واحدة بدات تصورنى

واحدة بدأت تصورني وأنا برضع ابني الرضيع على البحر… لكن سؤال واحد من بنتي اللي عندها 8 سنين خلّى كل اللي على الشاطئ يبطلوا يبصوا عليا ويبصوا عليها هي.
ابني آدم كان عنده 3 أسابيع بس، ودي كانت أول مرة أخرج من البيت من ساعة ما ولدته.
بنتي ليلى كانت بقالها أسابيع بتترجاني نروح البحر. كانت صبورة جدًا طول فترة حملي، وبعد ما أخوها اتولد بقت متفهمة أكتر. كانت تستحق يوم تفرح فيه، من غير ما كل حاجة تبقى حوالين الرضاعات، والحفاضات، والسهر.
جهزت كل اللي هنحتاجه، وربطت العيال في العربية، وروحنا أهدى شاطئ عام أعرفه.
اخترت مكان بعيد عن الزحمة وعن الناس اللي بيلعبوا كرة طايرة.
لما آدم عيط من الجوع، قعدت تحت الشمسية وغطيته ببطانية خفيفة. ماكانش باين منه غير أعلى راسه الصغيرة. أي حد من بعيد أصلًا ماكانش هيعرف إني برضعه.
وليلى كانت قاعدة جنبي مبسوطة وهي بتبني قلعة رمل.
كام دقيقة وكل حاجة كانت هادية.
وفجأة سمعت واحدة بتقول باستهزاء
بجد؟!
بصيت لقيتها واقفة على بعد كام متر، وموجهة موبايلها ناحيتي وبتصورني.
وما حاولتش حتى تخبي إنها بتصور.
بالعكس… قربت أكتر.
وقالت بصوت عالي هو الناس بقى شايفة إن ده عادي؟! مقرف! يعني هترضعي ابنك في أي مكان وخلاص؟!
العائلات اللي حواليّ بدأت تبص علينا.
حاولت أتمالك أعصابي، وعدلت البطانية على آدم، وقلت بهدوء أنا مغطية نفسي بالكامل… أنا بس بأكل ابني.
ضحكت بسخرية وقالت آه طبعًا! ما هنا فيه رجالة وأطفال. أقل حاجة عندك ذوق، ادخلي الحمام وارضعيه هناك.
حسيت وشي ولع من الإحراج.
أنا ماجتش البحر عشان أخش في خناقة. كل اللي كنت عايزاه إني أشبع ابني الصغير، وأخلي ليلى تقضي يوم حلو بعد أسابيع وهي مأجلة كل احتياجاتها.
كنت خلاص بفكر ألم حاجتي وأمشي…
وفجأة ليلى بطلت تبني القلعة.
قامت وقفت، ونفضت الرمل من على

إيديها، ومشيت لحد الست اللي كانت بتصور.
بصت للموبايل اللي موجه ناحيتنا، وسألتها سؤال واحد بس… بصوت واضح وعالي.
في اللحظة دي، وش الست احمرّ.
وفي ثواني، كل الناس على الشاطئ بطلت تبص عليا…
وبقت كلها بتبص عليها هي.
ليلى وقفت قدام الست من غير خوف، وبصت لها بعينيها الواسعة وقالت بهدوء
هو حضرتك أخدتِ إذن من ماما قبل ما تصوريها؟
سكتت الست لحظة… لكن قبل ما ترد، ليلى كملت
إحنا في المدرسة اتعلمنا إن مينفعش نصور حد من غير إذنه… لأن ده بيضايقه.
الهمهمة بدأت تعلى بين الناس.
الست حاولت تتماسك وقالت وهي بتلف الموبايل في إيديها
أنا بصور عشان الناس تشوف قلة الأدب اللي بقت في البلد.
ليلى عقدت حواجبها باستغراب، وقالت
طب لو حد صور حضرتك وإنتي قاعدة بتاكلي، ونزلك الفيديو على الإنترنت، هتفرحي؟
واحدة من السيدات اللي كانت قاعدة قريب سابت الكرسي بتاعها وقامت.
قالت بهدوء
البنت عندها حق.
وفجأة، راجل كبير كان قاعد تحت شمسية جنبنا قرب هو كمان وقال
امسحي الفيديو يا مدام… محدش له حق يصور حد من غير إذنه.
الست بدأت تحس إن الموقف بيتقلب ضدها.
لكن بدل ما تمسح الفيديو، رفعت الموبايل أكتر وقالت بعصبية
أنا حرة… وأنا بصور في مكان عام.
في اللحظة دي، شاب كان واقف بعيد جه بسرعة.
كان لابس تيشيرت عليه شعار الشاطئ، والناس افتكرته مجرد منقذ.
وقف بيننا وبين الست وقال
ممكن أشوف الموبايل لو سمحتي؟
ردت بعصبية
وإنت مالك؟
ابتسم ابتسامة هادئة، وطلع كارت صغير من جيبه ورفعه قدامها.
أول ما شافته… لون وشها اتغير تمامًا.
وبدأت إيديها ترتعش وهي ماسكة الموبايل.
أما الناس، فبقوا يبصوا للشاب باستغراب، ومستنيين يعرفوا هو مين بالظبط…الشاب خد نفس هادي وقال
أنا مسؤول الأمن الإداري في الشاطئ… ومن ضمن شغلي متابعة أي شكاوى تخص خصوصية الزوار.
الست ابتسمت ابتسامة متكلفة وقالت
وأنا معملتش حاجة غلط.
رد عليها بهدوء
ده اللي هنعرفه بعد ما نشوف الفيديو.
شدت الموبايل ناحيتها بسرعة.
مش هوريه لحد.
في اللحظة دي، اتجمع عدد أكبر من الناس.
