الأرض وعرقان من الكسوف، وشايل في إيده الفخدة الأولانية زي ما هي متغلفة في صينية.
جوز بنتها (باحراج شديد): أنا أسف جداً يا مدام، والله ما كنت أعرف إن حماتي أخدت الفخدة دي من وراكي ومن تلاجتك، مراتي لسة قايلالي حالا ومكنتش أعرف إنها عزومة أهلك.. أنا راجل بدبح كل سنة وبيتي مستور، ومقبلش آكل لقمة مش بتاعتي أو جاية بقلة قيمة.. دي أمانتك، وحقك عليا وأنا أسف جداً نيابة عن حماتي ومراتي.
حماتي خرجت من الصالة على صوته، وشها جاب مية لون، وبقت واقفة متسمرة في مكانها مش عارفة تودي وشها فين من جوز بنتها اللي طلع أرجل منها، وبصتلي وهي هتموت من الغيظ بعد ما خطتها فشلت واتفضحت قدام نسيبها.
في اللحظة دي جوزي دخل من باب الشقة، شاف المنظر وشاف جوز أخته وهو بيرجع اللحمة، وبص لأمه اللي وشها بقى أصفر.
جوزي (بصدمة وعصبية): في إيه هنا؟ إيه اللي بيحصل دا يا أمي؟ أنتي أخدتي أكل من التلاجة ووديتيه لأختي من ورا مراتي؟ وكمان فخدة هي جيباها لأهلها؟
حماتي (بتلجلج وخوف): يا ابني أنا.. أنا قولت أختك أولى.. وأهلها أكلتهم ضعيفة..
جوزي (بمقاطعة وزعيق): أولى بإيه؟ أختي جوزها مالي بيتها خير! أنتي كدا بتصغرينا وبتصغري بيتي قدام الناس! مراتي مستأذناني ومكلفة العزومة دي من معاها عشان تكرم أهلها، تقومي أنتي تعملي كدا؟
جوزي بصلها بنظرة خذلان قوية، ولف ليا وقال وهو بيبوس رأسي قدامهم كلهم:
جوزي: حقك عليا أنا يا بنت الأصول، وأهلك فوق دماغي، والبيت بيتك وأنتي صاحبة مكان، ومحدش هنا ضيف غير اللي مش محترم صاحبة البيت.
حماتي سابتنا ودخلت أوضتها وهي بتجر أذيال الخيبة، بعد ما الدرس علّم عليها قدام ابنها وجوز بنتها، وعرفت إن البيت دا ليه صاحبة، وإن كرامة أهلي خط أحمر مش هسمح ليها ولا لغيرها تتخطاه.
………….
قعدت مع أهلي وجوزي، واليوم عدا في أحسن حال.. الضحكة كانت مالية الوشوش، وأبويا وأمي كانوا فرحانين بيا وباللقمة اللي قدمتها ليهم، وجوزي طول القعدة كان بيحاول يعوضني عن اللي أمه عملته، وكل شوية يرحب بأهلي ويشيلهم من على الأرض شيل.
حماتي مخرجتش من أوضتها طول اليوم، كانت قافلة على نفسها الباب من كسفتها بعد ما جوز بنتها صغرها قدام ابنها، وبعد ما شافت إن خطتها عشان تكسرني قدام أهلي اتقلبت عليها وطلعتني أنا الكسبانة وبنت الأصول في نظر الكل.
تاني يوم العيد الصبح، لقيت جوزي داخل عليا المطبخ وأنا بجهز الفطار، ملامح وشه كانت جادة بس فيها حنية وهدوء.
جوزي: أنا كلمت أمي يا حبيبتي.. وقولتلها إن اللي حصل دا مش هيتكرر تاني، وعرفتها إن ليكي ذمة مالية مستقلة، وبيتك ده خط أحمر ومحدش ليه يدخل في تلاجتك ولا في عزوماتك.. وقولتلها لو مش عاجبها الوضع، أنا مستعد أأجرلها شقة تانية قريبة مننا تعيش فيها براحتها عشان نحافظ على ودنا وميبقاش في مشاكل.
