دكتورة امتياز فاتنه مرهقه
دكتورة امتياز مرهقة بتركب العربية الغلط قدام المستشفى اللي شغاله فيها،وتنام فورًا من التعب… من غير ما تعرف إنها دخلت عربية سليم الحديدي، رجل أعمال ملياردير معروف ببروده وغموضه…
ريم عبدالسلام كانت مرهقة لدرجة إنها حتى ماخدتش بالها إن العربية دي مش عربيتها.
وده كان نوع التعب اللي ولا عشرة فناجين قهوة يقدروا يصلّحوه. التعب اللي بيستخبى في رجليك، ورا عينيك، وفي عضم ضهرك. التعب اللي يخلي الدنيا كلها ضباب حواليك… لحد ما كل عربية سودا واقفة قدام المستشفى تبان شبه التانية، وكل باب يبقى مجرد فرصة للهروب.
شيفتها في مستشفى السلام الدولي بدأت من واحد وتلاتين ساعة.
واحد وتلاتين ساعة كاملة.
مش لأنها كانت بتبص في الساعة. شاشة موبايلها اتكسرت تقريبًا بعد الساعة التسعتاشر، شروخ مالية الشاشة كلها، وماكانش عندها حتى دقيقة تهتم. جسمها هو اللي كان بيعد بدلها. ضهرها فاكر الترولي اللي زقّته لما الأسانسير عطل. رجليها فاكرة كل طرقة مشت فيها. عينيها بتحرقها لمبات المستشفى البيضا اللي كانت بتزن كأن المبنى نفسه تعبان.
المستشفى عمرها ما بتهدى.
وهي كمان ماوقفتش.
ولما أخيرًا خرجت من الباب الجانبي بعد نص الليل، هوا القاهرة البارد خبط فيها فجأة. الجو كان غريب… لا هو برد قوي ولا دافي، بس كفاية يخليك تشد الجاكيت عليك غصب عنك. عدلت شنطتها على كتفها ومشت ناحية صف العربيات السودة اللي واقفة قدام المستشفى.
ما بصّتش على النمرة.
هي أصلًا عمرها ما كانت بتبص.
بعد سنة تقريبًا من الشيفتات اللي بتنتهي الفجر، كل اللي بقى يفرق معاها إنها توصل لأي مكان هادي قبل ما جسمها ينهار.
باب العربية اتفتح.
الكنبة الخلفية كانت دافية… ضلمة… هادية. ريحتها جلد فخم وعطر هادي. ريحة ناس معاها فلوس بزيادة.
رمت نفسها على الكرسي، وسيبت الشنطة تقع على الأرض… ونامت قبل حتى ما الباب يتقفل.
مش نوم عادي.
إغماءة من التعب.
ماسمعتش السواق وهو بيقعد. ماحستش بالعربية وهي بتتحرك. ماخدتش بالها إن محدش سألها أصلًا رايحة فين.
لكن سليم الحديدي لاحظ كل حاجة.
كان قاعد في الخلفية، في نص مكالمة شغل فقد أعصابه فيها من نص ساعة، اللابتوب على رجله، لما بنت لابسة سكرابز فتحت الباب ودخلت عربيته كأنها بتعمل كده كل يوم.
مش بطريقة ملفتة.
بس بتقل مرعب.
كأن جسمها خلاص أعلن الاستسلام.
سليم سكت مكانه.
هو أصلًا راجل بيعرف يسكت. في الاجتماعات، سكوته كان بيخلي الناس تتوتر وتغلط. في البيزنس، كان بيعرف من السكات مين بيكدب. ولما تحصل حاجة غريبة… عمره ما كان بيتوتر.
كان بيحسبها بهدوء.
أول حاجة جت في دماغه إنه يوقفها. يقولها إن العربية غلط. يخلي السواق ينزلها.
بس ماعملش حاجة.
لأنها كانت نامت فعلًا.
