اول ما دخلت المطبخ
قصة فني المطبخ والست اللي كانت بتطبخ له بإيديها كاملة 📌👇
أول ما دخلت المطبخ، كانت واقفة قدام البوتاجاز تقلب الصوص ببطء، وريحة الأكل مالية البيت كله…
لفّت ناحيتي، ومسكت المعلقة، وقالت بابتسامة هادية:
تعالى دوّق بإيدك… أصل أنا ما بثقش غير في اللي بيشتغـ . ـل في المطبخ وهو جعان.
أنا اسـ . ـمي حسام، عندي 32 سنة، وشغال فني مطابخ ووحدات خشب وأسطح رخام. يعني شغـ . ـلانتي باختصار بتدخلني قلب البيوت، وتحديدًا أكتر مكان في البيت بيكشف أصحابه: المطبخ.
فيه مطبخ تعرف من أول دقيقة إن اللي فيه ست منظمة بزيادة.
وفيه مطبخ تعرف إن البيت عنده أولاد كتير من لعبهم وفتافيتهـ . ـم.
وفيه مطبخ تحس إنه ميـ . ـت، ما فيهوش نفس، حتى لو أنضف من المـ . ـستشفى.
وفيه مطبخ… تحس إن فيه حكاية مستخبية في الأدراج، وفي الهدوء، وفي الحاجات اللي بتتبخ فجأة من غير مناسبة.
أنا شوفت ستات كتير في الشغـ . ـل.
ستات محترمة، ستات متعصبة، ستات عملية، وستات بتحب تفتح كلام زيادة.
وفيه نوع تاني بقى، النوع اللي أي راجل يدخل بيته، لازم ياخد باله من نفسه مرتين:
الست اللي بتتعامل براحة زيادة.
مش لازم تكون قليلة الأدب.
بالعكس، ساعات بيبقوا أهدى وأرتب وأشيك من الكل.
لكن الراحة الزيادة دي بتدخل الواحد في سكة وحـ . ـشة لو ما عرفش يمشي صح.
وعشان كده أنا كنت عامل لنفسي قانون:
ما تفسرش حاجة بزيادة.
ولا نظرة، ولا كلمة، ولا كوباية شاي، ولا حتى لقمة.
لكن اليوم ده…
أنا نفسي وقـ . ـعت في التفسير الغـ . ـلـ . ـط من أول ربع ساعة.
الحكاية بدأت لما صاحب المعرض اللي بتعامل معاه، عم جابر، كلمني الصبح وقال:
“يا حسام، عندك شغـ . ـل مهم. مطبخ في فيلا في الشـ . ـروق، تعديل في الأدراج ووحدة مخفية، والست مستعجلة جدًا. قالتلي عايزة نفس الفني اللي جالك المرة اللي فاتت عشان بيعرف يفهم بسرعة.”
أنا افتكرت الشغـ . ـلانة القديمة.
آه، رحت الفيلا دي قبل كده من 3 شهور أظبط مفصلة في وحدة صغيرة. كانت زيارة سريعة جدًا، وما شفتش غير خدامة وبنت صغيرة.
قلتله:
“تمام. هروح.”
قال:
“بس خليك رايق… الست دي شـ . ـكلها من الناس اللي بتحب كل حاجة على مزاجها.”
أخدت العدة وركبت العربية وروحت.
الفيلا كانت في شارع هادي، سورها عالي، وبابها الإلكتروني اتفتح بعد ما كلمت الرقم اللي معايا. دخلت، وركنت، ولسه هخبط لقيت الباب الداخلي اتفتح.
هي بنفسها اللي فتحت.
في أول الأربعينات تقريبًا، جمالها من النوع النضيف، مش الفج. لابسة جلابية بيت قطن ناعمة، شعرها متساقط على ضهرها، ومفيش مكياج واضح، لكن ريحتها وهدوءها يخلوا أي راجل ياخد باله منها من غير ما يحاول.
قالت:
“أستاذ حسام؟”
قلت:
“أيوه.”
قالت وهي تفتح الباب أكتر:
“اتفضل… أنا مستنياك من بدري.”
دخلت.
البيت كان هادي، هدوء مش مريح، لكن مش مخيـ . ـف.
بس أول حاجة خدت بالي منها…
ريحة الأكل.
مش ريحة أكل عادي.
ريحة حاجة معمولة على نـ . ـار هادية من وقت.
صوص أو طاجـ . ـن أو أكلة محتاجة صبر.
قالت وهي ماشية قدامي:
“الشغـ . ـل كله في المطبخ.”