أنا (بهدوء وثقة): وهي قالت إيه؟
جوزي: عيطت وقالت إنها مكانتش تقصد، وإنها خلاص هتلتزم حدودها ومش هتدخل في أي حاجة تخصك تاني.. أنا عارف إن كلامها جرحك، بس أنا يهمني إنك تبقي عارفة قيمتك عندي، وإن البيت ده بيتك أنتي الأولى فيه.
في اللحظة دي، حماتي خرجت من أوضتها، كانت باصة في الأرض، وشها مكنش فيه البرود والعنجهية بتاعة أول امبارح، بالعكس.. كانت مكسورة ومحروجة. قربت مني ونطقت بالعافية وهي بتحاول تداري نظراتها:
حماتي: كل سنة وأنتي طيبة يا بنتي.. حقك عليا، أنا يمكن اتصرفت غلط، بس متشيليش مني.. البيت بيتك وأنا اللي ضيفة عندك فعلاً.
بصيت ليها وابتسمت ابتسامة هادية فيها عزة نفس، ومبينتش إني شمتانة، لأن تربيتي تمنعني أهين واحدة ست كبار، بس في نفس الوقت عرفت إن الدرس علم عليها، وإنها من اليوم ده هتعملي ألف حساب قبل ما تفكر تيجي على حقي أو تقلل من أهلي تاني.
……….
عدت الأيام، وبدأت حياتنا تاخد شكل جديد تماماً. حماتي لزمت حدودها وبقت تقعد في أوضتها معظم الوقت، ولما تخرج تتكلم بقمة الأدب والذوق، وكل خطوة تخطيها في البيت بقت بحساب. الدرس كان قاسي عليها بس كان لازم يحصل عشان المركب تمشي.
بعد حوالي شهرين من الواقعة دي، بدأت أحس بتعب وإرهاق غريب، ودوخة مش بتفارقني. جوزي أصر ياخدني ونروح للدكتورة، وهناك كانت المفاجأة اللي هزت كياننا من الفرحة.. الدكتورة بصت لنا وابتسمت وقالت: “مبروك.. مدام حامل في أول الشهر التاني”.
جوزي من الفرحة دمعته نزلت، وحضني قدام الدكتورة وهو مش مصدق نفسه، وأنا دموعي نزلت بس لسبب تاني خالص.. افتكرت جملة حماتي وهي بتقولي بكسرة نفس: “هتخرجي برا البيت دا وملكيش حاجة فيه لأنك لسة مخلفتيش”. سبحان الله، ربنا جبر بخاطري في الوقت المناسب وبأجمل هدية.
رجعنا البيت، وجوزي مكنش قادر يخبي الفرحة، أول ما دخلنا من الباب نده بعلو صوته: “يا أمي.. يا أمي تعالي اسمعي الخبر ده!”.
حماتي خرجت تخطى بخطوات بطيئة وهي مستغربة الفرحة اللي في صوته:
حماتي: خير يا ابني في إيه؟ فرحوني معاكم.
جوزي (وهو ماسك إيدي وفخور): مراتي حامل يا أمي.. ربنا كرمنا وهبقى أب، والبيت ده خلاص هيملى عليه حس عيل صغير.
وش حماتي اتلون بمليون لون، واقتربت مني وعينها فيها نظرة ندم حقيقية، وافتكرت طبعاً الكلام اللي قالتهولي زمان. مدت إيدها وأخدتني في حضنها، ولأول مرة أحس إن حضنها صادق ومش تمثيل.
حماتي (وهي بتبكي): مبروك يا بنتي.. مبروك يا صاحبة البيت وأم الغالي.. سامحيني يا بنتي على كل كلمة قولتها في حقك، ربنا يعلم إني ندمت، والطفل ده هييجي يربط قلوبنا كلنا.
بصيت ليها وهزيت رأسي وصَفيت من ناحيتها، لأن ربنا جابلي حقي لحد عندي وزيادة. ومن اليوم ده، بقيت أنا الكل في الكل في بيتي، معززة مكرمة في عين جوزي، ومستورة ومحبوبة، وعرف الكل إن اللي بييجي على الولايا والغلابة، ربنا بيجيب حقهم ولو بعد حين.
حكايات انجى الخطيب
ومع وصول البيبي الجديد، الحياة اتدلت تماماً وبقت الهدايا والخير مالين البيت. حماتي اتغيرت 180 درجة، وبقت هي اللي بتدلعني وتشيل عني الشغل، وكل ما تشوفني تقول للبيبي: “يا واد يا ابن الغالية، يا ابن صاحبة البيت”.
في يوم، كنا قاعدين بنشرب الشاي بعد الغدا، وأنا شايلة ابني “يوسف” على رجلي، وجوزي قاعد جنبي باصص لنا بحب، وحماتي قاعدة على الكنبة التانية بتلاعب الواد وبتضحكله.
حماتي (وهي بتطبطب على رجلي): تعرفي يا بنتي.. أنا ساعات بقعُد بيني وبين نفسي وأقول، الحمد لله إن ربنا هداني وخلاني أصلح غلطتي معاكي.. أنا كنت هضيع ابني وبيته بغشوميتي.
أنا (بابتسامة صافية): خلاص يا طنط، اللي فات مات، وإحنا أولاد النهارده.. ربنا يخليكي لينا وتفرحي بيوسف وهو بيكبر قدامك.
جوزي (وهو بيطبطب على كتف أمه وبيتسم لـيا): البيوت دي أصول يا أمي، واللي يعيش بالأصول وعينه مليانة، ربنا دايماً بينصره وبيكرمه.. وإنتي يا حبيبتي كنتي وبقيتي وبنت أصول، وجميلك ده فوق راسي ليوم الدين.
بصيت لـ يوسف وهو نايم في حضني بسلام، وحسيت بنصرة ربنا وجبر خاطره ليا.. الفخدة الضاني اللي كانت سبب في خناقة وكسرة نفس، بقت هي السبب اللي فوق الكل وعرّف كل واحد حجمه وقيمته. خرجت من الأزمة دي مش بس كسبانة بيتي وجوزي، لأ.. كسبانة احترامي ونفسي، وأهلي راسهم مرفوعة، وحماتي بقت بتعملي ألف حساب وحساب.. والأهم من كل ده، إن بيتي اتقفل علينا بالحب والأمان، وبقى عندي طفل بيملا الدنيا عليا، وعرفت إن الست الذكية هي اللي تاخد حقها بأدب، وتحافظ على كرامتها من غير ما تهد بيتها.
…………
ومرت السنين، ويوسف كبر وبقى عنده خمس سنين، وبقى مالي البيت حيوية وشقاوة، وربنا كرمني بعده ببنوتة زي القمر سميتها “نور” على اسم أمي. الشقة اللي كانت زمان هادية وفيها توتر، بقت طول النهار مليانة بصوت ضحك العيال ودب حركتهم في الصالة.
في يوم وقفة عيد الأضحى، كنت واقفة في المطبخ بجهز برضه لعزومة أول يوم العيد، وبتبل الفخدة الضاني اللي جوزي جابها المرة دي بنفسه ومن فلوسه، وهو بيقولي: “دي لأحلى حموات في الدنيا، لازم نكرم أبوكي وأمكي زي كل سنة”.
لقيت حماتي داخلة عليا المطبخ، سانده على عصايتها وصحتها على قدها، بس ملامحها رايقة وهادية. بصت للرخامة وبصتلي وابتسمت ابتسامة فيها ذكريات كتيرة.
حماتي (بصوت حنين وفيه بحة تعب): بتعملي إيه يا أم يوسف؟ بتجهزي للفخدة بتاعة بكرا؟
أنا (بابتسامة): آه يا طنط، بتبلها من دلوقتي عشان تشرب التتبيلة وتبقى جاهزة على التسوية الصبح بدري زي ما بتحبيها.
حماتي (قربت مني وطبطبت على كتفي): تسلم إيدك يا بنتي.. ربنا يجعله عامر بيكي وبحسك.. تعرفي، كل ما بيجي العيد ده بفتكر اللي عملته زمان، وبقول سبحان العاطي الوهاب، ربنا رزق ابني ببنوتة أصول زيك، لو واحدة غيرك كانت خربت البيت وشالت الحقد في قلبها، لكن أنتي كبرتي بيا وبابني.
أنا: يا طنط خلاص، ده كلام فات عليه سنين، وإحنا قفلنا الصفحة دي من زمان، وأنتي دلوقتي مقامك مقام أمي.
حماتي (ودموعها لمعت في عينها): ربنا يجبر بخاطرك.. أنا بس قولت أطلعلك الكيس ده من تلاجتي أنا، قولت يمكن ينفعك جنب الأكل بكرا.
بصيت في إيدها، لقيتها مطلعالي كيس فيه لحمة مفرومة متعصجة جاهزة وجنبها لفة رقاق ناشف.
حماتي: قولت أعمل معاكي الواجب، وأهو أساعدك في صينية الرقاق عشان متتعبيش لوحدك مع العيال.. ومحدش هيمد إيده على تلاجتك تاني واطمني، تلاجتك دي خط أحمر ومملكتك لوحدك.
ضحكنا إحنا الاتنين من قلبنا، والضحكة دي كانت غاسلة كل رواسب الماضي. في اللحظة دي دخل جوزي وهو شايل يوسف ونور على كتافه وبيضحك، وبص للمنظر واستغرب لمتنا وضحكنا.
جوزي: أيوة بقى.. السر إيه؟ بتخططوا لإيه من ورايا في المطبخ؟
حماتي: بنخطط للخير يا قلب أمك.. بنجهز لأحلى عزومة لأغلى ناس، وعقبال كل سنة والبيت ده مفتوح بصاحبته وبخيرها.
جوزي بصلي بنظرة كلها فخر وامتنان، نظرة بتقول “شكراً إنك صونتي بيتي وعرضي واستحملتي لحد ما بقيت هنا”. حسيت وقتها براحة نفسية مفيش بعد كده، وبقيت متأكدة إن الست اللي بتصبر وبتشغل عقلها بحكمة ومن غير غشومية، ربنا مش بس بيجيب لها حقها، ده بيكتب لها النصر والسيادة في بيتها، وتعيش العمر كله ملكة مرفوعة الرأس.
……….
يوم العيد الصبح، البيت كان أشبه بخلية نحل. ريحة الفخدة وهي في الفرن مع الرقاق باللحمة المفرومة كانت قلابة الدنيا، والعيال لابسين لبس العيد وبيجروا في الصالة وفرحانين. على الساعة واحدة الظهر، الباب خبط، جريت فتحت وأنا قلبي بيرقص من الفرحة.. أبويا وأمي واقفين وعلى وشوشهم أحلى ابتسامة.
أمي (وهي بتبوسني): كل سنة وأنتي طيبة يا قلب أمك، البيت منور بأهله.
أبويا (وهو بيطبطب عليا): كل سنة وأنتي طيبة يا بنتي، ربنا يجعله بيت كرم وعز دايماً.
دخلوا الصالة، وجوزي استقبلهم بالترحاب وباس إيد أبويا، وحماتي قامت بالعافية وسندت على عصايتها وقربت من أمي وأبويا وسلمت عليهم بحرارة تانية خالص غير زمان.
حماتي: منورين بيوتكم يا حاج.. أهلاً بيك يا أمي، خطوة عزيزة والله، العيد ميكملش من غيركم.
أبويا: ده بنورك يا ست الكل، ربنا يخليكي لينا ويديكي الصحة.
قعدنا كلنا على السفرة، وحطيت الفخدة الضاني في النص وحواليها صواني الرقاق والفتة بالخل والتوم. المنظر كان يشرح القلب. جوزي بدأ يقطع من الفخدة ويحط في أطباق أبويا وأمي وهو بيقولهم: “كلوا يا جماعة، دي معمولة مخصوص عشانكم ومن إيد ست الكل”.
حماتي بصت لأبويا وأمي وقالت بصوت مسموع للكل:
حماتي: كلوا بألف هنا وشفا.. اللقمة دي معمولة بنفس راضية وبفلوس حلال، ومن إيد بنت أصول بجد.. أنا عشت وشوفت بنات كتير، بس زي أم يوسف في أدبها وحكمتها وبُعد نظرها ماشوفتش.. أنتوا كبرتوا وربيتوا صح، ودي السند الحقيقي لابني في الدنيا.
أمي دمعت من الفرحة وبصتلي بنظرة فخر، وأبويا ابتسم وقال: “الحمد لله، إحنا مطلعناش برا البيت، ودي تربيتنا ومبادئنا”. جوزي من تحت السفرة مسك إيدي وضغط عليها بإمتنان، وكأنه بيقولي “شكراً إنك رفعتي راسي ووحدتي عيلتي”.
في اللحظة دي، وأنا باصة للمة دي كلها، ولحماتي اللي بقت تمد إيدها تأكل يوسف ونور وتضحك معاهم، ولأهلي المعززين المكرمين في بيتي، عرفت إن الصبر أخرته جبر كبير قوي من ربنا. القصة مكنتش مجرد فخدة ضاني اتأخدت، القصة كانت امتحان من ربنا ليا، ولما نجحت فيه بالصبر والأصول، ربنا سخرلي قلوب الكل، وبقيت عايشة في بيتي ملكة، والكل بيعملي مية حساب.
……..
وبعد ما خلصنا أكل، ولمينا السفرة، دخلت المطبخ أعمل الشاي بالنعناع اللي أبويا بيحبه. وقفت ثواني أبص من شباك المطبخ على الصالة.. شوفت أبويا وهو قاعد بيضحك من قلبه وجوزي ساند ضهره عليه وبيسمعه باهتمام، وشوفت أمي وحماتي قاعدين جنب بعض على الكنبة بيقشروا فاكهة للعيال ويوسف ونور عمالين يتنططوا حواليهم ويمالوا البيت فرحة.
جوزي دخل عليا المطبخ، وقف ورايا وطبطب على كتفي وحط إيده في جيبه وطلع علبة قطيفة صغيرة حمراء، فتحها لقيت فيها غويشة ذهب بتلمع.
جوزي (بابتسامة مليانة حب): دي حاجة بسيطة كدا بمناسبة العيد، وتعويض عن أي لحظة زعل شوفتيها في البيت ده بسببي أو بسبب أمي.
أنا (بدموع فرحة): ربنا يخليك ليا يا حبيبي، أنا مش عايزة حاجة غير وجودك جمبي وإنك دايماً سندي.
جوزي: أنتي اللي سندتيني وصونتي بيتي يا بنت الأصول.. الغويشة دي من فلوسي، بس قيمتها متجيش جمب قيمتك في قلبي وفي البيت ده.
لبست الغويشة وخرجت وأنا شايلة صينية الشاي، وأول ما دخلت الصالة، حماتي لفت وبصت لإيدي وشافت الغويشة، ابتسمت من قلبها وقالت: “تتربى في عزك يا بنتي، وتعيشي ويجيبلك.. أنتي تستاهلي دهب الدنيا كله”.
أبويا رفع رأسه وبصلي وابتسم ابتسامة رضا، وطبطب على رجلي وقال: “ربنا يسعدك يا بنتي، طول عمرك مبركة ومحل ما بتحطي رجلك الخير بيزيد”.
في اللحظة دي، حسيت إن قصة الفخدة الضاني اللي بدأت بكسرة نفس وعياط في المطبخ، انتهت بأجمل نهاية ممكنة.. نهاية مفيهاش خراب ولا طلاق ولا حقد، نهاية كلها أصول وحكمة. اتعلمت إن الست الذكية مش هي اللي بتعلي صوتها أو تخرب بيتها عشان تاخد حقها، الست الذكية هي اللي بتعرف تكسب جوزها وتجبر الكل على احترامها بأدبها وصبرها.. وبقيت قاعدة وسط أهلي وجوزي وعيالي، وأنا حاسة بقمة النصر والرضا، وراسي مرفوعة في السما، وعارفة إن بيتي ده هيفضل دايماً عامر بالحب والأصول.
تمت
حكايات انجى الخطيب