واحد من الشباب قال
إحنا كلنا شفنا إنها كانت بتصور الست من غير إذن.
وسيدة كبيرة كانت قاعدة من الأول رفعت إيدها وقالت
وأنا كمان شاهدة… البنت كانت بترضع ابنها وهي مغطية نفسها بالكامل.
الست بدأت تتوتر، لكن لسه بتحاول تبان قوية.
قالت بصوت عالي
أنا هرفع الفيديو على السوشيال ميديا، والناس هي اللي تحكم.
ساعتها لأول مرة اتكلمت أنا.
رغم إن صوتي كان بيرتعش، قلت
اعملي اللي إنتِ شايفاه صح… لكن قبل ما تنشريه، افتكري إن ابني اللي عمره 3 أسابيع هيبقى جزء من الفيديو، وبنتي الصغيرة كمان.
ليلى مسكت إيدي وقالت وهي باصة للست
هو الناس لما تشوف الفيديو هتزعل من ماما… ولا هتزعل من اللي صور ماما وهي تعبانة؟
الجملة دي خلت أكتر من شخص يهز راسه.
لكن اللي قلب الموقف فعلًا…
إن راجل كان قاعد بعيد تحت شمسية زرقا قام فجأة، وقرب بخطوات سريعة.
أول ما الست شافته… اتجمدت مكانها.
وشها بقى أصفر، ونزلت الموبايل من إيديها ببطء.
أما الراجل، فوقف قدامها وقال بصوت منخفض، لكنه كان كفاية يخليها ترتبك
إنتِ… بتعملي نفس الغلطة تاني؟
وفجأة، عرفت من نظرة عينيها إن الراجل ده مش غريب عنها… وإن بينهم حكاية قديمة محدش من الموجودين كان يعرفها الراجل وقف قدامها، وبص لها نظرة طويلة، وقال
واضح إنك لسه متعلمتيش من اللي حصل المرة اللي فاتت.
اتسعت عينيها، وردت بسرعة
إنت مالك بيا؟
ابتسم بسخرية خفيفة وقال
لأنك عملتي نفس الحركة السنة اللي فاتت… صورتي أم وهي بترضع طفلها، ونزلتي الفيديو على الإنترنت، ولما الناس عرفوا الحقيقة اضطرّيتي تمسحيه وتعتذري.
همهمة قوية انتشرت بين الموجودين.
الست بدأت تلف حواليها، وكأنها بتدور على أي حد ينقذها.
لكن الناس كانت كلها مستنية تسمع باقي الكلام.
الشاب كمل
أنا كنت موجود وقتها… وكنت مسؤول عن كتابة التقرير اللي اتقدم ضدك.
وشها بقى شاحب.
وقالت بعصبية
إنت بتفترى!
رد بهدوء
لو بافترى، افتحي الموبايل وورّي الناس الفيديو.
سكتت.
لأول مرة… سكتت.
في اللحظة دي، بنت صغيرة كانت قاعدة مع أهلها قربت من أمها، وقالت بصوت مسموع
ماما… دي بتصور أي حد يعجبها؟
الأم حضنت بنتها بسرعة، وقالت وهي بتبص للست
عشان كده مينفعش نسمح لحد يصور الناس.
بدأت كام أسرة تجمع حاجتها وتقرب من مكاننا، مش علشان يمشوا…
لكن علشان يقفوا جنبنا.
واحدة من الأمهات مدتلي زجاجة مية وقالت
كملي رضاعة ابنك… وإحنا هنا.
حسيت دموعي هتنزل، لكن حاولت أتماسك.
أما الست، فكانت لسه ماسكة الموبايل بقوة.
وفجأة… سمعنا صوت إشعار خارج من موبايلها.
بصت للشاشة، واتوترت بشكل واضح.
وصلها اتصال باسم شخص أول ما شافته، ضغطت على زرار الرفض بسرعة.
لكن واحد من الشباب لمح الاسم قبل ما الشاشة تقفل…
وفجأة قال بصوت عالي
استنوا… هو الشخص ده…الشاب قرب خطوة وقال
أنا شفت الاسم كويس… الأستاذ حسام.
الست ارتبكت وقالت بسرعة
وده يخصك في إيه؟
رد الشاب وهو باصص للموبايل
لأنه صاحب الصفحة اللي بتنزل عليها فيديوهات الناس من غير إذنهم… صح؟
الست اتجمدت.
ولأول مرة نزلت الموبايل من قدام وشها.
الناس بدأت تهمس
يعني هي بتصور الناس مخصوص؟
عشان تنزل الفيديوهات؟
راجل كان واقف وراها قال
أنا فاكر الصفحة دي… كل شوية تنزل فيديوهات لناس في مواقف محرجة.
الست صرخت بعصبية
إنتوا مالكوا! دي صفحة توعية.
لكن محدش اقتنع.
الشاب مد إيده وقال
لو فعلًا توعية… يبقى أكيد معندكيش مشكلة تورينا الفيديو قبل ما تنشريه.
فضلت ساكتة.
ثواني…
وبعدين بدأت ترجع لورا وهي مخبية الموبايل ورا ضهرها.
وفجأة ليلى شدّت طرف تيشيرتي وهمست
ماما… هي بتمسح حاجة.
بصيت بسرعة.
كانت صوابع الست بتتحرك على الشاشة
لمحة نيوز

بعصبية، كأنها بتحاول تمسح الفيديو أو تخفيه.
لكن في نفس اللحظة، بنت مراهقة كانت واقفة قريب قالت بصوت عالي
استني… أنا كنت بصور البحر من بعيد.
كل الناس بصتلها.
رفعت موبايلها وقالت
واضح إن الست دي دخلت بالغلط في الفيديو بتاعي… وكل اللي حصل من أول ما بدأت تصور لحد دلوقتي متسجل عندي.
