عندي 35 سنه حكايات روماني مكرم 2

 

الكلمات نزلت عليا كأنها جبل وتهد فوق نفوخي. بصيت لكريم وأنا مش شايفة قدامي، الدنيا اسودت في عيني وكنت هقع لولا إنه سندني وقعدني على الكرسي.

“تنازل؟” نطقت الكلمة وأنا شفايفي بترتعش. “سامح كاتب البيت والمحلات باسمي وباسم العيال عشان كان خايف من الحكومة تصادرهم لو اتمسك… ودلوقتي رجالته عايزين يسبقوا وياخدوا كل حاجة؟”

كريم قعد على ركبه قدامي، ومسك إيدي الاتنين وضغط عليهم جامد عشان يفوقني: “اسمعيني يا داليا، ركزي معايا كويس. اللي كلمنا ده مش مجرد ديلر صغير… ده ‘شوقي’، ذراع سامح اليمين والوحيد اللي كان معاه مفاتيح الخزنة والشغل. شوقي عارف إن سامح لو قعد 10 سنين في السجن، الإمبراطورية دي كلها هتتفتت، وهو عايز يخرج بأكبر مصلحة… البيع والتنازلات دي هي طوق النجاة ليه ولشغلهم.”

“والتزوير؟” سألته وأنا بفتكر التهديد. “هو قال تزوير وتآمر… كريم، إحنا زورنا حاجة في ورق القضية؟”

كريم سكت، ونزل عينيه الأرض للأرض للحظة، وحسيت بنبض إيده بيزيد. الصمت ده رعبني أكتر من التهديد نفسه. وقفت فجأة وزقيته: “رد عليا يا كريم! إنت عملت إيه من ورايا؟”

وقف ورايا وحاول يهديني: “داليا، المحضر اللي سامح اتمسك بيه، والكمين اللي اتعمله في الشقة اللي تحت البيت… مكانش هيتنفذ بالسرعة دي ولا بالدقة دي بالقانون وبس. أنا اضطريت أستعين بظابط زميلي، واستخدمنا تسجيلات غير قانونية أنا وإنتِ سجلناها لسامح في البيت، وقدمناها على إنها إرشاد من مصادر سرية. لو شوقي معاه إثبات إن التسجيلات دي طالعة من جوه البيت وبمعرفتك ومترتبة معايا… القضية هتبطل، وسامح هيخرج براءة في الاستئناف بسبب بطلان الإجراءات!”

حسيت إن الأوكسجين هرب من الأوضة بالكامل. يعني الخطة اللي افتكرتها ذكية وأنضف من القتل، كانت مبنية على حبل دايب؟ ولو الحبل ده اتقطع، سامح مش بس هيخرج… ده هيخرج وهو معاه حكم براءة، ومعاه غل السنين ضدنا.

“طب والحل؟” سألته بصوت مبقاش طالع غير بالعافية. “هتنازل؟ هيدخلوا ياخدوا شقى ولادي ويسيبونا في الشارع؟”

كريم عينيه لمعت بنظرة غريبة، نظرة المحامي اللي بيفكر في ثغرة وسط حبل المشنقة. هز رأسه لاء: “لو تنازلنا، هنبقى برضه تحت رحمتهم. شوقي مش هيسيبنا بعد ما ياخد الأملاك، لأننا بنشكل خطر عليه وعلى سامح. هيفضل يبتزنا بالصور والتسجيلات لحد ما يخلص علينا.”

“أمال هنعمل إيه؟ قدامنا 24 ساعة بس!”

كريم قرب من مكتب الصالة، وسحب ورقة وقلم وبدأ يكتب بسرعة: “شوقي فاكر إنه ماسك الخيوط كلها. هو باعت التهديد ده من غير ما يرجع لسامح في السجن، لأن سامح مستحيل يوافق إن شوقي ياخد الأملاك دي لنفسه. شوقي بيلعب لحسابه الشخصي وعايز يهرب بالفلوس برا البلد.”

بصيت للورقة اللي بيكتب فيها، كانت أسماء وأرقام وتواريخ.

كريم بصلي وكمل: “الـ 24 ساعة دول مش ليهم… دول لينا إحنا. أنا هروح الصبح للظابط اللي ساعدنا، وهنقلب الترابيزة على شوقي. المخزن اللي تحت البيت اتقفل والشغل اللي فيه اتمسك، بس شوقي عنده مخزن تاني في أطراف الجيزة، سامح نفسه مكنش يعرف مكانه بس أنا عرفته من المراقبة. لو اتمسك شوقي متلبس بكرة قبل ما المهلة تخلص… التهديد بتاعه هيموت معاه.”

“ولو اتمسك… وضمنّا منين إنه ميبعتش الصور للنيابة عن طريق حد تاني؟” سألته والخوف بياكل قلبي.

كريم مسك كتافي وبص في عيني مباشرة: “هنا بقى بييجي دورك إنتِ يا داليا. شوقي هيكلمك بكرة الضهر عشان يتأكد إنك بتجهزي ورق التنازل. لازم تطمنيه… لازم تحسسيه إنك مرعوبة ومستسلمة تماماً، وتقوليله إنك عايزة تقابليه عشان تسلميه العقود بنفسك وتضمنى إنه يمسح الصور قدام عينك.”

“عايزني أقابله؟” صرخت برعب. “ده مجرم يا كريم! ممكن يقتلني!”

“مش هيقتلك طول ما العقود والفلوس مش في إيده. المقابلة دي هي الفخ اللي شوقي هيدخله برجله، والشرطة هتكون محاصرة المكان. دي الطريقة الوحيدة عشان نخلص من الكابوس ده نهائي ونحمي ولادنا… ونحمي حبنا.”

كلمة “حبنا” نزلت عليا في التوقيت ده كأنها ذنب. بصيت لنفسي في المراية اللي في الصالة… أنا داليا، الأم لطفلين، اللي جوزها لسه واخد 10 سنين سجن من أسبوع، واقفة الساعة 4 الفجر مع محاميه وبخطط لكمين جديد وسط بحر من الخيانة والخوف.

كريم مشى قبل الفجر ما يطلع، وسابني لوحدي مع أفكاري وجدران البيت اللي بقت بتخنقني.

تاني يوم الضهر، كنت قاعدة في المطبخ، وعيني على الموبايل اللي محطوط على الرخامة. العيال كانوا بيلعبوا في الأوضة وصوت ضحكهم كان بيقطع قلبي.

وفجأة… الموبايل رن.

نفس الرقم الغريب.

أخدت نفس طويل، وفتحت الخط، وحاولت أطلع صوتي مرعوب ومكسور زي ما كريم قالي بالضبط: “ألو…”

جاء صوت شوقي المستهزئ: “ها يا مدام داليا؟ الورق جهز؟ ولا تحبي أبعت النسخة الأولى من الصور لأهل سامح يتفرجوا عليها؟”

ضغطت على ضوافري في كف إيدي لحد ما وجعتني، وقولت بنبرة باكية: “جاهز… الورق جاهز والمحامي عمل كل حاجة بس أنا مش هسلمك حاجة في التليفون. أنا عايزة المقابلة تكون في مكان عام، تسلمني الفلاشة اللي عليها الصور والتسجيلات، وتاخد عقود البيع والتنازل… وإلا ارفع الصور واعمل اللي تعمله، كده ميتة وكده ميتة.”

سكت شوقي لثواني، كأنه بيوزن الكلام في دماغه، وبعدين ضحك ضحكته الواطية: “ماشي يا قطة، طلعتي بتفهمي في الأصول. بكرة الساعة 6 المغرب… في الكافيه المهجور اللي على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي. تيجي لوحدك… لو لمحت عربية المحامي أو أي حد غريب، العقود دي هتبقى ورق بفل بيه في السجن، والصور هتكون في النيابة.”

الخط اتقفل.

كلمت كريم فوراً وبلغته بالمكان والميعاد. صوته كان حاسم: “تمام، الخطة ماشية مظبوط. المباحث هتقفل المكان من الفجر بكرة وعربيات ميكروباص مموهة هتكون هناك. متخافيش يا داليا، بكرة بالليل كل ده هيبقى ماضي.”

يوم المقابلة…

الساعة بقت 5:30 المغرب.

وصلت للمكان بالعربية، الكافيه كان شبه مهدوم على أطراف الطريق الصحراوي، الضلمة بدأت تنزل، والجو كان هواه بارد ومخيف. نزلت من العربية وفي إيدي الشنطة السودا اللي فيها العقود المزورة اللي جهزها كريم.

رجلي كانت بتشيلني بالعافية وأنا داخلة جوه المكان المهجور. مكنش فيه صوت غير صوت الهوا وصوت خطواتي على التراب والمناور المكسورة.

“شوقي؟” ندهت بصوت مرعوش.

مفيش رد.

مشيت خطوتين كمان جوه الصالة الواسعة المظلمة، وفجأة سمعت صوت حركة ورايا. التفت بسرعة وقلبي هيقف من الرعب.

مظهرش شوقي… ظهر واحد تاني خالص من رجالة سامح، وبإيده مسدس موجهه لصدري.

وفي نفس اللحظة، تليفوني رن في جيب الجاكيت. سحبته بسرعة وفتحت الخط وأنا ببص للراجل المسلح.

جاء صوت شوقي في التليفون وهو بيضحك بهستيريا: “فاكراني مغفل يا داليا؟ فاكرة المحامي الصايع بتاعك هيعلم على شوقي؟ الكمين اللي عملتوه مع المباحث في الكافيه أنا كشفته من الضهر… الراجل اللي واقف قدامك ده مش هياخد العقود، ده هياخدك إنتِ معاها كارت إرهاب للمحامي والظابط وصاحبك… ارمي الموبايل على الأرض واقفي مكانك!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء الرابع (وقبل الأخير)

رميت الموبايل من إيدي كأنه جمرة نار، ونزل تحت رجلي والخط لسه مفتوح. الراجل اللي قدامي كان وشه جامد زي الحجر، عينه مابتبربش، وفوهة المسدس ثابتة في اتجاه قلبي.

“امشي قدامي من غير ولا كلمة،” الراجل نطقها ببرود وهو بيشاور بالمسدس ناحية باب خلفي للكافيه المهجور، باب أنا مكنتش شايفاه في الضلمة.

خرجت وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. ورا الكافية كانت مركونة عربية دفع رباعي سودة، أزازها متفيم بالكامل. فتح الباب وزقني لجوه، وركب هو قدام جنب السواق. العربية طلعت بأقصى سرعة ودخلت في وسط المزارع والمدقات الصحراوية بعيد عن الطريق الرئيسي.

كنت ببص من الشباك وأنا بنهار، المباحث والكمين اللي كريم جهزه كانوا عند مدخل الكافيه، والظاهر إن شوقي كان أذكى بكتير، سحبهم للمكان الغلط وبعت رجالته ياخدوني من “ثغرة” هما عارفينها كويس.

بعد نص ساعة من المشي في الضلمة، العربية وقفت قدام مخزن قديم، السور بتاعه عالي وفوقه سلك شائك. نزلوني ودخلوني أوضة ريحتها تراب ورطوبة، مفيش فيها غير لمبة واحدة سهاري بتترعش في السقف.

وفجأة… الباب اتفتح.

دخل شوقي. كان لابس بدلة غالية بس وشه عليه ملامح الإجرام اللي مابتداريش. قعد على كرسي قدامي وولع سيجارة، وبصلي بنظرة خلت جسمي كله يتنفض.

“المحامي بتاعك ذكي يا داليا، بس طماع،” شوقي قالها وهو بينفخ الدخان في وشي. “افتكر إنه لما يوقعني هيقدر يخلص منك ومن سامح وياخد كل حاجة لنفسه. بس اللي هو ميعرفوش… إن أنا وسامح بينا دم، والدم مبيخونش.”

ضحكت بمرارة وسط دموعي: “دم؟ إنت عايز تسرق أملاكه يا شوقي، إنت بتبتزني عشان تاخد الشقق والمحلات.”

شوقي ضحك بصوت عالي: “دي كانت التمثيلية اللي كان لازم تمشي عشان المحامي يطمن ويجيله قلب يغدر بيا. أنا وسامح مرتبين لكل ده من جوه السجن. سامح عرف بخيانتك من أول يوم اتمسك فيه، وكان لازم يسحبكم لمنطقتنا عشان الحساب يصفى.”

الدنيا لفت بيا. يعني سامح هو اللي كان بيدير الخيوط من ورا القضبان؟ يعني التهديد مكنش من شوقي لوحده، ده كان فخ مشترك؟

سحب شوقي موبايله وفتح فيديو مكالمة. وش سامح ظهر على الشاشة، لابس البدلة الزرقاء، وشه كان شاحب بس عينيه كانت لسه فيها نفس نظرة الغل اللي شوفتها في المحكمة.

“منورة يا داليا،” صوت سامح كان طالع من الموبايل زي فحيح الأفعى. “فاكرة إنك خلصتي مني؟ فاكرة إن المحامي ‘الستيف’ ده هيحميكي؟ أنا اللي خليت شوقي يبعتلك الصور عشان أشوفك وإنتِ بتجري عليه تستنجدي بيه… عشان أشوفكم وإنتوا بتبنوا قبركم بإيديكم.”

صرخت في الشاشة: “إنت وحش! كنت عايز تدمر ولادك وتشغلهم معاك!”

سامح خبط بإيده على التربيزة اللي قدامه في السجن وزعق: “ولادي هيربوا في عزي، مش في حضن محامي غدار! دلوقتي يا داليا، شوقي هياخد منك التنازلات الحقيقية، مش اللي كريم زورها… وبعد ما تمضي، المحامي بتاعك هيوصله طرد فيه صورك وإنتِ هنا، وهيعرف إن الدور عليه.”

#حكايات_روماني_مكرم

شوقي طلع ورق من شنطته وحطه قدامي، ومسك إيدي بعنف وحط فيها القلم: “امضي يا مدام. امضي على بيع كل حاجة لسامح، وتنازل عن قضية الطلاق، وإقرار بإنك إنتِ اللي لفقرتي القضية لسامح بمساعدة كريم.”

بصيت للورق… لو مضيت، أنا دمرت نفسي وكريم. ولو متمضيتش، أنا مش هخرج من هنا حية، ويوسف وملك هيعيشوا يتامى أو تحت رحمة سامح.

إيدي كانت فوق الورقة، وسن القلم بيلمس الورق، وفجأة… سمعنا صوت انفجار بره المخزن.

صوت ضرب نار كثيف، وصريخ، ونور كشافات قوية جداً ضرب في شباك الأوضة العالي. شوقي قام وقف مخضوض وسحب مسدسه، والراجل اللي كان واقف على الباب جري يشوف فيه إيه.

صوت جهاز لاسلكي كان شغال في جيب شوقي، وسمعنا صوت عسكري بيصرخ: “المكان محاصر! سلم نفسك يا شوقي!”

#الكاتب_روماني_مكرم

شوقي بصلي بغل، وقرب مني وهو رافع المسدس على دماغي: “المحامي بلغ عن المكان ده كمان؟ والله ما هخرج من هنا غير وإنتِ جثة!”

وفي اللحظة اللي صباعه كان بيضغط فيها على الزناد، الباب اتكسر ودخلت منه قنبلة غاز خلت الرؤية تنعدم في ثانية. سمعت صوت ضرب نار قريب جداً، وحد بيشدني من إيدي بقوة وبيسحبني تحت التربيزة.

“داليا! إنتِ كويسة؟”

كان صوت كريم. بس صوته كان مجهد، وكأنه بينهج من مسافة طويلة.

بصيتله وسط الدخان، كان وشه متغطي تراب وهدومه مقطوعة: “كريم؟ إنت جيت هنا إزاي؟ شوقي قال إنك كنت بتغدر بيا!”

كريم بصلي بعينين مليانة صدق وألم: “شوقي كان بيحاول يوقع بينا في اللحظات الأخيرة. أنا مسبتكيش يا داليا. أنا كنت مراقب العربية اللي خطفتك بجهاز تتبع حطيته في شنطة الورق اللي معاكي. المباحث كانوا ورايا، بس أنا سبقتهم عشان ألحقك.”

الضرب زاد بره، وفجأة شوقي ظهر من وسط الدخان، كان بينزف من كتفه وشكله بقى زي الذئب الجريح. وجه المسدس ناحيتنا وهو بيصرخ: “هتموتوا سوا!”

كريم رمى نفسه قدامي عشان يغطيني بجسمه، وطلقة خرجت من مسدس شوقي…

وقعت أنا وكريم على الأرض، والدم بدأ يغرق السيراميك. في اللحظة دي، العساكر دخلوا الأوضة وضربوا النار على شوقي اللي وقع مكانه.

حطيت إيدي على صدر كريم وأنا بصرخ باسمه، إيدي اتملت دم، وهو كان بيبصلي وبيحاول يبتسم بصعوبة وهو بيفقد الوعي: “ولادك… أمان… يا داليا.”

غمض عينه، وصوت سرينات الإسعاف والمباحث كانت بتملا المكان، وأنا واقفة في وسط بركة الدم دي، صرختي مكتومة في زوري، ومش عارفة هل كريم هيعيش؟ وهل الورق اللي شوقي كان عايزه هيقع في إيد الحكومة وتتكشف الحقيقة كلها ونخسر القضية؟

كل حاجة بقت بتتحسم في الثواني اللي جاية… وظل سامح لسه بيطاردنا من ورا القضبان.

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *