مرات اخويا بقالها 6سنين 3
## الجزء الخامس
الست اللي واقفة على الباب كانت بتترعش وهدومها متبهدلة تراب ودم، اتضح إنها جارتهم في البيت البعيد اللي أحمد أجره للعروسة الجديدة. أول ما قالت الكلمتين دول، الصالة كلها اتكهربت. أحمد وقف على رجله كأنه مكنش عيان، وعينيه برقت من الصدمة: “بنتي أنا؟ قصدك مراتي؟ حادثة إيه وفلوس إيه؟”
الست قعدت على أول كرسي وهي بتنهج وقالت: “يا أستاذ أحمد، الست دي بعد ما سابتك في المستشفى، رجعت الشقة البعيدة ولمت كل الدهب والفلوس اللي أنت كنت شيلهم في الخزنة، وأمها كلمتها وبلغتها إن البوليس اتمسك بالشقة القديمة. هي خافت لتقبض عليها، أخدت شنطة الفلوس وركبت عربيتك وسوقت بأقصى سرعة وهي مش دريانة بالطريق.. عملت حادثة مقلوبة على الصحراوي، والعربية اتقسمت نصين!”
أحمد حس إن الدنيا بتلف بيه، مكنش عارف ينطق، الصدمات عمالة تنزل فوق رأسه ورا بعضها من غير ما يلحق يفوق. بصيت لهناء لقيتها حاطة إيدها على بطنها وبتستغفر ربنا بصوت واطي، المنظر كان مرعب.. شقا عمره وعربيته وفلوسه، كل حاجة بتضيع في لحظة وكأنها لعنة دعوة المظلوم.
أحمد بصلي وبص لهناء ودموعه نازلة: “أنا لازم أروح المستشفى.. لازم أشوف إيه اللي حصل، الفلوس دي فلوس ابني.. ده شقا عمري كله!”
هناء وقفت وقالت بصوت هادي وفيه حكمة غريبة: “أنا هاجي معاك يا أحمد.. مش هسيبك في الحالة دي تقع مننا”.
قولت لها بزعيق: “تيجي فين يا هناء؟ أنتِ حامل في الشهر التاني والتعب ده خطر عليكي!”
بصتلي ونظرتها كانت صلبة: “متقلقيش عليا يا مروة، ربنا الحامي.. بس أحمد مش هيتحمل الصدمة دي لوحده، وأنا مش نادلة عشان أسيبه في وقت زي ده حتى لو كان غلط في حقي”.
ركبنا كلنا تاكسي وطلعنا على مستشفى الطوارئ اللي نقلوا فيها العروسة الجديدة. الأجواء هناك كانت تقبض القلب، ريحة المطهرات وصوت صراخ أهالي المصابين. سألنا في الاستقبال وأول ما عرفوا الاسم، الدكتور بصلنا بأسف وقال: “أنتم ألمها؟ الحالة جاية متدمرة.. كسور مضاعفة في الحوض والرجلين، ونزيف داخلي في المخ، وإحنا عملنا اللي علينا بس هي حالياً في غيبوبة كاملة على أجهزة التنفس الصناعي.. ادعولها”.
أحمد سأل بلهفة وهو صوته بيترعش: “طب والحاجة اللي كانت معاها يا دكتور؟ الشنطة.. العربية؟”
الدكتور هز رأسه وقال: “العربية بقت حتة حديد ملهاش معالم، والشرطة جابت الشنطة اللي لقتها في مكان الحادثة، بس للأسف.. الشنطة كانت مفتوحة ومتدمرة والفلوس طارت في وسط الطريق الصحراوي والناس لمتها، ملقيناش فيها غير ورقك وشوية من الذهب المكسر، والحاجة كلها متحفظ عليها في نقطة الشرطة بتاعة المستشفى”.
