حكايات اماني السيد التاني
التاكسي كان بيجري بيا في شوارع المدينة، وعيني كانت مثبتة على إضاءة الشوارع اللي بتتحرك بسرعة وتتموج ورا دموعي. السواق بصلي في المراية بكتمان، كأنه حس بالزلزال اللي جوايا، ومفتقش بقه بولا كلمة، وده كان أكتر شيء محتاجاه في اللحظة دي.. السكوت.
وصلت البيت، دخلت وقفلت الباب ورايا بالمفتاح، وسندت ضهرى عليه ونزلت على الأرض. هنا بس، في ضلمة شقتي وأمانها، سبت نفسي للصرخة اللي كانت مكتومة في صدري. عيطت بحرقة مش عشان عايزاه، ولا عشان كلام البنت المستفز، أنا كنت بعيط على نفسي، على السنين اللي ضاعت من عمري مع بني آدم بالرخاصة دي، على لحظة الغباء اللي خلتني أحن لشخص هان عليه يشارك غريبة في إنه يكسرني ويدوس على كرامتي.
قمت دخلت الحمام، ولعت النور وبصيت في المراية. كلامها كان بيرن في وداني: “صلاحيتك انتهت كست.. الوش الشقيان ده”.
مديت إيدي ولمست وشي، الملامح فعلاً كانت مجهدة، الهالات السودا تحت عيني من قلة النوم والتفكير، لبسي البسيط الهادي اللي ميعجبش أصحاب الماركات والتفاهة. بس وسط كل ده، شوفت في عيني حاجة جديدة.. شوفت شرارة غضب، والغضب لما بيتوجه صح بيبني مبيشيلش.
قولت لنفسي بصوت عالي وهستيري: “أنا صلاحيتي انتهت؟ أنا اللي الزمن علم عليا؟ وعهد الله لأخليك تندم على اليوم اللي فكرت فيه إنك كسرتني”.
من الليلة دي، مكنش فيه وقت للندم ولا للدموع. تاني يوم الصبح، قمت من بدري، نزلت اشتريت لبس جديد، ألوان مبهجة مكنتش بستجرى ألبسها وهو معايا لأنه كان دايماً بيطفي طموحي ويستخسر فيا الفرحة. دخلت مركز تجميل، غيرت قصة شعري ولونه، واهتميت بنفسي بالطريقة اللي عمري ما عملتها وأنا في بيته. كنت برمم الهدد اللي سابه جوايا، خطوة بخطوة.
بس التغيير الحقيقي مكنش في الشكل بس.. التغيير الأكبر كان في حياتي وشغلي. رجعت ركزت في كارييري، فتحت مشروعي الصغير اللي كنت مأجلاه عشان أفضى لنكده ومشاكله، نزلت السوق وبقيت بشتغل ليل مع نهار. الفلوس بدأت تجري في إيدي، والنجاح بدأ يفتحلي بيبان مكنتش أحلم بيها. في غضون شهور قليلة، اسمي بدأ يتعرف، وبقيت الست اللي الكل بيعملها ألف حساب في مجالها.
كل ما كنت بيكبر وأنجح، كنت بفتكر نظرته الصفرا وضحكته الشمتانة، فكانت العزيمة بتزيد جوايا أضعاف.
بعد حوالي أربع شهور من واقعة الكافتيريا، كنت معزومة في حفلة افتتاح كبيرة تخص رجال أعمال ومستثمرين في مجالي الجديد. كنت واقفة لابسة فستان أسود شيك جداً، ملامحي مرتاحة، والوش اللي قالوا عليه شقيان بقى بينور بثقة وراحة بال مش بمكياج رخيص. كنت واقفة بضحك مع مجموعة من صحاب الشغل، وفجأة عيني جت على باب القاعة.
اتسمرت في مكاني لثواني.. كان هو.
بس مكنش الملك اللي قال عليه، ومكنش لابس العز والدلال اللي اتمطعت بيه البنت إياها. كان واقف لوحده، بدلة قديمة شوية، ووشه باهت ومهموم، كأن هموم الدنيا كلها اتمطرت فوق دماغه.
لفيت وشي وعملت نفسي مش شايفاه، وكملت كلامي وضحكي مع الناس بكل برود. لكن من طرف عيني، لمحته وهو بيقرب من المجموعه اللي أنا واقفة فيها، وعينيه كانت هتطلع عليا، مكنش مصدق إن دي الست اللي كانت من كام شهر واقفه قدامه مكسورة وبتتحايل عليه يرجعها.
قرب خطوة، وبصوت مهزوز ومتردد قال: “…؟ مش معقول! أنتِ بقيتِ هنا؟”
بصيتله ببرود شديد، من فوق لتحت، بنفس النظرة اللي ادهالي زمان، وابتسمت ابتسامة هادية وقولت: “أهلاً.. معلش الاسم مش جاي على بالي، الذاكرة عندي مبقتش تشيل حاجات قديمة وملهاش لازمة”.
وشه جاب ألوان، وبص للأرض بإحراج وقال بصوت واطي ومكسور: “أنا سألت عليكي كتير الفترة اللي فاتت.. وعرفت إنك نجحتِ أوي.. أنا.. أنا كنت غلطان يا …، والبنت اللي كانت معايا دي طلعت نصابة ولمت اللي ورايا واللي قدامي وسابتني لما الحجوزات كترت عليا.. أنا عرفت قيمتك بجد، وعرفت إنك أنتِ الست الأصيلة اللي مفيش منك”.
ضحكت ضحكة عالية خلت كل اللي واقفين يبصوا علينا، وقربت منه وقولتله ونبرة صوتي واثقة وبتدبح: “أصل صعبت عليا أوي لما شوفتك واقف لوحدك.. أهو أنا بقى هسيبك هنا مخصوص عشان تشوف نظرة الشفقة دي في عيني! مش أنت برضه اللي قولتلي إن التفاح الأمريكاني ميتسابش عشان الجميز؟ أهو التفاح طلع مغشوش ومرشوش سِم، والجميز طلع غالي ومبيطرحش في أي أرض.. لم الباقي من كرامتك يا شاطر وامشي.. لأن صلاحيتك انتهت بالنسبالي من زمان”.
وشه اتقلب مية لون، وظهرت في عينيه كسرة ونظرة رعب مكنتش أتخيل في يوم إنها ممكن تطلع منه. فضل باصص للأرض، إيديه بتترعش وهو بيحاول يحطها في جيبه عشان يداري توتره، والناس اللي حوالينا بدأت تلاحظ وبصاتهم بقت كلها تساؤل.
سبته واقف في مكانه زي الصنم، ولفيت ضهري ومشيت بكل ثقة وهدوء، مديتلوش فرصة ينطق بكلمة تانية ولا يبرر الرخص اللي هو فيه. طول الحفلة كنت حاسة بعينيه وهي متبعاني، نظراته كانت مليانة ندم وحسرة، كأنه طفل واقف بره فاترينة محل وبيتفرج على حاجة غالية كان يملكها في يوم وضيعها بغبائه.
رجعت بيتي الليلة دي وأنا حاسة بنصر حقيقي، نصر ملوش علاقة بيه هو، لكن نصر لنفسي وللست اللي جوايا اللي قومتُها من وسط الردم. نمت لأول مرة من شهور طويلة وأنا بالي مرتاح، مفيش أي غصة في قلبي، والصفحة دي اتقفلت تماماً وبشياكة.
مرت الأيام، وشغلي بقى بيكبر أكتر وأكتر، وفي يوم وأنا قاعدة في مكتبي بتابع حسابات الشغل، تليفوني رن برقم غريب. ردت السكرتيرة وحولتلي المكالمة وقالت إنها واحدة مصممة تكلمني ضروري في موضوع شخصي.
رفعت السماعة وقولت: “ألو.. مين معايا؟”
جاني صوت من الناحية التانية مهزوز، ضعيف، وخايف.. صوت كنت حافظة نبرته المستفزة كويس، بس المرة دي كانت مكسورة وخالية من أي غرور: “ألو.. أنا.. أنا اللي كنت مع طليقك في الكافتيريا”.
سكت ثواني، وأنا مش مصدقة الجرأة، بس حافظت على ثباتي الانفعالي وقولت ببرود: “أه.. خير؟”
الصوت بدأ يتهدج وتعيط: “أنا عارفة إن ماليش عين أكلمك، وبجد أنا بموت من الكسرة والذنب.. هو حكالي إنه شافك في الحفلة وساعتها فهمت هو ليه اتقلب عليا وبقى يضربني ويهينني بعد ما عرف إنك بقيتي في حتة تانية خالص.. الراجل ده دمرني، أخد فلوسي ودهبي بحجة إنه هيدخل بيهم مشروع، وفي الآخر رماني وطلقني وطردني في الشارع لما عرفت إنه كان بيخوني مع واحدة تالتة! أنا بكلمك وأنا متبهدلة.. أنا مكنتش أعرف إنه بالوساخة دي، أنا جيت عليكي معاه، والذنب ده بيخلص مني دلوقتي.. أنا آسفة”.
سمعتها وأنا حاطة إيد على خدي، مكنتش شمتانة فيها، بالعكس.. كنت حاسة بنفور وقرف من السيرة كلها. قولت لها بنبرة هادية بس قاطعة: “أنا ميهمنيش اعتذارك، وميهمنيش هو عمل فيكي إيه.. ربنا مبيسيبش حق حد، والدايرة دارت عليكم انتوا الاتنين بأسرع مما تتخيلوا. بس أنا خلاص ماليش علاقة بالقصة دي، وقفلت الباب ده ومبقاش يلزمني أعرف أخباركم.. مع السلامة”.
قفلت السكة في وشها، وبصيت من شباك مكتبي على الشارع.. حسيت إن العدالة الإلهية كملت، وإن حقي رجعلي تالت ومتلت من غير ما أوسخ إيدي بيهم.
لكن الحكاية مخلصتش هنا..
بعد أسبوع واحد، وأنا نازلة من عربيتي الجديدة قدام شركتي، لقيت شخص واقف مستنيني على الرصيف، ساند على عكاز، ولابس لبس متبهدل خالص.. لما قربت منه وصدمة تانية خبطت فيا.. كان هو! بس المرة دي مكنش جاي يتكلم.. كان جاي ودموعه على خده، ووقع على ركبه قدام الناس كلها ومسك في رجلي وهو بيصرخ: “سامحيني.. أبوس إيدك سامحيني يا …!”