حكايات انجي الخطيب 1

بنتي اتصلت بيا وهي بتعيط وبتقولي: “يا بابا، تعال خدني من هنا أرجوك”. ولما وصلت بيت حماها، لقيت حماتها واقفة في وشي وسادة الباب وبتقولي ببرود: “مش خارجة من هنا”. زقيتها ودخلت.. وأول ما عيني وقعت على بنتي وهي مرمية على الأرض، عرفت إن الموضوع مش مجرد “خناقة عائلية”، دول كانوا مخبيين مصيبة متعمدين.

​صوت بنتي اتكسر وهي بتقول لي “يا بابا، تعال خدني” وبعدها الخط فصل.

​سقت العربية وقطعت المسافة لفيلا “عيلة المنشاوي” في وقت قياسي، والمطر كان نازل زي السيل على الإزاز. الفيلا كانت عبارة عن سور عالي وبوابات حديد وشكلها اللي يحسسك إنها مبنية عشان ترهب اللي جواها وتتمنظر على اللي براها.

​”سعاد”، حماتها، فتحت الباب قبل ما أدق التانية. كانت لابسة لبس غالي وشكلها ست متعالية وكأنها بتطرد حد جاي يشحت.

​قالت لي بوش خشب: “بنتك مش خارجة من هنا”.

 

​رديت عليها بنبرة تقطع النفس: “وسعي من وشي”.

​ضحكت باستهزاء وقالت: “بقولك إيه يا سيد، إنت آخرك تصلح مكن تصوير في ورشتك الصغيرة، متجيش تعمل فيها عنتر هنا”.

​الكلمة دي سمعتها كتير قبل كدة. عيلة المنشاوي كانوا فاكرين إن ورشتي الصغيرة معناها إني غلبان وعلى نياتي. عمرهم ما سألوا أنا كنت بشتغل إيه قبل ما أفتح الورشة، وأنا عمري ما حبيت أحكي.

​سمعت صوت حاجة خبطت في الأرض جوه.

​زقيت “سعاد” ودخلت.

​لقيت بنتي “نور” مرمية جنب سفرة السفرة، هدومها مقطعة، وخدها مورم، وإيدها كلها زرقاء. كانت واقعة وجنبها كوباية مية مكسورة. جوزها “كريم” كان واقف فوق راسها وماسك ملف في إيده.

​قال بسرعة وهو بيحاول يمثل: “دي جالها حالة عصبية يا عمي، إحنا بنحاول نهديها”.

​نور بصت لي وبحركة شفايفها بس قالت لي: “أوعى تشرب حاجة هنا”.

​في اللحظة دي، ملامح الخوف من على وشي اختفت، وظهر الراجل اللي قعدت 23 سنة أتدرب إني أكونه.

​لا زعقت ولا لمست “كريم”. طلعت موبايلي، بدأت تسجيل، وقلت: “يا نور، إنتي طلبتي تمشي؟”.

​ردت بصوت ضعيف: “أيوه”.

​”في حد منعك؟”.

​”كريم” قرب مني وقال: “اقفل الزفت اللي في إيدك ده”.

​طلع “الدكتور عادل المنشاوي”، حما بنتي، من الطرقة وقال: “البنت دي مش متزنة، إحنا بنحاول نحميها”.

 

​على السفرة، كان الملف مفتوح. عيني وقعت على توكيلات قانونية، وأوراق تحويل ملكية، واسم “صندوق الاستثمار” اللي مراتي الله يرحمها كانت عاملاه لبنتي.

​فجأة كل حاجة وضحت قدامي.

​هما مكنوش حابسينها عشان خناقة، كانوا حابسينها عشان ورثها اللي هيصرفوا أول دفعة كبيرة منه بعد ست أيام بالظبط.

​ركعت جنب “نور” وقلت لها: “تقدري تقومي؟”.

​”كريم” وقف في طريقنا وقال: “هي ماضية على ورق، ومحدش هيخرج من هنا غير لما نخلص”.

​بصيت للكاميرا بتاعة الموبايل وقلت بوضوح: “كريم المنشاوي لسه معترف دلوقتي إنه حابس بنتي غصب عنها عشان يخليها تمضي على أوراق مالية”.

​لأول مرة، ابتسامة الغرور اختفت من على وشه.

​حاولت “سعاد” تخطف الموبايل، رجعت لورا ودوست على الشاشة مرة واحدة. الفيديو كان خلاص بيترفع على سحابة إلكترونية مؤمنة.

​قال “عادل” بصوت مهزوز: “فاكر إن الفيديو ده يخوفنا؟”.

​رديت عليه ببرود: “لا، بس اللي هيخوفكم هو صوت الإسعاف اللي بره ده”.

​نور أزرق بدأت تنور جوه الفيلا. وأنا في الطريق، كنت متصل بالإسعاف والشرطة وسايب الخط مفتوح عشان يسمعوا كل اللي بيحصل…

 

أصوات سرينات الشرطة والإسعاف كانت بتزلزل هدوء الحي الراقي، والأنوار الحمرا والزرقا بدأت تعكس على الحيطان الكبيرة لفيلا المنشاوي من ورا الإزاز الغرقان بمية المطر.

ملامح الدكتور عادل المنشاوي اتهزت تماماً، والملف اللي في إيد كريم كان بيترعش. سعاد رجعت خطوتين لورا وهي بتبص للبوابات الحديدية اللي بدأت تفتح تحت ضغط رجال الشرطة.

دخل مأمور المباحث ومعاه اثنين من أمناء الشرطة وطاقم الإسعاف. المأمور بص للمكان، عينه جرت بسرعة بين “نور” اللي مرمية على الأرض وهدومها المتبهدلة، وبين كريم اللي واقف فوق رأسها، وبيني وأنا ماسك الموبايل.

المأمور زعق بنبرة حاسمة: “إيه اللي بيحصل هنا؟ مين طلب النجدة؟”

رفعت إيدي وبصيت له بثبات تام وقلت: “أنا اللي كلمتكم يا فندم. أنا مواطن اسمي سيد، ودي بنتي نور. تم احتجازها بالقايمة والضرب والتعذيب لإجبارها على التوقيع على مستندات مالية وتنازلات عن ورثها، ومعايا تسجيل كامل للواقعة وصوت جوزها وحماها وهم بيعترفوا بمنعها من الخروج”.

كريم اتقدم بسرعة وصوته عالي وبيترعش: “يا فندم الكلام ده كذب! مراتي مريضة نفسياً وجاتلها حالة تشنج، وإحنا كنا بنحميها، وأبوها تهجم على البيت وكسر الباب!”

الدكتور عادل حاول يسترد هيبته وقال بثقة مصطنعة: “سيادة الرائد، أنا الدكتور عادل المنشاوي، وأعتقد إنت عارف الاسم ده كويس. البنت دي بتتعالج عندي في المستشفى، والملف الطبي بتاعها يثبت إنها غير متزنة”.

المأمور مبصش لعادل، أشار لطاقم الإسعاف: “اشحنوا المجني عليها فوراً على المستشفى العام لإعداد تقرير طبي وافي بحالتها والإصابات اللي فيها”.

المسعفين قربوا من نور وشالوها براحة على النقالة. نور مسكت في إيدي وهي بتعيط وبتقول: “متمشيش يا بابا.. متسبنيش معاهم”.

بست رأسها وقلت لها: “متخافيش يا قلب أبوكِ، اللي جاي كله بتاعي أنا”.

المأمور التفت لكريم وعادل وسعاد وقال بلهجة حاسمة: “كريم عادل المنشاوي، وعادل المنشاوي، اتفضلوا معانا على القسم. سعاد هانم، هتحصلينا على هناك”.

سعاد صرخت بغضب: “قسم إيه اللي نروحوا؟ إنت عارف بتكلم مين؟! إحنا عيلة المنشاوي! ده حتة مصلح مكن تصوير جربوع، هتحبسنا بسببه؟!”

المأمور رد ببرود: “في النيابة هتعرفي أنا بكلم مين. اتفضلوا قدامي”.

في قسم الشرطة، كانت الساعة عدت 4 الفجر.

كريم وعادل كانوا قاعدين في مكتب التحقيق ومعاهم ثلاثة من أكبر المحامين في البلد، واثقين إن العلاقات والفلوس هتطلعهم بضمان مالي في غضون ساعات.

المحامي الكبير بتاعهم بص للمأمور وقال: “يا فندم، دي خلافات زوجية عادية، والتقرير الطبي اللي هيتقدم من مستشفى الدكتور عادل يثبت إن الزوجة غير مسؤولة عن أفعالها، وموكليني كانوا بيحتووا الموقف. والتسجيل اللي مع الأستاذ سيد ده تسجيل غير قانوني لأنه تم بدون إذن النيابة وفي مكان خاص”.