في اللحظة دي، أم العروسة الجديدة (الست اللي كانت بتفضي الشقة) دخلت المستشفى وهي بتصرخ وتلطم على وشها. أول ما شافت أحمد، جريت عليه ومسكت في قميصه وهي بتعيط بغل: “أنت السبب! بنتي ضاعت بسبك وبسبب فلوسك النحس.. منك لله!”
أحمد زق إيدها بكسرة ونطق وبكاء مرير: “بنتك اللي سرقتني وخانتني وأنتِ اللي وزتِيها! بنتك طارت بفلوسي وشقايا عشان هربانة من سرقتها.. ربنا جاب حقي وحق مراتي الأصيلة في أقل من 24 ساعة!”
الست قعدت على الأرض تصرخ، وأحمد لف وشه وسند رأسه على الحيطة وهو بيبكي بحرقة على الفلوس اللي راحت والعمر اللي ضاع في دقيقة. هناء قربت منه بالراحة، حطت إيدها على ظهره وبدأت تطبطب عليه: “الحمد لله يا أحمد إنك واقف على رجلك.. الفلوس بتروح وتيجي، والمهم إنك عرفت الحقيقة قبل ما يفوت الأوان”.
أحمد بص لهناء، ونزل على إيدها يبوسها قدام الناس كلها في المستشفى وهو بيقول: “أنا مكنتش بستاهلك يا هناء.. أنا بعت الغالي واشتريت الرخيص والرخيص دمرني.. سامحيني يا بنت الأصول”.
رجعنا بيتي بعد ما أحمد خلص إجراءات النيابة واستلم بقايا الذهب المكسر والورق اللي نُصّه محروق. قعدنا كلنا في الصالة وإحنا مش مصدقين إن كل الكوابيس دي حصلت في يومين بس.
أحمد بص لهناء وقالها: “أنا هبيع حتة الأرض اللي فاضلة ليا من ورث أبويا.. وهشتريلك بيها شقة جديدة باسمك أنتِ وابننا، ومش عايز من الدنيا دي غير إنك ترضي عني وتسمحيلي أعيش تحت رجليكي أنتِ وابني”.
هناء لسه هترد وتتكلم، وفجأة تليفون أحمد رن برقم غريب.. أحمد فتح السبيكر وهو تعبان، وجاله صوت راجل غليظ وبيقول بصيغة تهديد مرعبة: “أستاذ أحمد؟ إذا كنت فاكر إن الحادثة دي هتخليك تخلع بالفلوس تبقى غلطان.. مرتك الجديدة كانت ممضية على وصلات أمانة وشيكات بـ 2 مليون جنيه عشان تشتري الشغل والمعرض اللي كانت عايزة تفتحه، وبما إنها بين الحيا والموت، فـ أنت بصفتك جوزها المسؤول قانوناً عن سداد الديون دي.. وقدامك 48 ساعة والوصلات دي هتبقى في النيابة!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء السادس
الدم اتجمد في عروقنا كلنا، والصالة ساد فيها صمت رهيب مفيش فيه غير صوت أنفاسنا المكتومة. أحمد تليفونه وقع من إيده على السجادة، وصوت الراجل لسه طالع من السبيكر بيعيد التهديد: “سمعتني يا أستاذ أحمد؟ 48 ساعة.. لو الفلوس مجهزتش، هتحصلها بس على السجن ومستقبلك كله هيضيع!”، وقفل الخط.
أحمد بص لل تليفون وهو مشوش، كأن عقله خلاص مابقاش قادر يستوعب صدمات تانية. بدأ يتنفس بسرعة وحط إيده على قلبه، وجريت عليه وأنا بصرخ: “أحمد! اهدى عشان خاطري.. أرجوك بلاش تقع مننا تاني!”
هناء قعدت جنبه بسرعة ومسكت إيده وهي بتهديه: “استغفر ربنا يا أحمد، طول ما فينا نفس مفيش مشكلة ملهاش حل.. اهدى عشان صحتك”.
أحمد بص لهناء بدموع مغرقة وشه وقال بنبرة يائسة: “حل إيه يا هناء؟ 2 مليون جنيه! أنا حيلتي إيه عشان أسد مبلغ زي ده؟ أرض أبويا اللي كنت هبيعهالك عشان أضمن حقك أنتِ وابني مش هتيجي ربع المبلغ ده! أنا خلاص انتهيت.. الست دي دخلت حياتي دمرتني، أخدت شقا عمري وفلوسي وفي الآخر هتدخلني السجن!”
فضلت قاعدة بفكر والمسؤولية كلها فوق كتافي.. أحمد أخويا الوحيد ومقدرش أشوفه بيتسجن، وفي نفس الوقت هناء حامل ومحتاجة أمان. قولت لأحمد بحسم: “أول حاجة هنعملها الصبح، هتروح مع محامي كبير للراجل ده ونشوف أصل الوصلات دي إيه. أنت ممضيتش على حاجة، والديون دي هي اللي عاملاها، لازم نعرف الموقف القانوني إيه بالظبط قبل ما نتصرف”.
تاني يوم الصبح، أحمد أخد المحامي وراحوا يقابلوا الراجل صاحب الشيكات في مكتبه. قعدت مع هناء في البيت وإيدي على قلبي، وهي كانت ماسكة المصحف وبتدعي من كل قلبها لأحمد.. رغم كل اللي عمله فيها، أصلها الطيب كان غالب على أي زعل.
بعد كام ساعة، أحمد رجع البيت بس وشه كان غريب.. مكنش مكسور زي الصبح، كان فيه نظرة ذهول. قعد وقال: “المحامي شاف الوصلات والشيكات يا مروة.. الصدمة إن الشيكات دي ممضية بتاريخ قديم.. من شهرين فاتوا! يعني من قبل ما أتجوزها ومن قبل ما تعرفني أصلاً!”
هناء انتبهت وقالت: “يعني إيه يا أحمد؟”
أحمد كمل وهو مش مصدق: “يعني الست دي كانت مديونة ومحكوم عليها، واتجوزتني طمع في فلوسي وشقا عمري عشان تسد ديونها القديمة ولما ملحقتش، كانت هربانة بالشنطة عشان تدفع للراجل ده! المحامي قاللي قانوناً الديون دي شخصية وهي اللي تتحملها لأنها باسمها وبتاريخ قبل الجواز، وأنا ماليش أي علاقة بيها ولا أمضيت كضامن!”
نزلنا كلنا نفسنا الـ كان مكتوم، وحسينا إن جبل انزاح من على صدرنا. أحمد بص للسما وقال: “الحمد لله.. الحمد لله يا رب، ظهر الحق”.
لكن الفرحة مكملتش، هناء قامت فجأة من مكانها وهي بـ تصرخ صرخة هزت البيت كله، وحطت إيدها على بطنها وقالت بوجع رهيب: “آآآه.. مروة الحقيني! في وجع هيموتني في بطني.. الحقيني يا مروة!”
بصيت على الأرض، لقيت نقط دم نازلة على السجادة. صرخت وجريت عليها وسندتها، وأحمد وشه اتقلب أبيض وزي المجنون بقا يزعق: “هناء! ابني.. هناء جرى لها إيه؟”
شيلناها بسرعة ونزلنا بيها على مستشفى النساء والتوليد. هناء كانت في أوضة الكشف بـ تصرخ من الألم، وأحمد كان واقف برة بيخبط رأسه في الحيطة وبيبكي بحرقة ويقول: “يا رب خد عمري بس ابني يعيش.. متعاقبنيش في هناء وابني يا رب!”
بعد نص ساعة كاملة من الرعب، الدكتور خرج من أوضة الكشف وهو بيقلع الجوانتي وبص لـ أحمد وليا بنظرة صامتة وغامضة.. نظرة خلت ركبنا تسيب من الخوف. أحمد جري عليه ومسك في ديد الدكتور وهو بينهج: “طمني يا دكتور.. أرجوك قولي إن ابني بخير.. هناء جرى لها إيه؟”