جوزي قالى قدام اهلى
جوزي قالي قدام اهله من النهارده، لو عايزة تاكلي، اشتري أكلك بنفسك أنا زهقت من إني شايلك زي الملكات.
قالها أحمد قدام أخوه مصطفى، وهو مبتسم ابتسامة مستفزة، وأنا بحط أكياس الخضار والفراخ والمشتريات على رخامة المطبخ. إيدي كانت لسه ساقعة من كتر ما شلت الحاجات من السوق اللي آخر الشارع.
أنا اسمي ندى، عندي 34 سنة، ومتجوزة من سبع سنين راجل بيعرف يحوّل أي أكلة أو قعدة لإهانة.
مصطفى وقف بالأكل في بقه ومبقاش عارف يرد.
أخدت نفس طويل وقلت
أنا اللي دفعت تمن كل ده من جيبي.
وطلعت الفاتورة من الشنطة.
أحمد حتى ما بصش عليها.
يا ندى بلاش الحكايات دي. إنتِ آه بتساعدي شوية، بس أنا اللي شايل البيت كله.
ودي كانت أكبر كدبة.
أنا كنت بشتغل الصبح في محل أدوات منزلية، وبعد الضهر بعمل تورتات وحلويات بالطلب.
كنت بدفع الكهربا والغاز وجزء كبير من مصاريف البيت.
وكمان بطبخ له، ولأمه لما تيجي فجأة، ولقرايبه لما يقرروا يعدوا خمس دقايق ويقعدوا نص اليوم.
لكن اليوم ده حاجة جوايا اتكسرت.
بصيتله وقلت
ماشي من النهارده كل واحد يجيب أكله بنفسه.
ضحك وهو فاكر إني هعيط.
نشوف هتستحملي قد إيه.
بس أنا استحملت أكتر بكتير مما كان يتخيل.
بقيت أجيب أكلي لوحدي.
أحطه في رف لوحده في التلاجة.
وأطبخ لنفسي بس.
وحتى العلب كتبت عليها اسمي.
كل مرة كان يدور على بقية أكلي أو الزبادي أو الفاكهة بتاعتي، كنت أرد بهدوء
ده أكلي أنا. إنت اللي قلت كل واحد مسؤول عن أكله.
في الأول اتعصب.
بعدها بقى يطلب أكل جاهز.
وبعدين بدأ يشتكي إن البيت بقى من غير روح.
وأنا ما كنتش برد.
كنت بتفرج بس.
بعد 3 أسابيع، بالليل، سمعته وهو بيبعت فويسات على جروب العيلة.
يا جماعة عيد ميلادي السبت عندنا في البيت. كلكم تيجوا. ندى هتعمل لحمة مدخنة ومكرونة بالجبنة وفاصوليا وطبعًا التورتة الجامدة اللي بتعملها كل سنة.
وقفت مكاني في طرقة البيت.
ما استأذنش.
ما سألنيش.
ما حتى كلّف نفسه يقولّي.
اعتبر وقتي وفلوسي وتعبي ملكه.
الليلة دي طلعت صندوق الفواتير.
وقعدت أحسب.
مصاريف البيت.
الأكل.
الكهربا.
الميه.
التصليحات.
طلبات الأكل اللي كانت لعيلته.
والحقيقة كانت واضحة قدامي بالأرقام
أنا كنت بدفع أكتر منه بكتير.
جه يوم السبت.
الدنيا كانت مشمسة وجميلة.
أحمد خرج من الحمام متشيك، حاطط برفان ولابس قميص جديد.
وقال وهو بيعدل الساعة
ابدأي بدري في الأكل. أمي جاية ومعاها العصاير.
بصيتله وأنا بشرب القهوة.
وقلت بكل هدوء
أنا مش هطبخ.
ضحك الأول.
بعدها وشه اتغير.
بلاش لعب عيال يا ندى.
أنا مش بلعب. إنت اللي حطيت القاعدة. كل واحد مسؤول عن أكله.
وشه نشف.
عيلتي كلها جاية النهارده.
يبقى كان المفروض ترتب من بدري.
الساعة 6 المغرب البيت كان مليان.
أعمام وخالات وأبناء عم وأم أحمد.
الكل داخل يسأل
الأكل هيجهز إمتى؟
لكن
البوتاجاز كان مطفي.
الحلل نضيفة.
والمطبخ فاضي تمامًا.
ولما أم أحمد فتحت التلاجة وهي متوقعة تلاقي صواني الأكل متجهزة
ما لقتش غير طبق سلطة صغير عليه
موقع أيام نيوز
لزقة مكتوب عليها
ندى
لفت ببطء ناحية أحمد وقالت
لفّت ببطء ناحية أحمد وقالت وهي عاقدة دراعيها
يعني إيه ده؟
أحمد حاول يضحك وهو متوتر
أكيد ندى بتهزر يا أمي.
بصّتلي كل العيون في نفس اللحظة.
حطيت فنجان القهوة على الترابيزة بهدوء وقلت
لا، مش بهزر.
سكت المكان كله.
أم أحمد قربت خطوة وقالت باستنكار
يعني الضيوف قاعدين ومفيش أكل؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
ابنك من تلات أسابيع أعلن قدامكم إن كل واحد مسؤول عن أكله. وأنا احترمت كلامه.
أحمد حس إن الأرض بتتهز من تحته.
يا ندى بلاش منظرة.
منظرة؟ أنا ما عملتش حاجة. دي قوانينك إنت.
مصطفى أخوه كان واقف في الركن ساكت.
واضح إنه فاكر اليوم اللي أحمد قال فيه كلامه قدامه.
وافتكر كمان الفاتورة اللي كنت مطلعاها.
أم أحمد بصّت لابنها
هو صحيح قلت كده؟
اتلعثم
يعني… كنت متضايق وقتها.
بس قلت ولا ما قلتش؟
المرة دي مصطفى هو اللي رد
قال يا أمي… وأنا كنت موجود.
وش أحمد احمر.
وأول مرة أحس إنه مش لاقي كلام يهرب بيه.
واحدة من قرايبه قالت وهي بتحاول تكسر التوتر
خلاص يا جماعة بسيطة… نطلب أكل من بره.
لكن المشكلة ما كانتش في الأكل.
المشكلة إن القناع وقع.
وأحمد عارف ده كويس.
لأن أغلب الموجودين كانوا فاكرين إنه هو اللي بيصرف على البيت كله.
وإن مراته قاعدة مرتاحة.
ساعتها قمت من مكاني.
وجبت الملف الأزرق اللي كنت مجهزاه.
وحطيته على السفرة.
أحمد أول ما شافه اتوتر.
إيه ده؟
الحقيقة.
فتحت الملف قدامهم.
فواتير.
إيصالات.
تحويلات.
دفعات كهربا.
غاز.
مياه.
إيجار المحل اللي بشتغل فيه ساعات إضافية.
وحتى فواتير طلبات الأكل اللي كانت بتتطلب لما العيلة كلها تيجي فجأة.
أم أحمد كانت بتقلب الورق وهي مش مصدقة.
كل ده إنتِ اللي دافعاه؟
أيوة.
وأحمد؟
سكتُّ.
لأن الأرقام هي اللي كانت بتتكلم.
واحدة من خالاته قالت بدهشة
ده ندى دافعة أكتر من نص مصاريف البيت!
رد مصطفى بهدوء
أكتر من النص بكتير.
لأول مرة أحمد فقد أعصابه.
خبط بإيده على الترابيزة.
هو إحنا هنعمل محكمة؟
بصيتله بثبات.
لا.
أمال إيه؟
مجرد توضيح.
توضيح لإيه؟
لإني تعبت من إني أبقى الغلطانة طول الوقت.
سكت.
وأكملت
كل مرة كنت تقول للناس إنك شايل البيت لوحدك كنت بسكت.
كل مرة كنت تقلل من تعبي كنت بسكت.
كل مرة كنت تعتبر شغلي مجرد تسلية كنت بسكت.
بس من النهارده لا.
الصمت اللي في المكان كان تقيل جدًا.
وأم أحمد كانت باصة لابنها بنظرة عمره ما شافها منها.
نظرة خيبة.
مش ڠضب.
وده كان أصعب.
بعد نص ساعة تقريبًا بدأ الضيوف يمشوا واحد ورا التاني.
مفيش عيد ميلاد.
مفيش تورتة.
مفيش احتفال.
بس في حقائق اتقالت لأول مرة.
ولما آخر شخص خرج من البيت…
وقف أحمد قدامي.
كان واضح إنه بيحاول يسيطر على عصبيته.
ارتحتي كده؟
بصيتله.
جدًا.
كسفتيني قدام أهلي.
وأنا؟ لما كسفتني قدامهم يوم ما قلت إني باكل من خيرك؟
ما ردش.
لأنه ما كانش عنده رد.
عدّى أسبوع كامل.
البيت ساكت.
كل واحد في ناحية.
لكن الغريب إن أحمد بدأ يلاحظ حاجات عمره
ما كان بياخد باله منها.
لاحظ إن هدومه النظيفة ما بقتش تظهر فجأة في الدولاب.
لاحظ إن مفيش أكله المفضل بيتحضر من غير ما يطلب.
لاحظ إن البيت اللي كان دايمًا مرتب محتاج مجهود كبير عشان يفضل بالشكل ده.
ولاحظ أهم حاجة…
إني بقيت سعيدة من غيره.
كنت برجع من شغلي وأشتغل على طلبات التورتات.
ومشروعي الصغير بدأ يكبر.
لدرجة إني في يوم استلمت طلبية كبيرة من شركة كانت عايزة حلويات لحفل افتتاح فرع جديد.
وقتها دخل عليّ المطبخ.
الطلبية دي بكام؟
رفعت عيني من على الحسابات.
ليه؟
بسأل.
قلت الرقم.
فشهق.
لأن المبلغ كان أكبر من مرتبه في شهر كامل.
قعد على الكرسي وهو ساكت.
وأول مرة شفت في عينه حاجة غير الغرور.
شفت صدمة.
وكأنه اكتشف فجأة إن الست اللي كان بيقلل منها طول الوقت…
كانت أقوى مما تخيل.
وفي نفس الليلة، وهو فاكر إني نايمة، سمعته بيتكلم مع مصطفى في التليفون.
وكان صوته منخفض ومكسور شوية.
أنا غلطت يا مصطفى.
رد أخوه
أخيرًا عرفت.
كنت فاكر إنها عمرها ما هتمشي.
المشكلة مش إنها تمشي.
أمال إيه؟
المشكلة إنك خلتها تعيش سنين وهي حاسة إن قيمتها أقل من حقيقتها.
سكت أحمد.
وسكتة المرة دي كانت أطول من أي كلام.
لأن بعض الكلمات… لما تتقال في وقتها المتأخر، بتبقى أثقل من الجبال.