ساد صمت غريب.
الأنظار كلها اتنقلت من موبايل الست…
إلى موبايل البنت.
أما الست، فكان واضح من ملامحها إنها فهمت إن أي فرصة تقلب بيها الحقيقة لصالحها… انتهت.
لكن قبل ما البنت تشغل الفيديو…
وصل شخص جديد يركض من ناحية بوابة الشاطئ، وأول ما شاف الست، صرخ باسمها بصوت عالي
نهى… إوعي تشغلي أي حاجة!الكل لف ناحية الصوت.
راجل في أواخر الثلاثينات كان بيجري وهو بيحاول يلقط نفسه.
أول ما وصل، وقف قدام الست وقال بصوت واطي لكنه كان مليان توتر
إنتِ عملتي إيه المرة دي؟
نهى ردت بعصبية
متتدخلش.
قال وهو بيبص للناس حواليه
أنا بس عايز أعرف… صورتي حد تاني من غير إذنه؟
واحد من الموجودين رد قبلها
أيوة… كانت بتصور الأم وهي بترضع ابنها.
الراجل غمض عينيه للحظة، وكأنه كان متوقع الإجابة.
وبعدين قال لنهى
أنا قلتلك ألف مرة… بطلي تعملي كده.
نهى صرخت فيه
اسكت!
لكن الراجل مكملش كلامه معاها… لف ناحيتي أنا وقال
أنا آسف جدًا على اللي حصل.
أنا كنت لسه حاضنة آدم، ومش فاهمة هو مين.
سألته
حضرتك تعرفها؟
اتردد ثانيتين…
وبعدين قال
دي أختي.
ساد صمت ثقيل.
بعض الناس افتكروا إنه جه يدافع عنها.
لكنه فجأة مد إيده وقال
نهى… اديني الموبايل.
شدته منها بسرعة.
حاولت تمنعه وهي بتقول
إنت مالكش حق!
لكنه فتح معرض الصور قدام الناس.
بدأ يقلب بسرعة…
وفجأة وقف مكانه.
ملامحه اتغيرت.
كان في عشرات الفيديوهات لناس مختلفة…
ستات، أطفال، عائلات…
كلهم متصورين من غير ما يعرفوا.
رفع عينه بصدمة وبص لأخته وقال
إنتِ بقالك قد إيه بتعملي كده؟
نهى ما ردتش.
لكن واحدة من السيدات اللي كانت واقفة قالت
يبقى دي مش أول مرة.
الراجل فضل باصص في الموبايل، وفجأة شهق.
كان فيه مجلد عليه اسم غريب…
ولما فتحه، اتسعت عينيه بشكل مخيف.
قال بصوت مرتعش
يا نهى… إنتِ محتفظة بالفيديو ده لحد دلوقتي؟!
كل الموجودين حاولوا يشوفوا الشاشة…
أما نهى، فاندفعت فجأة تحاول تخطف الموبايل من إيده وهي بتصرخ
اقفله… اقفله حالًا!الراجل رجّع خطوة لورا قبل ما نهى تلحق تخطف الموبايل.
قال لها بصدمة
ليه لسه محتفظة بيه؟! بعد كل اللي حصل؟
نهى حاولت تبرر وهي بتبص حواليها
ده… ده مجرد أرشيف.
لكن نبرة صوتها كانت مهزوزة.
أخوها هز راسه وقال
أرشيف؟! ده فيديو لطفل صغير وأمه وهم مش عارفين إنهم بيتصوروا!
الناس بدأت تغضب فعلًا.
واحد من الرجال قال
هات الموبايل هنا… شوفوا هي مصورة كام أسرة.
لكن أخوها رفع إيده وقال
محدش يقرب. الموضوع لازم يتم بالطريقة الصح.
في اللحظة دي، مسؤول الأمن الإداري رجع ومعاه مدير الشاطئ.
مدير الشاطئ سأل بهدوء
إيه اللي بيحصل هنا؟
أخو نهى سلّمه الموبايل بنفسه وقال
راجع الفيديوهات اللي عليه… وهتعرف.
مدير الشاطئ قلب في المعرض دقيقة كاملة، وكل ما يقلب، ملامحه كانت بتتغير.
رفع عينه وقال لنهى
الفيديوهات دي كلها متصورة هنا؟
نهى ما ردتش.
قال مرة تانية بنبرة أشد
بكلمك.
همست
…أغلبها.
الهمهمة انتشرت في الشاطئ.
اتضح إن الموضوع مش فيديو واحد… ولا حتى اتنين.
كانت بتروح أماكن عامة، وتصور الناس في لحظات خاصة أو محرجة، وبعدها تنزل المقاطع على الإنترنت عشان تجيب مشاهدات وتعليقات.
ولما الناس بدأت تستوعب الحقيقة، بقوا يبصوا لها بنظرة مختلفة تمامًا.
مش لأنها كانت بتنتقد أم بترضع طفلها…
لكن لأنها كانت بتحول خصوصية الناس لمحتوى من غير موافقتهم.
وفي اللحظة اللي الكل كان مستني يعرف إيه اللي هيحصل بعد كده…
وقف مدير الشاطئ، طلع هاتفه، وقال جملة واحدة قلبت ملامح نهى بالكامل
مفيش حد هيمشي من هنا… الشرطة في الطريق أول ما سمعِت كلمة الشرطة، نهى اتراجعت خطوتين للخلف.
وبصت حواليها بسرعة، كأنها بتدور على أي مخرج.
لكن الناس كانت واقفة في هدوء، من غير ما حد يقرب منها أو يحاول يمسكها.
أخوها قال بحزن
متحاوليش تهربي… كل مرة كنت بقول يمكن تتغيري.
ردت عليه بعصبية
أنا معملتش جريمة!
مدير الشاطئ قال بحزم
ده اللي الجهات المختصة هتحدده.
بعد حوالي عشر دقايق، وصلت دورية الشرطة.
نزل ضابط ومعاه فردان، وسأل بهدوء
مين اللي قدم البلاغ؟
اتقدم مدير الشاطئ، وشرح من أول لحظة الست بدأت فيها التصوير، لحد ما الناس اتجمعت.
بعدها الضابط بصلي وقال
حضرتك تحبي تحرري محضر؟
كنت مترددة.
كل اللي كنت عايزاه من أول اليوم إن بنتي تلعب، وابني يرضع في هدوء.
لكن بصيت لليلى.
كانت واقفة ماسكة إيدي، ولسه ملامح الخوف على وشها.
افتكرت إن لو سكت، ممكن أم تانية تتعرض لنفس الموقف.
فقلت بهدوء
أيوه… هحرر محضر.
الضابط هز راسه باحترام، وبعدها طلب من نهى تسلمه الموبايل.
في البداية رفضت.
لكن أخوها هو اللي أخده منها وحطه في إيد الضابط.
وقبل ما الضابط يحطه في الكيس المخصص لحفظ المضبوطات، سأل نهى
في أي نسخ تانية للفيديوهات دي؟
نهى سكتت.
ثانيتين…
خمسة…
وبعدين قالت جملة خلت أخوها يبص لها بصدمة
الفيديوهات بترفع تلقائي على حسابي… أول ما أصورها.
ساد صمت ثقيل.
الضابط قفل الكيس، وبص لزميله وقال
يبقى لازم نراجع الحساب كمان.
في اللحظة دي، نهى أدركت إن الموضوع بقى أكبر بكتير من مجرد فيديو على الشاطئ… وأن التحقيق هيكشف كل المقاطع اللي كانت بتنشرها من سنين نهى أول ما سمعت كلام الضابط، فقدت هدوءها تمامًا.
قالت بسرعة
استنوا… أنا همسح الحساب كله.
الضابط رد بحزم
بعد إذنك، متلمسيش أي جهاز تاني.
أخوها حط إيده على راسه وقال
كنتِ بتقولي إنك بطلتي من شهور.
بصتله وهي بتعيط لأول مرة وقالت
كنت كل ما التفاعل يقل… أنزل فيديو جديد.
واحدة من السيدات اللي كانت واقفة وسط الناس قالت بغضب
يعني إحنا بالنسبة لك مجرد محتوى؟
محدش رد.
الصمت كان أبلغ من أي كلام.
الضابط طلب بياناتي، وسجل أقوال مدير الشاطئ، والشاب مسؤول الأمن، والبنت اللي كان معاها الفيديو اللي صور كل الواقعة.
كل واحد حكى اللي شافه بالتفصيل.
وأثناء كتابة المحضر، جه راجل كبير في السن كان قاعد بعيد طول الوقت.
قال للضابط
أنا كمان عندي حاجة.
طلع موبايله، وفتح فيديو كان صوره من بعيد.
الفيديو كان واضح جدًا.
من أول لحظة نهى رفعت الموبايل وصوبته ناحيتي…
لحد ما ليلى وقفت قدامها وسألتها
حضرتك أخدتِ إذن من ماما قبل ما تصوريها؟
صوت ليلى كان واضح في الفيديو.
وكل الموجودين سكتوا وهم بيتفرجوا.
حتى الضابط ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
البنت دي عندها وعي يحترم.
أنا بصيت على ليلى، وحضنتها بإيد واحدة وأنا شايلة آدم بالإيد التانية.
همست لها
أنا فخورة بيكي.
ابتسمت وقالت
أنا بس مكنتش عايزة حد يزعلك يا ماما.
في اللحظة دي، حسيت إن اليوم اللي بدأ بخوف وإحراج… اتحول لدرس عمره ما هيتنسي.
لكن وأنا راجعة ألم حاجتي، لمحت الضابط وهو بيفتح أول فيديو قديم من موبايل نهى…
وفجأة، اتغيرت ملامحه تمامًا.
رفع عينه ناحية زميله وقال بصوت منخفض
واضح إن فيه شخص معروف جدًا موجود في الفيديو ده… لازم نتأكد قبل ما نكمل.
وانتهى المشهد على نظرات الاستغراب اللي ملأت المكان، بينما بدأ التحقيق ياخد اتجاهًا جديدًا تمامًا الضابط وقف في مكانه وهو مركز في شاشة الموبايل.
قرب زميله منه وقال
في إيه؟
رد بصوت منخفض
الفيديو ده مش جديد… متصور من حوالي سنة.
قلب الشاشة ناحيته، واتفرجوا عليه سوا.
كان الفيديو لأم قاعدة في نفس الشاطئ تقريبًا، بترضّع طفلها وهي مغطية نفسها بالكامل.
لكن اللي لفت انتباه الضابط مش الأم…
كان الراجل اللي ظهر في الخلفية لدقائق.
الضابط عقد حاجبيه وقال
أنا شفته قبل كده.
زميله بص كويس، وفجأة قال
أيوه…

ده شاهد في قضية كبيرة كانت عندنا.
أخو نهى سمع الجملة، واتوتر.
وقال بسرعة
يعني إيه؟
الضابط قفل الفيديو وقال
دلوقتي مقدرش أقول.
في نفس الوقت، كان في فرد الشرطة التاني بيفتش باقي الملفات.
فتح مجلد تاني.
لقوا عشرات الفيديوهات، وكل واحد عليه تاريخ ومكان.
مارينا.
حديقة عامة.
مول.
شاطئ.
كلها لناس عاديين، متصورين من غير علمهم.
لكن وسط الفيديوهات، ظهر ملف اسمه
مهم… متتنشرش.
الضابط فتحه.
نهى صرخت بأعلى صوتها
لأ… متفتحوش!
لكن كان فات الأوان.
اشتغل الفيديو.
الصورة كانت مهزوزة، كأنها متصورة بسرعة.
وظهر صوت نهى وهي بتقول
صور… صور بسرعة.
بعدها بثواني…
بدأت خناقة عنيفة بين شخصين بعيد عن الكاميرا.
وفجأة…
سمعوا صوت استغاثة.
ثم انقطع الفيديو فجأة.
ساد صمت في المكان.
الضابط بقى مركز جدًا.
وأخو نهى بصلها بصدمة وقال
إنتِ كنتِ موجودة وقت الحادثة دي؟
نهى نزلت رأسها من غير ما ترد.
الضابط قال بنبرة حاسمة
واضح إن الموضوع أكبر من مجرد تصوير الناس.
ثم التفت لأفراد الشرطة وقال
خدوا الموبايل مع باقي الأحراز… وهنتعامل مع كل ملف فيه حسب القانون.
أما أنا، فحضنت آدم أكتر، ومسكت إيد ليلى، وبدأت أمشي بعيد.
كنت فاكرة إن دوري انتهى…
لكن قبل ما أوصل لباب الشاطئ، سمعت الضابط بيناديني باسمي.
استدرت باستغراب…
ولقيته ماسك الموبايل، وبيقول
يا مدام… في حاجة ظهرت في آخر فيديو… أعتقد إنها تخصك إنتِ.الضابط طلب من الجميع يبعدوا شوية، وبعدها قال لنهى بهدوء
هتجاوبي على كل سؤال من غير لف ولا دوران.
نهى كانت بتترعش.
قالت
أنا هقول كل حاجة… بس أوعوا تسيبوه يهرب.
الضابط سألها
مين هو؟
ردت بعد تردد طويل
اسمه الحقيقي معرفوش… كان بيعرّف نفسه باسم كريم.
اتعرفتِ عليه إزاي؟
من حوالي سنة ونص… كلمني بعد فيديو انتشر ليا، وقال إن عنده صفحة كبيرة وعايز يشتغل معايا.
وكان بيديلك فلوس؟
هزت راسها.
في الأول مبالغ صغيرة… وبعد كده بقى يحددلي أماكن معينة وأوقات معينة.
الضابط عقد حاجبيه.
أماكن معينة؟
أيوه… يقولي روحي الشاطئ الفلاني يوم الجمعة… أو المول الساعة خمسة… أو الحديقة يوم السبت.
وكان بيطلب منك تصوري شخص معين؟
نهى سكتت.
الضابط كرر السؤال.
ردت بصوت واطي
لا… كان يقولي صوري أي عائلات فيها أطفال.
أنا حسيت برعشة في جسمي.
ليه عائلات فيها أطفال تحديدًا؟
الضابط لاحظ خوفي، فقال
متقلقيش… إحنا هنتحقق من كل كلمة.
بعدها طلب من أحد أفراد الشرطة ياخد بياناتي كاملة، وقال
لو احتجنا أي معلومة إضافية هنتواصل معاكي.
وأنا بكتب بياناتي، لقيت ليلى بتشد هدومي.
بصيت لها.
قالت بصوت خافت
ماما…
نعم يا حبيبتي؟
أنا شوفت الراجل ده قبل كده.
قلبي وقف لحظة.
نزلت لمستواها بسرعة.
فين يا ليلى؟
بصت ناحية البحر، وكأنها بتحاول تفتكر.
وقالت
مش النهارده… قبل ما آدم يتولد.
الضابط سمع كلامها، فقرب فورًا.
وسألها برفق
فاكرة كان فين؟
ليلى غمضت عينيها لحظات، وبعدين قالت جملة خلت الجميع ينظر لبعضه في ذهول
كان واقف قدام مدرستي… ولما شافني ماسكة إيد ماما، ابتسم… وبعدها مشي بسرعة.
ساد صمت مرعب.
الضابط أغلق دفتره ببطء، ثم قال لزميله
واضح إن الموضوع مش صدفة… لازم نراجع كل الكاميرات حوالين الأماكن دي.
وفي تلك اللحظة، شعرت لأول مرة أن ما بدأ كموقف محرج على الشاطئ… قد يكون كشف شيئًا أخطر بكثير مما تخيل أي شخص اتجمدت مكاني.
بصيت للضابط وقلت باستغراب
تخصني أنا؟ إزاي؟
أشارلي أقرب، وقال
ممكن تتفرجي بنفسك.
قربت وأنا شايلة آدم، وليلى ماسكة في إيدي.
الضابط رجّع آخر ثواني من الفيديو.
الصورة كانت مهزوزة، لكن في الخلفية ظهر وش واحدة ست لثواني معدودة.
بصيت كويس…
وحسيت قلبي وقع.
دي… دي أنا.
لكن الفيديو كان متصور قبل ما آدم يتولد بأشهر.
كنت وقتها حامل في آخر شهور الحمل.
ظهر إني كنت ماشية على الكورنيش، وفجأة وقفت أساعد طفل صغير وقع على الأرض.
الضابط وقف الفيديو وقال
كملي.
كمل التشغيل.
بعدها بثواني، ظهرت نهى وهي بتقرب بالكاميرا أكتر، لكن فجأة غيرت اتجاهها، وكأنها كانت بتصور حاجة تانية.
ثم ظهر راجل لابس كاب أسود، كان بيراقبني من بعيد.
ماكانش باصص على الكاميرا…
كان باصص عليا أنا.
قشعريرة سرت في جسمي.
قلت
أنا معرفوش.
الضابط قرب الصورة قدر الإمكان.
وقال
الغريب إنه ظهر في أكتر من فيديو على موبايلها.