دخلت وراها، ولما دخلت المطبخ…
وقفت.
المطبخ كان واسع، شيك جدًا، وكل حاجة فيه متوضبة، لكن مش ترتيب استعراض. ترتيب حد بيستخدمه فعلًا. على الرخامـ . ـة في صينية متغطية، وعلى البوتاجاز حلة كبيرة بتطلع بخار خفيف، والفرن شغال.
وقالت وهي بتقلب حاجة بالمعلقة:
“أنا قلت أعمل الغدا على ما تيجي.”
بصراحة، الجملة دي لوحدها ما فيهاش حاجة.
بس الطريقة اللي اتقالت بيها، والمطبخ، والهدوء، وكونها لوحدها… كل ده خلى عقلي يتحرك لحته أنا مش راضي عنها.
قلت وأنا بحاول أبقى عملي:
“فين الجزء اللي حضرتك عايزاه؟”
قالت وشاورت على وحدة خشب طويلة في جانب المطبخ:
“هنا… الدرف دي بتقفش، والدرج اللي تحتها مش بيفتح غير لو اتشد بطريقة معينة. وأنا عايزاه يفضل كده… لكن يبقى أهدى.”
العبارة نفسها غريبة.
قلت:
“يعني عايزاه يفضل مستخبي؟”
قالت وهي تبصلي نص بصّة:
“أيوه. بس ما يبانش إنه متعمد.”
هنا أول لمبة حمراء نورت.
درج مخفي.
في مطبخ.
وست عايزاه يفضل مستخبي.
لكن برضه…
أنا ما علقتش.
بدأت أبص على المفصلات والسكة.
وهي واقفة جمبي، قريبة زيادة سنة، وبكل هدوء قالت:
“إنت بتشتغـ . ـل أحسن وانت جعان… ولا بعد ما تاكل؟”
أنا ضحكت وقلت:
“حسب الأكلة.”
قالت وهي تمد المعلقة ناحيتي:
“تعالى دوّق بإيدك… أصل أنا ما بثقش غير في اللي بيشتغـ . ـل في المطبخ وهو جعان.”
وساعتها…
أيوه، افتكرت إنها بتفتح باب واضح جدًا.
يعني:
ست جميلة
لوحدها
في مطبخ
ريحة أكل
وبتقولك تعال دوق بإيدك
أي راجل في الدنيا هيشوف إن فيه أقل واجب إيحاء.
لكن وأنا قربت آخد المعلقة، لاحظت حاجة صغيرة جدًا:
على طرف الرخامـ . ـة…
كان فيه 3 أطباق متجهزين.
مش اتنين.
وقفت.
وبصيتلها.
هي لاحظت إني شفتهـ . ـم، وقالت بسرعة:
“أنا بطبخ زيادة دايمًا.”
كـ . ـذبة سريعة.
لأن الأطباق كانوا مترتبين كأنهم لناس، مش زيادة.
قلت وأنا بأخد المعلقة من غير ما أظهر حاجة:
“تسلم إيدك.”
دوقت.
الأكل كان حلو فعلًا.
قالت:
“بصراحة؟”
قلت:
“جداً.”
ابتسـ . ـمت.
وقالت:
“كويس. يبقى لسه ذوقك شغال.”
لسه.
نفس الكلمة اللي لما تتقال في موقف عادي، ما تفرقش.
لكن في موقف مشحون… تبقى ملغومة.
وأنا من اللحظة دي، حسيت إن البيت فيه حاجة تانية خالص غير اللي شـ . ـكلي فهمته.
بدأت أفك الوحدة، وهي فضلت واقفة في المطبخ معايا.
الناس العادية تسيب الفني يشتغـ . ـل وتمشي.
لكن هي كانت موجودة طول الوقت.
تسألني عن كل تفصيلة، وتقف في حتة تشوف إيدي كويس، وتتحرك بهدوء زيادة عن اللازم.
قالت:
“إنت متجوز؟”
قلت وأنا بفك السكة:
“لأ.”
قالت:
“أحسن.”
أنا ضحكت من الإحراج وقلت:
“هي الناس كلها بقت بتقول أحسن ليه؟”
قالت وهي بتحرك الحلة على النـ . ـار:
“لأن المتجوزين بيبقوا مكسورين من بدري.”
الجملة دي طلعت بطريقة تقيلة.
مش هزار.
ولا حكمة.
ولا تلميح واضح.
قلت:
“دي خبرة يعني؟”
قالت من غير ما تبصلي:
“دي مشاهدة.”
وسكتت.
الجمل دي كانت كفاية تودي أي عقل لحتة:
أكيد عندها مشـ . ـاكل.
أكيد جوزها مش موجود.
أكيد الوحدة ضاغطة.
أكيد بتختبر حدودك.
لكن في نفس الوقت…
البيت نفسه كان مش راكب مع الصورة دي.
ليه؟
لأن فيه تفاصيل صغيرة كانت بتقول عكس الجو اللي هي بتحاول تعملُه:
3 أطباق متجهزين
ساعة رجالي قديمة على الرخامـ . ـة جـ . ـنب علبة دواء
كرسيين متحطين ناحية السفرة، والتالت بعيد سنة
صورة عائلية على الثلاجة، فيها هي مع راجل وبنتين صغيرين، لكن الراجل ملامحه متشال عليها بقلم أسود خفيف
ودي كانت علامة مرعـ . ـبة.
يعني إيه صورة راجل ومتعمل عليه بالقلم؟
مش شخبطة أطفال.
شطب متعمد.
بصيت للصورة ثانية، وهي لاحظت.
قالت بسرعة:
“ركز في شغـ . ـلك.”
قلت:
“ماشي.”
لكن الغريب إن التوتـ . ـر الحقيقي بان عليها في اللحظة دي، مش لما كانت بتمد لي المعلقة ولا بتسألني متجوز ولا لأ.
يعني الأكل والكلام ماكانوش جوهر الموقف.
فيه شيء تاني هي بتحرسه.
وأنا شغال في الدرج المخفي، لاحظت إن السكة مش معمولة عادي.
لا.
دي متفصلة مخصوص.
فيها حركة ضغط معينة، وبعدها تطلع وحدة صغيرة تحت الرف.
يعني اللي عاملها ماكانش نجار عادي.
دي معمولة بقصد إخفاء شيء.
قلت:
“مين اللي عمل الحركة دي؟”
قالت وهي تقطـ . ـع حاجة على الرخامـ . ـة:
“جوزي.”
قلت:
“جوز حضرتك نجار؟”
قالت:
“كان بيعرف يخبّي.”
الكلمة دي وقفتني.
قلت:
“يخبي إيه؟”
قالت:
“حاجات.”
الجو بقى تقيل.
قلت وأنا ببص للدولاب:
“فيه حاجة جوا؟”
قالت بسرعة:
“ما يخصكش.”
الرد خرج حـ . ـاد.
وبعدين هديت نفسها وقالت:
“أقصد… سيبه زي ما هو.”
قلت:
“أنا أصلّحه من بره من غير ما أفتح، بس لو السكة عايزة تغيير لازم أشوف.”
قالت بصوت أوطى:
“ما تفتحوش.”
أنا هنا حسيت إن الحكاية بدأت تتحول.
الست من أول ساعة تحاول تخلق جو فيه نعومة، أكل، قرب، وأسئلة شخصية.
لكن أول ما أقرب للدرج…
تتوتـ . ـر.
يعني الإغراء اللي أنا شايفه… ستارة.
فيه شيء أهم مستخبي وراه.
قلت:
“لو الدرج فيه حاجة خاصة، مش هلمـ . ـسه. بس لازم أعرف عشان ما أبهدلش السكة.”
هي سكتت.
وبعدين قالت وهي مش باصة ليا:
“فيه مفاتيح.”
قلت:
“مفاتيح إيه؟”
قالت:
“بيت العيلة.
أوضة فوق.
ودولاب.”
أنا ما سألتش زيادة.
لكنّي افتكرت الصورة المشطوب عليها الراجل فيها.
وساعتها بدأت الاحتمالات تتحرك ناحية حاجة أغمق من خـ . ـيانة أو تلميح.
وأنا بفكّ، سـ . ـمعت صوت باب بعيد جوه البيت.
وقفت.
هي وقفت معايا.
قلت:
“فيه حد؟”
قالت بسرعة:
“لأ.”
قلت:
“سـ . ـمعت باب.”
قالت:
“الهواء.”
قلت:
“الهواء بيفتح بيبان؟”
بصتلي لأول مرة بنظرة حـ . ـادة فعلًا، وقالت:
“هو لازم تلاحظ كل حاجة؟”
أنا سكت.
لأن السؤال نفسه كان إجابته:
أيوه. لازم.
خاصة لما أبقى في بيت ست لوحدها، وبتتصرف كأنها بتغويني، وفي نفس الوقت فيه درج مخفي وصور مشطوب عليها و3 أطباق وصوت أبواب.
قلت:
“أنا بس مش مرتاح.”
قالت بهدوء رجع تاني:
“ارتاح.
أنا ما باكلش الناس.”
وضحتك.
بس الضحـ . ـكة ما وصلتش لعينيها.
وبعدين، كأنها افتكرت الخطة اللي ماشية عليها، قالت:
“بصراحة…
أنا بحب الراجل اللي ياكل من إيدي.
بحسه أهدى.”
دي كانت أوضح جملة لحد دلوقتي.
وأكتر جملة كان ممكن تغـ . ـلـ . ـطني.
لكن بدل ما أتجاوب، بصيت على الأطباق التلاتة وقلت:
“والتلات أطباق دول لمين؟”
وشها اتغير.
ثانية واحدة بس.
لكن واضحة.
قالت بسرعة:
“أنا وبناتي.”
قلت:
“وبناتك فين؟”
قالت:
“فوق.”
قلت:
“طب ما قلتِ إنك لوحدك.”
سكتت.
وهنا…
السكوت قال كل حاجة.
أنا سيبت المفك في إيدي، وقمت واقف.
قلت بهدوء:
“حضرتك من أول ما دخلت وأنا حاسس إن في حاجة غـ . ـلـ . ـط.
يا تقولي الحقيقة، يا أنا همشي.”
هي فضلت باصة لي كام ثانية.
والطبخة بتغـ . ـلي على نـ . ـار هادية في الخلفية، وصوت الفقاقيع فيها كان عامل جو أعصـ . ـاب زيادة.
وبعدين قالت:
“لو مشيت دلوقتي… هتسيبني لوحدي معاه.”
أنا حسيت قلبي نزل.
قلت:
“مع مين؟”
قالت من غير ما تبصلي:
“جوزي.”
أنا بصيت للصورة على الثلاجة.
الصورة اللي ملامحه عليها قلم أسود.
قلت:
“هو مش موجود؟”
قالت:
“موجود.”
قلت:
“فين؟”
رفعت عينها وبصتلي.
وقالت:
“فوق.”
هنا…
أنا كنت قدام احتمالين:
إما الست دي بتلعب بأعصـ . ـابي، وجوزها فعلًا فوق وهي داخلة في لعبة قـ . ـذرة.
أو الست دي في مصيبـ . ـة حقيقية، وأنا لحد دلوقتي شايفها من الباب الغـ . ـلـ . ـط.
قلت:
“إيه اللي بيحصل هنا بالضبط؟”
قالت وهي تبلع ريقها:
“أنا مش كنت عايزاك عشان المطبخ.”
قلت:
“أمال عشان إيه؟”
قالت وهي تشير للدرج المخفي:
“عشان تفتحه.”
أنا بصيت للدولاب.
وبعدين لها.
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“عشان أنا ماعرفش أفتحه.
ولأن اللي جواه… لازم يطلع النهارده.”
أنا بقيت مش فاهم أي حاجة.
قلت:
“ومين جوزك اللي فوق؟”
قالت، والجملة خرجت منها مكسورة:
“اللي ما بقاش جوزي من زمان…
بس لسه عايش في البيت.”
البيت كله فجأة بقى ليه ريحة تانية.
مش ريحة أكل.
ريحة حبـ . ـس.
قالت وهي بتسند على الرخامـ . ـة:
“أنا مطلقتش رسـ . ـمي.
بس إحنا منفصلين جوه البيت من سنة.
هو فوق في الدور اللي فوق.
وأنا هنا مع البنات.
والبيت باسـ . ـمه.
والدرج ده هو اللي كان مخبي فيه مفاتيح وأوراق.”
أنا حسيت دماغي بتتفتح على قـ . ـرف أكبر.
قلت:
“طب وإنتِ جايباني بالطريقة دي ليه؟
ليه كل الجو ده؟”
ضحكت ضحـ . ـكة قصيرة جدًا، مرة جدًا، وقالت:
“عشان الراجل لما تحط قدامه ست شـ . ـكلها متاح، يبقى أهدى وأسهل في السيطرة من راجل حاسس إن فيه مصيبـ . ـة.”
الجملة دي لطشتني.
يعني كل اللي عملته…
كان تكتيك.
الأكل.
المعلقة.
الأسئلة.
القرب.
كله ستارة.
عشان أفضل موجود.
وما أقلقش.
وما أمشيش.
قلت:
“إنتِ بتستخدِميني.”
قالت:
“أيوه.”
ما لفّتش.
ما بررتش.
قالت:
“بس لو ما عملتش كده، مكنتش هتفضل.
ومكنتش هتفتح الدرج.
ومكنتش هتشوف اللي أنا عايزة حد يشوفه.”
الجملة دي كانت صريحة لدرجة توجـ . ـع.
قلت:
“إيه اللي جوه؟”
قالت:
“دليل.”
قلت:
“على إيه؟”
قالت بصوت واطي:
“إنه هو اللي مـ . ـوتبنتي.”
أنا اتسـ . ـمرت.
حرفيًا.
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“كان عندي بنت كبيرة من جوازي الأول.
مـ . ـاتت من 8 شهور.
قالوا حـ . ـادث.
وقـ . ـعت من السلم.
وأنا من يومها حاسة إن في حاجة مستخبية.
وأنا شوفتُه بعيني يومها داخل المطبخ، وفتح الدرج ده، وحط حاجة، وبعدها مقفل عليّ البيت يومين.”
أنا ماقدرتش أتنفس.
قالت وهي باصة للدولاب:
“وأنا مش عارفة أفتحه من يومها.
لأنه غيّر الحركة.
وعارفة إنه مخبي فيه حاجة تخصها.”
أنا حسيت إن رجلي بتتلخبط.
كل الإيحاءات اللي أنا فهمتها، اتسحبت من تحتها الأرض.
الست دي ما كانتش جائعة لرجل.
الست دي كانت محاصرة في بيت مع رجل بتشـ . ـك إنه قاتـ . ـل.
والأطباق التلاتة؟
قالت:
“طبق ليا، وطبقين للبنات فوق.
الأكل لازم يطلع لهم بعد ما يمشي من عند السلم.”
يعني البنات فعلًا فوق.
في البيت.
والرجل فوق.
وأنا كنت داخل أفهم الموضوع غرامي.
أنا حسيت بالقـ . ـرف من نفسي.
قلت:
“هو يعرف إني هنا؟”
قالت:
“أيوه.
بس فاكرك جاي تصلح الدرج بس.
وهو متعود يجيب صنايعية.
بس أنا أول مرة أتعمد أجيب واحد في الوقت ده.”
قلت:
“ليه الوقت ده؟”
قالت:
“عشان كل يوم من 2 لـ4 بينام فوق بعد الدوا.
وعندي الوقت أفتح اللي في المطبخ من غير ما ينزل.”
إحنا كنا تقريبًا 2:40.
الوقت بقى تقيل في ودني.
قلت:
“ولو نزل؟”
قالت:
“يبقى أنا هتصرف.”
قلت:
“إنتِ هادية زيادة عن اللزوم.”
قالت وهي تبتسـ . ـم ابتسامة غريبة:
“اللي يعيش مع الخـ . ـوف كتير… يا ينهار، يا يبرد.
وأنا بردت.”
الجملة دي قفلت في قلبي باب أي احتمال كان باقي من الفهم الأول.
رجعت ركبت السكة وبصيت للحركة المخفية.
واضح إن فيها مفتاح ضغط داخلي، وبعده سحبة يمين.
قلت:
“الموضوع محتاج تفكيك سنة.”
قالت بسرعة:
“افتحه.”
وأنا بشتغـ . ـل، كنت سامع صوت الحلة على النـ . ـار، وصوت التكييف، وصوت نفسي أنا نفسه أعلى من الطبيعي.
فكيت الجزء الخارجي، وضغطت على مكان معين، وفجأة…
تك.
الدرج اتحرك.
بصّيت لها.
هي قربت.
قربت بطريقة ما فيهاش أي أنوثة دلوقتي.
قربت كأم، وكزوجة محبـ . ـوسة، وكواحدة مستنية تشوف جـ . ـثة معنى مش خشب.
فتحت الدرج.
جواه:
مفتاحين كبار
فلاشة
ظرف أبيض
وسلسلة صغيرة عليها حرف م
هي أول ما شافت السلسلة، شهقت.
ومسكتها بإيد بترتعش.
وقالت:
“دي بتاعة منة.”
منة؟
أكيد بنتها.
أنا سكت.
فتحت الظرف.
طلع منه ورق.
ورقة أولى كانت إفادة دخول مستشفى.
الثانية صورة تقرير حـ . ـادث.
والثالثة…
ورقة مطوية بخط طفل أو مراهقة:
“ماما لو لقيتي الورقة دي، هو كان فوق وأنا خفت.”
هي قعدت على الأرض.