خدها كان لازق في الإزاز. السماعة الطبية نازلة من على كتفها. وفيه أثر حبر أزرق على إيدها كأنها كتبت حاجة بسرعة وماخدتش بالها. شعرها كان مفكوك وخارج من أي تسريحة حاولت تعملها الصبح، بشكل خلاها تبان حقيقية… مش متصنعة.
كانت شبه حد شايل الدنيا كلها فوق ضهره… ووقع أخيرًا.
سليم قفل المكالمة من غير كلمة وقفّل اللابتوب.
في المراية الأمامية، مصطفى السواق بصله بنظرة قصيرة. الراجل بقاله عشرين سنة معاه وشاف حاجات كتير… لكن دي كانت جديدة.
سليم هز راسه بهدوء.
فالعربية كملت طريقها.
قال لنفسه إنه بس بيحاول يكون آدمي. البنت دكتورة وواضح إنها ميتة من التعب. صحيانها فجأة هيبقى قاسي. هيسيبها تنام شوية وبعدين يصحيها بهدوء.
قرار منطقي.
مرتب.
تحت السيطرة.
وسليم الحديدي كان بيعشق السيطرة.
بس الدقايق عدت…
وهو ماصحّهاش.
بدل كده فضل يبصلها.
مش النظرة اللي بيبص بيها للناس عادة… النظرة اللي بتدور على مصالح ونقط ضعف وكذب. دي كانت مختلفة. أهدى. وأخطر… لأنها من غير سبب واضح.
كان بيتابع نفسها وهي نايمة. حركة صوابعها الصغيرة. التعب المكتوب على وشها بصدق غريب.
وفي حاجة جواه اتحركت.
مش إعجاب… لسه.
يمكن إحساس إنه فاهم التعب ده أكتر ما يحب يعترف.
المطر الخفيف بدأ ينزل على شوارع القاهرة، والنور الأصفر بتاع الأعمدة كان بيترسم على الإزاز جنب وشها. اتحركت وهي نايمة وهمست بكلمة مش مفهومة، فسليم بص بعيد ثانية…
وبعدين رجع بصلها تاني.
“دي قمة العبث…” قالها جواه.
وكان لسه بيفكر كده…لما فتحت عينيها… ووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الأول
ريم فتحت عينيها ببطء… ببطء مرعب كأن جفونها متخيطين ببعض من التعب.
أول حاجة شافتها كانت انعكاس نور الشارع على إزاز أسود غامق قدامها… وبعدها ريحة الجلد الفخم رجعت تضرب مناخيرها تاني.
هي مش في عربيتها.
الإدراك نزل عليها مرة واحدة.
اتعدلت فجأة بعنف لدرجة إن السماعة الطبية وقعت من رقبتها على رجلها، وبصّت حواليها بسرعة مرتبكة.
العربية واسعة بشكل مبالغ فيه. الإضاءة هادية. الشاشة اللي قدام السواق أكبر من تلفزيون بيتهم أصلًا. وفي آخر الكرسي المقابل… كان فيه راجل قاعد بيبصلها بهدوء قاتل.
بدلة سودا. ساعة شكلها تمن شقة. ووش هادي بطريقة تخوف.
ريم شهقت: — يا نهار إسود…
السواق رفع عينه للمراية بسرعة، لكن الراجل اللي قدامها ما اتحركش.
فقط قال بصوت منخفض وعميق: — صحيتي أخيرًا.
قلبها نط حرفيًا.
بصّت على الباب بسرعة… وبعدين عليه تاني. — أنا… أنا آسفة… دي مش عربيتي.
قال بهدوء: — واضح.
الطريقة اللي قالها بيها خلت وشها يحمر فورًا. إحراج. تعب. وخوف خفيف بدأ يزحف جواها.
إيدها نزلت بسرعة تدور على شنطتها اللي كانت مرمية تحت رجلها، ولمّا حاولت تنزل تاخدها العربية خدت مطب خفيف فمالت لقدام غصب عنها.
وفي ثانية…
إيده اتحركت.
مسك دراعها قبل ما تخبط.
اللمسة كانت ثابتة… دافية… ومفاجئة.
ريم رفعت عينيها فيه تلقائيًا.
وكان قريب.
قريب بشكل خلاها تاخد بالها لأول مرة من تفاصيله فعلًا. عينيه غامقين بشكل غريب. هاديين… لكن فيهم حاجة تقيلة. حاجة تخليك تحس إنه شايف أكتر مما بيقول.
سحب إيده بهدوء أول ما ثبتت نفسها. — خلي بالك.
بلعت ريقها بسرعة. — شكرًا.
الصمت وقع بينهم كام ثانية.
وبعدين قالت بسرعة وهي بتحاول تفتح الباب: — أنا آسفة جدًا والله… واضح إني لخبطت بين العربيات… أنا كنت مرهقة بس—
— واحد وتلاتين ساعة؟
بصتله باستغراب. — نعم؟
— شيفت واحد وتلاتين ساعة. ده اللي قولتيه وإنتِ نايمة.
ريم اتجمدت مكانها.
— أنا… كنت بتكلم؟
— همهمة أكتر منها كلام.
يا أرض ابلعيني.
غمضت عينيها ثانية وهي حاسة إنها عايزة تختفي. عمرها ما نامت قدام حد غريب بالشكل ده. وعمرها ما صحيت لقت نفسها في عربية راجل واضح إنه من النوع اللي الناس بتتوتر بس من اسمه.
وفجأة… عرفته.
سليم الحديدي.
الاسم نزل في دماغها زي الطوبة.
صورته كانت في الأخبار طول الوقت. مقابلات اقتصادية. شركات. مشاريع. حوارات عن “أصغر ملياردير دخل قائمة الشرق الأوسط”. وحتى الناس اللي مالهاش في البيزنس كانت تعرفه بسبب سمعته.
بارد. صعب. مابيضحكش.
وفي إشاعات أكتر من عدد شركاته.
ريم بصّتله بصدمة صغيرة: — حضرتك… سليم الحديدي؟
رفع حاجب بسيط جدًا. — للأسف آه.
رغم توترها… ضحكة صغيرة هربت منها غصب عنها.
ولأول مرة من أول ما دخلت العربية… زاوية فمه اتحركت.
ابتسامة خفيفة جدًا. لكن حقيقية.
مصطفى السواق لمحها في المراية واتصدم أكتر من ريم نفسها.
لأن سليم الحديدي نادرًا ما كان بيبتسم أصلًا.
ريم بلعت ريقها وقالت بسرعة: — أنا آسفة جدًا يا فندم. والله ما كنت أعرف. أنا فكرت العربية بتاعة أوبر.
— أوبر؟
بصت حواليها بإحراج. — بصراحة… أوبر غني جدًا.
المرة دي ابتسامته وضحت أكتر. خفيفة… لكنها موجودة.
وريم كأنها نسيت للحظة إنها قاعدة مع واحد الناس بتخاف تدخل مكتبه.
لكن اللحظة ماكملتش.
لأن موبايل سليم رن فجأة.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلا ملامحه كلها تبرد مرة واحدة.
“فريدة”.
رد باقتضاب: — نعم.
صوت ست انفجر من السماعة رغم إن المكالمة مش سبيكر: — أنت فين؟ الناس كلها مستنياك من ساعة!
سليم رد ببرود: — عندي شغل.
— الساعة واحدة ونص الصبح يا سليم! الشغل ده اسمه هروب.
ريم حاولت تبص بعيد فورًا وكأنها مش سامعة، لكن الصوت كان عالي.
الست كملت بعصبية: — باباك تعبان والناس كلها سألت عليك في العشا، وأنا زهقت من تبريراتك!
سليم سكت لحظة… وبعدين قال بنبرة أخفض وأخطر: — خلصتي؟
الصمت اللي بعد الكلمة كان متوتر بشكل خنق العربية كلها.
وبعدين قفل المكالمة.
من غير سلام.
ريم بصت للإزاز بسرعة، حاسة إنها دخلت بالغلط في حاجة خاصة جدًا.
لكن اللي لفت نظرها أكتر… إن وشه اتغير.
كل الهدوء اللي كان فيه من شوية بقى تقيل. جامد. كأن الباب اتقفل تاني.
وفجأة حست بحاجة غريبة… تعاطف.
رغم إنها ماتعرفوش.
سليم لاحظ نظرتها الجانبية فقال بدون ما يبصلها: — متبصليش كده.
اتوترت: — كده إزاي؟
— كأنك شفقة عليا.
ريم فتحت بقها… وقفّلته. وبعدين قالت بهدوء صادق: — يمكن علشان شكلك متضايق فعلًا.
سليم لف وشه ببطء وبصلها.
معظم الناس قدامه كانوا بيخافوا. بيجاملوا. أو بيحاولوا يكسبوه.
لكن البنت دي… قالت الجملة ببساطة مرهقة جدًا لدرجة إنها حتى مش فاضية تمثل.
وده كان غريب.
غريب بشكل شد انتباهه أكتر.
قال بعد ثواني: — وأنتِ؟ شكلك متضايقة فعلًا برضه.
ضحكت ضحكة قصيرة متعبة. — أنا طبيبة امتياز في مستشفى حكومي… دي الحالة الطبيعية.
سألها: — لسه صغيرة على كمية الإرهاق دي.
— ولسه الحياة هتدعكنا أكتر.
الجملة خرجت تلقائي. لكنها خلت سليم يبصلها تاني بنفس النظرة الهادية الطويلة.
العربية كانت لسه ماشية تحت المطر الخفيف. القاهرة بالليل حواليهم منورة ومرهقة ومبتنامش.
وسليم اكتشف فجأة إنه بقاله عشر دقايق بيتكلم مع حد… من غير ما يحس إنه مضطر يلبس القناع المعتاد.
وده لوحده كان خطر.
ريم أخيرًا لقت باب العربية وفتحته بسرعة أول ما العربية وقفت عند إشارة. — أنا هنزل هنا.
مصطفى بص لسليم تلقائيًا مستني أمره.
وسليم سأل بهدوء: — هنا فين؟
— أي حتة. هطلب عربية.
— الساعة اتنين الفجر.
— عادي.
— القاهرة مش آمنة للدرجة.
رفعت حاجبها بتعب: — وأنت مالك؟
السؤال فاجأه.
أي حد تاني كان هيعتبر اهتمامه مجاملة ضخمة. هي قالتها كأنها فعلًا مستغربة.
سليم رد بعد لحظة: — سؤال منطقي.
— وأنا ردي منطقي. متشكرة إنك ما رمتنيش في الشارع أول ما دخلت العربية بالغلط… بس خلاص.
مدت إيدها تاخد شنطتها. لكن أول ما شالتها وشها اتشد فجأة من الألم.
سليم لاحظ فورًا. — مالك؟
مافيش.
— رجلك؟
سكتت ثانية… وبعدين قالت بضيق: — التواء بسيط من أسبوع.
— وبتمشي بيه شيفتات واحد وتلاتين ساعة؟
ضحكت بمرارة: — المستشفى مش بتسأل إذا رجلك واجعاك ولا لأ.
الصمت نزل تاني.
وبعدين سليم قال ببساطة: — مصطفى. وصّل الدكتورة.
ريم فتحت بقها تعترض: — لا لا مافيش داعي—
— ده مش طلب.
بصتله بعناد مرهق: — وأنا ماحبش آخد أوامر.
لأول مرة… عين سليم لمعت بحاجة شبه التسلية.
قال بهدوء: — واضح.
وبعدين مال لقدام شوية… صوته بقى أوطى: — بس إنتِ حرفيًا نامتي في عربيتي يا دكتورة. أظن خلصنا مرحلة الرسميات.
ريم اتكسفت بشكل فظيع لدرجة إنها بصت بعيد فورًا. ومصطفى كتم ضحكته بالعافية.
بعد لحظات تردد… قفلت الباب تاني وهي بتتنهد باستسلام: — ماشي.
العربية اتحركت.
وريم ماخدتش بالها إن سليم وهو باصص قدامه… كان بيفكر في حاجة واحدة بس.
إنه من سنين طويلة جدًا… ماحسش بالراحة دي مع حد.
يتبع
الفصل التاني
العربية اتحركت في شوارع القاهرة الهادية بعد نص الليل، وريم قاعدة جنب الباب كأنها مستعدة تهرب في أي لحظة، رغم إن رجليها نفسها كانت بتقولها: “لو قمتي دلوقتي هتقعي.”
كانت ماسكة شنطتها على حجرها بقوة، وبتبص من الإزاز كأنها بتحاول تثبت لنفسها إن اللي حصل مجرد موقف غريب وهيعدي. عربية غلط. راجل مشهور. كام دقيقة إحراج. وخلاص.
لكن المشكلة إن وجود سليم الحديدي في نفس المساحة ماكانش بيتنسي بسهولة.
كان ساكت.
مش ساكت عادي… لأ، ساكت بالطريقة اللي تخلي السكون نفسه يبقى له وزن.
ريم حاولت تتجاهله. ركزت في المطر الخفيف اللي بينزل على الإزاز، في نور المحلات المقفولة، في عامل واقف تحت تندة كشك بيشرب شاي، في موتوسيكل معدي بسرعة. أي حاجة غير إنها تبص ناحيته.
بس عينيها خانتها.
بصت بطرف عينها.
لقته ماسك موبايله، لكن مش بيكتب. الشاشة منورة بس، وإصبعه ثابت فوقها. ملامحه هادية، لكن فكه مشدود. المكالمة اللي جاتله من شوية واضح إنها سابت أثر، حتى لو هو عامل نفسه حجر.
ريم ماعرفتش ليه قالت: — باباك تعبان؟
سليم رفع عينه ببطء.
هي اتوترت فورًا: — آسفة… ماكانش المفروض أسأل. أنا سمعت بالغلط.
— الصوت كان عالي كفاية يخلي السواق اللي في العربية اللي ورانا يسمع.
ريم عضت شفايفها عشان ماتضحكش، بس فشلت. ضحكة صغيرة خرجت منها.
سليم بص قدامه تاني. — آه. تعبان.
— ربنا يشفيه.
قالها من غير ما يبص لها: — آمين.
لكن الكلمة خرجت تقيلة. مش تقيلة من قلة إيمان… تقيلة من تعب قديم.
ريم حسّت إن الموضوع مش مجرد مرض أب. فيه حاجة أكبر. علاقة مش سهلة. بيت مليان صمت أكتر من الكلام. وجع عائلي متغطي ببدل غالية وعربيات مصفحة.
قررت تسكت.
لأنها طبيبة امتياز آه… بس مش كل جرح يتعالج بالسؤال.
العربية دخلت شارع أهدى. ريم بصت حوالين المكان، وفجأة انتبهت. — إنتوا رايحين فين؟
مصطفى قال بأدب من قدام: — حضرتك قلتي العنوان؟
ريم اتجمدت. — أنا ماقلتش عنوان؟
سليم بصلها بهدوء غريب. — لأ.
ريم غمضت عينيها بإحراج. — يا رب خدني.
مصطفى كح كتمًا للضحك.
سليم قال: — تحبي نوصلِك فين يا دكتورة؟
— مدينة نصر. شارع عباس العقاد… عند…
سكتت فجأة.
مش لأنها نسيت العنوان.
لكن لأنها افتكرت حاجة.
مفتاحها.
إيدها نزلت بسرعة على جيوب السكرابز، بعدها على شنطتها. فتحت السوستة بعصبية وبدأت تقلب فيها. سماعة. قلم. ورق روشتات. شاحن مقطوع. بسكوت مفتوح. كارت المستشفى. لكن مفيش مفتاح.
وشها بهت.
سليم لاحظ فورًا. — إيه؟
— المفتاح مش معايا.
— متأكدة؟
— آه… لا… ثانية.
قلبت الشنطة تاني بعنف أكتر. كأن المفتاح هيطلع من الخوف.
ماطلعش.
حست إن دماغها هتنفجر. بعد واحد وتلاتين ساعة، ركبت عربية غلط، نامت قدام واحد غريب، ودلوقتي مفتاح شقتها ضاع.
ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت أقرب للانهيار. — ممتاز. جميل جدًا. يوم تحفة.
سليم بص لها. — عندك حد معاه نسخة؟
ريم سكتت.
والسكوت ده قال أكتر من أي إجابة.
ماكانش عندها حد.
أو يمكن كان عندها… بس مش حد ينفع تتصل بيه الساعة اتنين الفجر.
قالت وهي بتحاول تبان عادية: — البواب غالبًا صاحي.
— غالبًا؟
— يعني… ممكن.
— وممكن لأ.
— أيوه، شكرًا على الدعم النفسي.
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا. — دي مش دعم. دي قراءة وضع.
ريم سندت راسها على الكرسي بتعب. — أنا هتصرف.
الكلمة دي سليم سمعها بطريقة مختلفة.
“هتصرف.”
مش “هتصل بحد.” مش “حد هيساعدني.” مش “ممكن تعمل معروف.”
هتصرف.
كلمة ناس اتعودت تشيل نفسها بنفسها.
سليم قال لمصطفى: — على عباس العقاد.
— حاضر يا باشا.
ريم بصتله بسرعة: — لا، أنا ممكن أنزل في أي مكان وآخد تاكسي.
advertisement
— قلتلك الساعة اتنين الفجر.
— وأنا قلتلك إنت مالك.
المرة دي سليم لف وشه لها بالكامل. — واضح إنك بتكرري السؤال لما بتتوترِ.
ريم سكتت لحظة، وبعدين قالت بعناد: — وواضح إنك بتدي أوامر لما بتقلق.
الكلمة وقعت بينهم.
“بتقلق.”
مصطفى حس إن الجو اتغير.
سليم ما ردش فورًا. عينيه فضلت ثابتة عليها. ريم نفسها اتفاجئت إنها قالتها. يمكن لأنها تعبانة. يمكن لأنها مش فايقة تحسب كلامها. يمكن لأن سليم الحديدي، رغم بروده، كان باين عليه فعلًا إنه مش عايز يسيبها تنزل لوحدها.
قال أخيرًا بصوت هادي: — أنا مش بقلق بسهولة.
ريم رفعت حاجبها: — مبروك.
— لكن لما دكتورة امتياز تنام في عربيتي بالغلط، وتطلع ضايعة مفتاحها، ورجلها مصابة، ومش عايزة تقول لحد… أظن القلق يبقى رد فعل طبيعي.
الجملة كانت منطقية.
وده ضايقها.
لأن ريم كانت بتكره لما حد يبقى معاه حق وهي مش عايزة تعترف.
فقالت بنبرة أخف: — هو حضرتك في اجتماعاتك كده برضه؟ بتغلب الناس بالمنطق لحد ما يسكتوا؟
— غالبًا.
— مؤذي.
— فعال.
ضحكت غصب عنها.
وسليم شاف ضحكتها.
كانت ضحكة صغيرة، مرهقة، طالعة من نص وجع وكسوف. لكن فيها حياة. حياة كتير.
وصلوا بعد حوالي ربع ساعة قدام عمارة قديمة نسبيًا في شارع جانبي متفرع من عباس العقاد. العمارة مش وحشة، بس باين عليها التعب. مدخلها ضيق، اللمبة اللي فوق الباب بتنور وتطفي، والشارع شبه فاضي.
ريم فتحت الباب بسرعة. — شكرًا جدًا. بجد.
وقبل ما تنزل، سليم قال: — هستنى لحد ما تدخلي.
بصتله. — مافيش داعي.
— فيه.
كانت هتجادله، لكن جسمها خانها. أول ما نزلت وحطت رجلها على الأرض، الألم ضرب كاحلها بقوة. اتماسكت في الباب بسرعة وهي بتكتم شهقة.
سليم نزل من الناحية التانية فورًا.
ريم اتخضت. — إنت نزلت ليه؟
— عشان واضح إن “هتصرف” قربت تنتهي بكسر.
مد إيده عشان يساعدها، لكنها اتراجعت خطوة. — أنا كويسة.
— كدابة.
بصتله بحدة. — حضرتك ماينفعش تقول لواحدة ما تعرفهاش كدابة.
— وينفع تكدبي على واحد ما تعرفيهوش؟
كانت هترد، لكن الألم خلا وشها يتغير. سليم ما استناش. قرب خطوة، من غير ما يلمسها فجأة، وقال: — اسندي على دراعي.
— لا.
— يا دكتورة.
— لا.
— ريم.
تجمدت.
اسمها منه كان مختلف.
هي ماقالتلوش اسمها… صح؟
بصتله باستغراب: — عرفت اسمي منين؟
سليم أشار بعينه للسماعة الطبية اللي متعلقة فيها بطاقة صغيرة مكتوب عليها: “Dr. Reem Abdelsalam – Intern”.
وشها احمر تاني. — آه.
— اسندي يا ريم.
المرة دي ماعرفتش تعترض.
مش عشان هو أمرها. لكن عشان نبرة صوته اتغيرت. بقت أهدى. أقرب. فيها شيء غريب يخلي المقاومة تبان مرهقة جدًا.
حطت إيدها بخفة على دراعه.
الدراع كان صلب تحت البدلة. ثابت. وهي فجأة حست بمدى تعب جسمها، كأن أول ما لقت حاجة تسند عليها، كل عضلاتها قررت تنهار.
سليم حس بثقلها الخفيف، لكنه ماعلقش.
وصلوا للمدخل. ريم خبطت على أوضة البواب.
مرة. اتنين. تلاتة.
مفيش رد.
خبطت أقوى.
صوت شخير ضعيف طلع من جوه.
ريم همست: — يا عم رجب… يا عم رجب افتح.
مفيش.
سليم بص للباب، وبعدين لها. — واضح إنه “غالبًا صاحي” فعلًا.
رغم الموقف، ريم ضحكت من غير نفس. — مش وقته شماتة.
— مش شماتة. توثيق.
حاولت تتصل بالبواب، لكن موبايلها كان فاصل. الشاشة المكسورة مطفية تمامًا.
رفعت الموبايل قدامه كأنها بتعلن الهزيمة. — الموبايل مات.
سليم مد إيده. — الرقم.
— رقم مين؟
— البواب.
— حافظاه؟ لأ طبعًا.
— حد من جيرانك؟
سكتت.
وشها قال إن مفيش.
سليم خد نفس بطيء. — عندك اختيارين.
— يا رب مايكونش فيهم إني أنام على السلم.
— ده اختيارك أنتِ غالبًا. أنا هقول الاختيارات العاقلة.
رفعت عينيها فيه بتحدي متعب. — اتفضل يا أستاذ عقل.
— يا إما نكسر الباب.
— نعم؟!
— يا إما تروحي مكان آمن لحد الصبح.
— أكسر باب شقتي؟ حضرتك طبيعي؟
— عندي ناس تصلحه قبل ما تصحي.
— لا طبعًا.
— يبقى الاختيار التاني.
ريم فهمت هو بيقول إيه قبل ما ينطق.