بدأ يقلب بسرعة.
وفعلًا…
في فيديو في المول.
وفي فيديو في الحديقة.
وفي فيديو على الشاطئ.
في كل مرة… نفس الراجل كان موجود في الخلفية، وعلى مسافة قريبة مني.
ولأول مرة، ملامح نهى انهارت.
قالت وهي بتبكي
والله… أنا ماكنتش أعرفه.
الضابط بص لها بحدة
أمال كان بيظهر ليه في كل فيديو؟
ردت وهي بتمسح دموعها
هو… هو اللي كان بيطلب مني أصور في الأماكن دي.
ساد صمت ثقيل.
أخوها بص لها بذهول وقال
إيه؟!
نهى هزت رأسها وهي منهارة
كان يديني فلوس… ويقولي صوري أي عائلات أو ستات مع أطفالهم… وأنا كنت فاكرة إنه بيجمع محتوى لصفحات على الإنترنت.
الضابط قفل الموبايل ببطء.
وبص لزميله وقال
واضح إن التحقيق لسه هيبدأ…وافقت وأنا مش قادرة أستوعب أي حاجة.
كل اللي كان في دماغي سؤال واحد
ليه بنتي؟
الضابط طلب من إحدى الشرطيات تقعد مع ليلى في غرفة جانبية وترسم أو توصف الراجل لو فاكرة ملامحه.
بعد ربع ساعة، الشرطية رجعت وهي ماسكة ورقة.
قالت
البنت ذاكرتها قوية بشكل غريب.
بصيت على الرسمة.
كانت قريبة جدًا من الراجل اللي ظهر في الكاميرات.
الضابط أخد الرسمة، وبعتها للإدارة المختصة لمقارنتها بقاعدة البيانات.
عدت أقل من ساعة…
وفجأة، تليفونه رن.
رد، وسكت وهو بيسمع.
ملامحه اتغيرت.
قفل المكالمة وبصلنا.
قال
في تطابق جزئي.
قلبي دق بعنف.
مين هو؟
قال
مش مطلوب في قضية خطف زي ما كنا خايفين… لكنه سبق واتحقق معاه في قضية مراقبة وتتبع أشخاص، واتقفلت لعدم كفاية الأدلة.
تنفست شوية، لكن الخوف لسه موجود.
سألته
يعني كان بيراقبنا فعلًا؟
قال
واضح إنه كان بيتابع تحركات أكتر من أسرة، وإحنا لسه بنحاول نفهم السبب.
في اللحظة دي، دخل فرد شرطة بسرعة وقال
يا فندم… لقينا عنوانه.
الضابط قام فورًا.
وقبل ما يخرج، بصلي وقال
حضرتك ارجعي البيت، ومتفتحيش الباب لأي حد غريب، ولو حصل أي حاجة اتصلي بينا فورًا.
رجعت البيت وأنا حاسة إن كل عربية ماشية ورانا.
قفلت الباب، وراجعت الكاميرات اللي جوزي كان مركبها من زمان.
كل حاجة كانت طبيعية.
لحد الساعة تسعة بالليل.
جرس الباب رن.
بصيت في شاشة الكاميرا.
مفيش حد.
استغربت.
لكن بعد ثانيتين…
ليلى جريت ناحيتي وقالت
ماما… في حاجة تحت الباب.
بصيت.
كان فيه ظرف أبيض متزحلق من أسفل الباب.
فتحتُه بحذر.
كان فاضي…
إلا من صورة واحدة.
صورتنا أنا وليلى وآدم…
على الشاطئ…
الصورة كانت متصورة من زاوية مختلفة تمامًا عن زاوية نهى.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط واحد فقط
أنا كنت قبلكم بخطوة في صباح اليوم التالي، ماقدرتش أنام غير ساعتين.
كل ما أغمض عيني، أفتكر كلام ليلى… وابتسامة الراجل الغريب.
كنت بحاول أقنع نفسي إنها يمكن تكون متلخبطة.
في الآخر هي طفلة.
لكن الساعة عشرة الصبح، موبايلي رن.
كان رقم الضابط.
رديت بسرعة.
قال
مدام… ممكن حضرتك تيجي القسم النهارده؟
قلبي انقبض.
في حاجة حصلت؟
قال
لقينا حاجة مهمة في موبايل نهى، وعايزين نتأكد منها.
بعد ساعة كنت في القسم، وآدم نايم في العربية مع أختي، وليلى قاعدة جنبي.
دخلنا مكتب الضابط.
فتح اللابتوب، وشغل كاميرات المراقبة الخاصة بالشاطئ.
وقال
بصي كويس.
ظهر الفيديو.
نهى وهي بتصورني.
وبعدين…
ظهر الراجل صاحب الكاب الأسود.
لكن المرة دي الكاميرا جابته بوضوح.
كان واقف بعيد، وماكانش باصص عليا…
كان باصص على ليلى.
فضل واقف يراقبها أكتر من عشر دقائق.
وفي كل مرة تتحرك فيها من مكان لمكان…
كان ينقل مكانه هو كمان.
حسيت إيدي ساقعة.
الضابط وقف الفيديو وقال
إحنا راجعنا كاميرات المول اللي نهى كانت فيه من شهرين.
فتح فيديو تاني.
ظهر نفس الراجل.
وليلى كانت معايا.
فتح فيديو تالت.
كان من حديقة عامة.
وبرضه…
نفس الشخص.
المرة دي ماقدرتش أتكلم.
قلت بصوت متقطع
يعني… كان بيراقبنا؟
الضابط ماجاوبش مباشرة.
قال
لحد دلوقتي… دي مجرد ملاحظة. لكن في حاجة أخطر.
فتح ملف صغير.
كان فيه صورة ثابتة مستخرجة من كاميرا الشاطئ.
كبرها تدريجيًا.
لحد ما ظهر شيء صغير في

إيد الراجل.
مش موبايل…
ولا كاميرا.
كان ماسك ورقة مطوية.
الضابط فتح صورة أوضح التقطتها كاميرا تانية.
ولما كبرها، ظهرت أول كلمة مكتوبة عليها…
ليلى.
في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتلف بيا.
إزاي راجل غريب شايل ورقة عليها اسم بنتي؟
وليه كان بيتابعنا من مكان لمكان؟
الضابط قفل اللابتوب بهدوء، وبصلي وقال
من النهارده… إحنا هنطلب توفير حماية مؤقتة ليكم لحد ما نعرف الراجل ده مين أول ما قريت الجملة، حسيت الدم اتجمد في عروقي.
قفلت الباب بالمفتاح، وسحبت ليلى بعيد عنه.
واتصلت بالضابط فورًا.
رد بعد أول رنة.
قلت له وأنا بحاول أتماسك
في حد حط ظرف تحت باب البيت… وفيه صورة لينا.
سكت ثانيتين، ثم قال بجدية
متلمسيش الصورة أكتر من كده. إحنا جايين حالًا.
بعد أقل من عشرين دقيقة، كانت سيارة الشرطة واقفة قدام البيت.
الضابط لبس قفازات، وحط الصورة والظرف في كيس مخصص.
وبعدين خرج يشوف كاميرات العمارة.
رجع بعد نص ساعة وملامحه متغيرة.
قلت بقلق
شوفتوا مين؟
قال
للأسف… الشخص كان لابس كاب وكمامة، ووقف في مكان بعيد عن الكاميرا أغلب الوقت.
يعني مش هنعرفه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
استني.
فتح اللابتوب.
وشغل كاميرا من محل بقالة في أول الشارع.
ظهر الشخص وهو ماشي بسرعة.
وفجأة، قبل ما يلف عند آخر الشارع، شال الكاب من على راسه للحظة.
الضابط وقف الصورة.
كبرها.
وبعدين بص لزميله وقال
هو هو.
أنا سألت بسرعة
الراجل اللي في فيديوهات نهى؟
هز رأسه.
أيوه.
في اللحظة دي، رن هاتف الضابط.
رد، وبعد دقيقة قفل المكالمة.
ثم التفت ناحيتي وقال
عندي خبرين… واحد مطمّن، وواحد مقلق.
قلت بلهفة
إيه هما؟
قال
الخبر المطمّن إننا عرفنا اسمه الحقيقي وعنوانه.
ابتلعت ريقي.
والخبر التاني؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال
لما القوة راحت العنوان… الشقة كانت فاضية.
هرب؟
واضح إنه هرب قبل وصولنا بدقايق.
ثم أخرج الضابط صورة أخرى وجدتها القوة داخل الشقة.
ناولني إياها.
كانت صورة قديمة لحديقة عامة…
وأنا فيها مع ليلى.
لكن الغريب…
إن الصورة دي كانت متصورة قبل سنة كاملة.
ولأول مرة أدركت أن مراقبته لنا لم تبدأ من الشاطئ… بل كانت مستمرة منذ وقت طويل، وأن ما حدث على الشاطئ لم يكن سوى الصدفة التي كشفت كل ذلك مرّت ثلاثة أيام، والشرطة كانت بتراجع كل الكاميرات، وتفتش الشقة، وتجمع أي دليل ممكن يوصلهم للرجل.
وأنا بقيت أعيش على أعصابي.
كل صوت عربية يقف تحت البيت كان يخوفني.
وكل مرة جرس الباب يرن، قلبي كان يدق بعنف.
في اليوم الرابع، الضابط اتصل بيا.
قال
محتاجين حضرتك تيجي تشوفي حاجة.
رحت فورًا.
دخلت غرفة التحقيق، ولقيت شاشة كبيرة عليها عشرات الصور.
الضابط قال
فتشنا الشقة، ولقينا هارد ديسك.
بدأ يفتح المجلدات.
كانت كلها صور وفيديوهات لأماكن عامة.
لكن الغريب…
ولا صورة فيهم كانت لطفل لوحده.
كلها كانت لعائلات كاملة.
أب وأم وأطفال.
أو أم مع أولادها.
سألته
يعني هو كان بيعمل إيه؟
قال
لسه مش عارفين.
ثم فتح ملف اسمه مراقبة.
كان جواه جدول.
فيه تواريخ…
وأماكن…
وأوصاف قصيرة.
قرأ أول سطر
الأم تخرج الساعة 515.
السطر اللي بعده
البنت تروح الملاهي كل جمعة.
ثم وقف عند سطر خلّى قلبي يقع.
كان مكتوب
ليلى… تحب تبعد عن والدتها وتلعب لوحدها.
شهقت.
ولقيت نفسي بمسك طرف الترابيزة عشان مقعش.
الضابط قفل الملف بسرعة.
وقال
واضح إنه كان بيراقب العائلات ويكتب ملاحظات.
في اللحظة دي، دخل ضابط تاني وهو مستعجل.
قال
يا فندم… لقيناه.
كلنا بصينا له.
قال
اتقبض عليه في محطة أتوبيس وهو بيحاول يسافر.
الضابط قام بسرعة.
وقبل ما يخرج، قال لي
خلاص… كابوسكم قرب ينتهي.
لكن بعد ساعتين…
رجع الضابط، وملامحه ماكنتش مطمنة.
قلت
إيه اللي حصل؟
قال بهدوء
اتقبضنا على الراجل فعلًا.. .
سكت لحظة.
…لكن أثناء التحقيق، قال جملة واحدة خلت كل اللي في الغرفة يسكت.
ابتلعت ريقي.
قال إيه؟
بصلي الضابط وقال
قال أنا ماكنتش براقب الأسرة دي لوحدي… كان فيه حد بيديني أسماءهم الغرفة كلها سكتت.
أنا حسيت إن الأرض بتميد بيا.
قلت للضابط بصوت مرتعش
يعني… فيه حد يعرفنا؟
هز رأسه وقال
إحنا لسه منقدرش نجزم. ممكن يكون بيحاول يشتت التحقيق.
بعد ساعات، بدأوا يستجوبوا الراجل بالتفصيل.
في الأول كان بيرفض يتكلم.
لكن لما واجهوه بالصور، والكاميرات، والهارد ديسك، بدأ ينهار.
قال
أنا عمري ما قربت من أي طفل… ولا خطفت حد.
الضابط سأله
أمال ليه كنت بتراقب العائلات؟
سكت دقيقة كاملة، ثم قال
أنا كنت بشتغل لشركة دعاية.
الضابط استغرب.
شركة دعاية؟
أيوه… كانوا بيجمعوا صور وفيديوهات حقيقية لعائلات في أماكن عامة، ويبيعوها لشركات إنتاج وإعلانات على إنها لقطات طبيعية.
كل اللي في الغرفة بصوا لبعض.
الضابط قال بحدة
وده يبرر إنك تراقب الناس بالشهور؟
هز رأسه.
لا… اعترف إني تجاوزت حدود شغلي.
ثم كمل
لما بعض العائلات كانت ترفض التصوير، بقيت أطلب من ناس زي نهى يصوروا بدل مني.
التحقيق استمر ساعات.
ومع مراجعة الأجهزة، اكتشفوا إن كلامه عن شركة الدعاية كان فيه جزء صحيح، لكن الجزء الأخطر إنه كان بيحتفظ بنسخ خاصة لنفسه بدون علم أي جهة.
وده اللي خلا القضية تتحول من مجرد انتهاك خصوصية… إلى اتهامات أكبر تتعلق بجمع بيانات وصور أشخاص دون موافقتهم.
بعد أسبوعين، استدعوني مرة أخيرة.
الضابط سلمني ورقة وقال
الفيديو اللي صورته نهى، وكل الصور اللي تخصكم، اتحذفت واتثبت ده رسمي.
تنفست لأول مرة من يوم الشاطئ.
وأنا خارجة، ليلى مسكت إيدي وقالت
ماما… هنروح البحر تاني؟
بصيت لها، وابتسمت رغم كل اللي حصل.
قلت
أكيد هنروح.
قالت
ومش هنخاف؟
حضنتها وقلت
الخوف مش لازم يمنعنا نعيش. .. بس لازم يخلينا أذكى وأوعى.
ابتسمت ليلى، وشالت الجردل الصغير بتاع الرمل، وقالت
المرة الجاية هبني قلعة أكبر.
وأنا وقتها أدركت إن أشجع شخص في القصة كلها… ماكنش أنا.
كان بنت عندها 8 سنين، وقفت تدافع عن أمها بكلمة واحدة، وخلّت الحقيقة كلها تظهر. تمت بعد شهر تقريبًا، حاولت أرجع حياتي لطبيعتها.
رجعنا نخرج، وليلى رجعت تروح النادي، وآدم كبر شوية وبقى يبتسم كل ما يشوف أخته.
كنت فاكرة إن كل حاجة خلصت.
لحد ما في يوم، وأنا بنضف درج المكتب، لقيت ظرف بني صغير.
استغربت.
كان عليه ختم الشرطة.
فتحته.
جواه فلاشة، ومعاها ورقة مكتوب فيها
تم العثور على هذا الملف أثناء فحص الأجهزة المضبوطة. بعد مراجعة محتواه، لم نجد ما يستدعي ضمه للقضية، لكنه يخص أسرتكم، ولذلك نعيده إليكم.
وصلت الفلاشة بالكمبيوتر.
كان فيها فيديو واحد فقط.
شغلته.
ظهر الشاطئ…
لكن مش اليوم اللي حصلت فيه المشكلة.
كان قبلها بأسبوع.
الكاميرا كانت بتصور من بعيد، وأنا وليلى كنا بنتمشى على الرمل.
وفجأة، ظهر شاب صغير يجري ناحية البحر، وهو مش واخد باله إن فيه حفرة عميقة قدامه.
قبل ما يقع، جريت أنا بسرعة، ومسكت إيده في آخر لحظة.
أمه جريت عليه وهي بتعيط، وفضلت تشكرني.
افتكرت الموقف.
كان يوم عادي، ومشيت بعدها من غير حتى ما أعرف اسمهم.
الفيديو انتهى.
وقبل ما أقفل، لقيت ملف صوتي صغير.
شغلته.
كان صوت الضابط.
قال
إحنا راجعنا كل التسجيلات. الشخص اللي كان بيصوركم صوّر مواقف كتير، أغلبها مؤذية وغير قانونية. لكن الفيديو ده كان مختلف.
ثم سكت لحظة، وأكمل
واضح إنك أنقذت الطفل من غير ما تستني شكر، ولا حتى تعرفي إن حد صوّر الموقف. حبينا يكون عندك التسجيل… لأنه يمكن يكون الذكرى الوحيدة الجميلة اللي خرجت من القضية دي.
قفلت اللابتوب.
بصيت لليلى، اللي كانت بتلعب مع آدم في الصالة.
ابتسمت.
كل اللي افتكرته مش الست اللي صورتني…
ولا التحقيق…
ولا الخوف.
افتكرت بنتي وهي واقفة بثبات، بتقول
حضرتك أخدتِ إذن من ماما قبل ما تصوريها؟
وساعتها فهمت إن أوقات، كلمة بسيطة من طفل…
بتكون أقوى من ألف شخص كبير.
النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *