الخط الأحمر كامله بقلم انجي الخطيب
باقي القصة من هنا 👇😍
الجزء الأول
من مطرح ما جيتوا، تقدروا ترجعوا تاني!.. قالتها أبلة عبير وهي واقفة على باب شقة المعمورة، رافضة تمامًا تخلي قرايبها اللي واقفين على الباب يدخلوا.
الشقة دي ما جاتلهاش ورث، ولا كانت هدية من حد؛ دي اشتريتها بفلوسها، شقا عمرها اللي فضلِت تحوش فيه سنين وسنين. كانت بتشيل القرش على القرش، وتحرم نفسها من حاجات كتير، لا عمرها طلعت مصيف ولا غيرت هدومها اللي قِدمت وبقت محتاجة تتغير من زمان. لما السمسار فرجها على الشقة دي في الآخر كانت صغيرة بس تشطيبها نضيف، بلكونتها واسعة وبتبص على جنينة هادية عبير حست في ساعتها هي دي! هو ده المكان اللي كانت بتحلم بيه في ليالي الشتا الطويلة، لما كانت مدينتها القديمة بتغلي من الزحمة والصوت العالي تحت شباكها، وجيران الشقة اللي فوقيها مشغلين الأغاني لعز الفجر.
عزلت هناك أول شهر مايو، لما الجو بدأ يدفي ونسمة البحر بدت تهل بريحة الوعود الطيبة. أجّرت شقتها القديمة اللي في وسط البلد لعروسين هاديين، ناس محترمة بيدفعوا الإيجار في أول الشهر ومن غير دوشة ولا تليفونات مالهاش لزمة. وفلوس الإيجار دي كانت ممشية بيها حالها مصاريفها، وطلبات الشقة، وشوية زرع وورد للبلكونة. كل حاجة كانت ماشية بالمسطرة، زي ما كانت بتتمنى بالظبط.
بداية الصيف
كانت جنة. عبير كانت بتصحى بدري، تشرب شايها في البلكونة وتسمع زقزقة العصافير. تروي زرعها، وتنضف أصاري الورد، وتقرأ الروايات اللي كانت مركونة على الرفوف بقالها سنين. جارتها في الشقة اللي قصادها، الحاجة فوزية، طلعت ست ذوق وأصيلة يا دوب سلامات وكلام طيب من على الماشي، لا هي مقاطعة ولا هي حشرية، على قد الأصول بالظبط.
لكن المصايب جاتلها من الحتة اللي ما عملتش حسابها، مع إنها لو كانت صريحة مع نفسها، كانت توقعت ده. أختها الكبيرة، رأفت، عرفت بموضوع شقة المعمورة في نص الصيف يمكن من حد من المعارف، أو يمكن عبير هي اللي لسانها فلت في تليفون وهي بتتكلم عن الورد والبحر. رأفت من النوع اللي يلقط الكلمة ويفهم اللي وراها في ثواني.
شقة في المعمورة؟ ردت رأفت بنبرة كأنها لقت كنز مدفون. انتي اشتريتي شقة مصيف يا عبير؟
آه، قالتها عبير، وقلبها انقبض وحست بغصة في حلقها.
يا محاسن الصدف! بقى كده؟ قالتها رأفت، والكلمة كان فيها كل حاجة غيرة، وحسبة مصلحة، وبداية خطة مرسومة.
بعدها بأسبوع، تليفون رن.. كانت بنت أختها، أمنية.
خالتي عبير، سمعنا إنك جبتي شقة في العجمي أو المعمورة؟ ينفع نيجي نقضي عندك الويك إند؟ العيال هيموتوا من حر القاهرة ومحتاجين يشموا هوا نضيف.
عبير ما كانتش بتعرف تكسر بخاطر العيال الصغار دي كانت نقطة ضعفها، وهي عارفاها. فقالت تنوروا. وندمت في نفس اللحظة اللي قفلت فيها السكة. بس الكلمة طلعت. أمنية جات وجابت معاها جوزها، جلال، وعيالها الاثنين ولد عنده حوالي تمان سنين وبنت أصغر منه. جلال كان راجل جعضي ومقامه واسع، دخل المطبخ وفتح التلاجة من غير استئذان كأنه صاحب بيت. والعيال كانوا بيجروا في كل حتة، ورغم إن عبير زعقت وطلبت منهم يقعدوا عاقلين، الولد دلق العصير على السجادة الجديدة، والبنت قطفت الورد البلدي اللي في البلكونة ورمته من الشباك. بعد ما مشيوا، الشقة كانت تضرب تقلب مش بس كركبة، لأ، كان فيه طاقة خنقة في المكان فتافيت أكل على الأنتريه، علامات كوبايات الشاي المعلمة على التربيزة الخشب، تراب وسخ في الطرقة، وكالون باب البلكونة مكسور.
عبير نظفت في سكات. وقالت لنفسها معلش، اعتبريها حادثة وتعدي. الضيوف ضيوف، والعيال عيال.
بس بعد أمنية، السبحة كرّت.
بعد أسبوعين، كلمتها بنت عمها، لمياء، من المحافظة اللي جنبهم. قالتلها إنها جاية هي وجوزها وحماتها ست كبيرة محتاجة تشم هوا البحر. عبير وافقت تاني، بس وهي شايلة طاجن طين. جوز لمياء قضى الإجازة كلها في البلكونة بيشوي، وخلص على الفحم كله اللي عبير كانت شايلاه للشتا. والحما قعدت على الكرسي الهزاز الوحيد المريح، وما بطلتش طلبات هاتي شاي، هاتي مخدة، اقفلي الشباك، افتحي الشباك. ولمياء ما كانتش تمد إيدها بحاجة إلا لو حست إن فيه حد بيبص عليها؛ وبعدها تقعد تقلب في الموبايل. ولما مشيوا، سابوا كيس زبالة كبير ورا الباب وفوطة غريبة في الحمام متبهدلة ومبلولة مية.
بعد الزيارة الثالثة المرة دي كان نسيب رأفت ومراته وابنهم الشاب، واد ساكت ما بينطقش بس بياكل حق ثلاثة عبير اتصلت بأختها رأفت.
جرى إيه يا رأفت؟ قالتلها وهي بتحاول تمسك أعصابها، انتي وزعتي عنوان الشقة على العيلة كلها؟
وفيها إيه يعني؟ ردت رأفت بنبرة زعل مصطنعة، كأنها مظلومة، دول قرايبك، مش ناس من الشارع!
القرايب سايبين وراهم خراب. الكالون اتكسر، السجادة اتبهدلت، والفحم بتاعي خلص.
يا عبير ما تبقيش قفوشة كده! كالون إيه اللي بتتكلمي فيه؟ ده كلام فارغ، والسجادة تتغسل والفحم يتجاب غيره. انتي هتبخلي على أهلك ولا إيه؟
مش ده الموضوع يا رأفت.
أمال إيه الموضوع؟
كان مستحيل تفهمها. عبير حاولت كلمتها عن خصوصيتها، وإن شقتها دي مش لوكاندة ولا مصحة، دي بيتها، بيتها الوحيد دلوقتي، مش مكان عام. رأفت سمعت ببرود وفي الآخر قالتلها
انتي طول عمرك فيكي حتة أنانية.. من صغرك وأنتي كده.
والمكالمة اتقفلت على كده.
بعدها، عبير فضلت قاعدة في البلكونة وقت
الغروب تبص على البحر. الدنيا كانت هادية وريحة اليود طالعة مع النسمة. قعدت تفكر في حياتها كلها، إزاي عاشت تحاول ما تبقاش أنانية كانت بتساعد الكل، وتقف جنب اللي في ديدق، وتسلف فلوس ما كانتش بترجع، وتسمع هموم الناس وهي عمرها ما شيلت حد همها. ودلوقتي، لما وقفت تدافع عن بيتها وسكنها، بقيت أنانية! كان فيه حاجة غلط في الحسبة دي، حاجة مش مظبوطة، بس ما كانتش قادرة تحط إيدها على الغلط فين بالظبط.
الصيف كان بيمر، والقرايب مكملين بقوا بيجوا بنوع من البجاحة، كأنهم عاملين جدول ومقسمين الأيام بينهم. بيجوا في الويك إند، وساعات يكلموها قبلها بيوم، وساعات يتصلوا وهي في المطبخ إحنا في الموقف يا عبير، جهزي الغدا. وفي كل مرة عبير كانت بتفتح الباب، وتأكلهم وتغسل وراهم. وفي كل مرة، كان فيه حاجة بتتكسر أو تبوظ أو تخلص من غير استئذان.
في يوم، لقت جلال جوز أمنية الجعضي داخل المطبخ وأخد طقم السكاكين النظيف وبورسلين الشوربة من غير ما يقول. هستعيرهم بس يا خالة، قالها لما سألته. ولما رجعهم، كانت فيه سكين تلمة وطبق مكسور. بسيطة، هاتي غيرهم الخامات دي مغشوشة أصلاً، قالها جلال من غير نقطة دم واحدة في وشه.
وبعدين لمياء سابت زفارة السمك وشوكه على رخامة المطبخ، وفضل لثاني يوم الصبح لحد ما ريحته قلبت الشقة ودودت، واضطرت تقلب البيت كله مطهرات.
وبعدين واحد من العيال كسر لوح إزاز في ضلفة البلكونة، ومحدش نطق ولا حد قال بكام ده.
عبير كانت بتشيل وتكتم جواها، كأنها بتجمع طوب في شوال.. ساكتة، ومستحملة، وبتعد.. طوبة ورا طوبة.
كلمت رأفت تاني، ورأفت صدتها برضه. وفي مرة، من كتر زهقها قالتلها
يا عبير، افهمي.. لما الناس تجيلك، ده تشريف ليكي. المفروض تفرحي إن ليكي لزمة وعندك خير والناس قصداكي.
أنا مش عايزة اللزمة دي ولا الخير ده بالطريقة دي، قالت عبير.
خلاص براحتك، ردت رأفت، اقعدي فيها لوحدك بقى واشبعي بالبحر والورد بتوعك.
كانت بتقولها بنية الإهانة والقطيعة. بس عبير بينها وبين نفسها قالت والله ده يبق مأمل جميل جدًا! أعيش لوحدي مع البحر والورد. ده كان هو المبتغى والمراد من الأول.
في الخريف، الهجوم قل شوية موسم المصايف خلص، والجو بدأ يبرد والناس سحبت رجليها. عبير اتنفست الصعداء. وبدأت واحدة واحدة تصلح اللي اتدمر غيرت الكالون، ركبت لوح الإزاز المكسور، وجابت سكاكين جديدة. جارتها الحاجة فوزية، اللي كانت شيفا المولد اللي شغال طول الصيف، كانت بتهز راسها بقلة حيلة.
انتي طيبة زيادة عن اللزوم يا بنتي، كانت بتقولها، والناس الطيبين في الزمن ده بيتاكل حقهم.
عارفة، كانت عبير بترد.
أمال ساكتة ليه؟
ما بعرفش أقول لأ.
الحاجة فوزية كانت بتبصلها بنظرة كلها فهم باين عليها شافت من ده كتير في حياتها. كانوا بيشربوا الشاي في البلكونة ويسكتوا، والكلام اللي بينهم كان مفهوم من غير ما ينطقوا بحرف.
الشتا مر هادي وجميل. عبير كانت بتعمل لقمة دافية، تقرأ، وتتمشى على الكورنيش الفاضي. مفيش قرايب بيجوا المشوار بعيد، والجو سُرسُور سقعة، وما يستاهلش التعب. كانت مستمتعة بالهدوء ده وبتفكر.. بتفكر كتير جداً.
كانت بتفتكر إزاي طول عمرها اتربت على إن الأهل خط أحمر، وإن القريب ما بيتسابش، وإن اللقمة لازم تتقسم، والواحد لازم يستحمل ويشيل. وإنك لو رفضت طلب لقريبك، تبقى واد عاق، وقاسي، وبخيل. المفاهيم دي كانت محفورة جواها لدرجة إنها ما خدتش بالها امتى المفاهيم دي مابقتش تخدمها، وبقت تِتِسِنْ ضدها وسكينة بتدبحها..
الجزء الثاني والأخير
مرّ الشتا بحلوه ومره، وعبير قاعدة في شقتها زي الملكة المتوجة في مملكتها الصغيرة. كانت بتصحى الصبح على ريحة اليود، تعمل فنجان القهوة المظبوط، وتقعد في البلكونة تتفرج على نوات الإسكندرية وهي بتقلِب البحر، والمد والموج بياكل في الرمل. كانت حاسة بأمان ميعلمش بيه إلا ربنا، أمان افتقدته سنين طويلة في زحمة القاهرة ودوشة عيلة رأفت وأختها اللي مابتخلصش طلباتها.
لكن دوام الحال من المحال.. مع أول هلة لشهر أبريل، والجو بدأ يفتح والشمس بدأت تدفي، عبير حست بنغزة في قلبها. شافت في المنام كأن فيه سيل من التراب داخل من باب الشقة وهي بتجرِف فيه ومش ملاحقة. صحيت من النوم قلقانة، وقالت اللهم اجعله خير، استرها يا رب.
مفيش يومين، والتليفون رن.. النمرة كانت نمرة رأفت. عبير خدت نفس طويل، وسمّت الله وردت
أيوة يا رأفت، سلام عليكم.
عليكِ السلام يا عبير.. إيه، عاش من سمع صوتك! مابتسأليش يعني ولا بتقولي أختي الكبيرة عايشة ولا ماتت؟
المشاغل يا رأفت، وأنا طول الشتا مابنزلش من البيت وبصلح في الشقة.
اممم.. بتصلحي؟ كويس، أهو تنضفيها وتجهزيها، عشان الصيف على أبواب والعيال هيموتوا على البحر. أمنية بنتي من دلوقتي بتقزقز فيّ عشان أكلمك.
عبير جسمها قشعر، وحست بضغطها بيعلى، بس حاولت تبان هادية
تجهّز إيه يا رأفت؟ الشقة جاهزة لأصحابها بس.. أنا مش هسقبل حد الصيف ده.
الخط قطع ثواني، كأن رأفت الصدمة لجمتها، وبعدين ردت بصوت غاضب ومبحوح
سمعّيني تاني كده؟ مش هتستقبلي مين؟ أنتي اتجننتي يا عبير؟ أنتي فاكرة نفسك قاعدة في قصر ديلوكس؟ دي حتة شقة أوضتين وصالة في أواخر المعمورة! والناس بتوعنا هما اللي بيعملوا لها قيمة لما بيجوا يملوها! وبعدين إحنا قرايبك، لحمك ودمك. . أنتي هتقطعي صلة الرحم
عشان شوية تراب ومسح؟
عبير لقت نفسها بتترعش، بس المرة دي مش من الخوف، المرة دي من كتر الكتمان والزعل اللي اتكوم جواها طول السنة اللي فاتت. افتكرت السجادة اللي دلقوا عليها العصير، وافتكرت كالون الباب المكسور، وطقم السكاكين اللي رجع تلم، وزفارة السمك اللي دّودت على الرخامة. افتكرت إزاي كانت بتنضف وراهم ودموعها نازلة من القهر وشقا عمرها بيبوظ قدام عينيها.
ردت بصوت ثابت كأنه الصخر
أنا مش هقطع صلة رحم يا رأفت. اللي عايز يودّني، يودّني في تليفون، أو يجي يشرب معايا كباية شاي ويمشي في ساعتها.. لكن لوكاندة ومصيف ببلاش وعيال تكسر وتبهدل، ده مش هيحصل تاني. شقتي مش هيدخلها مخلوق الصيف ده.
بقى كده يا عبير؟ رأفت زعقت وزقزقت بصوتها والله لأعرف العيلة كلها حقيقتك وأقولهم إنك طردتينا وبخلتي علينا بشقتك! ومحدش هيمدلك إيده لو وقعتي في ضيقة.. خلي البحر والورد ينفعوكي!
وراحت قفلت السكة في وشها.
عبير قعدت على الكرسي، مفاصلها سايبة، ودموعها نزلت.. بس المرة دي كانت دموع راحة، كأن جبل انزاح عن صدرها.
ومرت الأيام، وجاء شهر مايو، وبدأ الكابوس السنوي يتحرك.
في يوم جمعة، الساعة كانت تلاتة العصر، والجو حار جداً. عبير كانت قاعدة بتشرب شاي بالنعناع مع جارتها الحاجة فوزية في البلكونة، وسامعين صوت البحر من بعيد. فجأة، سمعوا دوشة وصوت عالي طالع من مدخل العمارة.. صوت كأنه زفة أو خناقة.
عبير قلبها انقبض، وقفت وبصت من عين الباب السحرية.. لقت الكارثة!
أمنية بنت أختها، وجوزها جلال الجعضي، ومعاهم العيال، وشايلين في إيديهم الشنط الكبيرة، وكراتين شيبسي، وعوامات منفوخة، وبطاطين! ووراهم على السلم لمياء بنت عمها وحماتها الست الكبيرة وهي بتنهج وتشتكي من السلم.
جلال وصل باب الشقة، وبكل بجاحة ممدش إيده يخبط، ده رزع الباب برجله وهو شايل الشنط وبيرغي يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. افتحي يا خالة عبير، وصلنا بالسلامة! الطريق كان واقف والعيال هيموتوا من الجوع، جهزي الغدا بسرعة!
عبير وقفت ورا الباب، مدمعة من الصدمة.. هما مبيفهموش؟ أختها مقالتلهمش؟ ولا هما جايين يفرضوا أمر واقع وفاكرين إنها هتتكسف وتفتح زي كل مرة؟
الحاجة فوزية طلعت من شقتها على الصوت، وبصت لعبير وقالتلها بهمس جمدي قلبك يا بنتي.. لو فتحتي المرة دي، يبقى بتسلمي رقبتك ليهم العمر كله.
عبير خذت نفس عميق، وقفلت الترباس الحديد بتاع الباب زيادة تأكيد، وفتحت المندرة الشباك الصغير اللي في الباب وبصت ليهم.
أمنية أول ما شافتها، ضحكت ضحكة صفرا إيه ده يا خالتي؟ أنتي قافلة بالترباس ليه؟ إحنا وصلنا خلاص، افتحي خلّينا ندخل الشنط، الجو نار برة.
عبير ردت بنبرة حاسمة، مفيهاش أي تردد
مش هفتح يا أمنية.. خدي جوزك وعيالك، وانزلي من مطرح ما جيتي.
الكل سكت فجأة.. جلال تنّح، ونزل الشنط من إيده وقال بعصبية جرى إيه يا حجة عبير؟ إحنا مش جايين نشحت، إحنا قرايبك وجايين نقضي الويك إند.. افتحي الباب بلاش حركات عيال.
مش هفتح، عبير كررتها وصوتها هز الطرقة أنا بلّغت أختك رأفت من شهر، وقولتيلها الشقة دي بيتي وسكني مش لوكاندة ومصيف للعيلة. أنتوا جايين تفرضوا أمر واقع؟ من مطرح ما جيتوا، تقدروا ترجعوا تاني!
لمياء بنت عمها اتدخلت ووشها احمر بقى كده يا عبير؟ تكسفينا في الغربة وسايبة حماتي الست العيانة على السلم؟ دي قلة أصل وملهاش مسمى تاني!
عبير بصت لها وقالت قلة الأصل هي اللي بيعملها اللي بيدخل بيوت الناس غصب عنهم ومن غير إذنهم. قلة الأصل لما عيالكوا يكسروا ويبهدلوا شقا عمري ومحدش فيكم يقول كلمة اعتذار ولا يصلح اللي باظ. قلة الأصل لما تيجوا تاكلوا وتشرّبوا وتعتبروني الخدامة اللي بتنضف وراكم.. أنا صنتكم سنين، وأنتوا مصنتوش بيتي مرة واحدة.
جلال بدأ يزعق ويخبط على الحيطة والله دي قلة ذوق، وإحنا مش هنمشي من هنا إلا لما ندخل! أنتي فاكرة نفسك مين؟
هنا الحاجة فوزية اتدخلت، وبأعلى صوت عندها قالت جرى إيه يا راجل أنت وهو؟ صوتك مايعلاش في العمارة هنا! دي ست لوحدها وبتقولكم مش عايزة تستقبل حد.. لو ملمتوش شنطكم وأخدتوا بعضكم ونزلتوا حالا، أنا هطلب أمن البوابة وبوليس النجدة يعملكم محضر تعدي وإزعاج للسكان!
كلمة البوليس والمحضر خلت جلال يرجع لورا.. هما ناس بتوع مصلحة وبس، وميحبوش يدخلوا في مشاكل وقضايا.
أمنية بدأت تلم الشنط وهي بتعيط من الغيظ والكسفة ماشي يا خالتي عبير.. والله لأخلي أمي تقاطعك ليوم الدين، والعيال كلهم هيعرفوا إنك طردتينا في الشارع.
عبير ردت عليها بابتسامة هادية وراحة بال مع السلامة يا بنتي.. والباب يفوت جمل.
قفلوا المندرة، وسمعوا صوت خطواتهم وهي نازلة على السلم، وهما بيتحسبنوا ويشتموا ويلعنوا في عبير وأنانية عبير. الأصوات بدأت تبعد وتبعد، لحد ما اختفت تماماً ورجعت العمارة لهدوئها.
عبير ساندت ضهرها على الباب، وغمضت عينيها. حست بنسمة هوا ساقعة وجاية من البلكونة، شايلة ريحة اليود المنعشة.
الحاجة فوزية طبطبت على كتفها وقالت جدعة يا بنتي.. أول مرة تقولي لأ بتبقى صعبة وبتوجع، بس بعد كده بتديكي عمر جديد.
عبير ابتسمت وقالت عندك حق يا حاجة.. أنا دلوقتي بس عرفت الغلط فين. الغلط مكنش فيهم هما، الغلط كان فيّ أنا لما سمحتلهم يتخطوا حدودي باسم الأهل والعيلة. الأرض اللي مابتتحميش بسور، أي حد بيطمع يدوس عليها.
دخلوا
البلكونة تاني، وقعدوا يشربوا الشاي.. وبصت عبير للبحر الواسع قدامها، وحست إن الصيف السنة دي هيكون أجمل صيف في حياتها كلها.. صيف بطعم الحرية والراحة، لوحدها، مع البحر والورد بتوعها.