عندي 35سنه حكايات روماني الاخير

 

صوت الإسعاف كان بيخترق السكون اللي حل فجأة بعد ضرب النار. المسعفين دخلوا الأوضة وبدأوا ينقلوا كريم بسرعة، وأنا واقفة متجمدة، إيدي اللي غرقت بدم الشخص الوحيد اللي حماني كانت بترتعش لدرجة إني مش حاسة بجسمي.

“إنتي كويسة يا مدام؟” سألني ظابط المباحث وهو بيشاور للعساكر يلموا السلاح والورق من الأرض.

مردتش عليه.. عيني كانت على الورق اللي شوقي كان عايزني أمضيه، الورق ده لو وقع في إيد الظابط دلوقتي، وقراه وفهم إننا كنا بنلفق أدلة أو بنرتب مع بعض، كل اللي عملناه هيتهد. جريت بخطوات مرتبكة وسبقت الظابط، وخطفت الورق من على التربيزة وحطيته في شنطتي بسرعة.

بصلي بشك وسألني: “الورق ده إيه يا مدام داليا؟ دي عقود التنازل؟”

“دي.. دي أوراقي الشخصية،” قلتها وأنا بحاول أثبت صوتي. “شوقي كان عايز يساومني بيهم.”

الظابط هز راسه وكأنه مش مصدقني تماماً، بس انشغل بالقبض على باقي رجالة شوقي اللي كانوا أحياء. ركبت عربية الإسعاف مع كريم، وطول الطريق كنت بمسك إيده وبهمسله: “متمشيش يا كريم.. متمشيش وتفضحني، إحنا لسه مخلصناش.”

وصلنا المستشفى، ودخلوه العمليات فوراً. قعدت في الممر، الضلمة بدأت تروح ونور الفجر بدأ يشقشق من شبابيك المستشفى، بس قلبي كان في ضلمة تانية خالص. طلعت الورق من الشنطة وبدأت أقطعه حتت صغيرة جداً وأنا بفتكر كلام سامح في الفيديو: “أنا اللي خليت شوقي يبعتلك الصور”.

يعني سامح عارف.. وسامح معاه صور تانية.. وسامح لسه ليه عين برا السجن غير شوقي.

فجأة، موبايلي اللي كان في جيب الجاكيت، واللي المسلح مخدوش مني وقت الخطف، اهتز.

رسالة جديدة.. من رقم برايفت.

فتحتها، وكان قلبي هيقف. مكنتش صورة، كانت رسالة صوتية.

شغلتها وحطيت الموبايل على ودني. كان صوت سامح، بس المرة دي مكنش بيزعق، كان بيضحك بهدوء مرعب: “عارف إنك دلوقتي قاعدة في المستشفى مستنية ‘البطل’ بتاعك يفوق.. وعارف إنك قطعتي الورق. بس اللي إنتي متعرفهوش يا داليا، إن شوقي كان مجرد طعم.. أنا ضحيت بشوقي عشان أشغلك، وعشان أشغل المحامي، وعشان أشغل الحكومة كلها في المخزن المهجور.. في الوقت اللي إنتي كنتي فيه هناك، كان فيه حد تاني بيزور ولادك في البيت.”

وقعت من طولى على كراسي المستشفى. ولادي! يوسف وملك! أنا سبتهم مع الخدامة وقفلت عليهم، بس سامح معاه مفاتيح البيت، ورجالته في كل حتة.

طلبت رقم البيت فوراً.. مفيش رد.

طلبت رقم الخدامة.. موبايلها مقفول.

طلعت أجري من المستشفى زي المجنونة، نسيت كريم، نسيت القضية، نسيت كل حاجة. ركبت تاكسي وقولتله: “على المهندسين بأقصى سرعة!”

وصلت قدام العمارة، لقيت باب الشقة مفتوح على آخره. دخلت وأنا بصرخ: “يوسف! ملك!”

البيت كان هادي بشكل يقطع القلب. دخلت أوضة الأطفال، لقيت الخدامة مربوطة في الكرسي ومكممة، والسرير.. فاضي.

وعلى مخدة يوسف، كانت محطوطة ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيد أنا عارفاه كويس.. خط سامح اللي كان بيكتب بيه رسايل الحب زمان:

“العين بالعين.. والولاد بالحرية. بكرة الصبح، تروحي للنيابة وتغيري أقوالك وتقولي إن المحامي أجبرك تلبسيني القضية، وإلا.. يوسف وملك هيبدأوا رحلتهم في ‘الشغلانة’ اللي إنتي كنتي خايفة عليهم منها.”

في اللحظة دي، تليفون البيت رن.

رفعت السماعة وإيدي بتنفض، جالي صوت كريم من المستشفى، ممرضة بتكلمني وبتقول بصوت واطي: “مدام داليا؟ الأستاذ كريم فاق.. وعايز يقولك كلمة واحدة بس.”

خدت السماعة وسمعت صوت كريم الضعيف وهو بينهج: “داليا.. متصدقيش أي حاجة.. سامح بيلعب.. بآخر كارت..”

الخط قطع.

بقيت واقفة في نص الصالة، بين تهديد سامح بخطف ولادي، وبين تحذير كريم اللي بين الحياة والموت.. والدقائق بتمر، والقرار اللي هاخده دلوقتي، هيحدد مين اللي هيعيش ومين اللي هيدفن للأبد.

#الكاتب_روماني_مكرم

## الجزء الأخير

وقفت في نص الصالة، السكون اللي في البيت كان بيصرخ في وداني. ورقة التهديد في إيد، وسماعة التليفون اللي قطع فيها صوت كريم في الإيد التانية. كنت حاسة إن روحي بتتمزق.. هل أضحي بكرامي وبحريتي وبالحقيقة عشان أنقذ ولادي؟ ولا أسمع كلام كريم اللي بيقول إن سامح بيلعب بآخر كارت؟

بصيت لصور يوسف وملك اللي متعلقة على الحيطة، وفجأة، افتكرت حاجة سامح دايماً كان بيقولها: “اللي بيخاف من اللعبة، مليلعبهاش”. وفي اللحظة دي، الخوف اللي كان مشلشل حركتي اتبدل لبرود غريب.

أنا مش داليا الضعيفة بتاعة زمان. أنا داليا اللي وقفت قدام وحش وسجنته.

جريت على أوضة المكتب بتاعة سامح، وبدأت أدور في الخزنة السرية اللي ورا البرواز، الخزنة اللي شوقي وسامح افتكروا إني معرفش مكانها. فتحتها بإيد بتترعش، وطلعت منها “اللابتوب” الصغير اللي سامح كان مخبيه.

فتحت اللابتوب، وبدأت أدور في ملفات الكاميرات المخفية اللي سامح كان زارعها في كل حتة.. حتى في البيت اللي كان بيخزن فيه البضاعة. وبدأت أشوف التسجيلات.. مش بس تسجيلات الشغل، لا.. تسجيلات لسامح وهو بيتفق مع شوقي على “خيانة” رجالته التانيين عشان يضمن ولاءهم.

وفجأة، لقيت اللي بدور عليه.. فيديو متسجل من يومين بس. سامح كان بيكلم واحد من رجالته من جوه السجن (عن طريق تليفون مهرب) وبيقوله: “لو شوقي فشل، ابعت لداليا ورقة الخطف، بس الولاد خليهم عند عمتهم في المزرعة.. مش عايز حد يلمسهم، أنا بس بكسر نفسها.”

عرفت مكانهم! المزرعة بتاعة أخته في طريق بلبيس.

مسكت الموبايل وكلمت الظابط اللي كان في المستشفى: “يا فندم، ولادي اتخطفوا، ومكانهم في المزرعة الفلانية.. ومعايا دليل يدين سامح في قضية خطف وتواصل من جوه السجن، وفيديو يخليه م يخرجش منها طول عمره.”

تحركت قوات الأمن للمزرعة، وأنا روحت المستشفى لـ كريم. دخلت الأوضة لقيت وشه بدأ يرد فيه النفس. قعدت جنبه ومسكت إيده، وقولتله: “ولادي هيرجعوا يا كريم.. والحقيقة مش هتموت.”

كريم ابتسم بتعب وقال: “الحكمة يا داليا مش في إننا نكسب الحرب.. الحكمة في إننا منبقاش زي اللي بنحاربهم.”

بعد يومين..

ولادي رجعوا لحضني، وسامح اتحول لقضية جديدة “تحريض وخطف”، واتحكم عليه بـ 15 سنة إضافية فوق الـ 10. أما شوقي، فمات في المستشفى متأثراً بجراحه، وسره مات معاه.

وقفت قدام المراية، بصيت لملامحي اللي الزمن والوجع غيروها، بس المرة دي كنت شايفة ست قوية، ست عرفت تحمي بيتها من غير ما تلوث إيدها بالدم، وعرفت إن الحب الحقيقي مش ضعف، لكنه القوة اللي بتخلينا نكمل.

الحكمة اللي خرجت بيها من كل الكابوس ده: “إن الظلم مهما على صوته، بيفضل هش وجبان.. وإن الحقيقة زي الشمس، ممكن السحاب يغطيها شوية، بس في الآخر لازم تنور الدنيا.”

قفلت باب شقتي، وحضنت يوسف وملك، وبدأت صفحة جديدة من عمري.. صفحة مفهاش خوف، مفيش فيها غير “حكايات” هنحكيها للزمن عن القوة والصبر والانتصار.

### تمت

**الكاتب رومانى مكرم**

**#حكايات_رومانى_مكرم**

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *