جوزى رجع بعد غيبه ٢
بصيت للباب وكأن عيني هتخرقه، الإحساس إن الجرس ممكن يرن في أي لحظة خلاني مش قادرة أركز في حاجة تانية، بس في نفس الوقت كان في طفل قاعد جنبي محتاجني، مش محتاج واحدة واقفة مستنية شبح من الماضي، رجعت بصيت لآدم لقيته نام تاني على الكنبة وهو ماسك طرف هدومي بإيده الصغيرة كأنه خايف أسيبه، قعدت جنبه بهدوء وفضلت أملس على شعره، شعور غريب جدًا… خليط بين الأمومة اللي اتسـ,ـرقت مني زمان، والخوف من إني أكون بتخدع دلوقتي، بس الإحساس الأقوى كان إني مش قادرة أبعد عنه، كأنه مربوط بيا بخيط مش باين، فضلت كده شوية لحد ما قررت إني لازم أتحرك، مش هينفع أعيش في الدوامة دي من غير ما أعرف الحقيقة، دخلت أوضتي وطلعت هدوم ليه من لبس قديم كنت محتفظة بيه من غير سبب، يمكن كنت بضحك على نفسي ساعتها،
يمكن كنت مستنية معجزة، خرجتله ولقيته صحي وباصص حوالينه بقلق، أول ما شافني جري عليا وقال “ماما متروحيش” حضـ,ـنته وقلت له “مش هروح يا حبيبي، أنا معاك” الكلمة بقت بتطلع بسهولة أكتر… وكأنها مكانها الطبيعي، لبسته وخرجنا من البيت وأنا مقررة أروح المستشفى اللي اتولدت فيها زمان، يمكن ألاقي خيط يوصلني بالحقيقة، الطريق كان طويل وأنا ساكتة، وآدم قاعد جنبي في العربية بيبص من الشباك وبيسألني أسئلة بسيطة عن الشارع والناس، كل كلمة بيقولها كانت بتغرز جوايا أكتر، وصلنا المستشفى، نفس الريحة، نفس الجدران، كأن الزمن واقف، دخلت وأنا قلبي بيدق بعـ,ـنف، سألت على الأرشيف، بعد شوية طلعولي ملفي القديم، إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه، دورت على تفاصيل الولادة، لقيت تناقضات أكتر… مفيش توقيع واضح للدكتور، اسم الممرضة مش مكتوب كامل، حتى وقت الوفـ,ـاة مختلف بين ورقتين، بصيت للموظفة وقلت لها “أنا عايزة أعرف الحقيقة…
ابني مات فعلاً ولا لا؟” بصتلي باستغراب وقالت “إحنا بنسجل اللي بيحصل يا مدام… لو في حاجة كانت هتبان” بس أنا كنت شايفة بعيني إن في حاجة غلط، خرجت من هناك وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي، آدم مسك إيدي وقال “إنتي زعلانة ليه؟” بصيت له وابتسمت بالعافية “لا يا حبيبي… مفيش حاجة” بس جوايا كان في إعصار، رجعنا البيت، وأنا قررت أدور في حاجة تانية، يوسف… أكيد في حد يعرف هو كان فين طول السنين دي، مسكت تليفوني وبدأت أدور على أي حد من صحابه القدام، بعد مكالمات كتير، واحدة فيهم ردت عليا، كانت بنت اسمها دينا، صوتها اتغير أول ما سمعت اسمه، قالتلي “إنتي بتسألي عليه ليه دلوقتي؟” قلت لها “رجع… وبعدين اختفى تاني” سكتت شوية وبعدين قالت “يوسف مكنش طبيعي يا ندى… بعد اللي حصل زمان، اتغير… كان دايمًا بيتكلم عن ابن… عن إنه خسره بس مش مصدق، وبعد فترة اختفى خالص، سمعنا إنه سافر، وبعدين رجع بس محدش كان بيشوفه كتير” قلبي دق أسرع “طب والطفل؟” سكتت تاني وقالت “كنت سمعت إنه معاه طفل… بس محدش يعرف ده ابنه ولا لأ” قفلت معاها وأنا دماغي بتلف، كل حاجة بتأكد إن في سر كبير، رجعت بصيت لآدم، كان قاعد بيرسم على ورقة، قربت منه لقيته بيرسم بيت…
نفس شكل بيتي… وواحدة واقفة جنبه، قاللي “دي إنتي” سألت “طب ودي مين؟” قال “دي أنا… وده بابا… بس هو مشي” قلبي وجعني، الطفل ده متربي على حكاية كاملة… وأنا جزء منها من غير ما أعرف، الليل دخل علينا بسرعة، وآدم رفض ينام غير لما أنام جنبه، دخلت معاه الأوضة، أول ما حط راسه على المخدة مسك إيدي ونام، وأنا فضلت صاحيه، ببص للسقف وبفكر، يوسف عمل إيه فيا؟ خطف ابني؟ ولا أنقذه من حاجة؟ وليه مخلاش يعرفني؟ وليه رجعه دلوقتي؟ فجأة صوت خبط خفيف على الباب خلاني اتجمد، بصيت للساعة… كانت ٢ الفجر، قلبي بدأ يدق بسرعة، قومت بهدوء علشان مصحيش آدم، خرجت للصالون، الصوت اتكرر، قربت من الباب وأنا مترددة، فتحت العين السحرية… ومكنش في حد، بس أول ما هميت أرجع، لقيت ظرف محطوط على الأرض قدام الباب، فتحته بإيد بتترعش، كان جواه صورة… صورة ليوسف شايل طفل رضيع… والطفل ده… كان آدم، وورا الصورة مكتوب “مش كل اللي حصل كان بإيدي”
دموعي نزلت، ده معناه إنه عايش… وبيوصل لي رسائل، بس ليه بالطريقة دي؟ دخلت تاني وأنا حاسة إن اللعبة بتكبر، مش مجرد حكاية طفل وراجل اختفى، دي شبكة أسرار وأنا في نصها، قعدت جنب آدم وبصيت له، حسيت إني مش بس بحميه… أنا كمان بدور على نفسي من خلاله، الصبح طلع وأنا لسه منمتش، آدم صحي وهو بيضحك وقال “صباح الخير يا ماما” الكلمة بقت تدفيني رغم كل حاجة، حـ,ـضنته وقررت إن مهما حصل، مش هسيبه، خرجنا نتمشى شوية علشان أصفّي دماغي، وفي نص الطريق حسيت إن في حد بيراقبنا، لفيت بسرعة… مفيش حد واضح، بس الإحساس فضل معايا، رجعنا البيت وأنا حاسة إن في حد قريب… بيراقب… مستني اللحظة المناسبة، ومع كل خطوة كنت باخدها، كنت متأكدة إن الحقيقة قريبة… بس تمنها هيكون غالي، وبصيت لآدم وهو ماسك إيدي وبيحكيلي عن لعبة شافها، وقلت لنفسي إن أي حاجة هتحصل… مش هسمح إنها تأذيه، حتى لو ده معناه إني أواجه يوسف… أو أواجه ماضي كنت فاكرة إنه انتهى، لأن اللي بدأ كليلة هادية… بقى حكاية هتغير حياتي كلها، وأنا المرة دي مش ههـ,ـرب…
أنا هكمل للآخر مهما كان الثمن. رجعنا البيت وأنا حاسة إن كل حاجة حواليا بقت مراقبة حتى صوت المفتاح وهو بيدخل في الكالون حسّيته عالي زيادة عن اللزوم كأن البيت نفسه بقى غريب عليا، آدم دخل جري على أوضته وهو بيضحك وبيقول إنه عايز يكمل الرسمة، وأنا قفلت الباب وفضلت واقفة ثواني بسمع… مفيش غير صوت أنفاسي، بس الإحساس ما راحش، في حد قريب… قريب جدًا، دخلت المطبخ أحضر حاجة خفيفة لآدم بس عيني كانت بتلف حوالين الشباك كل شوية، الستارة كانت بتهتز حركة خفيفة كأن في هوا… أو كأن حد كان واقف ومشي، بلعت ريقي وحاولت أهدى نفسي، مش هينفع أعيش مرعوبة بالشكل ده، بس برضه مش هتجاهل إحساسي، أخدت سـ,ـكينة صغيرة من الدرج وحطيتها على الرخامة جنب إيدي، يمكن تصرف مبالغ فيه بس على الأقل حاسة إني ماسكة حاجة، فجأة آدم نده عليا “ماما تعالي شوفي” دخلت له بسرعة لقيته ماسك الورقة اللي كان بيرسم عليها وباصصلي بابتسامة، قربت وبصيت… الرسمة اتغيرت، كان راسم نفس البيت ونفسنا، بس في شخص واقف بعيد شوية… لابس أسود، ملوش ملامح، سألت بهدوء “مين ده يا آدم؟” قال ببساطة وهو بيكمل تلوين “ده الراجل اللي بيبص علينا من بره” جسمي كله اتشد، حاولت أبان عادية “إنت شوفته إمتى؟” قال “امبارح…
كان واقف عند الشباك وبابا قاللي متخافش” قلبي وقع، يوسف كان عارف… كان شايف… ومع ذلك سابه ومشي؟ ليه؟ حسيت إن كل حاجة حواليا بتضيق، قربت من الشباك بسرعة وفتحت الستارة فجأة… الشارع عادي، ناس ماشية، عربية معدية، مفيش حد باين، بس إحساسي قال غير كده، قفلت الشباك كويس ورجعت لآدم، مسكت وشه بإيدي وقلت له بنبرة جدية شوية “لو شفت حد غريب تاني تقولي فورًا، تمام؟” هز راسه وهو مش فاهم خطورة اللي بيقوله، حـ,ـضنته غصب عني كأني بحاول أخبيه جوايا، فضلت كده شوية لحد ما قررت أتصرف، مش هينفع أستنى، لازم أعرف مين بيراقبنا وليه، افتكرت الصورة اللي اتبعتتلي، قلبتها تاني ودققت فيها أكتر، ورا يوسف كان في لافتة صغيرة شبه بتاعة مكان… ركزت في الحروف، كانت باهتة بس قدرت أقرا جزء منها… اسم منطقة، قلبي دق بسرعة، ده مكان مش بعيد عن هنا، لبست بسرعة ولبست آدم وقولت له “هناخد لفة صغيرة يا حبيبي” خرجنا وأنا حاسة إني داخلة على حاجة مش مفهومة، الطريق للمكان ده كان ضيق وشبه مهجور، مباني قديمة ومحلات مقفولة، وقفت العربية ونزلت ماسكة إيد آدم بقوة، مش عايزة أسيبه لحظة، مشيت لحد ما وصلت لمبنى قديم شبه حضانة أو مركز صغير، الباب نصه مكسور، دفعت الباب بحذر ودخلت، المكان كان مهجور بس فيه آثار استخدام قديم، لعب أطفال متكسرة، كراسي صغيرة، ريحة تراب وذكريات، آدم شد إيدي وقال “أنا جيت هنا قبل كده” بصيت له بصدمة “مع مين؟” قال “مع بابا” حسيت إني بقرب من الحقيقة أكتر، لفّيت حوالين المكان لحد ما لقيت أوضة صغيرة بابها مقفول، دفعت الباب بصعوبة، أول ما دخلت اتجمدت… على الحيطة صور، صور كتير… لآدم، وهو صغير، وهو بيكبر… وفي كل الصور… أنا، بس مش أنا الحقيقية…
صور متاخدة ليا من بعيد، وأنا في الشارع، وأنا داخلة البيت، وأنا واقفة في البلكونة، حسيت برعشة قوية في جسمي، يوسف كان بيراقبني… سنين، مش مرة ولا اتنين، سنين كاملة، آدم بص للصور وقال ببراءة “دي ماما” وأنا مش قادرة أتكلم، مش قادرة أستوعب، قربت من الصور بإيد بترتعش ولمست واحدة منهم، تاريخها من خمس سنين، يعني وهو كان لسه طفل صغير، يوسف كان بيورّيه أمه من بعيد… من غير ما يقرب، من غير ما يقول الحقيقة، ليه؟ فجأة سمعت صوت حاجة وقعت برا الأوضة، لفيت بسرعة وقلبي بيدق بجنون، مسكت آدم وخرجت بحذر، الصوت جه من الممر، مشيت خطوة خطوة وأنا مركزة، وفجأة شفت ظل بيتحرك بسرعة، جريت ناحيته وأنا بصرخ “يوسف!” بس مفيش رد، خرجت برا المبنى بسرعة…
ومفيش حد، الشارع فاضي، بس على الأرض كان في حاجة… موبايل، قربت ومسكته، الشاشة كانت منورة، صورة آدم عليه، وتحتها رسالة مفتوحة “لو وصلتي هنا يبقى خلاص قربتي… بس خدي بالك، مش أنا الخطر” حسيت ببرودة في جسمي، مش هو الخطر؟ أمال مين؟ بصيت حواليّا بخوف حقيقي المرة دي، مش مجرد إحساس، ده تأكيد، في حد تاني في الصورة، حد كان بيراقبنا وإحنا جايين، يمكن هو اللي كان واقف عند الشباك، رجعت بسرعة للعربية وأنا شايلة آدم اللي بدأ يحس بخوفي، قال بصوت مهزوز “في إيه يا ماما؟” قلت له وأنا بحاول أتماسك “مفيش يا حبيبي… إحنا هنروح البيت بس” طول الطريق وأنا بصه في المراية ورايا، مستنية أشوف عربية بتتبعنا أو حد، بس الطريق كان هادي بشكل مخيف، وصلنا البيت ودخلت بسرعة وقفلت كل حاجة، آدم حـ,ـضني وقال “أنا خايف” حـ,ـضنته بقوة وقلت “وأنا كمان…
بس إحنا مع بعض” قعدنا على الكنبة وأنا ماسكة الموبايل اللي لقيته، فتحت باقي الرسائل، لقيت تسجيل صوتي، إيدي كانت بتترعش وأنا بضغط تشغيل، وصوت يوسف طلع… واطي، مرهق، بيقول “لو بتسمعي ده… يبقى أنا مش قادر أوصلك بنفسي، في حد بيدور علينا من زمان، حد عارف الحقيقة كلها، وأنا كنت بحاول أحميكوا منه… بس دلوقتي اللعبة خرجت عن السيطرة، آدم مش بس ابنك… هو المفتاح، لو حصللي حاجة… خليه بعيد عنهم… ومتثقيش في حد” التسجيل وقف، وأنا قعدة مش قادرة أتنفس، كل حاجة اتغيرت في لحظة، الموضوع مش بس سر قديم… ده خطر حقيقي، وأنا وآدم بقينا في قلبه، بصيت له وهو نايم على رجلي بعد ما تعب من الخوف، مسحت على شعره وقلت في سري إن مهما كان اللي جاي… أنا مش هسمح لأي حد يقرب له، حتى لو هواجه العالم كله، لأن الحقيقة بقت أوضح… بس أخطر بكتير مما كنت متخيلة، والحكاية لسه ما خلصتش… دي لسه بتبدأ. تمت
