بعد سنة من طلاقى
بعد سنة من طلاقي، حماتي القديمة شافتني في العيادة وبصتلي بابتسامة شماتة من فوق لتحت. وقالتلي إن ابنها عرف يختار لما سابني وبيربي دلوقتي بنت مع صاحبتي السابقة. فضلت هادية، وابتسمت وقلتلها: “إنتي فاكرة كده؟” فجأة دخل راجل العيادة، ووشها صدمة واصفرّ تمامًا.
بعد سنة من الطلاق، طليقتي السابقة شافتني في أوضة الانتظار في “مركز النيل للحقن المجهري” في المهندسين.
”الحاجة فادية” كانت لابسة الدهب ومغرقا نفسها بريفان، وبنفس نظرة الشماتة اللي بصتهالي في المحكمة لما ابنها “أحمد” قال إن حياتنا كانت “جافة ومفيش تفاهم”. مكنتش شفتها من يوم جلست الطلاق، لما خدت “مي” —اللي كانت أعز صاحبة ليا— في حضنها قدام عيني.
فادية وقفت جمب الكرسي بتاعي وبصتلي من فوق لتحت.
وقالت بصوت عالي عشان موظفة الاستقبال تسمع: “يا محاسن الصدف! مش معقول!”
قَفلت الملف اللي في إيدي: “أهلاً يا طنط فادية.”
ابتسامتها وسعت أكتر: “سمعت إنك لسه قاعدة لوحدك؟”
مسكتش ومردتش عليها.
عنيها كانت بتلمع بالغل والشماتة: “أهو أحمد ابني ربنا نصره لما سابك. دلوقتي بيربي بنت زي القمر مع مي.. بقى عنده عيلة بجد، الحاجة اللي عمرك ما عرفتي تديهالها.”
زوري اتخنق، بس مخلتش ولا حركة في وشي تبين ضعفي.
أنا وأحمد قعدنا سنين نلف على الدكاترة عشان نخلّف. عشنا أيام صعبة بين حقن، وعمليات تفشل، وديون، ووجع قلب، وشيلنا أجنّة مجمدة في المركز ده. بعد آخر إجهاض ليا، أحمد بدأ يبعد، ومي بدأت “توجب وتساعد”. والمساعدة قلبت بمكالمات بليل، والمكالمات قلبت بطلاق.
بعد 6 شهور من الطلاق، مي أعلنت إنها حامل!
وفادية كانت بتقول للناس كلها إنها “معجزة من ربنا”.
وأنا نفسي صدقت، لحد ما وصلني إيميل بالخطأ من حسابات المركز على إيميلي القديم.. كانت فاتورة لتاريخ نقل أجنّة بعد أسبوعين بالظبط من يوم ما رفعنا قضية الطلاق!
جنيني أنا.
بإمضتي أنا وموافقتي.
بس أنا عمري ما أمضيت على الورقة دي!
عشان كده لما فادية قربت مني وهمست: “البنت دي دليل إن ابني اختار صح”، ابتسمت ببرود وقلتلها:
”إنتي فاكرة كده فعلاً؟”
وقبل ما تنطق، باب المركز اتفتح.
دخل راجل طويل لابس بدلة كحلية، وفي إيده حرز مقفول ومختوم بشمع أحمر. فادية لفت، وأول ما شافته الدم هرب من وشها.
كانت عارفاه كويس.. العيلة كلها كانت عارفاه.
المقدم “عمر الصاوي” من مباحث الأموال العامة، اللي كان حقق قبل كده مع شريك أحمد في قضية نصب. مشي خطوتين ناحيتنا، هز راسه ليا كتحية، وبعدين بص لفادية.
وقالها: “يا مدام فادية.. كويس إنك هنا بالمرة.”
فادية قفشت في شنطتها برعب: “خير يا فندم؟ أنا إيه اللي جابني في الكلام؟”
المقدم عمر رفع الحرز في وشها:
”عشان بنت ابنك اللي لسه مولوة، اتعملت بأجنة مجمدة تخص مدام “شيرين” (اللي هي أنا).. وفيه تزوير واضح في استمارة الموافقة والإمضاءات.”
الصمت حلّ على المكان كله، ومفيش نفس طالع.
بصيت لفادية وقلتلها: “ها.. لسه شايفة إنه عرف يختار؟”….
فادية قعدت على الكرسي كإن رجليها فجأة مابقتش شيلالها. ولأول مرة، مكنش عندها أي شتيمة جاهزة، ولا تعليق غلس، ولا حتى ابتسامة خباثة.. بَقها اتفتح واتقفل كذا مرة، ومفيش أي كلمة طلعت.
المقدم عمر حط حرز الأدلة على الكرسي اللي جمبي. جوه الحرز كان فيه صور من استمارة الموافقة، وسجل عملية النقل، وتفويض التخزين، وتقرير مصلحة الطب الشرعي المبدئي لخبير الخطوط اللي المحامي بتاعي طلبة. الإمضاء اللي تحت كان المفروض إنها إمضتي أنا.
كانت شبهها جدًا..
وده بالظبط المرعب في الموضوع.
فيه حد قعد يدرس خط إيدي وفضل يقلد شكل اسمي، واللفة بتاعة حرف الشين في “شيرين”، والشرطة الطويلة اللي تحت اسم العيلة “سلطان”. بس هما نسيوا حاجة واحدة.. أنا دايماً في الأوراق الطبية والرسمية بكتب اسمي ثلاثي “شيرين أحمد سلطان” لأن المركز طلب كده من أول عملية حقن مجهري عملناها.
الورقة المزورة مكنش فيها الإسم الثلاثي.
فادية برقت للحرز وقالت: “دي مسائل عائلية خاصة وبيوت مقفولة على بعضها.”
قلت لها: “لأ.. مابقتش خاصة من أول ما حد استخدم الجنين بتاعي من غير إذن وموافقة مني.”
وشها اتنفض لما سمعت كلمة “بتاعي”.
بقالها سنة بتلف بالبنت دي في كل حتة كإنها كسبت جايزة. عمالة تنزل صور للبنت “ليلى” وتكتب عليها “عوض ربنا، والفرصة الثانية، والحب الحقيقي”. كانت بتقول على مي إنها “مرات الابن اللي كانت بتتمنالها طول عمرها”، وكانت بتلمح إني مابخلفش من غير ما تقول الكلمة صريحة.
بس ليلى مكنتش دليل على إن مي كسبت..
ليلى كانت الدليل على إن أحمد سرق آخر حتة باقية مني بعد ما كسر كل حاجة تانية فيا.
المقدم عمر سأل فادية لو كانت هي اللي وصلت مي للمركز يوم العملية. فادية ردت بسرعة وبإنكار: “لأ طبعاً.”
فجأة طلع صورة من الحرز.
كانت لقطة من كاميرات المراقبة بتاعة جراج المركز.. عربية فادية “المرسيدس الفضّي” كانت راكنة على بعد خطوتين من الباب، والوقت والتاريخ اللي على الصورة كان متطابق بالدقيقة مع يوم العملية.
شفايفها ابيضت من الخضة.
همست برعب: “أنا.. أنا كنت موصلاها بس.”
المقدم عمر قالها: “يعني كنتِ عارفة إن أحمد بيستخدم أجنّة من جوازه السابق؟”
زعقت وهي مش دريانة بنفسها: “كنت عارفة إن ليهم أجنّة متشالة هنا!”.. وقفت الكلام بس بعد ما الفأس وقعت في الرأس وفهمت هي قالت إيه.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
بقالي شهور بسأل نفسي: هل فادية كانت عارفة؟ أحمد ممكن يكون أناني، بس فادية طول عمرها هي العقل المدبر.. هي اللي وزّته يسيبني، وهي اللي قالتله إني “مابقتش صالحة” بعد الإجهاض المتكرر، وهي اللي كانت بتعزم مي على غدا يوم الأحد قبل ما طلاقي يخلص أصلاً.
ودلوقتي.. جالي الرد.
مدير المركز، الدكتور سامح رأفت، دخل أوضة الانتظار وطلب مننا ندخل مكتبه، ووشه كان شايل همّ كبير. قال إنه مش هيتكلم في تفاصيل قدام الناس، بس أكد إن المركز جمد الحساب والوصول لباقي الأجنة المتشالة، وبلغوا الإدارة القانونية فوراً.
فادية قامت براحة وقالت: “شيرين.. اسمعيني.”
لفيت ليها.
قالت: “البنت دي بنت أحمد.. بنته هو.”
بصيت في عنيها، وصوتي متهزش شعرة:
”وهي بنتي أنا كمان.”
في اللحظة دي بالظبط.. ولأول مرة، شوفت الخوف الحقيقي في عين فادية.
الجزء الثالث والأخير من القصة:
فادية رجعت لورا خطوة وشنطتها اتهزت في إيدها، مكنتش قادرة تستوعب إن اللعبة اللي خططوا لها اتقلبت عليهم بالشكل ده.
دخلنا كلنا مكتب الدكتور سامح رأفت. المقدم عمر حط الأوراق على المكتب وبدأ الإجراءات الرسمية. اتضح إن أحمد ومي استغلوا فترة المشاكل وقبل الطلاق بشهرين، وقدروا يوصلوا لكلمة السر بتاعة حسابي الإلكتروني في المركز، وزوروا إمضتي على تنازل وموافقة كاملة بنقل الأجنة.
فادية حاولت تلعب على وتر العاطفة وقالت بصوت مرعوش: “يا شيرين يا بنتي، حرام عليكي.. البنت ملهاش ذنب، دي حتة لحمة حمرا، هتحرمي أب من بنته؟”
بصيت لها وبكل برود قلت لها: “واللي عملتوه فيا وفي أجنّتي مكنش حرام؟ ذنبها إيه البنت إنها تيجي الدنيا من سرقة وتزوير؟”
المقدم عمر قاطعها وقال: “يا مدام فادية، الموضوع مابقاش مناقشة ودية. دي جناية تزوير رسمي، واستخدام مواد بيولوجية بدون موافقة صاحبها، وسرقة أجنة. النيابة استدعت أحمد ومي فوراً للتحقيق.”
بعد أسبوعين من اليوم ده، المحكمة حكمت بوقف أي إجراءات لتسجيل البنت باسم مي، وتم إثبات نسب البنت ليا أنا وأحمد بناءً على التحاليل الطبية الرسمية وسجلات المركز. أحمد ومي واجهوا حكماً بالسجن بتهمة التزوير والسرقة، وخسروا كل حاجة: سمعتهم، وفلوسهم، والبيت اللي بنوه على أنقاض حياتي.
أما أنا، فخدت ليلى.. بنتي اللي ربنا حافظ عليها في التلاجة لحد ما جيت أنقذها من وسطهم. فادية حاولت كذا مرة تيجي وتترجاني عشان تشوف حفيدتها، بس كنت دايماً بقفل الباب في وشها بنفس الابتسامة الشامتة اللي ورثتها منها.
النهاردة ليلى عندها سنتين، وكل ما ببص في عينيها بفتكر اليوم اللي فادية قالتلي فيه “أحمد عرف يختار”، وبضحك وبقول في سري: “فعلاً.. عرف يختار اليوم اللي هيدمر فيه نفسه وعيلته بإيده.”
النهاية.!