والله العظيم قعدت على الأرض قدام الدرج المفتوح، وسلسلة بنتها في إيدها، وشها كله بقى أبيض.
قالت:
“أنا كنت عارفة…
أنا كنت عارفة.”
أنا مدّيت إيدي للفلاشة.
قلت:
“نفتحها؟”
قالت من غير ما تبصلي:
“افتح.”
فتحتها على اللابتوب اللي كان على الرخامـ . ـة الجانبية.
كان عليها فيديوهات.
أول فيديو…
كاميرا مطبخ.
الصورة قديمة شوية.
وفيها بنت مراهقة — غالبًا منة — واقفة في المطبخ، وجوز الست نازل من فوق، وعمال يزعق لها.
الصوت مش واضح جدًا، لكن العصبـ . ـية واضحة.
وفي آخر الفيديو…
بيمسكها من دراعها بعنـ . ـف، وهي بتبعد، وبعدها الكاميرا بتتهز، وتقطـ . ـع.
الفيديو اللي بعده كان أبشـ . ـع.
تصوير من نفس الكاميرا أو كاميرا تانية، فيه منة جالسة على الأرض تبكي، وهو واقف يهددها بإصبعه، والست — أمها — مش موجودة.
الثالث كان تسجيل صوت فقط.
صوت البنت تقول:
“أنا هقول لماما.”
وصوته هو:
“لو قولتي، هقول إنك إنتِ اللي وقـ . ـعتي.”
أنا حسيت إيدي بردت.
يعني دي مش شبهة.
دي كارثـ . ـة.
وقبل ما نستوعب اللي شفناه، سـ . ـمعنا صوت فوق.
خطوات.
أنا بصيت لها فورًا.
هي رفعت راسها.
كل البرود اختفى.
قالت همسًا:
“هو صحي.”
الخطوات قربت من السلم الداخلي.
أنا بصراحة، في اللحظة دي، كان عندي اختيارين:
أمشي وأنقذ نفسي
أو أفضل
لكن بعد اللي شفته…
ما عادش ينفع أبقى “فني مطبخ” وبس.
قلت بسرعة:
“خدي السلسلة والورق والفلاشة.”
هي جمعتهـ . ـم.
وأنا قفلت الدرج بسرعة، ورجعت المفكة في إيدي.
صوت الرجل قرب أكتر.
وبعدين نزل.
أول ما شفته، حسيت بشيء ثقيل جدًا.
راجل في آخر الأربعينات، جسـ . ـمه ممتلئ، وشه جامد، وعينيه فيها قسـ.ـوة من النوع اللي يخلي الواحد يكـ . ـرهه من أول نظرة.
لابس تيشيرت بيت وترينج، وبصلي أول ما شافني، وبعدين بص للمطبخ كله بنظرة مسح.
قال:
“خلص؟”
أنا قلت وأنا متعمد أبقى طبيعي:
“فاضل لمـ . ـسة يا فنـ . ـدم.”
هو بص لمراته.
بصة من النوع اللي ما فيهاش جواز.
فيها ملكية.
فيها سؤال صامت: قلتي له إيه؟
هي ردت ببرود معجزة:
“بعمل الغدا.”
هو شمّ الأكل.
وقال:
“بتعملي مكرونة؟”
قالت:
“آه.”
بص على التلات أطباق.
وقال:
“كل ده ليه؟”
قالت:
“للبنات.”
وساعتها…
أنا فهمت إنها عايشة مسرح يومي.
كل كلمة لازم تبقى محسوبة.
هو دخل المطبخ أكتر، وبص على الوحدة اللي أنا فاتحها.
وقال:
“فتحت الدرج؟”
الست ردت قبلي:
“لا، هو بيصلح السكة بس.”
بصلي.
أنا هزيت راسي.
وقلت:
“أيوه، كان بيقفش.”
هو فضّل باصصلي ثانيتين زيادة.
ثانيتين تقال جدًا.
وبعدين قال:
“كويس.”
ولف عشان يطلع.
لكن قبل ما يطلع، وقف عند باب المطبخ، وبص لمراته، وقال:
“طلعي الأكل فوق بعد ما يخلص.”
قالتها له بهدوء:
“حاضر.”
وطلع.
وأنا في اللحظة دي…
أقسـ . ـم بالله فهمت معنى كلمة “محاصرة” أول مرة بجد.
أول ما خطواته بعدت، الست خدت نفس طويل جدًا، كأنها كانت واقفة تحت المية وطلعت.
قلت:
“ده لازم يتبلغ حالًا.”
قالت:
“أنا عارفة.”
قلت:
“بس ازاي مستحملة تعيشي هنا؟”
قالت وهي ماسكة السلسلة:
“عشان البنات.
وعشان البيت.
وعشان الورق.
وعشان كنت محتاجة دليل.
لو كنت خرجت بالكلام بس، كانوا قالوا أم مكلومة وبتتخيل.
دلوقتي… معايا صوته وصورته وإيده.”
الجملة دي كانت ناشفة، لكن وراها خراب.
قلت:
“طيب الشـ . ـرطة.”
قالت:
“مش من هنا.
لو عرف هيمـ . ـوتني قبل ما أوصل.”
أنا بصيت على اللابتوب والفلاشة والورق.
وقلت:
“فيه مكان آمن؟”
قالت:
“أختي.”
قلت:
“كلميها.”
قالت:
“لو كلمتها دلوقتي وهو هنا، هيشـ . ـك.”
أنا فكرت ثانيتين.
وبعدين قلت:
“أنا آخد الحاجة.”
هي بصتلي بسرعة.
قلت:
“أنا خارج دلوقتي طبيعي، شايل العدة.
والفلاشة والورق يبقوا معايا.
أول ما أنزل أتصل بأي حد لازم.”
سكتت.
واضح إنها بتفكر: تثق فيّ ولا لأ؟
وبصراحة…
هي كان عندها حق تشـ . ـك.
لأنها من أول يوم كانت مضطرة تستخدم الإيحاءات والتلاعب عشان تقعدني.
يعني هي أصلًا ما تعرفش إذا كنت راجل كويس ولا لأ.
أنا بس كنت الخيار الوحيد اللي جه في وقت مناسب.
قالت:
“ليه تساعدني؟”
أنا بصيت لها، وقلت:
“عشان أنا من ساعة دخلت، كنت فاكرك حاجة…
وطلعتي حاجة تانية خالص.
وعشان بنتك ما ينفعش تفضل صوتها في فلاشة جوه درج مطبخ.”
الجملة دي خلت عينها تلمع لأول مرة.
وقالت:
“خدهم.”
أخدت الفلاشة، والورق، والسلسلة.
وحطيتهـ . ـم جوه صندوق العدة تحت المفكات والمـ . ـسامير.
وكمّلت تصليح السكة فعلًا عشان كل شيء يبقى طبيعي.
بعد عشـ . ـر دقايق، خلصت.
نادت عليه من تحت وقالت:
“حسام خلص.”
نزل شاف الوحدة.
جرّبها.
وقال:
“كويس.”
بصلي.
وبعدين قال:
“تعرف تيجي تاني لو احتجـ . ـنا؟”
الجملة دي، على بساطتها، كانت مرعـ . ـبة.
لأن معناها إنه مرتاح لوجودي… مش عارف إنّي خرجان من بيته شايل خرابُه.
قلت:
“تحت أمرك.”
ومشيت.
أول ما خرجت من الباب، ما حسّيتش برجلي.
حرفيًا.
روحت ركبت العربية، وقفلت الأبواب، وخدت نفس.
وبعدين اتصلت بأول حد جه في دماغي:
صاحبي أحمد، ضابط في القسـ . ـم، معرفة قديمة.
قلتله:
“أنا معايا حاجة لازم تشوفها فورًا.”
في أقل من ساعة، كنا في القسـ . ـم.
والفلاشة اتفتحت.
والورق اتقري.
والسلسلة اتحطت في حرز.
ومن اللحظة دي…
القصة ما بقتش قصة فني مطبخ وست جميلة.
بقت قضية قتــ ـل أو تسبّب وعنـ . ـف أسري وتلاعب في الأدلة.
أحمد اتحرك بسرعة، ومعاه إذن.
والبيت اتداهم بالليل.
والراجل اتمسك.
أما هي…
فطلعت ببناتها عند أختها.
أنا ما شوفتهاش بعدها غير بعد حوالي أسبوع.
طلبت تقابلني في كافيه بعيد.
رحت.
المرة دي، كانت لابسة عادي جدًا.
لا جلابية ناعمة، ولا ريحة أكل، ولا مطبخ، ولا أي حاجة من الست اللي كانت بتطبخ لي بإيدها.
كانت باينة على حقيقتها:
ست مرهقة.
نامت قليل.
وعينيها فيهم بقايا صدمة ونهاية حـ . ـرب.
قعدت قدامي وقالت:
“أنا جاية أعتذر.”
قلت:
“على إيه؟”
قالت:
“على أول ساعة.”
أنا سكت.
قالت:
“أنا من أول ما شفتك، قررت أستخدم أكتر صورة الرجال بيفهموها.
أكل.
قرب.
راحة زيادة.
أسئلة شخصية.
عشان أفضل ضامن إني مش هتخليك تقلق وتمشي.”
أنا بصيت لها وقلت:
“وإنتِ كنتِ عارفة إني هفهمك غـ . ـلـ . ـط.”
قالت:
“أيوه.”
قلت:
“وده ما وجـ . ـعكيش؟”
قالت وهي تنزل عينيها:
“وجـ . ـعني من نفسي… بس أنا كنت خلاص بعدت عن مرحلة الكرامة.
أنا كنت في مرحلة الإنقاذ.”
الجملة دي قفلت الحوار كله.
لأن لما واحدة تبقى في المرحلة دي…
ما بقاش عندها رفاهية تختار طريقة نضيفة أو مريحة أو تحفظ صورتها.
قلت:
“أنا برضه آسف.”
قالت:
“على إيه؟”
قلت:
“إني من أول دقيقة شفتك من الباب الغـ . ـلـ . ـط.”
ابتسـ . ـمت ابتسامة صغيرة جدًا، وقالت:
“ما هو ده الباب الوحيد اللي الناس بتشوف الستات منه لما يبقوا لوحدهم.”
بعد شهرين تقريبًا، القضية أخدت شـ . ـكل رسـ . ـمي، والتحقيقات أثبتت إن منة ما مـ . ـاتتش “وقـ . ـعت من السلم” زي ما اتقال.
كان فيه عنـ . ـف متكرر، وتهـ . ـديد، وإخفاء أدلة.
والفلاشة كانت القشة اللي قصمت ظهر الرواية الكـ . ـذابة.
أما أنا…
فرجعت لشغـ . ـلي.
مطابخ، أدراج، مفصلات، وخشب.
بس والله عمري ما دخلت مطبخ بعد كده بنفس العين.
كل مرة ألاقي ست بتتكلم براحتها، أو تحط أكل، أو تسأل سؤال شخصي، أو تقف قريبة، بقيت أوقف جوايا التفسير السهل.
لأن التفسير السهل كان هيخليني يومها أخرج من الفيلا دي، وأنا فاكر إن الست بتحاول تغويني.
والحقيقة كانت إن الست دي بتحاول تنقذ بنتيها من قاتـ . ـل.
أيوه…
أنا من أول لحظة فهمت:
الطبخ = دعوة
المعلقة = قرب
“أنا بحب الراجل اللي ياكل من إيدي” = باب مفتوح
“أنت متجوز؟” = اختبار
“المتجوزين مكسورين” = مرارة مغرية
لكن الحقيقة كانت:
الطبخ كان عشان يحافظ على شـ . ـكل البيت طبيعي
التلات أطباق كانوا لبناتها
الدرج المخفي كان قبـ . ـر دليل
والصورة المشطوب عليها الراجل فيها ما كانتش كراهـ . ـية عشوائية… كانت بداية كشف الحقيقة
وفي الآخر، فهمت حاجة عمري ما هنساه:
مش كل ست بتطبخ لك بإيديها تبقى بتدخلك حياتها…
ساعات بتدخلك جـ . ـريمة.
والأخـ . ـطر من كده؟
إن الستات لما تضطر، ممكن تستخدم نفس الصورة اللي الرجالة متعودين يفهموها غـ . ـلـ . ـط… عشان تفتح باب عمر الحقيقة ما كانت هتعرف تدخله لو قالتها بصوت واضح.
آخر مرة شفتها، كانت في المحكمة.
وقفت بعيد، ومعاها بنتين.
لما عيني جات في عينها، رفعت إيدها سلام صغير.
أنا رديت.
والبنت الصغيرة اللي كانت ماسكة إيدها، سألتها بصوت ما سـ . ـمعتهوش لكن قريته من شفايفها:
“ده مين؟”
هي بصتلي، وبعدين نزلت تبص للبنت، وقالت كلمة واحدة بس، أنا شفتها:
“نجّار.”
ما قالتش منقذ.
ولا شاهد.
ولا راجل كويس.
ولا أي حاجة كبيرة.
وقالتها صح.
لأن في الآخر…
أنا ما كنتش بطل القصة.
أنا كنت فني مطبخ دخل أصلّح درج…
ففتح مطبخ كامل على الحقيقة.