كنت قاعد في ركن المكتب، هادي جداً، حاطط رجل على رجل، وبشرب قهوة سادة.

المأمور بص لي وقال: “أستاذ سيد، المحامي كلامه قانوني بخصوص التسجيل في مكان خاص.. عندك رد؟”

وقفت، عدلت جاكت البدلة القديم بتاعي، وقربت من مكتب المأمور. طلعت بطاقة شخصية تانية خالص من جيبي الداخلي، وحطيتها قدامه على المكتب.

المحامين وعادل وكريم بصلوا للبطاقة باستخفاف، بس ملامح المأمور اتغيرت تماماً أول ما قرا الاسم والرتبة السابقة المكتوبة فيها.

بصيت لعادل المنشاوي وقلت بنبرة هادية بس ترعب: “التسجيل قانوني بنسبة 100% يا دكتور، لأن المكالمة بدأت وبنتي بتستغيث بيا في التليفون، والخط فضل مفتوح مع عمليات وزارة الداخلية بناءً على بلاغ خطف واحتجاز قسري مش خلاف زوجي. يعني النجدة كانت سامعة لايف.. والنيابة عندها علم بالبلاغ قبل ما رجلي تخطي عتبة فيلتك”.

المحامي الكبير تراجع لورا وبص لعادل بملامح قلقانة.

كملت كلامي وأنا ببص في عين كريم: “أنا قعدت 23 سنة في جهاز الأمن القومي يا كريم. ولما خرجت معاش مبكر وفضلت أشتغل في ورشة مكن التصوير، كان عشان أعيش لبنتي بعيد عن الوجع والدماغ. إنتوا افتكرتوا السكوت قلة حيلة.. وافتكرتوا إن عيلة المنشاوي فوق القانون”.

في اللحظة دي، دخل أمين الشرطة ومعاه التقرير الطبي المبدئي من المستشفى العام، وحطه قدام المأمور.

المأمور قرا التقرير وعينه برقت، وبص لكريم وقال: “تقرير المستشفى العام بيقول: كدمات سحجية، اشتباه في كسر بالرسغ الأيمن، وآثار حقن بمادة مخدرة غير معلومة في الرقبة.. مادة لسه مفعولها في دمها”.

عادل المنشاوي وشه بقى زي الأموات، وكريم بدأ يعرق رغم التكييف.

التفتت للمأمور وقلت له: “الموضوع مش ضرب بس يا فندم. المادة المخدرة دي عشان يجبروها تمضي على أوراق صندوق الاستثمار اللي هيتفتح بعد 6 أيام. دي جناية شروع في قتل، واحتجاز بدون وجه حق، وتزوير واستعمال قسوة”.

كريم صرخ: “أنا ممضيتهاش على حاجة! الورق لسه أبيض!”

ابتسمت وطلعت ورقة صغيرة من جيبي، وقلت له: “الورق الأبيض ده، أنا سحبت الأصول بتاعته من السفرة وأنا بركع جنب بنتي، وسيبت لكم صور مكن التصوير اللي إنت بتستهزأ بيها يا كريم.. الأصول دي عليها بصماتك وبصمات الدكتور عادل، وهي دلوقتي حرز في القض//ية”.

المأمور خبط على المكتب وقال: “يقيد المحضر جنايات.. ويحرز الملف والتقرير الطبي.. ويتحفظ على المتهمين كريم عادل المنشاوي وعادل المنشاوي لحين العرض على النيابة الصبح مع مراعاة الحراسة المشددة”.

وأنا خارج من مكتب المأمور، سعاد كانت داخلة القسم ودموعها نازلة من الخوف والمنظرة راحت. بصت لي وقالت بنبرة مكسورة: “سيد بيه.. إحنا ممكن نحل الموضوع ودي.. الفلوس اللي إنت عايزها..”

قاطعتها وأنا بفتح شمسيتي عشان المطر: “الفلوس اللي بتتكلمي عنها دي، هي اللي هتدفن عيلتكم بالكامل في السجن.. استنوا مكالمة من النائب العام الصبح”.

ركبت عربيتي وتحركت على المستشفى وبطريقي كلمت زميل قديم ليا في الجهاز وقلت له: “يا فوزي.. وحشتني.. عايزك تفتح لي ملف مستشفيات الدكتور عادل المنشاوي.. وتشوف لي الأدوية المخدرة اللي بتدخل هناك بتدخل إزاي.. الحساب بدأ”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *