حكايات زهره الرابيع الاخير

أصبح الممر الضيق أمام باب الشقة أشبه بساحة معركة، والأنفاس تتصاعد وتيرتها مع كل ثانية تمر. نظرات الجيران الذين فتحوا أبواب شققهم بمواربة تتابع المشهد باهتمام، مما زاد من اشتعال الموقف في رأس “كريم”، الذي كان يرى هيبته كـ”راجل بيت” تتفتت أمام عينيه وعين أخته.

نظرت “شيماء” إلى أخيها وحثتّه بنبرة حارقة: “مستني إيه يا كريم؟ عيلة زي دي تقف تشرط عليك وتغير كوالين بيتك؟ وريني طولك واكسر الباب ده واطردها بره!”

التفتتُّ إليها بابتسامة باردة وقلت: “يكسر إيه يا شيماء؟ يكسر شقته وشقة عياله في المستقبل عشان يرضي غلك؟ جربي كده تخليه يمد إيده على الباب ده، وأنا مجهزة تليفوني والشرطة هتكون هنا قبل ما تفتحي بوقك تاني.. الفرح كان فيه غُرب وبلعتوها، إنما هنا في بيتي والكل شاهد.”

كلامي عن الشرطة والمحاكم نزل على “كريم” كالمياه الباردة التي أطفأت فورة غضبه العصبي، وحلت محلها الحيرة. تقدم خطوة نحوي، وأبعد أخته بيده قليلاً، وقال بصوت منخفض يحمل نبرة رجاء حاد: “سمر.. ادخلي جوه واقفي الباب، وأنا هحل الموضوع ده. مينفعش وقفتنا في وسط السلم دي، فضحتونا قدام الجيران!”

رددت عليه بثبات لم يعهده فيّ: “أنا واقفه في بيتي يا كريم، اللي واقف في السلم وبيتفضح هي أختك اللي جاية تعمل نمرة في عمارة مش بتاعتها. لو عايز تدخل بيتك، اتفضل.. رجلك ورجلي، والباب يتقفل علينا ونشوف حل لمصيبتنا. إنما أختك؟ رجليها مش هتعتب هنا، واليوم اللي هتدخل فيه البيت ده هيكون اليوم اللي أنا هسيبهولها مخضر وميبس!”

صرخت شيماء وضربت كفاً بكف: “شايف يا كريم؟ بتطردني أنا! والله ما أنا قاعدة لك في البلد دي يا كريم لو ممشتش كلامك عليها!” والتفتت لتهبط السلم بجرأة مصطنعة وهي تبرطم بكلمات غير مفهومة، تظن أن شقيقها س يركض خلفها كالعادة.

لكن “كريم” لم يتحرك من مكانه. نظر إلى السلم وهي تهبط، ثم نظر إليّ وأنا ممسكة بمقبض الباب بكل قوة. وجد نفسه أمام أصعب خيار: إما أن يلحق بأخته ويخسر بيته وزوجته للأبد ويدخل في نفق المحاكم والفواجع، أو يدخل شقته ويواجه زوجته التي تحولت من حمل وديع إلى امرأة تدافع عن كرامتها بأسنانها.

تحركت خطوات للخلف وفتحت له المجال ليدخل، وقلت له برصانة: “القرار عندك يا كريم.. السلم مفتوح، والبيت مفتوح. اختار هتعيش راجل في بيتك، ولا هتعيش تابع ورا أختك؟”

خطا “كريم” خطوة واحدة داخل الشقة، وأغلق الباب خلفه بقوة، لتتحول المواجهة الآن إلى جدران مغلقة، وعين في عين.. وبدأت مرحلة جديدة لم يحسب لها أي منا حساباً…

أغلق “كريم” الباب خلفه بقوة، فاهتزت أرجاء الشقة ومعها نبضات قلبي التي حاولت جاهدة إخفاء رعبها خلف قناع الثبات. التفت إليّ وعيناه حمراوان من شدة الغيظ، وعروق رقبته بارزة كأنه يوشك على الانفجار.

ألقى بمفاتيح هاتفِهِ على الطاولة وصاح بصوت زلزل الجدران: “ارتحتي؟ أهي مشيت غضبانة ودموعها على خدها بسببك! أنتي إيه اللي جرالك يا سمر؟ من إمتى وأنتي لسانك طول كده وبتملي عليا شروطك؟ وتغيري كالون الشقة من ورايا كأني غريب؟ أنتي بتلغي وجودي في بيتي!!”

وقفت أمامه مكتوفة الأيدي، ونظرت إليه ببرود قاتل زاد من اشتعاله، وقلت بنبرة هادئة: “أنا ملغيتش وجودك يا كريم.. أنت اللي لغيت وجودك ووجودي لما وقفت تتفرج عليا وأنا بتهان وبتضرب في وسط فرح قرايبك. الكالون ده اتغير عشان الشقة دي مملكتي، والأفعى اللي مشيت غضبانة دي كانت معاها نسخة من المفتاح، ومستحيل آمن على نفسي في بيتي وهي معاها مفتاحه.”

تقدم نحوي بخطوات سريعة حتى لم تفصل بيننا سوى سنتيمترات قليلة، وقال وعيناه تشعان شرراً: “أختي مش أفعى! شيماء هي اللي ربتني بعد موت أبويا، وليها حق عليا.. أنتي فاهمة يعني إيه حق عليا؟ لما تقولي رجليها مش هتعتب هنا، يبقى بتخيريني بينك وبينها، وأنا مستحيل أبيع أختي عشان أي حد!”

لم أتراجع خطوة واحدة للخلف، بل رفعت رأسي ونظرت في عينيه مباشرة وقلت: “وأنا مبيعتش أهلي عشانك يا كريم، بس جيت بيتك وصنت شرفك واسمك. أختك اللي ربتك على عيني وراسي، بس تربيتها ليك مديهاش الحق إنها تمد إيدها على وشي! التربية اللي تخليها تضرب مرات أخوها قدام الناس تبقى تربية ناقصة.. وأنت لو راجل بجد، كنت عرفت توقفها عند حدها من أول يوم لقتت فيه بكلام عليا، مش تسيبها لحد ما تلطشني بالقلم!”

لم يتحمل كريم كلماتي، ورفع يده فجأة وكأنه يهمّ بضربي كما فعلت أخته، لكنني لم أرمش حتى. نظرت إلى يده المرفوعة وقلت بصوت حاد كالسكين: “اضرب يا كريم.. اضرب عشان تثبت لنفسك ولأختك إنك بقيت شبهها. بس افتكر كويس، اليد اللي هتتمد عليا في البيت ده، مش هتنزل غير بورقة طلاقي، وأهل الأرياف اللي أنت خايف من كلامهم، هخليهم يتفرجوا عليك وأنت داخل وخارج من محكمة الأسرة!”

تسمرت يد كريم في الهواء، ورأيت الصراع ينبض في عروق جبهته. تراجع خطوتين للخلف وهو يتنفس بصعوبة، وسقط على أقرب مقعد ووضع رأسه بين كفيه، غارقاً في صمت ثقيل ومرير.

مرت دقائق طويلة كأنها سنوات، لم ينطق فيها بأي كلمة. كنت أراقبه وأنا أشعر بمزيج من النصر والوجع؛ فالرجل الذي أحببته انكسر أمامي، لكنه انكسار كان لا بد منه لكي تولد كرامتي من جديد.

فجأة، رن هاتف كريم.. كان المتصل “شيماء”.

نظر كريم إلى الشاشة وتردد، ثم فتح الخط ووضع الهاتف على أذنه دون أن يتحدث. جاءني صوت شيماء عالياً وحاداً وهي تصرخ وتبكي من الجانب الآخر: “الحقني يا كريم! جوزي عرف باللي حصل في الفرح وبالمشكلة اللي على السلم، وطردني بره البيت وحلف عليا ما أنا داخلة شقتي إلا لما تروح تطلق سمر وتجيبها تحت رجلي تعتذر! بيتي بيخرب بسببها يا كريم.. لو مطلقتهاش دلوقتي وكسرت مناخيرها، لا أنت أخويا ولا أعرفك!”

وقع الكلام على “كريم” كالصاعقة، والتفت ينظر إليّ وعيناه مليئتان برعب حقيقي، فرأيت في تلك اللحظة أن خيوط اللعبة بدأت تتشابك بشكل لم يتوقعه أحد منا…

كانت كلمات “شيماء” تخرج من سماعة الهاتف كالفحيح، تملأ أركان الغرفة الهادئة بنبرة تجمع بين الانكسار والجبروت الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة. نظرتُ إلى “كريم” ورأيت وجهه يتلون بألوان الشحوب، والهاتف يكاد يسقط من بين أصابعه اليرقة. لقد دارت الدائرة، والبيت الذي حاولت “شيماء” تخريبه لسنوات، انهار سقفُه فوق رأسها أولاً.

أغلق “كريم” الخط دون أن ينطق بحرف واحد، وبقي محدقاً في الفراغ. نهض من مقعده ببطء، وتقدم نحوي وعيناه مليئتان بنظرة انكسار لم أرها فيه قط. قال بصوت متحشرج مخنوق بالدموع: “بيتها بيخرب يا سمر.. جوزها راجل صعيدي وصعب، ولما عرف بوقفة السلم وبموضوع القلم اللي في الفرح، اعتبر إنها ست بتاعة مشاكل وفضحت عيلته وسط الناس. طردها ورمى عليها اليمين.”

نظرتُ إليه ببرود لا يعكس النيران المشتعلة في صدري، وقلت: “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. ذنب دموعي وقهرتي قدام الغرب ربنا ردهولها في قسيمة بيتها. دي عدالة السماء يا كريم.”

امتدت يده لتمسك بطرف جلبابي، وقال بنبرة توسل ذليلة: “أنا عارف إنها ظلمتك، وعارف إنها غلطت في حقك وحقي.. بس دي أختي الكبيرة، لحمي ودمي. جوزها شرطه عشان ترجع بيتها إنك تروحي تعتذريلها وتبوسي على رأسها قدام العيلة عشان يرد كرامتها.. سمر، عشان خاطري، عشان خاطر بيتنا وعشرتنا، عدي المرة دي.. اعتذريلها وبوس رأسها ونقفل الصفحة دي، وأنا بوعدك من بكرة هكتبلك الشقة دي باسمك، ومش هخليها تعتب بابنا تاني!”

ضحكتُ ضحكة مريرة هزت جدران الشقة، وسحبت ثوبي من بين يديه بقوة وقلت: “تكتبلي الشقة؟ أنت فاكر كرامتي وعزة نفسي تتثمن بحيطة وسقف؟ عايزني أروح أبوس رأس اللي لطشتني بالقلم وأنا مظلومة عشان تداري على خيبتها؟ عليّا الطلاق لو لمستيها لتكوني طالق.. فاكر الكلمة دي يا كريم؟ الكلمة اللي قطمت ضهري في الفرح! روح لأختك يا كريم، روح طيِّب خاطرها، أما أنا، فكرامتي فوق الشقة وفوق بيتك وفوقك أنت شخصياً.”

تحولت نظرة الرجاء في عيني كريم فجأة إلى نظرة خوف ممتزجة بالجنون، وشعرتُ أنه أصبح مهدداً بضياع كل شيء: أخته، وبيته، وهيبته. وقف في منتصف الصالة يلتفت يميناً ويساراً كالمحاصر وسط النيران، ثم أخرج هاتفه مرة أخرى وعيناه تشعان بقرار أخير غامض، وضغط على الأزرار ليتصل بشخص لم أكن أتوقعه أبداً…

نظر “كريم” إلى الشاشة، وضغط على زر الاتصال وهو يتنفس بصعوبة، ليتضح لي من نبرة صوته أنه يتصل بـ “زوج أخته شيماء”.

تحدث “كريم” وعيناه معلقتان بالأرض، بنبرة رجل يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه: “يا بو عمار.. السلام عليكم. أنا كريم. الموضوع مش مستاهل خراب البيوت، وشيماء غلطت وأنا مقلتش حاجة، بس طلبك إن سمر تروح تبوس رأسها ده مستحيل يحصل.. سمر في بيتها ومعززة مكرمة، واللي غلط هو اللي لازم يعتذر.”

جاءه الرد قاطعاً وحاسماً عبر الهاتف، لدرجة أن صوته الصارم تسرّب لآذاني: “الكلام خلص يا كريم. أختك فضحيتنا في وسط البلاد، وجموحها ده ميكسروش إلا إن مراتك تكسر مناخيرها قدام العيلة.. يا إما كده، يا إما أختك ورقتها هتوصلها لبيت أبوها، وشوف أنت بقى هتشيل شيلتها إزاي!” وأغلق الخط في وجهه.

هنا، التفت إليّ كريم وعيناه غائبتان عن الوعي من كثرة الضغوط. تقدم نحوي وأمسك بكتفيّ بقوة، وصاح بهستيرية: “أنتي السبب! أنتي اللي ه تخربي بيت أختي بعنادك! تروحي معايا دلوقتي ورجلك فوق رقبتك وتعتذري، وإلا هتشوفي مني وش عمرك ما شفتيه!”

في تلك اللحظة بالذات، انكسر داخل قلبي آخر خيط يربطني بهذا الرجل. نظرتُ إلى يديه المقبوضتين على كتفيّ، ورفعت رأسي بكل شموخ الأرياف وعزة نفسي التي نشأت عليها، وقلت له بصوت هادئ كهدوء المقابر، ولكنه حاد كالشفرة: “شيل إيدك عني يا كريم.. زمان في الفرح، أنت قولتلي (عليّا الطلاق لو لمستيها ما هتباتي على ذمتي ليلة واحدة).. وأنا دلوقتي بقولهالك بكل وعي: أنا مش هلمسها، ولا هروح معاك، ولا هبوس رأس حد.. وبناءً على يمينك، وعلى رخصي في عينيك.. طلقني يا كريم!”

تسمر كريم في مكانه، وسقطت يداه عن كتفي وكأنه صُعق بصدمة كهربائية. حاول أن يتكلم، أن يتراجع، أن يبرر، لكن الكلمات جفت في حلقه.

لم أنتظر منه رداً؛ أدرتُ ظهري له بكل برود، ودخلت غرفتي، ولملمت كل حقائبي وأشيائي التي جئت بها قبل ساعات. خرجتُ إلى الصالة وهو ما زال واقفاً كالصنم في مكانه، وفتحت باب الشقة التي لم تعد تعنيني، والتفت إليه قائلة: “الكالون الجديد مفتاحه في الباب.. سيبتلك الشقة والحيطان، واشبع بأختك وبخراب بيتها.. أما أنا، فـ سمر اللي دخلت بيتك بكرامتها، خارجة منه وراسها بتطاول السما.”

خرجتُ وهبطت السلم بخطوات ثابتة وثقيلة، وكل خطوة كانت تعيد لي نبض الحياة. تركت خلفي رجلاً عاجزاً وعائلة دمرها غلها وحقدها. ركبت سيارة الأجرة وعدت إلى بيت أبي وأمي، لا كـ مكسورة أو مطرودة، بل كامرأة انتصرت لكرامتها وصانت نفسها عندما عجز الرجال عن صونها.. وبدأت من جديد، قوية، عزيزة، وحرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *