انت بتعمل ايه هنا 4

الحلقة الخامسة عشر

جلس ( أمجد ) امام مكتب الطبيب الذي كان يقرأ نتيجة التحاليل وجلست ( هبة ) أمامه والتي اصرت على الحضور معه ولم يستطع اقناعها بالذهاب بمفرده, رفع الطبيب رأسه من فوق الاوراق ونظر اليهما مبتسما بأبوة وقال :
– ايه ؟؟ انتو مالكو شكلكم قلقانين كدا ليه ؟؟ عموما ….الف مبروووك يا أ . ( أمجد ) انت ومدام ( هبة ) ولي العهد جاي في السكة ان شاء الله …
لم يرد ( أمجد ) في البداية على كلام الطبيب ونظر الى ( هبة) التى ظهرت معالم عدم التصديق على وجهها , ثم ما لبث ان نظر ( أمجد ) الى الطبيب وقال وابتسامة الفرح تتسلل الى وجهه :
– بجد يا دكتور ؟؟ ( هبة ) حاامل؟.
هز الطبيب برأسه موافقا في حين انسابت عبرات السعاده من بين جفون ( هبة ) وهي تنظر الى ( أمجد ) وتقول بابتسامة فرح تتخللها ابتسامة سعادة :
– معقولة يا ( أمجد )؟, انا مش مصدقة نفسي! ,
أجابها الطبيب :
– لا صدقي يا مدام , بس هو فيه حاجه بأه ..
فنظر اليه ( أمجد ) قلقا وقال :
– ايه يا دكتور خير إن شاء الله؟
أجابه الطبيب مطمئِّنا :
– لا ان شاء الله خير يا باشمهندس ماتقلقش كل الموضوع ان المدام عندها شوية انيميا لازم تتغذى كويس علشان احنا لسه في اول الحمل مش عاوزين الانيميا تزيد عندها وندخل في مشاكل مالهاش لازمة ولازم الرااحة التامه خصوصا اول 3 شهور ..
قال ( امجد ) وهو ينظر اليها بحب :
– ما تخافش يا دكتور تعليماتك هننفذها بالحرف الواحد
هز الطبيب رأسه استحسانا ومد يده اليه بوصفة طبية مكتوبة قائلا :
– جمييل , دا نظام غذائي علشان المدام تمشي عليه والأدوية اللى هتحتاجها في الفترة دي, أنا كتبت مثبت حمل, هي ممكن تكون مش محتاجاه لكن الحمل لسه في الأول خالص دا غير الضعف الشديد اللي هيا فيه, فلازم ناخد احتياتطنا, عموما ما تقلقوش المدام لو مشيت على نظام الغذا دا وخدت الدوا في مواعيده ان شاء الله هتعدي فترة الحمل الاولى على خير, واشوفها كمان اسبوعين بإذن الله …
شكر أمجد الطبيب واستأذنا بالانصراف حيث غادرا ولا تكاد قدميْهما تلمسان الارض من فرط سعادتهما …
وقف ( امجد ) امام المصعد مشبكا يده بيد ( هبة ) وهو لا يكاد ينتظر وصول المصعد ليهبطا فيه … وما ان فُتحت ابواب المصعد حتى دخل ( امجد ) سريعا جاذبا ( هبة ) وما ان أُغفلت الابواب اذ به يلتفت اليها ليحتضنها بين ذراعيه بشدة وهو يهتف ونظرات #حب تلمع بين رماد عينيه:
– مبروووووك يا قلب ( أمجد ) الف مبرووك حبيبتي .. ما تتصوريش فرحتي أد ايه .. انا كنت ماسك نفسي بالعافية قدام الدكتور الف مبرووك يا قلبي ..
طوقته ( هبة ) بذراعيها وربتت على مؤخرة شعره وهي تقول بغصة من دموع السعاده :
– الله يبارك فيك يا حبيبي, انا مش مصدقة يا ( أمجد ).. ابنك جوايا؟, يعني انا شايلة حتة منك؟!
أبعدها عه قليلا لينظر في وجهها وقال بينما يمسح باصابعه دموعها :
– لا صدقي يا قلب ( أمجد ).. وبعدين مين قالك انه ولد؟, انا عاوز بنت .. وتكون شبهك بالظبط …
نظرت اليه مستنكرة وهتفت :
– يا سلام!!, لا معلهش.. معلهش .. انا عاوزاه ولد بأه … ويكون زيك بالظبط !! مايفرقش عنك خااالص .. فرفع يدها الى فمه مقبلا اياها وهو يقول : ولد …بنت .. كل اللي يجيبه ربنا جمييل المهم انك تقومي لي بالسلامة وولي العهد يشرف بالسلامة ….
وصل المصعد الى أسفل حيث خرجا منه متجهين الى السيارة, حيث صعدا إليها وقاد ( امجد ) السيارة فقد رفض ان يصطحبهما السائق مسبقا…
قال أمجد وهو يسترق اليها النظر بحب قبل أن يعيد انتباهه ثانية الى الطريق:
– هنفوت على الصيدلية في طريقنا نجيب الدوا, وخلي بالك كل اللي قال عليه الدكتور يتنفذ وبالحرف الواحد كمان, وانا بنفسي اللي هشرف على اكلك ودواكي حاكم انا عارفك.. مش هتريحيني خصوصا في حتة الاكل دي …
أجابته وقد اسندت رأسها الى كتفه :
– لا حبيبي ما تخافش, مش ممكن اعمل حاجه تأذي ابننا ابدااا .. نظر اليها بحب وشبك أصابعهما سويّة وظلّا على هذا الحال طوال الطريق ….
وصلا الى المنزل بعد ان عرجا في طريقهما لشراء الادوية التي وصفها الطبيب , ما ان دخلا حتى وجه أمجد اليها نظره قائلا بحب:
– ياللا بينا نبشّرهم وبعدين فورا حضرتك تطلعي على فوق على طول علشان ترتاحي, اظن واضح؟
هزت برأسها موافقة على كلامه .. دخلا حيث العائلة مجتمعه بما فيهم والدها بعد ان سلما عليهما سألهما الجد أين ذهبا, خبّأت ( هبة ) نفسها خلف ( أمجد ) خجلا من الموجودين وخاصة والدها!!
أمجد ( امجد ) والفرحة تتراقص في عينيه وابتسامة سعادة واسعة ترتسم على وجهه:
– فيه خبر لكم عندنا انما احلى خبر ممكن تسمعوه!…
ثم نظر الى كل فرد منهم قبل ان يواصل متابعا بضحك :
– عيلتنا الجميلة دي إن شاء الله هتزيد واحد بعد 8 شهور بالظبط!!…
سكت الموجودين قليلا ثم فهموا ما يرمي إليه لتنطلق صيحات الفرح منهم وتهنئتهم بالحدث السعيد, وتقدمت والدة ( امجد ) مقبّلة لهما وهى تقول ودموع الفرح تغسل وجهها :
– الف الف مبرووك يا حبايبي, ربنا يكمّلك على خير يا ( هبة ) يا حبيبتي يارب …
اقترب منها والدها وقال وهو يمد يديه ليحتضنها :
– الف الف مبروك يا حبيبة ابوكي, ربنا يتمم لك بخير ويشرّف ولي العهد بالسلامة …
وهكذا تلقت هبة وأمجد مباركة الجميع والتي قدموها بصدق وفرحة حقيقية, بعد أن هدأ الجميع استأذنهم ( امجد ) للصعود الى طابقهما طالبا من والدته ان ترسل لهما بطعام الغذاء لان ( هبة ) ستنال قسطا من الراحه حسب أوامر الطبيب …
ما ان دخلا الى غرفتهما حتى قالت ( هبة ) وهي تنظر اليه باستفهام:
– ليه يا حبيبي ما خلتناش نتغدى تحت معهم؟
أجابها وهو يحيط خصرها بذراعه :
– احنا لسه بنقول بسم الله هنبتدي بأه؟!, إنتي لازم ترتاحي, انهارده روحنا جيبنا نتيجة التحاليل وروحنا للدكتور يعني اتحركت كتير وانت سمعت الدكتور بيقول الراحه والغذا الكويس, وبعدين تعالى هنا قوليلي..(نظرت اليه بتساؤل فيما تابع مصطنعا الغضب) هو ابوكي دا مش هيبطل احضان فيكي كل شوية؟, وبعدين ايه حبيبة بابا دي؟, انت حبيبة ( امجد ) وبس!..
لم تستطع تمالك نفسها وضحكت وهى تجيب واضعة راحتيها الصغيرتين على صدره العريض:
– مش ممكن!, انت مجنون بجد!, انت بتغِير من بابا!, معقولة؟!, مش ممكن يا ( امجد )!! ..
أجابها بجدية زائفة كشفتها نظرات المرح التي تتقافز في عينيه:
– لا ممكن يا قلب ( امجد )!, آه بغِير.. وأووي كمان, ايه رايك بأه؟
أجابته وهي تطالعه بمكر:
– على كدا بأه لو جات بنت وانت جيت تبوسها وتدلعها جوزها يقولها زى ما بتقولي؟؟
أجاب هاتفا باستنكار :
– ميين دا ؟؟؟ طيب يبقى يعملها كدا؟, دا يحمد ربنا لو انا اللي خليته يقولها كلمة واحده حتى ولا حتى يلمسها ..
ضحكت عاليا وقالت وهى تميل اليه :
– تعملها ما انا عارفاك .. مستبد !!
قال متصنعا الأسف والطيبة:
– انا .. انا يا ( هبة )؟
لم ينتظر جوابها لينظر اليها فجأة بخبث وهو يتابع بمكر وقد زالت عنه فجأة تعابير الأسى المصطنع التي رسمها على وجهه:
– طيب ايه رايك بأه اوريك الاستبداد على أصله ؟؟!
ابتعدت عنه قليلا وهتفت وهي تشير بيديها امام وجهها نافية :
– لالالا اوعى انت هتعمل ايه؟, انا حامل والدكتور قال الرااااااحه !!..
توقف عن الإقتراب منها ناظرا اليها بغيظ زافرا بقوة وسخط :
– شكلك انت وابنك هتعملو عليا فريق من اولها, ماشي يا قلب ( امجد ) نسمع كلام الدكتور !….
قطع مرحهما طرقات على باب الجناح فذهب أمجد ليستطلع ليجدها أمه والتي أخبرته بابتسامة انها تريد الجلوس مع هبة قليلا, فتركهما قائلا أنه سيذهب الى المكتب لإجراء بعض المكالمات الخاصة بالعمل, بعد أن جلستا مالت سعاد على هبة وربتت على يدها وقالت بحنان أمومي لمس قلب هبة:
– هبة حبيبتي أنا عارفة أنه فيه حاجات هتحبي تسألي فيها, وفيه حاجات انتي متعرفيهاش, إعتبريني زي ماما الله يرحمها بالظبط وأي حاجه عاوزة تستفسري عنها إوعي تتكسفي..
أسبلت هبة عينيها بخجل وقالت وهي تتهرب بنظراتها بينما اصطبغ وجهها بحمرة الخجل القانية:
– ربنا يخليكي يلا يا ماما سعاد, انا فعلا مش عارفة أتكلم مع مين, ومع ان بابا عمري ما اتكسفت منه وبالنسبة لي طول عمري أب وأم لكن أنا محرجة منه, هو فيه سؤال بسيط, الدكتور قال اني لسه في أول الحمل, وإداني مثبت, هو فيه خطورة انه الحمل لا قدر الله ما يكملش؟!!..
ابتسمت سعاد بطيبة وأجابت:
– لا يا حبيبتي كل الحكاية انه حملك لسه في أول شهر, وتحاليلك بينت انه عندك ضعف والدكتور مش عاوز مجازفة, قوليلي انتي اتجوزتي وكان في نص الشهر بالنسبة لك تقريبا صح؟؟.
أومأت هبة ايجابا ونظرت الى سعاد بترقب في انتظار سماعها, تابعت سعاد بهدوء وابتسامة صغيرة تعتلي وجهها:
– وانتي متجوزة بقالك اسبوعين تقريبا مش كدا؟
سارعت هبة بالاجابة بحماس:
– 17 يوم بالظبط!!
ضحكت سعاد وعلقت:
– انتي حاسباهم باليوم!
خجلت هبة وهربت بنظراتها بعيدا فواصلت هبة:
– ربنا يحفظ عليكم سعادتكم حبيبتي يا رب ويتمم لك بخير, المهم يبقى بحساب بسيط معاد دورتك الشهرية اليومين دول؟..
اجابت هبة بحياء فهي لم تعتد المناقشة في تلك الأمور مع أيٍّ كان:
– هي متأخرة كمان يومين تلاتة عن معادها…
أجابت سعاد:
– علشان كدا تحليل الدم كشف الحمل, الدكتور واضح انه شك علشان كدا طلب من ضمن التحاليل اللي عاوزها تحليل الحمل, وحتى جهاز الحمل اللي بيتباع في الصيدلية ممكن جدا يبيّنه, وبما إنك لسه في الأول الدكتور كتب أقراص التثبيت دي, لكن لو الموضوع فيه خطورة فعلا كان مكن جدا يكتب حقن أو يدخلك المستشفى لا قدر الله علشان تكوني تحت الرعاية الطبية الكاملة, لكن الحمدلله انتي لسه صغيرة وصحتك كويسة هما شوية الضعف والانيميا والدكتور مش عاوز يسيب حاجة للظروف لأنه كتير من البكارى اللي بتحمل بسرعة للأسف بتخسر الحمل بسرعة, عموما ما تخافيش حبيبتي ان شاء الله ربنا يتمم لك على خير..
ورفعت سبابتها أمامها وتابعت بحزم أمومي:
– ومش عاوزة أي قلق خاالص, لعلمك القلق والتوتر عدو الحمل الأول, أهم حاجة الراحة النفسية بالظبط زي الراحة الجسمانية, و…. (غمزت ضاحكة وأكملت) وخللي أمجد يهدى شويّة اليومين دول!!, ابتسمت هبة ونظرت الى الأسفل بينما احتضنتها سعاد وهتفت:
– حبيبتي انتي في مقام علا بنتي تمام, ولو أقولك معزتك بقيت أكتر من أمجد يمكن ما تصدقنيش, مش عاوزاكى تتكسفي مني أبدا ما فيش بنت تتكسف أمها!!
احتضنتها هبة بدورها وأجابت وهى تتنسم رائحة الأمومة التي افتقدتها منذ طفولتها من تلك السيدة التي تحتويها بحنان أموميّ فيّاض:
– أكيد يا ماما, ربنا يخليكي ليا وما يحرمنيش منك أبدا يارب..

مرّت الايام و ( هبة ) منتظمة في جلسات العلاج النفسي وقد صرّحت لطبيبها النفسي المعالج من خوفها من الدواء الموصوف لها أن يضرّ بحملها, طمأنها الطبيب قائلا ان الدواء عبارة عن مجموعة من الفيتامينات والمقويّات ليس اكثر لانها ليست مريضة نفسية فهو ليس دواءاً نفسيّ …
كانت نوبات الصداع تهاجمها على فترات متقطعة ولم تكن تصرّح لـ ( امجد ) بها كي لا ينتابه القلق, فهو من لحظة ان عرف بحملها وهو يكاد ان يترك عمله ليلازمها ليل نهار ….

كانت جالسة في الحديقة تحتسي كوبا من عصير البرتقال الطازج عندما جاءتها ( سميرة ) تخبرها ان هناك ضيفة تطلب رؤيتها فاشارت اليها بادخالها …
ما ان رأت من تقف امامها حتى انتفضت ووقفت من مكانها متساءلة بحيرة في نفسهاعن سبب قدومها, فإنطباعها عنها الأول عندما شاهدتها في حفل زفافها أنها لم تُعجب بها بل لقد شعرت بالكره الوجّه لها يظهر جليّا في عينيها!.
تحدثت اليها تلك الضيفة قائلة بأسف زائف:
– اظن انك مش فاكراني كويس ؟؟ انا …( سارة ) ….شوفتيني يوم الفرح وباركتلك إنتي و..(سكتت قليلا قبل أن تتابع بخبث) أمجد؟!..
نظرت اليها ( هبة ) قليلا وقد شعرت بعدم الراحة لتلك المخلوقة التي تقف أمامها تتكلم بغرور شديد ولا تعلم لما هذا الشعور بالضيق الذي داهمها ما إن أتت على ذكر أمجد؟!, حاولت تمالك نفسها وألّا يعبّر وجهها عمّا يختلج بداخلها من انفعالات, نظرت اليها بهدوء وأجابت بثقة:
– آه ..طبعا فاكراكي كويس..انا مابنساش حد شوفته ولو لمرة واحدة..
قالت سارة بسخرية خفيفة :
– لكن للأسف … نسيتي!!, اووه – ووضعت يدها على فمها بأسف مصطنع – وأكملت قائلة :
– سوري .. ما اقصدش!
قاطعتها ( هبة ) ببرود فيما هي يتصاعد غضبها الى درجة الغليان بداخلها :
– لا .. ابدا, انت بتعتذري على ايه؟, انت ماغلطتيش في حاجة!, انا فعلا فقدت الذاكرة.. بس الحمد لله على نعمه, في نااس كتييير مافقدوش ذاكرتهم لكن فاقدين حاجات اهم بكتير زي الشعور والاحساس, ودوول أعتقد أهم من الذاكرة, وأنا الحمد لله لسه محتفظة بيهم عكس نااس تانية ذاكرتهم موجودة لكن ناسيينهم وتقريبا ميعرفوش معناهم ولا عمرهم جربوا يعني ايه احساس ولا شعور, زي ما تقولي خاليين منهم نهائيًّا!..
نظرت اليها ( سارة ) بغيظ واضح ولم تستطع الإجابة, فيما شعرت هبة بالسرور لإيقافها هذه المخلوقة المستفزة عند حدِّها, نظرت اليها هبة بإستعلاء واشارت اليها بالجلوس, أمرت هبة سميرة – التي كانت لا توال واقفة لتلقي أوامر سيدتها بشأن الضيفة التي أدخلتهار- بإحضار الشاهي والحلوى, ثم اعتدلت في جلستها ناظرة الى ضيفتها الغير مرغوب فيها بغرور أتقتنته لم يرق لتلك الدخيلة!!.
عاد ( امجد ) من شركته في القاهرة وهو يلوم نفسه لتركه (هبة) كل هذا الوقت, صحيح انها ليست بمفردها كليّة وأن عائلته حولها, فوالدها قد عاد الى مباشرة عمله في شركة جدّه كمدير عام كما سبق ووظّفه أمجد..
لا يدري أمجد لما هذا الإحساس الخانق بالقلق الذي يعتمل في صدره منذ تحدث الى ( هبة ) قبيل انصرافه من الشركة, وعندما شعر ان صوتها ليس طبيعيا وسألها طمأنته قائلة انها بخير.. ولكنها تشعر ببعض التعب الخفيف وحالما تنام ستصبح أفضل, ولكنه لم يقتنع باجابتها ولم يشأ ان يجادلها, ولكنه قرر انه سيقوم بتكليف ( شوكت ) ساعده الايمن بالعمل كنائب له في ادارة الشركة هنا بالقاهرة كي يستطيع ان يقضي اكبر قدر من الوقت بجانب حبيبته وأم طفله القادم….
ما ان وصل ( امجد ) الى مزرعة جده, حتى سارع بالترجل من السيارة ولم ينتظر الى ان يفتح له سائقه الباب, ودخل الى المنزل شبه راكضا ولم يلتفت الى أيّ شيء فقد استبد به الشوق الى معشوقته ليركض صاعدا الى طابقه قافزا كل ثلاث درجات سويا حتى اذا دخل ذهب رأسا الى غرفة النوم, فوجدها تسبح في الظلام ونور خفيف ينبعث من المصباح بجانب الفراش , اقترب بمنتهى الخفة من الفراش ليشاهد من تنام ببراءة شديدة وقد شبهها في نفسه بالأميرة النائمة..
كان شعرها يفترش الوساده بجانب رأسها وكانت يدها موضوعه على الوسادة بجانبها بينما يدها الاخرى خارج الغطاء, وبينما هو يتأمل ملامحها الملائكية اذ بتعبير وجهها يتغيّر من السكون والراحة الى تعبير الألم والفزع, وكأنها ترى شيئا يسبب لها ذلك الألم الذي يراه مرتسما على تعابير وجهها الملائكيّ, وإذ بها تحرك رأسها يمنة ويسارا بشدة فعقد حاجبيه وجلس بجوارها على الفراش وهو يربت على وجنتها بحنو باالغ ويقول :
– ( هبة ) حبيبي بسم الله الرحمن الرحيم .. حبيبتي مالك؟ ..
وهى لا تعي ما حولها وفجأة اذ بها تنتفض من نومها فزعة وتفتح عينيها فوقعت عيناها عليه مكثت قليلا لا تكاد تعي من هو؟, حتى اذا أفاقت وظهرت ملامح صورته أمام عينيها جيدا اذا بها ترتمى بين ذراعيه بقوة وهى تجهش بالبكاء, فاحتضنها بشدة وهو يهتف بفزع :
– ( هبة ) حبيبتي مالك؟, فيكي ايه؟, ( هبة ) ردي عليا !!
وكلما حاول ابعادها عنه كي يرى وجهها تشبثت به اكثر وهى تقول بين شهقاتها :
– كابووس … كابووس فظيع اووي يا ( امجد ) …
ربت على شعرها وهو يقول :
– معلهش حبيبتي استعيذي بالله من الشيطان الرجيم .. لو يريحك انك تحكيلي عليه احكيه .. ولو اني ما افضلش دا .. الكابوس دا من الشيطان .. اهدي يا قلبي اهدي ..
ثم اسندها الى الوسائد خلفها وسكب بعض من الماء من الدورق الزجاجى الموضوع على الجارور الصغير بجوار الفراش وساعدها لتشرب بعضا من الماء, ثم اعاد الكوب مكانه ووضع ذراعه على كتفها واسندها على صدره وقال:
– ها.. احسن دلوقتى حبيبتي؟
أجابته وهي تلتقط أنفاسها المرتعشة ببعضا من الراحة:
– الحمد لله يا حبيبي..
سألها بحيرة:
– انا اول مرة اشوفك كدا .. بيتهيألى دي اول مرة الكابوس دا يجيلك؟
هزت رأسها ايجابا وقالت :
– فعلا يا حبيبي .. بعد ما الضيفة اللي جاتلى انهارده الضهر دي مشيت, حسيت بصداع فظيع, وطلعت انام شوية لغاية ما تيجي, حتى لما كلمتنى كنت تعبانه والنوم ماجاليش بسهولة …
اعتدل ( امجد ) في جلسته وقال عاقدا جبينه بتساؤل بينما قلبه يخبط في صدره خوفا من أن تصدق هواجسه عن شخصية تلك الزائرة:
– ضيفة؟, مين الضيفة دي؟
كانت لاتزال تستند برأسها إلى صدره فلم تر تعبير القلق الذي ارتسم على وجهه بوضوح, فيما اجابت هي بسخرية خفيفة :
– قريبتك دي …بتاعت …( موووجي )!!
انتفض ( امجد) من مكانه كمن صعقته الكهرباء, لترتج رأسها فهتفت وهى تمسد راسها :
– آخ .. ايه يا ( امجد ) ؟؟ في ايه ؟؟
امسكها من كتفيها ونظر الى وجهها في جدية شديدة وقال :
– ( سارة ) ؟؟
هزت براسها ايجابا مندهشة من ردة فعله بينما اكمل:
– ايه اللي جابها ؟؟, .. ثم تمالك نفسه قائلا :
– قصدي .. قصدي .. كانت جاية عاوزة اييه؟
هزت كتفيها بلامبالاه وأجابت:
– جاية تبارك لنا على الجواز .. بس بيني وبينك .. معرفش ليه حسيت ان فيه حاجه تانيه ؟؟
سألها بقلق حاول مداراته:
– حاجه ؟؟ حاجه زي ايه ؟؟
هزت كتفيها علامة الجهل وقالت :
– معرفش انا حسيت بكدا ..
تحدث وهو يحاول ان يستشف من تعابير وجهها اي شيء :
– وسلمت على ماما وجدي كمان؟
أجابته ببساطة :
– لا ما شافتش حد منهم, بابا في الشغل و ( علا ) و ( علاء ) في الكلية وجدي و ماما ( سعاد ) كانو في أوَدْهم ..
ألح عليها قائلا :
– واتكلمتو في ايه بأه ؟؟
أجابت وهى مقطبة جبينها مندهشة من أسئلته المتتابعة:
– عادي, باركت وشربت الشاي وقالت انه مزرعتهم قريبة مننا وانكم جيران من زمان وتقريبا هى متربية معكم هنا وان باباها ضرورى هيعمل حفلة عشا على شرفنا وإننا لازم نحضر..
نظر ( امجد ) اليها بجدية وقال :
– احنا دلوقتى مش فاضيين اننا نروح حفلات وكلام من دا, انت تعبانه حبيبتي ولازم الراحه ..
تقبلت ( هبة ) كلامه قائلة من دون نقاش فقد كانت تدعو الله في سرها أن يرفض أمجد هذه الدعوة الثقيلة على قلبها:
– احسن بردو, لاني بصراحه ما ارتحتش لها خاالص, وطول الوقت كان نفسي تقوم , معرفش يا ( امجد ) اذا كنت ببالغ ولا لأ بس انا فعلا كنت خايفه منها ؟!
نظر اليها ( امجد ) بحدة ممزوجة بقلق وتساءل بغضب خفي :
– ليه ؟؟ هي حاولت تقول حاجه او تعمل حاجه تقلقك؟
هزت ( هبة ) راسها نفيا وأجابت :
– لالا مش كدا, بس انا كان جوايا احساس انى مش مرتاحه وقلق غريب زى ما يكون انه فيه باب هي هتفتحه وراه حاجات مخيفة!, معرفش هو احساس جالي وقتها.. حتى بعد ما مشيت الصداع مسكني ما سابنيش بسهولة, وانت عارف مع ان الدكتور كتب لي على مسكن مايتعارضش مع حملى لكن انا رافضة اخده, خلِّيت ( سميرة ) عملت لى كوباية ينسون فين على ما شربتها وهديت عرفت انام شوية …
سكت ( امجد ) قليلا ثم تحدث بهدوء يتنافى مع الغضب البركاني الذي يتصاعد بداخله مهددا بالإنفجار لحرق هذه الـ سارة حيّة:
– خير حبيبتي ان شاء الله, انت قومى دلوقتى خدي دش كدا وفوقي علشان ننزل نتغدا معهم, انا هبعتلك ( سميرة ) تكون معاكى وانا هخطف رجلي لغاية شركة جدي في شوية اوراق لازم امضيها, باباكي كلمني علشانهم وانا قولتله وانا راجع هعدي عليه هناك ونبقى نرجع سوا, لكن من قلقي عليكي نسيت, واكيد هو مستنيني دلوقتى, مسافة بس ما تاخدي حمامك هكون رجعت ماشي يا قلب ( امجد )؟.
هزت راسها بخفة موافقة على كلامه مبتسمة براحه.. طبع قبلة خفيفة على شفتيها ثم تركها وذهب …
دق ( امجد ) جرس الباب ففتح له الخادم الذي رحب به ثم ادخله الى غرفة الصالون ريثما يبلغ اصحاب المنزل بقدومه ولكن (امجد ) طلب ان يرى شخصا بعينه ….!!
– موووجي!!, مش ممكن ايه المفاجأة الجميلة دي؟
التفت ( امجد ) اليها حيث كان واقفا ينظر من النافذة العريضة المطلة على حديقة الفيلا .. نظر اليها ببرود قليلا من أعلى الى الأسفل ثم قال :
– كنت جايه عاوزة من ( هبة ) ايه يا ( سارة ) ؟؟
نظرت اليه بغضب خفي ما ان نطق باسم زوجته غريمتها وأجابت بحدة وكراهية مكبوتة:
– يعني هكون عاوزة ايه؟, جاية ابارك لها طبعا!!
قال وهو يقترب منها بخفة وهدوء :
– عاوزانى اصدقك وانت السبب في اللي جرالها؟
أجابت باستخفاف وسخرية وهي تقف أمامه واضعة يديها في وسط خصرها:
– انا السبب ؟؟ ليه ان شاء الله ؟؟ كنت انا اللي زقيتها من على السلم ولا انا اللي خليتها تفقد الذاكرة ؟؟
أجابها بغضب ناري خرج بصوت كالفحيح من بين اسنانه المطبقة:
– ما تستعبطيش!, انت عارفة كويس انت السبب في ايه!, وبعدين انا عاوز افهم انت ازاي حضرت الفرح؟, انا كنت مشدد اووي ان الحضور لازم ببطاقة الدعوه حتى النزلا بتوع الفندق ما كانش مسموح لهم بالحضور ؟؟ ثم .. ثم ازاي دخلت الفيلا أساسا؟,انا مشدد في الموضوع دا !!
طالعته بسخرية وهي تجيبه بثقة وغرور:
– يا عيني يا ( امجد ) .. معقولة فيه حاجه ( امجد ) بيه بحاله مايعرفهاش؟, لكن اطمن انت لو قفلت على ( هبة ) بتاعتك دي بـ100 مفتاح انا بردو هعرف اوصلها ازاي!!
قبض على ذراعها فجأة بقوة شديدة جعلتها تشهق دهشة وألما, بينما قال بغضب شديد :
– حسّك عينك تجيبي اسمها على لسانك انت فاهمه ؟؟, ودا آخر انذار ليكي, ابعدي عن مراتي وبيتي وعن حياتي.. ما ألمحكيش ولو صدفة.. والا.. ماتلوميش الا نفسك, وخلّي بالك كويس اووي من مصلحتك ما تكسبنيش عدو .. لأني عدو شرس اوووي خصوصا لو حد هدد حياتي, اظن واضح ؟؟
ثم نفض ذراعها بعيدا عنه بإشمئزاز واضح جعلتها تشعر بأنها كمّ مهمل غير مرغوب به, صرخت بغضب مجنون:
– ما هو انا ما قدرتش اكسبك كحبيب .. يبقى حتى لو كسبتك كعدو المهم انى.. كسبتك!
تفاجيء أمجد من حلامها في حين اقتربت هي منه وقد تبدلت نبرة صوتها الى دهشة ممزوجة برجاء غريب:
– معقولة انت ( امجد )؟, ( امجد ) اللي ما كانش بيخطي خطوة واحدة غير لما يحسبها الأول بعقله كويس اووي!, وبحسبة العقل اتجوزت ( هبة ) دي ازاي؟, ايه اللي استفدتوا من الجوازة دي؟, مع ان لو كنت انا اللي اتجوزتها شووف كنت هتكسب اييه؟, كفاية انى الوريثة الوحيدة لوالدى !!, كفاية ثروة بابا ونفوذه واتصالاته !!, لكن دي … دي تطلع ميين بالظبط؟
لم تنتظر سماع اجابته وعادت نبرة صوتها للإرتفاع مجددا حتى غدت وكأنها تصرخ وهي تتابع وهي تكاد تشد شعرها:
– واحده كانت بتشتغل عندك سكرتيرة وباباها انسان عادي جدا, يبقى ايه اللي فيها لخبطك وغيرك بالشكل دا؟, لكن هقول ايه.. ما هى ما صدقت.. صاحب الشغل بأه وعملتهم عليك!, خطة ورسمتها.. وانت بمنتهى السذاجه مشيت معاها في خطتها دي, وهى اساسا مش من مستواك بأي شكل, لا إجتماعي ولا أي حاجة, أنما هقول ايه ما هي واحده من الشار…
لتقاطعها يد ( امجد ) التي هوت بصفعة مدوية على خدّها أخرستها في ذهول باديء الأمر لتصرخ بعدها عاليا بينما تسببت صفعته فيجرح جانب من فمها:
– آآآآآآآآخ …. , وقد وضعت يدها مكان الصفعة وهى تصرخ متابعة:
– انت اتجننت؟, انت تضربني انا؟, انا !! انا ( سارة فريد ) اتضرب!, وعلشان مين؟ علشان واحده…..
واذ بيده تكمم فمها ويده الأخرى تجذب شعرها بقوة من الخلف لتميل برأسها الى الوراء وقد وسعت حدقتيها كرها وألما بينما حاولت اخفاء خوفها من غضبه البركاني الذي تشاهده عليه لأول مرة في حياتها, بينما قبض على شعرها بقوة ليقرّب رأسها بشدة ناحيته ويقول بعزم مخيف :
– كلمة واحده زياده وهنفيكي من على وش الدنيا!, انا بحذرك ولآخر مرة…. ابعدي عن ( هبة ) خاااالص والا … مش انت لوحدك اللي هتدفع التمن ..لأ.. انت وعيلتك كلها وأولهم (فريد) بيه .. بابا يا.. رووح بابا, وساعتها بس.. هتعرفي مين اللي كان فعلا هيكسب من الارتباط اللي كنت بتحلمي بيه دا.., وكانت عيلتك كلهم بتتمناه!, ووقتها هتعرفي بالظبط مين هو (أمجد علي الدين )!
ثم نفض شعرها بقوة دافعا اياها الى الخلف مزيحا يده المكممة لها ناظرا اليها بنظرات مليئة بالكره والاحتقار, وما لبث أن اتجه حيث الباب بخطوات تكاد تحفر في الأرض من شدتها ليخرج صافعا الباب وراءه بقوة إرتجت لها نوافذ المنزل, بينما انفجرت هي بالبكاء الحاد متطلعه حولها وما لبثت ان تناولت إناء خزفي ثمين للأزهار شاء سوء حظه أن يقع نظرها عليه ورمته بكامل قوتها على الارض ليسقط متحطما الى أشلاء كثيرة وصرخت وهى تقول :
– طيب يا ( امجد ) هنشوف مين اللي هيندم في الآخر؟, ما بقاش انا ( سارة فريد ) اما خاليتك تبكي بدل من الدموع دم على حبيبة القلب.. حااضر يا أمجد, بكرة تشوف, والايام بيننا!…
وصل ( امجد ) الى شركة جده حيث كان قد اتصل بحماه لينتظره وما ان دخل الى مكتبه حتى سارع ( يوسف ) باستقباله قلقا وهو يقول :
– خير يا ( امجد ) يا بني؟, انت قلقتني لما كلمتني علشان استناك.. خصوصا أنك شددت عليّا لو ( هبة ) اتصلت اقولها انك مشغول شوية!, طمني في ايه ؟؟
دعاه ( امجد ) للجلوس ثم قصّ عليه كل ما حدث منذ زيارة سارة المنزلية الى هبة الى زيارته هو الى تلك الأخيرة وتحذيرها من الاقتراب من هبة ثانية, ولكنه لم يأت على ذكر ما وصفت ب هبة ووالدها, سكت ( يوسف ) قليلا ثم قال :
– ( امجد ) ممكن أسألك سؤال و تجاوبني عليه بصراحه؟
هز ( امجد ) رأسه مؤكدا وهو يقول:
– اكيد يا عمي اتفضل ..
قال ( يوسف ) :
– انت سبق وعدت البنت دي بحاجه؟
نظر اليه ( امجد ) متسائلا فتابع ( يوسف ) موضحا:
– يعني سبق ووعدتها انك هتتقدم لها مثلا؟, أو صدر منك اي تصرف يخليها تعشّم فيك بالشكل دا؟
هز ( امجد ) برأسه نافيا بقوة وهو يجيب بإستنكار ونفي تام :
– ابدا يا عمي, ولا حتى كنت بعاملها معاملة خاصة!, انا دايما كنت بتعامل معاها على اساس انها زي ( علا ) اختي تمام!, صحيح احيانا كنت بحس انها بتلمح لحاجات كدا.. بس انا كنت بفرملها في وقتها, علشان كدا انا مستغرب اووي من طريقتها دي!
قال ( يوسف ) بهدوء :
– لا يا بني ما تستغربش ولا حاجه .. هي كانت طول الوقت كدا,وانت اللي كنت مش واخد بالك!, ولأنك ما كنتش مرتبط كانت معشّمة انك ترتبط بيها, خصوصا انه ما كانش فيه أي واحده تانية حواليك غيرها, وفجأة لاقيتك ارتبطت بـ ( هبة ) بنتي.. اتجننت !!, خصوصا انه واضح جدا أد إيه إنت فعلا بتحبها, ودا اللي خلّاني اوافق من الاساس على فكرتك المجنونة يوم كتب الكتاب فاكر؟, لما حطينا بنتي قدام الامر الواقع؟!, ورجعت وافقتك تانى لما استعجلتني في موضوع الفرح بعد ما هبة قامت بالسلامة.. لاني كنت حاسس بالرعب اللي جواك لو رجعت لها الذاكرة ايه اللي ممكن تعمله ويا ترى هتصدقك ولا لأ وأنا اكتر واحد عارف عناد بنتي وانها ممكن العند يركبها لدرجة أنها ترفض بغباء تعترف بغلطها حتى لو الموضوع فيه حياتها نفسها!!, دا غير إن أنا متأكد فعلا ان هي كمان بتحبك, يعني #حب متبادل وبقوة بينكم انتم الاتنين,لكن المشكلة دلوقتى مابئيتش ان ( هبة ) ترجع لها الذاكرة ويا ترى رد فعلها على اللي حصل هيبقى ايه, أد ما المشكلة هي المجنونة دي اللى اسمها ( سارة )!, لانها بجد ممكن جدا تأذيها, وخصوصا انها بتقدر توصل لها وبمنتهى السهولة وفين؟, في قلب بيتها.. بيتك نفسه يا أمجد!! يعني ومن غير زعل جوّه بيتك وقدرت تدخل وتوصل لها, ازاي تقدر تفهمني؟ هو دا السؤال اللي لازم تعرف اجابته!, في حد قريب منك اووي وهو اللي بيخليها تقدر توصل لها, وهو نفس الشخص اللي قدرت تيجي الفرح عن طريقه, وطالما الشخص دا قريب منك يبقى قريب من بنتي, يبقى الخطر قريب جداا, ودا فعلا اللي قلقني ..
سكت ( امجد ) قليلا ثم أجاب بحزم بينما فحم عينيه يشتعل غضبا وغيظا:
– صدقني يا عمي انا هعرف مين الخاين اللي جوا بيتي, وساعتها.. هيتمنى ان امه ما كانتش ولدته, اطمن يا عمي.. ماحدش هيقدر يمس شعرة واحده من ( هبة ) طول ما أنا موجود, واللي هيفكر بس مجرد تفكير انه يأذيها.. انا هنفيه من على وش الارض …, وبرقت عينا أمجد ببريق مخيف ترتعد له الفرائص!!..
عاد ( امجد ) و ( يوسف ) الى المنزل وبعد تناول طعام الغذاء اجتمعت العائلة في الحديقة, جاء ( علاء ) وجلس بجانب (هبة) وكان أمجد قد استأذن للرد على مكالمة هاتفية ملّحة , قال (علاء ) :
– ازيك يا مرات اخويا عاملة ايه؟, مبروووك .. هبقى عم اخيرا ..
ضحكت ( هبة ) ضحكة خافتة وأجابت :
– الحمدلله يا سيدي, الله يبارك فيك عقبالك ..
قال بدهشة :
– عقبالي ايه ؟؟ ابقى حاامل ؟؟!!
أجابته ضاحكة:
– لا لا.. عقبالك لما ربنا يرزقك كدا ببنت الحلال ونفرح بولادك, انت مش ممكن يا ( علاء ), كل حاجه تقلبها هزار كدا؟, بقولك ايه .. انت ماجربتش تمثل في السنيما؟, بصراحة.. هتبقى كوميديان مافيش منك!
قال بغرور مصطنع:
– اه طبعا, ما انا عارف ان خفة دمي دي مش على حد !!
قالت وهى مستمرة في الضحك :
– بصراحه الفن خسرك!
نظر اليها بنصف عين وهو يقول :
– مش عارف ليه شامم ريحة تريقة في الموضوع ؟!!, انت بتتريقي صح ؟؟
فأجابت بجدية مرحة :
– بصراحة آه !!
هتف بأسف زائف:
– انا اللي غلطان !, بأه دا جزائي !, فعلا خير تعمل شر تلقى !!
قالت بعد ان هدأت ضحكاتها قليلا :
– مش فاهمه قصدك ايه ؟؟
أجابها:
– قصدي انى في الوقت اللي عمال اقنع الفنانين فيه بيكي وبموهبتك انت بتتريقى عليا!
قالت وهى تجاهد ضحكاتها التي تهدد بغزوها مرة أخرى :
– بقولك ايه يا ( علاء ) قولي قصدك ايه مرة واحده ! انا ماليش في الالغاز …
أجابها وهو يزفر بعمق :
– حاضريا ستي… انت عارفة ان الحفلة بتاعت الكلية عندي بعد اسبوع, انا كنت خدتك قبل كدا معايا البروفة النهائية وشافك مخرج العرض اللي هو في الاساس مخرج في قناة من القنوات الفضائية, زميلي اللي انت كنت جيتي بدالو البروفة للاسف مش هيكمل معانا, الكسر كان في ايده اليمين وللأسف بردو لَحَم غلط.. ورجعو جبسوه تانى, فكنا عاوزين من بعد اذنك انك تحلِّي لنا ورطتنا دي وتحضري معانا الحفل, انا طبعا عارف انك مش فاكرة دلوقتى كل اللي بقوله.. لكن موهبتك في الموسيقى لسه زي ما هي, واحنا ممكن نتدرب عندى هنا في الاستوديو بتاعى على الحفلة , وعلى فكرة الاستاذ ( ممدوح ) بنفسه هو اللي اقترح انك تكونى معانا ومارضيش يدور على أي بديل تاني, وكان سبق وعرض عليك انك تعزفي في قصور الثقافة دا غير انه كمان بيخرج برنامج كان عاوزك تعملي الموسيقى التصويرية بتاعته, بس طبعا ماحدش يقدر يقف قودام البوس !!
نظرت اليه بتعجب هاتفة:
– بجد ؟, طيب انا لازم بردو آخد رأي ( امجد ), حتى لو كان رافض زي ما بتقول.. بس انا ان شاء الله هقدر اقنعه..
نهض علاء واقفا وهو يقول مبتسما:
– تسلمي يا مرات اخويا..
وما ان همّ بالسير حتى وجد ( امجد ) يقف امامه ويقول بجدية زائفة:
– هو انا معرفش اسيب مراتى شوية الا و آجي الاقيك راشق جنبها؟!
ضحك ( علاء ) واشار له بالتحية قبل أن ينصرف في حين جلس أمجد بجوار ( هبة ) وهى تضحك على عبارته لعلاء, بينما يقول وهو عاقدا حاجبيه :
– لا بجد صحيح ! كان بياكل ودانك بيقولك ايه ؟؟
أجابته بهمس :
– مش وقته هقولك بعدين .. انت بأه اييه المكالمة الطويلة دي اللي اخدتك مني ؟؟
اقترب منها هامسا في اذنها :
– انا محدش يقدر ياخدنى منك ابدا …
ثم اضاف بعزم :
– ولا يخدك مني …
نظرت اليه بحب ثم فوجئت به يقول :
– لالا ماينفعشي كدا ..
فنظرت اليه متسائلة وقالت :
– هو ايد دا اللي ما ينفعشي ؟؟
مد يده اليها قابضا على يدها وهو يجيبها:
– هقولك فوق ..
وغمز لها بخبث ليصطبغ وجهها بحمر الخجل حتى غدا كثمرة الفراولة الناضجة, في حين جذبها لتنهض واقفة وقال يستأذن الحاضرين :
– عن اذنكم يا جماعه ( هبة ) قاعده بئالها كتير وكدا غلط عليها, المفروض ترتاح شوية
وافقه الحاضرون, فسار بها وهو لا يزال قابضا على يدها حتى وصلا الى غرفتهما وما أن تركها والتفت ليغلق الباب حتى قالت له ضاحكة :
– اقدر اعرف ايه اللي حصل دا ؟؟ ايه اللي جرا خلّاك قمت واتنطرت مرة واحده كدا ؟؟
تقدم اليها على مهل وهو يجيب بابتسامة ماكرة :
– عاوزة تعرفي اللي حصل؟, حاضر حالا هعرفك انا ….. لتقاطعه طرقات عالية على الباب جعلته يزفر بضيق في حين ضحكت ( هبة ) حتى احمر وجهها اما هو فصرخ بغضب واضعا يديه في وسط خصره:
– نعم .. مين ؟؟
أجاب الصوت وكان لـ ( سميرة ) من خلف الباب :
– معلهش يا سي ( امجد ), بس سي الاستاذ ( شوكت ) هنا وبيقول انه عاوزك ضروري ..
اعتدل ( امجد ) في وقفته وأجاب باهتمام :
– قوليله انى نازل حالا ..
ثم التفت الى ( هبة ) وتقدم منها مقبّلا اياها على وجنتها وهو يقول:
– معلهش يا قلب ( امجد ), هشوف ( شوكت ) عاوز ايه وجاي حالا ..
أجابت بقلق وحيرة:
– خير يا ( امجد ) فيه حاجه ؟؟ غريبة ايه اللي خلَّا أ. (شوكت) ييجي وما يتصلشي بالتليفون؟
تهرب بنظراته منها وهو يقول:
– اكيد حاجة ضرورى في الشغل, انت ما تشغليش بالك حبيبتي, انا مش هتأخر …
ثم خرج مسرعا تاركا اياها تفكر قلقة ترى ما سبب مجئ ( شوكت ) المفاجيء لهم؟؟ …
جلس ( امجد ) والجد و ( يوسف ) مع ( شوكت ) في غرفة المكتب حيث قال ( شوكت ) :
– حضرتك دا اللي انا اتوصلتله بخصوص المهمة اللي حضرتك كلفتني بيها
ثم نظر الى الباقيين وقال موضّحا:
– ( أمجد ) بيه كلفنى من يوم الفرح انى اعرف ازاى (سارة ) قدرت تدخل الفرح من غير دعوه, ومن يومها وانا بعمل تحرياتى, وانهارده كلّفنى بمهمة تانية.. انى اعرف مين هنا اللي بيقدر يخلي ( سارة ) تدخل البيت وتقابل مدام ( هبة )؟!
نظر الجد بتساؤل الى ( امجد ) الذي هز برأسه موافقا على كلام شوكت :
– ايوة يا جدي, للأسف سارة جات وحضرتك وماما كنتم فوق و ( هبة ) كانت لوحدها هنا في الجنينه
ثم نظر الى ( شوكت ) وقال:
– ها يا ( شوكت ).. قولنا ايه اللي عرفتو ؟؟
أجاب ( شوكت ) وهو يخرج ورقة من حقيبة الاوراق الجلدية السوداء الخاصة به:
– فيه شخص في البيت هنا هو اللي اداها الدعوة بتاعت الفرح وهو بردو اللي سهّل لها دخول الفيلا انهارده وخلّاها قابلت مدام ( هبة ) ..
قال ( امجد ) بحدة شديدة:
– هو ميين ؟؟
أجاب ( شوكت ) وبداخله وبالرغم من خيانة ذلك الشخص الذي يستنكرها فهو يشفق عليه فهو ما إن يقع تحت أنياب أمجد حتى يفتك به دون رحمة:
– ( صابر ) ابن عم (حسانين ) السواق للاسف ..
دهش الجالسين فـ ( حسانين ) هو سائق الاسرة من اكثر من 30 عاما ويعتبر فردا منها, انتفض ( امجد ) واقفا وهو يقول منفعلا :
-انت متأكد يا ( شوكت )؟
هز رأسه ( شوكت ) مؤكدا لكلامه وهو يجيب:
– ايوة طبعا متأكد, من المعلومات اللي انا جمعتها ان ( صابر ) فني خراطة وللاسف مالوش شغل ومصاحب شوية صنايعية بس كلهم بيكسبو كويس ودايما خناقاته مع والده على الفلوس, وحصل ان ( سارة ) قدرت تعرف بظروفه فعرضت عليه فلوس مقابل انه يساعدها انها توصل لحضرتك انت ومدام (هبة) وهو وافق

رواية “حلم ولا علم” للكاتبة منى لطفى” الحلقة السادسة عشر
سكت ( امجد ) قليلا ثم تكلم بهدوء مجيباً:
– انت مش بتحبيها يا ( هبة ), ودايما كانت كل ما تيجي او تشوفيها تزعلى وتتضايقي من وجودها, والدكتور مانع عنك اي انفعال نفسي لدرجة انه حظرني انى اضغط عليك علشان تفتكري واسيب الامور تمش
ي بشكل طبيعي, فطبيعي إني أمنع اي فرصة للتواجد بينك وبينها…
نظرت اليه ( هبة ) عاقدة جبينها وتساءلت في حيرة:
– غريبة!, وانا ايه اللي كان بيخليني اتضايق منها اووي كدا؟, انا مانكرش انى اول ما شوفتها في فرحنا اتقبضت, ولما جاتلى انهارده حسيت نفس الاحساس, ودا يأكد لي كلامك اني ما كنتش بطيقها, لكن اللى انا عاوزة اعرفه ليييه؟, اييه اللي خلّاني احس ناحيتها كدا؟, الا اذا …
وسكتت ناظرة ليه بشك في حين نظر اليها مستفسرا وقلبه يخبط في صدره من القلق وقال:
– الا اذا ايه يا ( هبة ) ؟؟
أجابته وهى تنظر في عينيه بتركيز شديد:
– الا اذا كان ليك دخل في الموضوع؟!, يعني لما ست تتضايق من وجود ست تانية اعتقد انه دا غيرة؟!, وأعتقد بردو يبقى أكيد فيه راجل في النص؟!, وخصوصا اننا مش زملا شغل ولا جيران ولا نعرف بعض من اصله ولا في بينا وبين بعض أي تعامل من أي نوع!, الحاجه الوحيده اللي بتربط بيننا هى انت يا ( امجد )!, ودا يرجعنى لنفس السؤال.. في ايه يا ( امجد )؟, ايه اللي انت مخبيه عليا ومش بتقوله؟, صدقنى مهما كان اللي حصل وقولتهولي دلوقتى يمكن اتضايق وازعل بس هقدّر انك كنت صريح معايا, لكن لو ماقولتليش الحقيقة وعرفتها بعدين.. ساعتها بس هتخسرني فعلا !!, وعلشان كدا ارجوك يا ( امجد) تصارحني في ايه؟, لأول مرة اكره احساسي بالعجز وإنِّي فاقدة الذاكرة!, صدقني الفترة اللي فاتت دي كلها ولا كان فارق معايا ابدا لانك معايا وانا عرفتك بمشاعري وقلبي فانت كفاية عليا, لكن دلوقتى.. انا حاسة بالعجز وفي نفس الوقت بالرعب من اللي انا مش عارفاه!, علشان كدا لازم اواجه خوفي دا, ارجوك يا ( امجد ) صارحني!
كتم أمجد شتيمة كادت تفلت منه في هذه اللعينة المسماة سارة لانها السبب في هذا التخبط الذي تعيشه حبيبته, وبسببها يرى هذه اللآليء تكاد تنساب من مقلتيها اللتان يعشقهما!
أمسك ( امجد ) بكتفيها ونظر الى عينيها الغائمتين بالدموع, شعر بنصل سكين حاد يغرز في احشاؤه لدى رؤيته لنظرة التشتت والضياع التي تملأ وجهها الملائكي الذي يعشقه .. نظرة.. من لا حول له ولا قوة … قرّبها منه وأراح رأسها على صدره بيد بينما يده الأخرى تمسد شعرها وهمس:
– صدقيني يا ( هبة ) انت اغلى حاجه في حياتي, عمري ما هسمح لأي شئ انه يزعلك او يضايقك, الموضوع وما فيه انك كنت بتغيري فعلا منها علشان زي ما انت شايفه كدا طريقتها وكلامها فري أوي, وحصل اننا اتخانئنا بسبب كدا, دي كل الحكاية مش أكتر!..
أبعدت رأسها قليلا عن حضنه الدافيء ونظرت اليه ويديها مرتاحتان على صدره وقالت بتساؤل مقطبة جبينها :
– اتخانئنا علشان كدا؟, قصدك ان انا كنت من النوع الغيور المتملك؟, ولا قصدك اني كان عندي حق إني ما أطيقهاش وانها فعلا كانت عينها منك وانت اللي عاندت ومارضيتش تسمع كلامي واعتبرتها اهانة لسيادتك إني اقولك تكلم مين وما اتكلمش مين؟
ف
هتف بدهشة مازحا:
– ايه دام ين اللي قالك؟, انا فعلا كنت ضد فكرة انك تتحكمى فيا, وتقوليلي كلّم وما تكلّمش..
أجابت بابتسامة خفيفة :
– ( امجد ) انا يمكن اكون فعلا فاقدة الذاكرة بس مش غبية!, والفترة اللي فاتت دي أنا عرفتك فيها كويس اووي, أو تقدر تقول انى افتكرتك كويس اوووي!, واضح كمان انى كنت فاهماك جدا لدرجة لما بنيجي نتناقش دلوقتي وفيه حاجه عاوزة اقولها ومش عارفة رد فعلك عليها هيبقى ايه…ألاقي احساسي يقولى هيعمل كدا او هيقول كدا… والمدهش أن احساسي بيطلع صح!, علشان كدا زي ما قلت لك.. يمكن انت الانسان الوحيد اللي فعلا حسيت انى ما نسيتوش حتى بابا!, قعدت فترة مستغربة كلمة بابا!, لكن انت لما عرفت اننا مرتبطين حسيت ان دا طبيعي وما استغربتكش ولا حاجه !! , علشان كدا انا خمنت وتخميني طلع صح, انت اللي مارضيتش تصدقنى واعتبرتها غيرة بنات صح ؟؟
هز برأسه موافقا وأجابها وهو يمسك يديها بين يديه :
– للاسف صح !! صدقيني انا فعلا شخصية عنيدة وصعبة !! وكنت بهرب من احساسي بيكي واللي كان بيكبر يوم عن يوم وكنت عاوز اثبت لنفسي اني لسه زي ما انا محدش يملا عليا تصرفاتي واللي انا عاوزة اعمله مهما كان اللي قدامى مقتنع او لأ!!, وانا من جوايا واثق انه عندك حق حتى لو كانت غيرتك مبالغ فيها او مالهاش اساس, لكن المفروض اني انا احترم مشاعرك دي خصوصا وانا ما كنتش بستحمل ألمح اي حد يبص لك بس او يتكلم معاكي, علشان كدا بعد الحادثة الدكتور شدد ان كل ما نفسيتك تكون مرتاحه كل ما رجوع الذاكرة هيكون بطريقة اكتر امان, لان اكتر حاجه الدكتور قلقان منها انك تكوني انت اللي مش عاوزة تفتكري !!
سكت قليلا ثم تابع وعينيه تلمعان قائلا برجاء حاار :
– ( هبة ) انا بحبك !! و أووووي كمان.. انا .. انا كنت رافض انى احب حد كدا .. شوفت امي وهى بتموت في اليوم الف مرة بعد ما والدي الله يرحمه اتوفى , وأعز اصحابي مات قودام عينيا لما حبيبته سابته واتجوزت غيره, فقررت اني لا يمكن اسيب قلبي يتحكم فيا بالشكل دا!, ولما عجبتيني واتقدمت لك لاقيت انك نوع تاني خاالص مش زي البنات التانية اللي كل همّها اللبس وازاي تلفت نظر الناس ليها, شدتيني ليكي ببساطتك وتلقائيتك وعفويتك .. صراحتك وعنادك .. شقاوتك وخفة دمك .. جمالك الهادي اللي يدخل القلب على طوول .. عينيكي يا ( هبة ) !, آه عينيكي ما تستغربيش .. عينيكي دي قصة تانية خاالص .. ولما لاقيتك بديتي تتهربي مني وترفضي ارتباطنا ساعتها رفضت انك تكونى لحد تاني غيري, انت بتاعتي انا وبس, وما استنيتش افكر ليه .. غروري صور لي ان ( امجد علي الدين) رجل الاعمال المشهور اللي تتهز له رجاله اكبر منه واغنى لكن لانه معروف بشراسته وقوته محدش بيرضى يعاديه ولا يعانده, مش أمجد دا اللي يترفض!, لكن انت.. لأ!! انتي رفضتيني وعاندتيني .. وصممت وقلت لا.. انا قررت انى اتجوزها يبقى لازم اتجوزها .. واتضح ان طول الوقت اللي فات دا كان حلاوة روح مش اكترر!, قبل ما اعلن استسلامي ليكي .. وبالتحديد بعد الحادثة, لما لاقيت انك ممكن تروحى مني في ثانية, فوقت وقلت اومال انا كنت بهرب من ايه اصلا ؟؟ ليه مافرّحتش نفسي بحبك ؟؟ ليه هربت منك؟, وخدت عهد على نفسي انه ما في شئ هيزعلك طول ما أنا موجود, وان اي حاجه كانت بتزعّلك او انا بعملها وبتضايقك لازم أوقفها .. علشان كدا كنت حريص اووي ان ( سارة ) ماتعرفش توصلك .. لاني مش عاوز اي حاجه تضايقك حتى لو انت مش فاكراها .. واللي خايف منه حصل .. انت فعلا من ساعه ماشوفتيها وانت مش مرتاحه صح ؟؟
هزت برأسها ايجابا في حين اعتصرها بقوة بين ذراعيه متابعا:
– انا مقدرش اشوف دموعك يا ( هبة ) , انت متعرفيش بتعمل فيا ايه؟, ولا النظرة اللي لمحتها دلوقتي في عينيكي دي .. بحس انى زي المشلول مش عارف اتصرف, ونظرة العجز دي اللي بصّيتي لي بيها بتدبحني, ارجوكى يا ( هبة ) صدقيني واوعي تفكرى انك تسيبيني ابداااااا ..
طوقته ( هبة) بذراعيها في حين انسابت دموعها تغسل وجهها وقالت :
– انا كمان بحبك يا امجد وأووي أووي كمان ….
بعد هذه الاحداث بيومين تذكرت ( هبة ) انها قد كانت وعدت (علاء ) بالتحدث مع ( امجد ) بشأن اشتراكها معه في الحفل الجامعي وابتسمت وهي تتذكر ( امجد ).. فمنذ حديثهما بعد موضوع ( صابر ) وهو اكثر رقة , ويعاملها كأنها من زجاج قابل للكسر..بل انها ومن شدة حرصه عليها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانفجار فيه غضبا!, تبًّا هي ليست بمريضة انها فقط ..حامل!, وكونها فاقدة للذاكرة لا يعني ان صحّتها البدنيّة مهددة !!, وزفرت بضيق وهي تتذكر انها لابد و أن تفاتحه في موضوع ( علاء ) وهي تعلم جيدا انه لن يوافق بل أنها لا تستبعد أن ينتهي الأمر بأمجد برفضه مشاركة علاء نفسه في هذا الحفل..
بعد تناول طعام العشاء استأذن ( امجد ) لمراجعة بعض الاوراق مع والد ( هبة ) في غرفة المكتب , بعد فترة من الوقت قررت ( هبة ) الذهاب اليه والتحدث معه بشأن حفل علاء , طرقت الباب ودخلت فوجدت والدها و ( امجد ) و قد نظر اليها والدها قائلا بضحك :
– اييه خدته منك مش كدا ؟؟, اتفضلي يا ستّي احنا خلاص تقريبا خلصنا ..,
ثم نهض يتبعه ( امجد ) الذي سار متجها الى ( هبة ) قائلا لها:
– حبيبي معلهش اتأخرت عليك شوية الكلام خدنا
أجابته بابتسامة خفيفة :
– لا يا حبيبي ولا يهمك..
خرج والدها بعد ان القى عليهما تحية المساء قائلا بضحك :
– أنا هقولكم تصبحوا على خير و هروح انام انتو شباب اسهروا براحتكم
أومئا برأسيهما اليه وما ان خرج واغلق الباب وراءه حتى التفت ( امجد ) الى ( هبة ) جاذبا اياها بين ذراعيه بقوة وهو يقول :
– يااااه وحشتيني يا قلب ( امجد ) ..انا عارف اني انشغلت عنك شوية يا قلبي معلهش.
ابتعدت قليلا عنه وقالت بحنو تطالعه بحب:
– لا يا قلبي مافيش حاجه, بس انا بصراحه فيه موضوع عاوزة اكلمك فيه ومش لاقية وقت مناسب وخلاص مش فاضل الا 3 ايام بس!!
قطب حاجبيه وهو ينظر اليها :
– 3 ايام على ايه بالظبط ؟؟ وايه هو الموضوع ؟؟
ابتعدت بضعة خطوات الى الخلف وقالت وهى ترفع يدها امامها :
– بس تسيبني اكمل للآخر ممكن ؟؟
زادت عقدة جبينه وقال :
– مش عارف ليه عندي احساس انه الموضوع دا مش مريح ؟؟ عموما اتفضلي ..
أخبرته ( هبة ) بأمر الحفل وكيف انها ستحلّ محلْ عازف الفرقة لانقاذ موقف ليس اكثر, وان ( علاء ) قد أخبرها كيف ان المخرج قد أُعجبه بأدائها عندما قامت بالعزف بالبروفة معهم قبل الحادث, وانه من المقرر ان الحفل سيكون في نهاية الاسبوع, ولدى ذكرها الشق المتعلق بتدريبها على الحفل مع ( علاء ) في الأستوديو الصغير الخاص بـ ( علاء ) بالفيلا… ارتبكت, لأنه لم يكن يعلم بهذا الأمر مسبقا, ولكنها لم تجد مفرًّا من اخباره, ما ان انتهت من سرد كلامها حتى رفعت نظرها اليه منتظرة تعليقه, فوجدته يقف عاقدا ساعديه وهو ينظر اليها بمنتهى الهدوء ثم قال :
– يعني انت كنت بتتمرني مع ( علاء ) اليومين اللي فاتو دوول وانا معرفش؟ .
أجابته برجاء :
– ما هو يا حبيبي الموضوع لما ( علاء ) فتحه معايا انا كنت عاوزة اقولك, وبعدين حصل موضوع صابر وكدا .. والحفلة خلاص بعد 3 يام وبعدين ما هو انا بقولك أهو!! …
نظر اليها ببرود قائلا :
– آه .. لازم تقوليلي !!, تحصيل حاصل يعني!!
هزت راسها بنفي هاتفة :
– لالالا خااالص, بس كل الحكاية ان الحاجات اللي حصلت الكم يوم اللي فاتوا خلّوني نسيت, دا غير اني أنا سبق وقلت لـ ( علاء ) انك لازم توافق …
نظر اليها بغموض قليلا ثم تحدث بجمود بعد ان أولاها ظهره:
– ياللا علشان ننام يا ( هبة ), انا تعبان وانت مريحتيش بئالك فترة طويلة, لازم تفردي ضهرك شوية …
قطبت ( هبة ) حاجبيها وقالت:
– نوم ايه دلوقتي بس يا ( امجد )؟, انت مارديتش عليا؟!
فتح باب غرفة المكتب ونظر اليها من فوق كتفه وقال متجاهلا سؤالها:
– انا هسبقك ما تتأخريش عليا عاوز انام …
ثم تركها وذهب, في حين ضربت الارض بقدميها كالأطفال متأففة من اسلوبه في إنهاء الحديث….
صعدت ( هبة ) الى طابقهما و دخلت الى غرفة النوم فوجدت (امجد ) راقدا فوق الفراش وهو يمسك بكتاب يقرؤه, وكان قد ترك الضوء الخافت لينير الغرفة, دخلت الى الغرفة من دون ان توجه اليه اي حديث وتوجهت الى خزانة الثياب فأخرجت ملابسها وذهبت الى الحمام لتغتسل, ثم عادت وقد ارتدت ثوب النوم وهو من الساتان النيلي وفوقه مئزره وهو من الشيفون من ذات اللون, ثم وقفت امام المرآه حيث مشطت شعرها بالفرشاة ووضعت بعض قطرات من العطر الخاص بها, ومالبثت ان ذهبت الى المصباح المجاور للفراش حيث اضاءته وأطفأت النور الخافت, خلعت مئزرها ثم اندست في الفراش بجانبه وأولته ظهرها, اما هو فقد اغلق الكتاب االذي بيده ووضعه على الجارور بجوار الفراش ثم التفت اليها متحتضنا اياها بذراعه ضاما ظهرها الى صدره بينما لم تحرك هي ساكنا… فادارها ناحيته حيث نظر جيدا الى وجهها وقال :
– قلب ( امجد ) زعلان ولا اييه ؟؟ لو على الزعل المفروض انا اللي ازعل!
نظرت اليه باستنكار قائلة :
– نعم ؟؟ وتزعل ليه ان شاء الله ؟؟ انا ماسيبتكش في وسط الكلام وقولتلك انا عاوزة انام!, انت حسيستني انى واحده هبلة هتضيع لك وقتك !!
نظر اليها ببراءة مصطنعه :
– انا …!! مين اللي قال كدا ؟؟ انتي .. دا انتي ست البنات !!
زفرت بضيق وابعدت نظراتها عنه في حين اسند هو جبهته الى جبهتها وقال وهو يتنهد :
– و آخرتها يا قلب ( امجد ), هتفضلي مكشرة كدا كتيير ؟؟
أجابته بإلحاح:
– انا دلوقتى عاوزة افهم الموضوع فيه ايه مش مخليك موافق؟, انا شايفه انه ما فيهوش حاجه ابدا!!
ابتعد عنها قليلا وجلس مجيبا ببرود :
– يعني بردو لسه مصممة على نفس الموضوع؟! , طيب يا (هبة ) انا مش موافق!, خلاص ارتحت؟, وياريت ماتفتحيش معايا الكلام في الموضوع دا تانى .. تصبحي على خير..
ثم ادار لها ظهره ساحبا الغطاء فوقه ونام في حين نظرت هي الى ظهره باندهاش ورددت قائلة :
– تصبحي على خير؟
ثم اعتدلت في جلستها وأكلمت بغضب :
– بس انا مش موافقة على كلامك يا ( امجد ) .. وانا .. انا قلت لـ ( علاء ) انى هحضر معاه الحفلة ..!!
اغمضت عيناها منتظرة العاصفة القادمة وقد تحفزت عضلاتها بإنتظار هجومه الوشيك!, والتي لم تتاخر الا لبضعة ثوان, شعرت به بعدها وهو يعتدل جالسا هاتفا بدهشة غاضبة من بين اسنانه:
– نعم ؟؟ قلت لـ ( علاء ) انك موافقة!, وانا ايه ان شاء الله , ماليش رأي ؟؟ ولا جوز الست ؟؟
فتحت عيناها واسعا وحدقت به بذهول مجيبة باستنكار محاولة نفي هذه التهمة التي رماها بها:
– لا مين قال كدا ؟؟, انت جوزى وحبيبي, بس انت رأيك ما أقنعنيش!, انت مش موافق حقك, يعني ما اقدرش اجبرك انك تحضر الحفلة مثلا .. وانا موافقة حقّي ..انا مش شايفه فيها حاجه .. انت جوزى آه .. لكن مش معنى كدا انك تلغي شخصيتي!! …
قفز من فوق الفراش وجذب الغطاء بعنف متناولا وسادته وهتف وهو يخرج من الغرفة متجها الى الردهة الخارجية للجناح:
– دا آخر كلام عندي يا ( هبة ), الموضوع اتقفل ومش مسموح بالمناقشة فيه تاني, ولولا انك حامل وتعبانه.. كان هيبقى لي تصرف تاني خالص معاكي..
ثم خرج صافعا الباب خلفه بقوة …
خرجت ( هبة ) من الغرفة حيث أمجد فوجدته نائما على الأريكة المزدانه بقماش مزخرف بالزهور الرقيقة والفراشات, وكان مديرا ظهره اليها, فتقدمت بخفة حتى وصلت اليه ثم ركعت على ركبتيْها بجواره, ومدت يدها ووضعتها على كتفه وهمست بأسف:
– انا .. انا آسفه !, ممكن تقوم تنام جوا بأه يا ( امجد )؟, انا.. انا مش هيجيلي نوم وانت مش جنبي .. انت عارف اني مبعرفش انام طول ما انت مش نايم جنبي …
سمعت زفرته العميقة ثم ما لبث ان استدار ونظر اليها نظرة من لا يدري كيفية التصرف معها ثم قال :
– نعم يا ( هبة )؟, انا سيبت لك الاودة علشان تعرفي تنامي, واظن دا اختياري وانت من حقك تقبليه او ترفضيه, لكن مش من حقك تجبريني على اختيارك .. مش دا كلامك ليا؟!
نظرت الى الأسفل قليلا ثم رفعت نظرها اليه وأجابت بخفوت:
– أنا .. انا .. انا آسفة يا ( امجد ) , بس انا اتنرفزت لما حسيت انك بتعاملنى كأن فيا عاهة او مرض خطير, انا حاامل يا (امجد ).. مش عيانه !, وكوني فاقدة الذاكرة مش معناه اني فاقده الاهلية ولا حاجه .. انا مش مجنونة خايف عليها تتعامل مع الناس!! ..
جلس في مكانه وامسك بيدها ليجلسها بجواره ثم التفت اليها قائلا :
– بأه انا بحسسك انك مجنونة؟, ازاى الاحساس دا يوصلك؟, كوني بخاف عليك من الهوا مش معناه انك مريضة او بعد الشر عقلك مش مظبوط !, انا بخااف عليك لاني بحبك .. ومش عاوز اي شئ يتعبك .. عايزك دايما قدامي وردة مفتحه كدا .. انت مراتي وبنتي وحبيبتي وكل حاجه ليا, ليه مش عاوزة تصدقي دا؟؟
قالت بهمس :
– مصدقاك يا ( امجد ) ..بس انت كمان كل ما آجي اتحرك خطوة تقول لأ .. قولتلك اساعدك في شغلك ..لأ … اساعد ماما ( سعاد ) وهى بتسقي الزرع …لأ, حتى الفسحة بـ شمس وعنتر ما عدناش بنعملها , انا حسيت انى عاملة زي الازاز اللي خايف عليه انه يتخدش حتى .. خلاص يبقى حطّني في فاترينة احسن بأه …
رد عليها بابتسامة :
– تصدقي فكرة بردو!!
زفرت بضيق وقالت :
– انت حابب تغيظني صح؟ , طيب اقدر افهم بالراحه كدا.. انت رافض موضوع الحفلة ليه؟, احنا هنروح مع بعض الحفلة هعزف مش هشتغل في الفاعل؟, يبقى لا مجهود ولا حاجه ابدا… يبقى رافض ليه ؟؟
ابتسم بسخرية خفيفة وقال :
– ومين اللي قالك انى رافض علشان خايف عليك من المجهود؟
فنظرت اليه بتساؤل ودهشة :
– اومال علشان ايه ؟؟
اقترب منها ناظرا في عينيها وهو يقول بهمس مشددا على أحرف كلمته:
– غييرة !!
قطبت متسائلة:
– ايه ؟؟ غيرة ؟؟, من ايه ومن مين ؟؟
أجابها وهو يطالع عيناها بشوق شديد:
– من اي حاجه ممكن تشد انتباهك عني ..او تخدّك مني ,,
هتفت بدهشة :
– تاخدنى منك؟!, انا مش …
قاطعها وهو يقول بقوة :
– شوفي بنفسك لما قلت لك لأ, اول مرة تكلميني بالاسلوب دا؟! , وبعدين ازاي اوافق انك تطلعي تعزفي قودام الناس؟, دا غير اللي يعجبه عزفك واللي يعجبه انت شخصيا !,. انتي بتستعبطي؟, انا مش ممكن اوافق ان حد يبص لك ولو بطرف عينه حتى !!
قالت برجاء:
– ( امجد ) افهمنى , انا مش رايحه اعزف في حتة مش كويسة ولا كازينو, دى حفلة في الجامعه, وانا مش لوحدي فيها, وفي بنات غيري كمان, وانت عارف انا مش من النوع اللي بتمادى في الكلام مع اي حد ,,بصراحه انا حاسة انك ديكتاتور ..
قال وهو ينظر اليها بطرف عين :
– وهو كذلك .. انا ديكتاتور …عجبك ولا مش عجبك ؟؟
سكتت قليلا ثم طالعته رافعة حاجبها باستفزاز قليلا قبل أن تجيبه بدلال وهى تقترب بوجهها منه :
– عجبني .. عجبني .. خلاص بس ما تزوئش !! واتفضل ياللا علشان ننام , عتريس تعبني اووي يا ( امجد ) …
نظر اليها دهشا وقال :
– مين عتريس دا ؟؟
أشارت الى بطنها في براءة وقالت :
– دا !! ما هو يا عتريس يا فؤاده لسه منعرفش !!
هتف مستنكرا:
– انا ابني يبقى اسمه عتريس؟, بتهرجي صح؟
هزت براسها نافية وأجابت :
– لا.. غلط!, ثم تابعت بسخرية:
– طبعا بالنسبة لك ابن ( امجد علي الدين ) يبقى عتريس حاجه تكسف صح ؟؟, بس ايه رايك بأه.. انه طالع في دماغي عتريس اقله علشان تهدا من الغرور اللي انت فيه دا شوية!! ..
قال بمكر:
– بأه كدا ؟!
أجابته بضحك :
– ايوة كدا كدا ..
فقفز واقفا وحملها بين ذراعيه فجأه لتصرخ صرخة خفيفة من المفاجأه وقالت بين ضحكاتها :
– ايه دا !! على فين العزم كدا ان شاء الله ؟؟
أجابها غامزا بخبث وهو يتجه الى غرفتهما :
– هوريك الغرور بجد …
ودخل حاملا اياها صافقا الباب خلفه …( cut علشان الرقابة ما تستعبطووش ) …
استيقظت ( هبة ) في اليوم التالي وبعد ان انهت حمامها ونزلت تناولت الافطار في الحديقة مع باقي العائلة الا ( امجد ) ووالدها اللذان ذهبا الى الشركة فقد أسند ( امجد ) معظم العمل الى ( شوكت ) ليدير مجموعته الاستشمارية في #مصر وهو معظم الوقت في مجموعه جده هنا بالبلدة كي لا يضطر للإبتعاد عن هبة الا في أضيق الظروف…
حضر ( امجد ) ووالدها في موعد الغداء حيث صعدا و أبدلا ملابس العمل ثم نزلا لتناول الطعام واستغرب ( امجد ) لعدم وجود ( هبة ) فقد ظن أنها في جناحهما عندما لم يرها بالاسفل ولكنه لم يرها فنزل حيث قابل والدته وسألها عنها فقالت له بضحك:
– مراتك زهقت من القاعده وصممت انها هي اللي هتطبخ لنا انهارده, بس ما تخافش ( سميرة ) و ( حسنية ) ما سابوهاش..
زفر حانقا وقال :
– هي مصممة تعمل فيا حاجه .. هي عارفة كويس اني منبّه عليها انها ما تتعبش نفسها .. ماتشوف شكلها لو جالها شوية دوخه او صداع بيكون عامل ازاي؟, انا بتجنن ساعتها ..
ربتت امه على وجنته قائلة بحنو :
– يا حبيبي بشويش مش كدا, مراتك حامل مش عيانه بعد الشر, وكل الحوامل بتجيلهم نفس الاعراض ويمكن اكتر كمان .. ما تخنؤوهاش بخوفك دا !!
هتف بدهشة :
– حتى انت يا امي بتقولي انى بخنؤوها ؟!
أجابت وهى تسير مبتعده عنه:
– بصراحه لو كانت قالتها لك قبل كدا يبقى عندها حق!, بالراحه.. الرحمة حلوة مش كدا!
زفر بضيق ثم سار متجها الى غرفة الطعام حين سمع صوتا يقول:
– وشهد شاهد من اهله… الرحمة حلوة.. جِبتش حاجه من عندي؟!
فالتفت الى ( هبة ) الواقفة بجواره وهي تكتم ضحكتها بصعوبة ونظر اليها بطرف عين وهو يقول :
– فرحانه فيا يا ( هبة )؟, طيب لانه مش وقته الكلام دلوقتى اتفضلي اما نشوف عكالنا ايه؟, قصدي طبخالنا ايه؟
فقطبت جبينها وقالت بحده :
– نعععم ؟؟ عكالنا ؟؟ فيه راجل يقول لمراته الحامل الواقفة علشان تعمله الاكل بايديها مع انها مش بتطيق ريحته عكّالنا ؟؟ ولو كان عكّ ان شاء الله هتعمل ايه يعني ؟؟
غمزها وهو يقول بضحك :
– اللي خلّا سنبل ياكل عكّ ذيبة مش هيخلي ( امجد ) ياكل عكّ ( هبة )؟, على الاقل انتي الاكل عارفينه يعني مرّ علينا قبل كدا!
نظرت اليه ويديها في وسط خصرها تتوعده:
– بأه كدا؟, امممم طيب ايه رايك اني ما عدت عاملة العملة دي تاني وغلطة وندمان عليها !!
ثم سارت لتدخل الى غرفة الطعام بينما سار ليلحق بها وهو يقول :
– استني.. استني بس توبة !, توبة ان كنت اقولها تاني توبة!
نظرت اليه من فوق كتفها وقد هزت له بكتفيها سخرية ودخلت وهو خلفها الى غرفة الطعام …
أثنى الجميع على طهي ( هبة ) وأخبرهم والدها انها تطهو الطعام منذ صغرها, حيث كانت تساعده في جميع شؤون المنزل, ونظر الى ( امجد ) قائلا له بابتسامة :
– يعني زوجة كاملة أهي ,صحيح انتو ممكن ماتحتاجوش انها تطبخ لكن وقت زنقة بتكون احسن من احسنها شيف فيكي يا #مصر..
التفت ( امجد ) الى ( هبة ) الى الجالسة بجواره وقال :
– ( هبة ) مافيش زيّها في الدنيا كلها مش في #مصر بس !..
احمرت ( هبة ) خجلا وهمست له كي لا يسمعها الباقون:
– ولو ..!
فهمس قائلا :
– خلاص بقه قلبك ابيض !!
زفرت زفرة يأس قصيرة وأجابت:
– اعمل ايه؟, ما هو قلبي دا اللي جايبني ورا!
تابع بهمس :
– مين قال؟, انتي قلبك دا جايبك قودام على طول, هوّ لولا قلبك كنت حبيتك واتجوزتك ؟!
نظرت اليه بابتسامة واسعة ثم تابعا تناول الطعام ..
دخلت ( هبة ) لكي تنال قسطا من الراحه وهي لا تدري كيف تبلغ ( علاء ) برفض ( امجد ), هى لا تستطيع اغضاب (امجد) حتى وان كانت غير مقتنعه بوجهة نظره , وفيما هي جالسة وسط الفراش تفكر اذ بـ ( امجد ) يدخل اليها وهو يقول:
– نمت حبيبي ؟؟
اغلق الباب بينما قالت هى :
– لا حبيبي مانمتش لسه و …
بترت عبارتها حينما وقع نظرها على حقيبة ورقية كبيرة في يده استغربت منها فقامت من الفراش متجهة اليه حيث تساءلت وهى تشير الى الحقيبة في يده :
– ايه دا ؟؟
ناولها الحقيبة وهو يجيب مبتسما :
– خدي افتحيها شوفي فيها ايه!.
امسكت بالحقيبة وفتحتها وأدخلت يدها التي لمست شيئا ناعما, فأخرجته, وفردته أمامها لتشهق شهقت ناعمة من روعة ما رأته بيدها, فقد كان فستان سهرة لم ترى في جماله ولا روعته من قبل, هتفت بدهشة :
– ايه دا يا ( امجد ) ؟؟ علشاني ؟؟
أجابها مازحا:
– اكيد مش علشاني!
فقالت مقطبة جبينها :
– انما ايه المناسبة يعني ؟؟ احنا معزومين عند حد او عاملين عزومة لحد قريب ؟؟
أجابها وهو يقترب حتى وقف على بعد عدة خطوات منها:
– علشان عاوزك أشيك واحده في الحفلة !!
قطبت جبينها وقالت :
– حفلة؟ حفلة ايه ؟!
ثم ما لبثت وان اتسعت عيناها دهشة ونظرت اليه وهى تتابع غير مصدقة :
– ( امجد ) انت قصدك حفلة….؟
قال مكمِلًا عباراتها :
– ايوة.. حفلة ( علاء ), بس مش معنى كدا انك هتروحي لوحدك او معاه, لا لا انت هتروحي معايا أنا !!, رجلي على رجلك!!
تركت ما بيدها وركضت اليه وطوقته بذراعيها وهى تهتف بسعادة :
– بجد يا ( امجد )؟؟ انا مش مصدقة ! انا لسه كنت بفكر حالا هقول لـ( علاء ) ازاي اني مش هقدر احضر الحفلة .. ربنا يخليك ليا يارب…
اعتصرها امجد بين ذراعيه يبادلها عناقا بآخر أقوى دافنا رأسه بين خصلاتها العنبرية متشمما رائحته الجذابة وهو يقول بعشق:
– ويخليكي ليا يا قلب أمجد..
جاء يوم الحفل وارتدت ( هبة ) الفستان الذي اشتراه لها (امجد) مع كافة لوازمه, وما ان رآها حتى اطلق صافرة طويلة وهو يدور حولها قائلا :
– ايه دا ! ايه الجمال دا ! بقولك ايه ماتيجي نطنش الحفلة واعزمك على العشا في اجمل مكان رومانسي ؟؟
أجابت بضحك :
– يا سلام وسي رومانسي دا ماينفعشي بعد الحفلة ؟؟
قال وهو يدعوها لتتأبط ذراعه :
تصدقي عندك حق !! نخلِّي سي رومانسي بعد الحفلة …
نجح الحفل نجاحاً منقطع النظير وكانت العائلة كلها مجتمعه لحضور الحفل الذي ما ان انتهى حتى دعا امجد الجميع للعشاء احتفالا بنجاح الحفل الرائع, ولكنهم اعتذروا, فالكبار لا يستطيعون السهر وعلاء سيحتفل مع زملائه بينما علا اعتذرت برغبتها بالمذاكرة قليلا لقرب الامتحانات وهي في الأصل خجلت من الذهاب بمفردها مع شقيقها وعروسه..
قرر الجد ان يرجعوا مع ( حسانين ) السائق حيث كان هو من أوصلهم لمكان الحفل, وقد ودعوا هبة وامجد, واثناء خروجهما اذ بـ ( علاء ) يخبرهما ان ( ممدوح ) مخرج الحفل يريد ان يقدم شكره لـ ( هبة ) لمساعدتهم في انجاح الحفل..
طوال الوقت الذي كان ( ممدوح ) يتحدث اليها وهي كانت واعية لغضب ( امجد ) المتصاعد وتدعو الله ان يتمالك نفسه ولا يثير ضجة, وما ان انصرف ( ممدوح ) حتى تنفّست الصعداء وسمعت ( امجد ) وهو يقول حانقا:
– ممكن نخرج بأه ولا فيه معجبين تانيين ؟؟
نظرت اليه بنصف عين وأجابت مغيظة اياه :
– معلهش يا ( امجد ) دي ضريبة الشهرة !! والفنان لازم يجامل المعجبين بتوعه طبعا, اومال هيبقى ناجح ومشهور ازاي ؟؟
اقترب منها وقبض بحده على ذراعها واتجه خارجا من الحفل وهو يعلّق:
– بجد؟ ضريبة الشهرة ؟؟ ماشي يا ( هبة ).. ابقي قابليني لو وافقتك على جنانك دا تاني!, انسي ان حد يسمعك تانى وانت بتعزفي, عاوزة جمهور مافيش غير واحد بس أنا !!, مش عجبك يبقي إعلني اعتزالك بأه !!
أجابته ضاحكة وقد وصلا الى السيارة حيث فتح لها الباب لتصعد :
– اعتزل قبل ما ابتدي ؟!
اغلق الباب خلفها ودار حول السيارة حيث صعد مكان السائق وقال بلامبالاه :
– اه هو كدا ! عندك مانع ؟؟
نظرت اليه هامسة بدلال :
– انا اقدر اقول حاجه .. موافقة طبعا…!!
ابتسم وتناول يدها مشبكا أصابعهما ورفعها مقبلا كل اصبع على حدة وظلّ قابضا على يدها طوال الطريق حيث توجها لتناول الطعام في مطعم رومانسي يطل على النيل …

احضرت ( سميرة ) كوبا من عصير البرتقال الطازج لـ ( هبة ) التى ارتشفت منه رشفة ثم لاحظت وقوف سميرة وكأن هناك كلام تريد قوله, فسألتها :
– ايه يا ( سميرة ) انا حاسة انه فيه حاجه عاوزة تقوليها؟!
قالت ( سميرة ) :
– بصراحه آه ! حضرتك طيبة اوي ولما وقفت جنب عم (حسانين ) وخليتي سي ( امجد ) يدّي فرصة تانية لـ ( صابر ) ما تتصوريش انا دعيتلك أد ايه !!
قالت ( هبة ) :
– انا ماوقفتش جنب ( صابر) علشان خاطره ..لأ !! انا وقفت جنبه علشان عم ( حسانين ) .. صعب اووي على الاب بعد ما ربّى وتعب انه يشوف ابنه وهو بيضيّع تعبه وتربيته ليه, وبعدين انا حسيت ان ( صابر ) معدنه كويس فحاولت اننا ندِّيه فرصة تانية , مش المشكلة اننا نغلط ..لأ !! المشكلة اننا نتمادى في الغلط دا !!
أجابت ( سميرة ) على استحياء:
– انا عاوزة اطلب من حضرتك طلب صغير ممكن؟
فاشارت لها ( هبة ) بالموافقة فاستمرت ( سميرة ) بالكلام قائلة :
– عم ( حسانين ) و ( صابر ) طلبونى من ابويا امبارح وانا وافقت وكنت متعشّمة ان حضرتك تحضري الشبكة, هي مش شبكة.. شبكة.. لأ .. يعني حاجه بسيطة كدا على قدّنا, وهنكتب الكتاب كمان لغاية ما ربنا يسهلها ونلاقي حتة تتاوينا احنا الاتنين ساعتها نعمل الفرح …
هتفت ( هبة ) بفرح وهى تنهض لتحتضن ( سميرة ) :
– مبرووك مبرووك يا ( سميرة ) وفستان االشبكة هدية مني, انتو هتعملوها امتى ان شاء الله ؟؟
أجابتها وهى خجلى :
– الخميس الجاي غير الجاي يعني بعد عشر ايام كدا ان شاء الله..
قالت ( هبة ) :
– على خير ان شاء الله, اكيد طبعا هحضر, وفستانك زي ما قولتلك عليا, ودي مش عاوزه كلام, انتي زي اختي الصغيرة يا ( سميرة )
تركتها ( سميرة ) وهى تدعو لها ان يتم الله حملها وان يتمم شفائها قريبا …
دق جرس المحمول الخاص بـ ( هبة ) وكانت على وشك النزول الى الاسفل للجلوس مع العائلة, وما ان أجابت على المتصّل حتى سمعت صوتا أجشًّا غريبا يقول:
– ما تفرحيش اووي كدا يا….شاطرة !, لسه النهاية ماجاتش!, والشاطر اللي يضحك في الآخر!..
تبعت تلك الكلمات ضحكة شريرة إنطلقت من محدّثها بعثت الرجفة في اوصالها قبل ان يغلق الخط في وجهها!!
تعجبت من أمر هذه المكالمات والتي كثرت في الآونة الأخيرة, فهذا ليس الإتصال الاول, فنفس المحادثة الهاتفية تتكرر وان من ارقام مختلفة, وهي لا تريد اخبار ( امجد ) حتى لا تتسبب في إقلاقه من دون داع!, كما انها تنتظر موعد جلستها النفسية مع طبيبها المعالج بفارغ الصبر, فهى تشعر بازدياد الصداع في الآونة الاخيرة, بل انها قد بدأت فعلا في تذكّر بعض الأشياء البسيطة ولكنها لم تخبر أيّ شخص حتى والدها, فلا يعلم سوى طبيبها المعالج, ولكن يظل سبب وقوعها والمتسبب في حادثتها هو الذي لا تستطيع تذكره, وان كان الطبيب قد طمأنها بقرب انكشاف الحجاب عنه, ولبّى رغبتها بعدم كشف بداية شفائها من مرضها حتى يكتمل شفاءها تماما وتستعيد ذاكرتها بالكامل لتكون مفاجأة للجميع وبالأخص أمجد حبيبها!!…
كانت قد تذكرت بعض المواقف والاحداث التي مرّت بها, وبالحديث مع والدها بطريقة غير مباشرة كانت تتوضح لديها الصورة اكثر, حتى انها تذكرت شكل والدتها المتوفاة قبل ان ترى صورتها لدى والدها, ولكن… سبب الحادث مجهولا بالنسبة لها!!….
ترى من الذي يقوم بهذه المكالمات الغريبة ؟؟ من الذي يهدد (هبة ) ؟؟ هل ستستعيد ( هبة ) ذاكرتها بالكامل ؟؟ ماذا سيكون رد فعل ( هبة ) عندئذ ؟؟ ترى هل سينتهي …حلم ( هبة ) بكابوس رهيييب ؟؟؟؟ …

رواية “حلم ولا علم” للكاتبة منى لطفى” الحلقة السابعة عشر
مرّت الأيام وحان يوم عقد قرآن ( سميرة ) و(صابر), كانت (هبة) قد أهدتها فستان خاص بعقد القرآن لترتديه في حفلها, أبهر الفستان ( سميرة ) واهلها من شدة روعته, ودعوا لـ (هبة) بأن يتم الله حملها على خير وأن يرزقها الذرية الصالحة, وأن يتمم شفاؤها بخير عاجلا غير آجل …
حضر ( امجد ) و باقي افراد العائلة الذين فرحوا كثيرا لـ ( سميرة ) و ( صابر ), وخاصة سميرة والتي تربت وسطهم منذ أن كانت طفلة صغيرة بعائلتها جميعا تعمل في المزرعة وكثيرا ما كانت تذهب الى المنزل الكبير مع والدتها التي كانت تساعد في أعمال المنزل مع غيرها من الخدم, وما إن شبت سميرة عن الطوق حتى أتت بها والدتها للسيدة سعاد كي تعمل لديهم, ولم تكن تُعامل كخادمة أبدا, بل كان الجميع يعاملها كأحد أفراد المنزل, بينما صابر لم يستطع النظر في وجه أي من عائلة أمجد, وكان قد سارع هو و ( سميرة ) لتحيتهم والسلام عليهم ونظر الى ( هبة ) بعرفان بالجميل وقال لها فيما هو يصافحها :
– جميلك دا دين في رقبتي , حضرتك ماتتصوريش انت رديتي فيا الروح ازاي, الحمد لله اشتغلت وربنا نجاني من الطريق اللي كنت ماشي فيه وارتبطت بالانسانه اللي قلبي رادها, حضرتك جمايلك مهما قلت عمري ما هقدر أوفي ولو جزء صغير منها, وصدقيني لو احتجتيني في اي وقت هتلاقيني تحت امرك, حضرتك عملت مني انسان تاني خاالص ,,
قالت ( هبة ) مبتسمة :
– ( صابر) انت لو ماكانشي معدنك كويس ماكنتش انتهزت الفرصة اللي ربنا بعتهالك سواء عن طريقي أو عن طريق الباشمهندس ( أمجد ), ما تنساش انه هو اللي وافق انه يديك فرصة تانية, احنا كلنا مجرد اسباب ربنا حاطها في طريقك وانت أخدت بالاسباب.. علشان كدا ربنا وفّقك وهداك للطريق الصح …
ابتسم ( امجد ) قائلا لـ ( صابر ) :
– انت اثبت لي انك فعلا قد المسؤولية وما تخيبش ظننا فيك, انا متابع شغلك وكل زمايلك والريّس بتاعك في الشغل مبسوطين منك, انا صحيح اديتك الفرصة دي علشان خاطر ( هبة ) – ونظر الى ( هبة ) وابتسم فيما امسك يدها بيده وتابع قائلا – لو كانت سابتني عليك اكيد كان هيبئالي تصرف تانى خاالص معاك, لكن عموما كويس انك عرفت طريقك علشان خاطر والدك على الاقل ….
بعد الانتهاء من الحفل الذي اقامه اهل سميرة في منزلهم المتواضع , عادت عائلة ( امجد ) الى المنزل وبينما ( هبة ) تبدل ملابسها وكان ( امجد ) لا يزال بالاسفل لم يصعد بعد.. اذ بالمحمول الخاص بها يتعالى رنينه, وما ان همت بالرد حتى وجدته رقم غريب غير مسجل لديها, فاحتارت هل تتلقى الاتصال ام تتجاهله, فهى تخشى ان تكون هي نفسها ذات المكالمات المجهولة المصدر والتي دأبت على إزعاجها في الآونة الأخيرة, ولكن تغلب فضولها على خوفها واستلمت المكالمة وما ان أجابت قائلة بخوف غريب داهمها وصوت حاول الحفاظ على ثباته وان خانها واصطبغ بنبرة شك وقلق :
– الو …
حتى سمعت نفس الضحكة المخيفة وقال صاحبها :
– النهاية قربت يا …شاطرة ….
اغلقت ( هبة ) المحمول من فورها, ورمته على الفراش أمامها, لتجلس بجواره وهى تضع يديها على وجهها خائفة ترتعش, شعرت فجأة بقشعريرة في جسدها بأكمله, فرقدت والتحفت بالغطاء وهى ترتجف وقد قررت انها لا بد وأن تخبر أمجد بأمر هذه المكالمات والتي زادت عن حدها بمراحل, ولكنها أرجأت أمر إخباره للصباح الباكر وليس الليلة حتى يستطيع النوم جيدا, فهي على يقين من أنها ما أن تخبره حتى يهيج غضبا وسينالها بالتأكيد من غضبه نصيبا كبيرا لإخفائها أمر هذه المكالمات المريبة عنه, ولكن عذرها أنها ظنت أن من يقوم بها ما إن تتجاهله فإنه سيمل وسيتوقف, ولكن تتحمل بعضا من لومه والكثير من غضبه أفضل من حالة الخوف الغريب التي تعتريها ما ان تسمع هذا الصوت المخيف, ولكن غدا صباحا فهو لن يهدأ له بال حتى يعلم من الذي يقوم بهذه المكالمات فلتدعه ينعم بالراحة الليلة وغدا لكل حادث حديث…
استيقظت ( هبة ) في الصباح الباكر ففوجئت بخلو مكان ( امجد ) بجوارها, وتذكرت انها لم تنم الليلة السابقة الا بعد ان عاد ( امجد ) حيث اندست بين ذراعيه دون ان تخبره شيئا …
ارتدت ( هبة ) ملابسها ووقفت امام المرآة لترى التغيّرات التي طرأت على جسمها بعد الحمل, فهي قد دخلت شهرها الرابع, رأت بروزا بسيطا في بطنها وتذكرت ( امجد ) وهو يمسد بطنها ويقبلها ويتحدث مع ابنه وهى تضحك قائلة:
– يعني هو سمعك دلوقتى؟؟ فقال لها : اولا سامعاني مش سامعني , تاني حاجه بأه اطلعي انت منها وريحي نفسك …
هبطت الى اسفل وخرجت الى الحديقة حيث شاهدت الجد جالسا يقرأ في الجريدة وما ان رآها حتى رحب بها وهو يشير الى المقعد بجواره لتجلس عليه, جلست وصبّت الشاي الموضوع امامهما على الطاولة لكليهما ولكنها اضافت الحليب الى فنجانها وفيما هما يتجاذبان اطراف الحديث اذ بـ ( علاء ) يقبل عليهما, وبعد ان ألقى تحية الصباح جلس ثم نظر حوله قبل ان يتساءل:
– اومال فين البوس ؟
أجابت ( هبة ) بابتسامة:
– البوس!, وايه اللي هيجيب البوس دلوقتى؟, الساعة لسه 10 ونص تقريبا واخوك بيخرج من 7 الصبح مش بييجي قبل 4 العصر مع بابا !!
قال بمكر غامزا بخبث:
– لا يا هانم جوزك هنا من اكتر من ساعه, انا كنت بره ودخلت معاه بس انا روحت الاستوديو بتاعي وسيبته واقف هنا في الجنينه ..
قطبت ( هبة ) حائرة, ثم استأذنت منصرفة راسمة ابتسامة صغيرة على فمها بينما عقلها يعمل بشدة متسائلا عن سبب حضور أمجد المفاجيء بل وعدم تفتيشه عنها او ابلاغها بحضوره..
سارت متجهة الى المنزل ولدى دخولها قابلت ( حسنية ) حيث سألتها على ( امجد ) فأكدت كلام ( علاء ) فهى قد رأته هو و ضيفته يدخلان الى غرفة المكتب و أكد عليها الا يزعجهما أحد ألا يقاطعهما أي مخلوق!!
قطبت ( هبة ) ولم تستطع منع قدميها من السير اتجاه غرفة المكتب حيث فوجئت بالباب مشقوقا واستطاعت رؤية ظهر (امجد) و فوجئت ان من تقف امامه لم تكن الا ….سارة والتي سرعان ما ارتمت بين ذراعيه!, شهقت ( هبة ) بقوة ثم اندفعت الى الداخل دافعة الباب لتفتحه بينما في ذات اللحظة التي سارع فيها امجد بابعاد ( سارة ) هاتفا بقوة:
– انتِ اتجننتِ.. انت بتعملي ايه ؟؟
لم يكن قد انتبه لوقوف ( هبة ) كالتمثال بعد, فقد فاجئته (سارة) بارتمائها في احضانه والتي ما ان ابعدها حتى سمعها تقول بتشفي موجهة نظرها لنقطة معينة خلفه:
– تمااام زي المرة اللي فاتت بالظبط, صح يا …( هبة )؟
التفت ( امجد ) سريعا وهو يصرخ في دهشة وذهول وأقسى كوابيسه تتحقق أمامه:
– ( هبة ) .!!
نقلت ( هبة ) نظرها بينهما وهى تشعر بتتابع صور مشابهة تتوارد إلى عقلها, وصورة لـ ( امجد ) وهو في مثل هذا المشهد مع ذات الشخص, وصورتها وهى تركض هاربة وهو يركض في إثرها الى ان تعثرت وقعت من سلم المدخل الرخامي حيث ضربت رأسها و غااابت عن الوعي ..
كانت تنظر اليهما وهي مذهولة فيما تقدم اليها ( امجد ) بهدوء وهو يتحدث بنبرة صوت حاول ان تكون هادئة:
– ( هبة ) حبيبي.. انا هشرحلك .. والله المرتين مش زي ما انت فاهمه .. انا هوضح لك ..
وإذ بـ سارة ) تهتف وهي تضحك ساخرة:
– هتقولها ايه بالظبط يا ( امجد )؟, نفس المشهد بيتكرر…تفتكر هتصدق انه في المرتين معقولة صدفة؟, ماهو مش ممكن يعني اكون شرّبتك حاجه أصفرا يعني!!
التفت اليها وهو يقول بغضب صارخ :
– انت تخرسي خاالص حسابك معايا بعدين … واللي عملتيه دا كله مش هيعدي بالساهل .. هدفعك التمن يا ( سارة ) وغالي اووي ,,,
أجابته ببرود وهي تتناول حقيبتها الجلدية حيث تلفّها حول ذراعها:
– انت المفروض تشكرني اني خليت الذاكرة ترجع لحبيبة القلب ولا انت كنت عاوزها كدا … من غير عقل, علشان تعرف تمشيها على مزاجك؟
فاذ بيده تهوى على وجهها بصفعة قوية جعلت فمها يسيل دما وهو يقول :
– اخرسي !! انا هوريك مين هو ( امجد ), انا حذرتك قبل كدا بس واضح انه الكلام منفعش معاكي, جنيتي على نفسك وعلى أهلك يا مجرمة, استلقي وعدك بقه, انا هخليكي تتمني الموت ما تطوليهوش!!…
التفت الى ( هبة ) التي لاتزال تقف مسمرة في مكانها لا تكاد تستوعب ما يجري امامها وما ان سمعت صوته يناديها حتى نظرت اليه و كأنها لا تراه ثم همست بخفوت و الم:
– الحقني يا أمجد أنا… بنزف!!
نظر ( امجد ) بدهشة اليها فوجد خيطا من الدماء الكثيفة يسيل بين قديمها حتى أنه خضّب ثيابها باللون الأحمر القان, وما إن صعد بنظراته الى عينيها حتى فوجيء بها وهي تهوى فاقدة الوعي ولم تكد تلمس الارض حتى تلقفها بين ذراعيه وقد أفاق من دهشته صارخا :
– اسعااااااااااااااااااااف !!…
———————————————————-
كان ( امجد ) يسير جيئة وذهابا امام غرفة ( هبة ) في المشفى حيث نقلها من فوره , لن ينسى أبدا منظرها وهو يحملها بين ذراعيه والدم يلطخ ثوبها ويديه وقد صرخ في الموجودين لكي يفسحوا له الطريق وقد لحقه باقي عائلته ووالدها …
خرج الطبيب من الغرفة فسار اليه ( امجد ) رأسا ما ان شاهده وباقي العائلة حيث وقف امام الطبيب وسأله بقلق :
– طمني يا دكتور ايه الاخبار؟
ربت الطبيب على كتفه وأجاب:
– الحمد لله يا أ. ( امجد ) ربنا ستر .. بس المدام هتقعد معانا هنا يومين علشان نطمن عليها..
قالت مدام ( سعاد ) وعينيها شديدتي الإحمرار من كثرة البكاء:
– اومال الدم دا كله من ايه يا دكتور؟
قال الطبيب بهدوء:
– كل الموضوع ان الضغط ارتفع عندها مرة واحده والدم دا بيبقى رحمة من عند ربنا لانه ممكن كان لا قدر الله الضغط العالي يعمل جلطة وجايز جدا كان اتسبب في فقدان الجنين لكن الحمدلله ربنا ستر ,,
شهقت سعاد شهقة حزن عالية, في حين ردد ( يوسف ) مذعورا :
– جلطة !! يارب سترك يارب …
بينما قبض ( امجد ) يديه الاثنتين وقد نفرت عروق رقبته في حين اكمل الطبيب مطمئنا لهم :
– ما فيش داعي للقلق يا جماعة, الحمد لله هي بخير دلوقتي ورحمة ربنا انها في الشهر الرابع ممكن لو كان الحمل لسه في الاول كانت فقدت الجنين, بس الحمد لله اهم شئ انها تبعد عن اي انفعال خااالص .. عن اذنكم …
وإنصرف الطبيب تاركا كل فرد فيهم وهو ينظر الى الآخر بقلق ويدعو الله في سره ان يتم شفاء ( هبة ) بسلام وامان…
سار أمجد الى ركن بعيد عن الآخرين وضغط بضعة أرقام على محموله وما ان سمع الصوت على الناحية الأخرى حتى قال بقوة وعنف وعينيه تلمعان بتصميم مخيف:
– نفّذْ… حالا !!….

اتجه امجد الى غرفة هبة حتى وقف امامها حيث كانت العائلة مجتمعه, لم يدخل أيٍّ منهم بناءا على تعليمات الطبيب, سأله الجميع عن سبب ما حدث ولكنه لم يجيب وبدلا من ذلك قال بجدية موجهة حديثه الى شقيقه الأصغر:
– ( علاء ) خد ماما و ( علا ) وروّحهم البيت قعدتهم هنا مالهاش لازمة..
ثم نظر الى الجد و ( يوسف ) متابعا:
– انا محتاج اقعد معكم شوية قبل ما تروّحو مع ( حسانين )….

جلس ( امجد ) مع الجد و ( يوسف ) وقصّ عليهما بالتفصيل ما حدث , سكتا قليلا ثم قال ( يوسف ) بهم و حزن :
– اللي كنت خايف منه حصل!, انا سبق وحذرتك يا أمجد وقلت لك إن البنت دي مش سهلة وهتأذي بنتي وأهو اللي خفت منه حصل !!
أجاب ( امجد ) بعزم مخيف:
– ما تخافش يا عمي, مش هتقدر تقرب لمراتي تاني وانا متأكد من كدا …
قال الجد بهدوء:
– ناوي على ايه يا ( امجد ) ؟؟
فأجاب أمجد بحزم وعينيه تبرقان بنذير شرّ:
– ابدا يا جدي, لكن انا بحذر مرة واحده بس, وهي اللي اختارت… انا حذرتها قبل كدا الا ( هبة ) تبعد نهائي عني وعن مراتي, لكن هي ما سمعتش الكلام, وانا من النوع اللي مابحبش اعيد كلامى مرتين !!, ثم نظر الى ( يوسف ) متابعا:
– اطمن يا عمي ( سارة ) خلاص معدتش تقدر تعمل حاجه تاني حتى لو كانت عايزة !!
ابتسم ( يوسف ) ساخرا بهدوء :
– انا مش خايف منها دلوقتي انا خوفي من ردة فعل ( هبة ) لما تفووق, اللي فهمته من كلامك ومن كلام الدكتور المباشر لحالتها ان الذاكرة رجعت لها واللي هي فيه دا من صدمة رجوعها ليها مرة واحده وبنفس الظروف, وااضح جدا ان الحية اللي اسمها (سارة ) عرفت بطريقة ما انه الصدمة دي هي اللي هتخلي الذاكرة ترجع لها, وللاسف كأنها بتعيد شريط فيديو… كررت نفس المشهد بالظبط, وحصل اللي حصل, اللي انا خايف منه رد فعل ( هبة ) ومش من ناحيتك بس.. لأ!!.. دا من ناحيتي انا كمان!, خصوصا لما تعرف اني وافقت انكم تتمموا جوازكم وانا عارف سبب فقدان الذاكرة عندها, وربنا يستر من اللي جاي …
نظر ( امجد ) الى جده و ( يوسف ) نظرة مليئة بالقلق وهو يأمل ان تقبل ( هبة ) بالاستماع اليه لانه لا يدري ماذا سيفعل لو رفضت ؟؟..
دخل ( امجد ) الى غرفة ( هبة ) وسار بهدوء حتى وصل الى الفراش فنظر اليها يطالعها بحب, كانت عيناها مسبلتان وخدودها غائرة والمحاليل المغذية متصلة بيدها التي ظهرت عروقها بارزة بوضوح لشدة نحولها, كما كان وجهها شاحبا الى درجة البياض, مال عليها مقبلا جبينها فشعر بها تبتعد برأسها عنه واذ بها تفتح عينيها وما ان رأت وجهه امامها حتى اشاحت بوجهها فيما قال لها بخفوت :
– حمدلله على السلامة يا قلب ( امجد )..
لم تجبه فتابع قائلا وهو يضع يده على بطنها :
– حمدلله على سلامة عتريس !!
فشعر بتشنج جسدها تحت يده فقبض أصابعه واعتدل واقفا فيما هى لاتزال مشيحة بوجهها تنهد تنهيدة طويلة ثم قال :
– انا صممت ان الكل يروّح وانا اللي هفضل هنا, لو عاوزة اي حاجه قوليلي يا ( هبة ) !!
التفتت بوجهها حيث القت اليه بنظرة باردة قبل ان تبتعد بعينيها ناظرة امامها مطلقة كلمة واحدة نفذت الى صدره كالرصاصة حتى كادت تودي بقلبه صريعا:
– طلقني …
بُهت ( امجد ), لم يستطع تصديق ما سمعه, تبّا انه يهذي ولا ريب!, من غير الممكن أن تطلب منه هبة حبيبته بتلك البرودة الانفصال عنه, هبة لا تستطيع العيش بجونه تماما كما هو لا يستطيع الحياة من غيرها…
حاول استجماع شتات نفسه الذي تبعثر ما ان سمع هذه الكلمة المخيفة منها, ولم يرغب بالنقاش معها وفتح أي جدال, فهو يعلم تماما انها لابد وان تبتعد عن اي انفعال, أجاب محاولا الهدوء :
– ارتاحى دلوقتى يا ( هبة ) وهنتكلم بعدين..
نظرت اليه وما ان همت بالكلام حتى قاطعها بجدية بالغة :
– الدكتور قال بلاش انفعال فياريت تهدي خاالص لغاية ما نرجع بيتنا ..
قالت بصوت مغلف بنبرة سخرية ومرارة :
– طول ما انت معايا والانفعال هيفضل موجود !!
ألجم ( امجد ) نفسه عن الرد بصعوبة فيما سار الى باب الغرفة وضع يده على المقبض ولكنه التفت اليها قائلا :
– بما ان وجودى مضايقك فأنا هسيبك دلوقتي علشان ترتاحي , تصبحي على خير …
وخرج مغلقاً الباب خلفه في هدوء فيما انسابت الدموع على وجنتيها في صمت …

مكثت ( هبة ) في المستشفى لقرابة الاسبوع حتى اطمأن الطبيب على صحتها وصحة الجنين, وكانت هبة قد رفضت معرفة نوع جنس الجنين, كانت ستفرح سابقا أن كانت علمته هي وأمجد اما الآن فقررت ان تأقلم نفسها على خلو حياتها وحياة ابنها من ….( امجد ) …
حضرتت ( علا ) لإصطحابها الى المنزل مع الجد فيما مكثت مدام ( سعاد ) في المنزل في انتظارها , لم يأت ( امجد ) ولا (يوسف ) والذي كان يزورها يوميا وهى في المشفى, ولكنه لم يستطع النظر في عينيها, فكلما وقعت عيناه عليها كان يرى اللوم في عينيها, مما اضطره لإختصار وقت زيارته كي لا تتحدث معه وتنفعل, وبالطبع ( امجد ) لم يحضر لإصطحابها من المشفى فقد خشي ان ترفض الذهاب معه فإرتأى ان يرسل اليها ( علا ) مع عم ( حسانين ) وطلب من جده مرافقتها لعلمه بحب ( هبة ) الشديد له …
اثناء طريق العودة الى المنزل ساد الصمت الذي لم يتخلله الا بعض العبارات العابرة وفجأة قالت ( علا ) :
– انت عارفة يا( هبة ).. ابيه ( امجد ) بيحبك اووي!, عارفة ان طول الفترة اللي انت فيها في المستشفى وهو كان معاكي ماسابكيش ثانيه واحده؟!, كان طول الوقت قاعد على كرسي بره اودتك ولما تنامي كان بيدخل ينام على الكرسي عندك في الأودة, ولما كانو الممرضات يعترضو كان بيقولهم انك مش بتعرفي تنامي لوحدك !!
سكتت ( هبة ) قليلا ثم تكلمت بنبرة مليئة بالمرارة لفتت انتباه الجد فقالت :
– لا يا ( علا ) مافيش حاجه بتدوم … كل شئ وله نهاية !!
ثم التفتت لتطالع المناظر الخارجية من نافذة السيارة وهى لا تعي مما ترى شيئا …
– تؤمري بحاجه تانية يا ست ( هبة )؟, هزّت ( هبة ) برأسها رفضا, فتحمدت لها ( سميرة ) بالسلامة ثانية وانصرفت تاركة ايّاها بمفردها في طابقها الخاص هي وأمجد, حيث صعدت بعد ان قابلت ( سعاد ) متحججة برغبتها في نيل قسط من الراحة ولم تستفسر عن الدها او …( امجد ) …
سمعت طرقات على الباب ففتحت الباب لتفاجئ بوالدها واقفا وعينيه تطالعانها بنظرة ألم بينما قال :
– مقدرتش امنع نفسي اني آجي واطمن عليك ! ..حمدلله على السلامة يا روح بابا …
سكتت ( هبة ) قليلا ثم مدت يديها الى والدها وهي تقول بصوت يخنقه غصة البكاء :
– وحشتني أووي يا ابو حجاج !!
دخل والدها واخذها بين ذراعيه وهو يقول ودموعه اختلطت بدموعها :
– يا روح ابو حجاج, انت وحشتيني اكتر يا حبيبة ابوك !!..
بعد ان هدأت عاصفة البكاء جلس والدها بجانبها وهو يقول بهدوء خافت:
– ( هبة ) حبيبتي انا عاوزك تسمعيني كويس .. ( امجد ) ماخانكيش زي ما انت فاهمه ..( امجد ) ….
لقاطعته هاتفة بحدة رغما عنها ما ان سمعت اسم أمجد:
– ارجوك يا بابا مش عاوزة اسمع الاسم دا تاني, ومش عاوزة اتكلم في الموضوع دا !!
قال يوسف محاولا تهدئتها:
– حبيبتي انا مش هتكلم معاكى دلوقتي علشان الانفعال مش كويس عليك, لكن انا ماتعودتش منك انك تهربي من اي حاجة, وعدم كلامك في الموضوع دا هروب ! والهروب يعني جبن !! وانت مش جبانه يا ( هبة ) !!
علقت وهى تهز برأسها موافقة على كلامه وبجدية بالغة :
– لا يا بابا ( هبة ) بنتك مش جبانه ولا ضعيفة اطمن !! …
فنهض والدها وهو يقول بينما نهضت ترافقه:
– ماشي حبيبتي لما تحبي تتكلمي في اي وقت انا موجود, خُدي وقتك كله.. بس خللي بالك كل ما الوقت بيمر كل ما قسوة القلوب بتزيد, لازم تسمعي له يا ( هبة ), انا لو مش متأكد انه فعلا مظلوم وأد ايه هو بيحبك.. عمري ما كنت هوافق على جوازكم …
انتظر لسماع جوابها ولكنها لم تعلق فهز كتفيه يأسا وزفر بعمق ثم انصرف داعيا لها ان يصلح الله لها حالها وينير بصيرتها…
دخلت ( هبة ) الى غرفة نومهما والتي كانت وكأنها تراها لاول مرة, نظرت الى كل شئ فيها, ثم سقط نظرها على خزانة الملابس, سلطت نظراتها قليلا عليها ثم اتجهت بخطوات عازمة اليها حيث تناولت حقيبة كبيرة بجرار موضوعة بجوار الخزانة, فحملتها ووضعتها على الفراش ثم بدأت بترتيب ملابسها واشيائها الضرورية بداخل الحقيبة وشردت اثناء عملها ولم تستفيق الا على صوت صفع الباب بشدة فالتفتت حيث رأت ( امجد ) وقد وقف ينقل نظراته بين الحقيبة وأشيائها الموضوعة بداخلها من جهة و بينها من جهة أخرى وقد شحب وجهه تماما , تقدم الى الداخل وهو يقول بابتسامة صغيرة بينما نظراته مسلطة على الحقيبة :
– حمدلله على السلامة …
لم تجبه وبدلا من ذلك التفتت تتابع ترتيب ثيابها, حيث ذهبت الى الخزانة لجلب باقي ملابسها وأجابت ببرود وهى تضعها في الحقيبة:
– الله يسلمك …
اقترب اكثر منها حتى وقف بجانبها وقال متسائلا :
– انت بتعملي ايه؟
نظرت اليه من فوق كتفها وقالت :
– زي ما انت شايف !!
ثم تابعت عملها متجاهلة اياه , فمد يده حيث امسكها من ذراعها وادارها لتنظر اليه وكرر السؤال :
– انت بتلمي الهدوم دي ليه ؟؟
أجابت بسخرية :
– إيه عاوزهم؟, مش مشكلة خلِّيهم … مش هتفرق .. عندى استعداد أخرج بالهدوم اللي عليا !!
هتف بحدة:
– تخرجي ؟؟ تخرجي يعني ايه ؟؟ ( هبة ) لآخر مرة انت بتعملي ايه ؟؟
جذبت ذراعها من يده بقوة وقالت ببرود وسخرية :
– ايه يا ( امجد ) ؟؟ طول عمرك ذكي !! عموما انا هجاوبك .. انا ماشية يا ( امجد ) !!, ماشية من بيتك ومن حياتك .. اظن كدا انا جاوبت على سؤالك ؟!
نظر اليها بدهشة تحولت الى غضب عميق وهو يقول محاولا ان يتحكم في صوته كي لا يصرخ عليها :
– ومين اللي قال ان هسمح لك تمشي؟, انت مش حرة نفسك علشان تمشي وقت ما انت عاوزة !!
أجابته بحدة هاتفة :
– طبعا .. ما انا اللعبة اللي في ايدك, عروسة الماريونت اللي كنت بتحركها زي ما انت عاوز, لكن خلاص يا ( امجد ) اللعبة انتهت.. جيم إز أوفر يا باش مهندس!!
حاول التحدث بهدوء مخاطبا إياها:
– انت ليه مش عاوزة تسمعيني !! صدقيني .. لو سمعتيني انا متأكد ان قرارك هيتغير!!
نظرت اليه مليا وقالت :
– توعدني اني لو سمعتك تسيبني اقرر الشئ اللي يريحني وتحترم قراري مهما كان؟
أجابها وهو يشعر بالقلق والريبة من سؤالها :
– اوعدك اني اكيد هحترم قرارك !!
فجلست ( هبة ) وقالت :
– اتفضل قول يا ( امجد) انا سامعاك ..
جلس ( امجد ) بجانبها على الاريكة فابتعدت عنه قليلا مما ضايقه ولكنه صرف النظر عن ذلك وبدأ بالمكلام قائلا :
يوم .. يوم .. الحادثة ( سارة ) – ونطق اسمها وهو يصر على اسنانه من الغضب – كانت عندى هنا في المكتب بحجة انها ما شافتنيش من فترة, وكانت عاوزة تتكلم معايا وسمعت كلاكس العربية وصوت جرس الباب كنت عاوز اقابلك على الباب فقلت لها انك جيتي ومش هقدر اتكلم معاها دلوقتى, ومرة واحده لاقيتها حطيت ايدها على راسها وهى بتقول الحقنى يا (امجد) انا دايخه, وراحت واقعه عليا, شئ طبيعي اني اسندها, ماكنتش متخيل ابدا انها ممكن تكون شافتك لاني سيبت الباب موارب وهى معايا في اودة المكتب, وعملت الفيلم الرخيص دا علشان توقع بيننا, وحصل اللي حصل وكنت هتجنن علشانك, ولما فوقتي وعرفنا بموضوع فقدانك الذاكرة كان كل املي اننا نتمم الجواز, خفت الذاكرة ترجع لك وتعاندي وتصممي اننا نسيب بعض, ووالدك اتاكد من صدق كلامي لاني مش كداب, الكدب دا جبن وانا عمري ما كنت جبان, ونفس الفيلم كررته تاني لما جات بحجة انها مسافرة برا #مصر وجاية تصفي النفوس وانها يمكن ماقدرتش تكسبني كحبيب بس مش عاوزة تخسرني كصديق, انا طول الوقت وكنت شاكك في كلامها علشان كدا منعت ان حد يدخل, هى كانت مستنياني على البوابة لانها عارفة انى مدي اوامر بمنع دخولها خاالص, والسافلة نفس الفيلم عادته تاني بحذافيره.. بس الفرق انها المرة الاولانيه عدّت من غير ما تدفع التمن.. لكن دلوقتى اؤكد لك انها هتدفع تمن كل دقيقة اتسببت لك فيها في ضيق او زعل او قلق …
ثم سكت ونظر اليها منتظرا جوابها, فلم يكن منها الا ان نهضت واقفة واتجهت حيث حقيبتها الموضوعه فوق الفراش واقفلتها ثم اعتدلت واقفة قائلة في هدوء :
– ممكن تنادي لحد علشان ينزل لي الشنطة !!
هبّ ( امجد ) واقفا فجأة وقد صعق من كلامها واتجه ناحيتها وهو يهتف بحدة وذهول:
– نعم؟, بعد اللي حكيتهولك دا وبردو مصرة ؟؟
نظرت اليه ساخرة وأجابت صوتها مليء بالحزن :
– قولتلي ؟ قولتلي ايه ؟؟ اللي قولتله دا كان لازم تقوله من الاول وتديني الفرصة اللي افكر فيها وتستنى رأيي, لكن ازاي؟, ( امجد ) بيه العظيم لازم ينفذ كل اللي هو عاوزه بصرف النظر عن اللي قودامه عاوز ايه !!
قال محتدا :
– انا كنت وما زلت عاوزك انتي … بصرف النظر عن اي حاجه تانية.. كان عندي استعداد اخسر اي حاجه الا انت … انا #حبِّيتك يا ( هبة ), واظن انك حسِّيت بالحب دا, الفترة اللي فاتت دي كلها ماكانيتش تمثيل !!
أجابت بأسى وهى تشير براسها يمنة ويسرى :
– انا مش حاجه يا ( امجد ) ! انا انسانه وليا مشاعري ! انت ما ادتنيش الفرصة انى افكر واقولك رأيي, انت فرضت عليا رأيك!, وبعدين مين اللي قال انه الفترة اللي فاتت دى كانت تمثيل ؟؟ …لأ !! ما كانش تمثيل يا ( امجد ) .. وبردو ما كانش #حب !!
استنكر كلامها فقاطعته ما إن هم بالإعتراض:
– ايوة ماكانش #حب كان احساس بالذنب!, انت حسِّيت بالذنب من اللي حصل لي, حسيت انك السبب فيه .. فاكر يا ( امجد ) لما سألتك وقولتلك انت مانعها انها تدخل البيت هنا ليه ؟, ساعتها قولتلك لو فيه حاجه المفروض اعرفها قولها وانا هقدّر دا.. لكن لو عرفتها بعدين النتيجة اكيد هتبقى مش في صالحنا احنا الاتنين؟!, وللأسف النتيجة فعلا مش في صالح أي حد مننا!!..
وقف امامها وهو يكرر عبارتها بإستهجان مقطبا حاجبيه :
– احساس بالذنب !! مين اللي قال انه احساس بالذنب؟, الاحساس بالذنب عمره ما يموِّت وانا كنت بموت في اليوم ألف مرة طول ما انت في الغيبوبة!, معقولة ماحسيتيش بنبض قلبي وانت في حضنى؟, احساس بالذنب!, لا يا ( هبة ).. عمر احساسي ناحيتك ما هيكون احساس بالذنب أبدا..ولو شاكه في كدا انا أؤكد لك انه ابدا مش احساس بالذنب, ويمكن اكون فعلا فرضت عليك حبي لكن لاني خايف اخسرك .. آه انا بعترف مش بنكر انا خايف اخسرك !!
تنهّدت ( هبة ) بعمق وقد اغمضت عينيها وهي تجيب :
– انت للاسف مش قادر تفهمني, انت مش بتفهم ولا بتقتنع الا باللي في دماغك انت وبس!, جربت مرة تسألني عن رأيي؟, حتى كتب كتابنا كان امر واقع , ومن غير ما تقول – واشارت بيدها لتسكته عندما همّ بمقاطعتها – آه .. انا حبيتك واستسلمت لكدا ورجعت استسلمت لحبك تانى ووافقتك اننا نتمم الجواز بس خلاص انا تعبت يا ( امجد ) !!, انت حولتني لواحده ضعيفة معرفهاش!, واحده ماشية وراك.. منين ما تقول تقولك حاضر!, أمجد.. انا مش جارية ومش حاجه.. انا بني آدمه!, ايه الل يضمن لي انه #حب فعلا ؟؟ انا معنديش غير كلمتك انه مش احساس بالذنب.. لكن انا مش مصدقة دا!, فمن فضلك بأه.. اقبل مرة بقراري حتى لو مش مقتنع بيه.. انا ياما قبلت بقراراتك!, انا خلاص يا ( امجد ) مش عاوزة الحب اللي يضعفني!, حبك حولني لواحده انا كارهاها !!
نظر اليها مليا ثم قال ببرود بينما ساد تعابير وجهه الجمود:
– طالما هو بالنسبة لك استبداد اوكى ..
اتجه الى حقيبتها حيث افرغها على الفراش فيما هى تطالعه بدهشة حتى اذا انتهى من افراغ حقيبتها اتجه ناحيتها حتى وقف امامها ومال عليها قائلا بأمر لا يقبل النقاش:
– غيّري هدومك وارتاحي شوية انا هخليهم يطلعولك الغدا..
سار مبتعدا عنها ثم وقف والتفت اليها متابعا:
– و…آه .. نسيت اقولك … انا مستعد احاربك انت شخصيا علشان ماخسرش حبي !! .. وافتكرى .. انت شايله ابني او بنتي اللي في بطنك , يعني مهما عملت انت مصيرك مربوط بيا أنا!!….
– سي ( امجد ) بيه, التفت لمن يناديه فقد كان واقفا في حجرة الجلوس ينظر من النافذة وقال :
– ايوة يا ( سميرة ) في حاجه؟
قالت سميرة م بصوت مضطرب:
– انا … الست… الست ( هبة ) …مش فووق!!
ُصعق وركض اليها صارخا :
– ايه ؟؟ يعني ايه مش فوق ؟؟
فارتعبت فرائصها وقالت وهى تكاد تبكي من الفزع :
– انا طلعتلها الغدا زي ما حضرتك امرت, جيت اخبط ماحدش فتح, بعدين لاقيت الباب مفتوح دخلت ما لاقيتش حد, افتكرتها في اودة النوم خبطت ماحدش رد عليا فتحت ودخلت مالاقيتهاش!!
ازاحها ( امجد ) من طريقه بقوة حتى كادت تقع وانطلق راكضا يصعد الى الأعلى وما ان وصل طابقه حتى دخل الى غرفة النوم رأسا فلم يجدها ووجد الحقيبة ما زالت في مكانها على الفراش ولكن لفت نظره طريقة ترتيب الملابس وكأن هناك شخص قد تناول منها بعض الاشياء على عجل, ثم انتبه الى ورقة موضوعه بجوار الحقيبة فوق الفراش فتناولها وفضها بلهفة ليقرأها ليفاجأ بكلماتها التي تقول:
– انساني يا ( امجد ), اعتبرني صفقة وخسرتها, ارجوك إقبل بقراري دا, وياريت ماتحاولش تدور عليا لانك مش هتعرف توصل لي… ولو بتحبني صحيح زي ما انت بتقول يبقى تقدر تعتبرني دلوقتى حبيبة مالهاش… عنوان !!
صرخ أمجد صرخة رجت ارجاء القصر بلوعة وأسى:
– هباااااااااااااااااااااااه !!!

رواية “حلم ولا علم” للكاتبة منى لطفى” الحلقة الثامنة عشر
جلست ( هبة ) تشرب كوبا من الشاي بالحليب وهي تستمع الى ( ام صابر ) وهي تروي لها نوادر ابنائها وهم صغار, كانت تستمع بأذنها فقط بينما عقلها في مكان آخر على بعد بضعة مترات منها.. مع رجل قد ملك عليها فؤادها ولم يبرح عقلها ولو للحظة واحده منذ هروبها من المزرعه!!
كانت قد رأت ( صابر ) صدفة, وفور علمه بما تنتويه أصرّ على مساعدتها, لم توافق في البداية خوفا عليه كي لا تكون السبب في أن يصب أمجد جام غضبه عليه إن علم بأمر مساعدته لها, ولكنه صمم على مساعدتها ليرد لها ولو جزءا بسيطا من جميلها معه ومع عائلته بل ومع خطيبته نفسها, فكرت ( هبة ) ان أأمن مكان للاختباء عن أمجد ريثما تفكر جيدا في خطوتها المقبلة هو نفس المكان الذي يعيش فيه!,فـ (امجد) لن يطرأ بباله ولو للحظة انها ما تزال في المزرعه, فقررت قبول استضافة عم ( حسانين ) لها والذي طمأنها انه لن يخبر أيّا كان بمكانها حتى وإن كان السيّدأمجد ذاته!, تابع بأن بيته المتواضع يتشرف بأن تكون هي من سكانه تريد ولفترة مفتوحة….
دخل ( صابر ) عائدا من عمله وعلى وجهه إمارات الوجوم, ألقى السلام بصوت هاديء شارد نوعا ما, استأذنت والدته من هبة وانصرفت لتجهيز طعام الغذاء رافضة وبشدة عرض ( هبة ) بمساعدتها…
لا تعلم هبة لما خالجها شعور بأن صابر يخفي عيلها أمرا ولكنه متردد في الإفصاح عنه؟!
تحدثت هبة بابتسامة لتشجعه على الحديث:
– ايه يا ( صابر ) شايفه على وشك كلام عاوز تقوله ؟, قول يا صابر في ايه ؟!
تردد ( صابر ) بادئ الامر ثم تشجع وتكلم مجيبا:
– ( امجد) بيه .. وقـ…وقع انهارده .. فـ .. في المصنع وجابولو الدكتور !! …
شهقت شهقة فزعه وهتفت بفزع وخوف :
– اييه ؟؟ ( امجد ) وقع ؟! .. وقع ازاي يا ( صابر ) والدكتور قال ايه ؟؟
أجاب ( صابر ) بحزن :
– الدكتور بيقول ضغط عالي اووي مع ارهاق وقلة نوم وقلة أكل كل دا كان السبب في اللي حصل, و الدكتور نصحه بالراحه لمدة اسبوع على الاقل ويلتزم بتعليماته بالنسبة للأكل والدوا وشدد على الراحة النفسية…
لمعت عيناها بدموع محبوسة وقالت وهى مختنقة بغصة البكاء:
– وهو …عامل ايه دلوقتى ؟ قصدي اتطمنت عليه ؟
أجاب بإبتسامة كي يخفف عنها قلقها الواضح:
– طبعا حضرتك, انا عدِّيت على ( سميرة ) قبل ما آجي وطمنتني ان الدكتور ماسابوش الا لما ظبط له الضغط.. خصوصا انه كان عاوزه يدخل المستشفى لكن الباشمهندس (امجد) اللي رفض !!
قالت بهلع وقد تسارعت دقات قلبها خوفا فقد هالها أن تصل الحالة به الى إدخاله المشفى:
– كان عاوزه يدخل المستشفى ؟؟ ليه هو حالته كانت وحشة اووي للدرجة دي ؟؟
أجابها ( صابر ) وهو يحرك رأسه بأسى:
– حضرتك ( سميرة ) بتقول انه من يوم ما حضرتك سبتي المزرعه وهو اتغير خالص!, لا في نوم ولا راحه و على طول قاعد في شقتكم فوق لوحده حتى الاكل مش بياكل معهم ونادر لو قعد مع ( علي الدين ) بيه, الوحيد اللي بيقعد معاه هو (يوسف) بيه والد حضرتك !! …
ترقرقت عيناها بالدموع وهي تستمع الى ( صابر )وهو يشرح لها حال ( امجد ) بعد اختفائها ذاك, وشعرت بالحنين الشديد اليه والى والدها فهي لم تحدثه منذ أن تركت المزرعة خوفا من ان تضعف وتفصح له عن مكانها, التفتت الى ( صابر ) وقالت هامسة :
– ( صابر ) ممكن اطلب منك طلب ؟؟
انتبه اليها هذا الأخير وقال بحماس :
– اؤمريني يا مدام ( هبة )..
فتابعت:
– عاوزة ( سميرة ) تخليني اعرف اطمن على أ . ( امجد ) من غير ما يشوفني.. ممكن ؟؟
شرد ( صابر ) للحظات ثم قال :
– هو صعب !! فهزت برأسها بحزن وأسى ولكنه أكمل قائلا وابتسامة صغيرة ترتسم على وجهه الأسمر :
– لكن مش مستحيل !! ..ولا يهمك يا مدام ( هبة ) ان شاء الله هنقدر نخليكي تشوفيه وتطمني عليه كمان زي ما انتي عاوزه!!…
دخلت ( هبة ) من الباب الخلفي لمنزل ( امجد ) وقد تقدمتها (سميرة) لتراقب الطريق لتتأكد من خلوه, صعدا الى طابقها هي و ( امجد ) وفتحت لها ( سميرة ) الباب بهدوء فقد تركته شبه مغلق في وقت سابق حينما حضرت لأخذ صينية الطعام والذي لم يمس الا بنسبة بسيطة جدا بعد إلحاح كبير من السيدة سعاد عليه…
تقدمت ( سميرة ) الى الداخل تتبعها ( هبة ) التي كانت تتشرب بعيناها كل ركن من أركان منزلها فقد شعرت بالاشتياق الشديد له, وصلت الى باب غرفة النوم تسبقها ( سميرة ) التي طلبت منها ان ترى ان كان نائما ام لا يزال مستيقظا ؟؟
أكدت لها سميرة انه ما ان يأخذ الدواء الموصوف له حتى يغرق في النوم , اطلت ( سميرة ) في غرفة النوم برأسها فتأكدت من نوم ( امجد ) فأفسحت لـ ( هبة ) الطريق لتدخل وقالت هامسة :
– انا هخلي بالي يا ست ( هبة ) لا حد ييجي ولا حاجه, بس بسرعه الله يسترك… كتير الست ( سعاد ) بتيجي تبص عليه كل شوية.. قلب الام يا ولداه !! ..
هزت ( هبة ) برأسها موافقة ودخلت الى الغرفة حيث تركت ( سميرة ) الباب شبه مغلق خلفها…
تقدمت ( هبة ) الى داخل الغرفة حتى وصلت الى الفراش فرأت ( امجد ) الذي كان نائما وفوجئت بتغيّر قسماته حيث غارت وجنتاه بشدة وطغى الشحوب على قسمات وجهه الرجولي الناضح جاذبية مع انتشار الهالات سوداء أسفل عينيه, فمن الواضح انه قد خسر كثيرا من وزنه…
مالت عليه وهي تتشرب كل تقسيمة في وجهه المحبب إليها ليسترعي انتباهها صوت تنفسه العالي, قطبت حائرة ثم مدت يدا مضطربة الى وجهه ووضعتها على جبينه لتفاجئ بسخونة شديده تنبعث من وجهه!, ابعدت يدها سريعا فزعه وما لبثت ان كررت المحاولة فلسعتها حرارته الشديدة فاتجهت من فورها حيث فتحت الباب وقالت بلهفة لـ ( سميرة ) التى تنتظرها خارج الغرفة :
– ( سميرة ) بسرعه هاتيلي طبق فيه مايه ومكعبات تلج وقطن, ( امجد ) بيه حرارته عالية جدا…
ذعرت ( سميرة ) مما سمعته وذهبت من فورها لتحضر ما طلبته ( هبة ) منها من المطبخ الملحق بالجناح بينما عادت ( هبة ) ثانية الى ( امجد ) حيث احضرت كرسيا ووضعته بجانب الفراش وجلست عليه وهي تراقب ذرات العرق التي تفصد بها جبينه وصوت تنفسه العالي وقد منعت نفسها وبصعوبة من البكاء حزنا لما آل اليه حالهما!!..
هرولت ( سميرة ) عائدة حيث سيدتها بسرعه وقد جلبت ما طلبته منها ( هبة ), فتناولتها ( هبة )وهي تخبرها ان تظل بالقرب منها خارج الغرفة تحسبا إن احتاجت اليها!!..
خرجت ( سميرة ) بعد أن أومأت برأسها بالايجاب وهي تدعو الله أن يخفف عن سيدها وتعود المياه الى مجاريها بينهما, فيما وضعت ( هبة ) الاشياء على الطاولة الصغيرة المجاورة للفراش وبدأت بعمل كمادات مياه بارده لتساعد على خفض درجة حرارته, عندما وضعت أول كمادة اذ به ينتفض ويفتح عينيه فشهقت فزعه بينما لاحظت انه لا يراها هي و كأنه لايزال نائما ولكن مفتوح العينين!, ثم سمعت همهمة صادرة منه لم تستطع ان تفسرها اول الامر فمالت باذنها على فمه لتسمعه جيدا, فتحت عيناها من الدهشة فهو لا يردد سوى كلمة واحده :
– ( هبة ) …( هبة ) ..( هبة )….,
ترقرت الدموع في عينيها واكملت وضع الكمادات الباردة بالتبادل وكانت كل مرة تقوم بمسح يديه ورقبته بقطنة مبللة بالماء البارد, ومكثت على هذا الحال فترة طويلة حتى بدأ تنفسه ينتظم وحرارته تنخفض, فنهضت متجهة الى الصيدلية المنزليه المعلّقة في الحمام فوق الحائط وفتحتها وتناولت منها قرصين من دواء خافض للحرارة ثم عادت اليه فساعدته لتناول الدواء رافعة اياه بذراعها قليلا الى الأعلى واضعه قرصي الدواء في فمه ثم قربت كوب الماء منه فابتلع الدواء وكان مغمض العينين, ولكنه ما لبث ان اشتم رائحة يعرفها جيدا بل ويعشقها, ففتح عينيه لتثع نظراته السوداء على عينيها الرماديتين فهمس بصوت ضعيف اصطبغ برجاء بينما هربت بنظراتها متشاغلة عنه بوضع الكوب بجواره :
– ( هبة ) انت جيتي؟!
أعادت انتباهها اليه وأمسكت يده بحب واجابت بإبتسامة حانية :
– نام يا ( امجد )…
قال بحزن ونظراته منصبة عليها:
– لا.. لو نمت مش هلاقيكي لما اصحى!
أجابته بحب وهي تربت على يده التي تُمسك بها:
– نام يا ( امجد ) وارتاح دلوقتى انت تعبان !
همس بصوت ضعيف حزين:
– انا مش هرتاح طول ما انت مش جانبي…
قالت برجاء:
– ( امجد ) .. علشان خاطري…
فمد يده الحرة اليها قائلا بينما عيناه تنهلان من تقاسيم وجهها الذي افتقده وبشدة:
– طيب بس بشرط !!
مدت يدها اليه فتناولها بلهفة قابضا عليها وإن كانت قبضته ضعيفة ولكنها لا تزال تبعث الأمان في قلبها, وأجابت بابتسامة:
– شرط ايه؟
قال برجاء كالطفل الصغير الذي يترجى والدته:
– خليكي جنبي… ما تمشيش!
نظرت اليه بهدوء دون تعقيب أولا ثم ابتسمت ابتسامة واسعة وهي توميء برأسها موافقة, فابتسم براحة وأفسح لها مكانا بجواره لتجلس وما غن استوت جالسة بجواره حتى مد ذراعه العضلي ليحيط بها خصرها ثم ارتمى براسه فوق صدرها بينما مررت أناملها البيضاء وسط خصلات شعره الابنوسية الناعمة تمسّدها له وسرعان ما انتظمت أنفاسه غارقا في سبات عميق وقد ارتسمت على شفاهه ابتسامة راحة من وجد ضالته بعد طول عناء!! ….
استيقظ ( امجد ) صباح اليوم التالي وهو يتمطى فوق الفراش بسعادة وهو لا يتذكر من احداث الليلة السابقة سوى ان ( هبة ) كانت برفقته طوال الليل بل وانها قد وعدته أنها لن تتركه ثانية أبدا ليس هذا وحسب.. لكنها نامت بين ذراعيه !,….. ذراعيه؟!!, هب جالسا في الفراش ناظرا الى ذراعيه الخاويتين, ثم جال بنظره فيما حوله فلم يجد سواه!!
قفز مسرعا من مكانه وخرج من الغرفة مفتشا عنها في أرجاء الجناح ثم هبط الدرج مسرعا وكان لا يزال بثياب النوم ,حافي القدمين !!
فوجئ به جده وهو يراه يهبط راكضا قافزا لدرجات السلم بهذه الطريقة, تقدم اليه فرحا وهو يهتف:
– ( امجد ) حبيبي.. ايه المفاجأة دي ؟! حمدلله على السلامة يا ( امجد ) ..
أجابه ( امجد ) وبصره زائغا يفتش بعينيه بيأس في الأنحاء:
– الله يسلمك يا جدي ..
لاحظ الجد نظراته الزائغة فعقد جبينه متسائلا :
– مالك يا ( امجد ) فيه إيه؟, شايفك عمال تتلفت حواليك وبعدين من امتى وانت بتنزل بالبيجامة من فوق لا وحافي كمان؟
لم يعر أمجد بالا لملاحظة جده عن هيئته وبدلا من الرد على سؤاله قال برجاء:
– جدي ماشوفتش ( هبة )؟
قطب الجد مجيبا بدهشة حزينة:
– هبة ؟! غريبة يا ( امجد )… انت عارف ان ( هبة ) غايبة بئالها شهر, هو ايه اللي فكرك بيها دلوقتى؟, احنا ماسيبناش مكان الا و دورنا عليها فيه , انت قلبت عليها الدنيا بحالها !! , بس عموما ما تقلقش اكيد هنلاقيها ان شاء الله ..
فهز ( امجد) برأسه معترضا وبقوة وهو يهتف:
– لا يا جدي… ( هبة ) كانت معايا امبارح انا متأكد!, انا حسيت بيها… فضلت جنبي طول الليل تعملى كمادات ووعدتنى انها مش هتسيبني تاني, انا متأكد يا جدي, وما تبصليش كدا… انا مش مجنون!
ربت الجد على كتفه قائلا برجاء :
– ماحدش قال انك مجنون يا ( امجد ) … هبه هترجع يا ( امجد ).. ان شاء الله هترجع ….
زفر ( امجد ) بضيق وقد وضع اصابعه في شعره مغمضا عينيه وقلبه يصرخ مناديا اياها بينما يكاد يفقد عقله من الألم الرهيب الذي يعصف به, ترى هل شارفت على الجنون يا هبة؟, هل ما حدث الليلة السابقة محض تخيلات؟!, ولكن…ماذا كان يفعل طبق المياه الباردة الكمادة التي استيقظ ليراها ملقاة بجواره فوق الوسادة؟!, سيجن لا محالة ان استمرت هذه التساؤلات تعصف برأسه!, ولكن مهلا….سـيجن…سـ ! لا… إنه يكاد يُقسم أنه قد جُنَّ وانتهى الأمر!! ….
**************************************************
دخلت ( هبة ) الى الشقة التي استأجرتها في المدينة وقد وضعت كيس مشترياتها فوق الطاولة الخشبية المستديرة التي تتوسط الصالة في حين سمعت صوتا من الداخل ينادي :
– ( هبة ) حبيبتي انتي جيتي ؟!
أجابت ( هبة ) الصوت المتسائل وهي تجذب كرسي خشبي بصعوبة لترتاح عليه وهي تزفر بعمق وراحة بعد ان جلست :
– ايوة يا ( رشا ) جييت …
ظهرت فتاة سمراء شابة في العشرينيات من عمرها قادمة من المطبخ وهي تجفف يديها في منشفة قماشية و اقتربت منها وهي تقول مقطبة جبينها:
– مالك يا ( هبة )؟, شكلك تعبان اووي!!
فتنهدت ( هبة ) بتعب وأجابت :
– انهارده كنت واقفة طول اليوم, انت عارفة حفلة آخر السنة خلاص قربت ولازم ادرب الولاد كويس أوي عليها, الحفلة هيحضرها مدير المنطقة التعليمية والمحافظ علشان المدرسة اللي انا فيها تعتبر اكبر مدرسة هنا وكل سنة لازم المحافظ بيحضرها…
قالت ( رشا ) وهى تقف امامها بجدية:
– انت كدا بتيجي على نفسك كتير!, خلي بالك انت حامل وفي التامن كمان… يعني مش عاوزين اهمال وتدخلى في مشاكل ولادة بدري احنا في غنا عنها…
ابتسمت هبة ابتسامة صغيرة واجابت :
– شغلي يا ( رشا ), وانت بنفسك قولتيها… كلها شهر بالكتير ويمكن اقل وأولد.. وهحتاج لكل قرش ساعتها, وإنتي عارفة أنه….
سارعت رشا بمقاطعتها متذمرة:
– انا مش فاهمه انت دماغك دي ايه؟!, بأه يكون جوزك وابو اللي في بطنك اكبر رجل اعمال في #مصر كلها وانت بتشتغلي مدرسة موسيقى في مدرسة و ساكنه في شقة ايجار وشِرْك كمان!
تابعت وهى تضع يدها على كتف ( هبة ):
– ماتزعليش مني يا هبة انت عارفة غلاوتك عندى ولما (علاء) كلمني علشان تيجي تسكني معايا هنا وهو عارف اني وحدانية وياما اشتكيت له من الوحدة اللي انا فيها.. انا أد ايه رحبت بيكي, وصدقيني انت بئيتي اختي بجد و علشان كدا لازم انصحك ..( هبة ) انت بتكدبي على نفسك !! انت لسه بتحبيه وعمرك ما هتنسيه, والا ما كنتيش سكنتي في بلد بينها وبين مزرعته مايجيش ساعه الا ربع بالعربية!, انتي رفضت من جواكي انك تبعدي عنه يا ( هبة ) .. و كأنك طول ما انت في مكان قريب منه بتحسي بالأمان !! يبقى ليه العذاب اللي معيشة نفسك ومعيشاه معاكى فيه؟…
سكتت منتظر سماع جوابها ولما لم تجد منها اي ياستجابة سوى ابتسامة حزن صغيرة ارتسمت على وجهها ودموع لمعت في عينيها, واصلت بحماس:
– انت عارفة ان ( علاء ) كل مرة بيقولك انه لسه بيدور عليكي, ما فقدش الأمل يا هبة, وانتي حتى والدك فين وفين لما بتكلّميه وكل مرة تنبِّهي عليه ما يجيبش سيرة له خاالص والا ما عُدتيش هتكلميه تاني, ليه كل دا يا ( هبة ) ليه؟
أجابت ( هبة ) بحزنىوهي تنظر الى رشا التي جلست أمامها:
– انت يا ( رشا ) بتسأليني ليه؟, ما انت عارفة ليه!, انا تعبت اني اكون مسخ يا ( رشا )!, انا بحبه ومش بحبه وبس لا… وبعشقه كمان, ومش ممكن هحب حد غيره أبدا, بس الحب لوحده مش كفاية !, ( امجد ) لازم يعرف ان حبه ليا لوحده مش كفاية بالنسبة يا رشا!, لازم يديني مساحه اني اقول آه او لأ .. ( امجد ) كان بيعاملني اني بنته اللي بيخاف عليها من الهوا.. كل دا جميل, بس انا مش بنته… انا مراته وشريكة حياته, لازم يتقبل قرارى ويحترمه, خوفه المرضي انه يخسرني هو فعلا اللي خلّاه يخسرني..
سكتت قليلا ثم تابعت بجدية:
-أنتي صح يا ( رشا ), انا فعلا اخترت اني اقعد عنها جنبه, انا مش بكره, انا بحاول أرجّع هبة من تاني!, هبة اللي أمجد كان السبب اني أخسرها, وعلى فكرة هبة دي بردو اللي أمجد #حبّها, ومع الوقت لو كنت استنيت وعديت الموضوع وسامحت كان هو اللي هيبتدي يزهق مني لأن مش دي الشخصية اللي جذبت أمجد ليها وخليت المستحيل بالنسبة له يحصل وانه يقع في حبها, ووقتها بقه كان هييجي يدور على خبة القديمة هيلاقيها مش موجودة!, ماتت واتولدت بدالها مسخ… من غير شخصية, وهو ساعتها اللي كان هيرفضها!, النا حاولت أنقذ حبنا يا رشا, مش شرط كل قصة #حب تنتهي نهاية سعيدة في اتنين بيعشقوا بعض زيّنا كدا لكن الظروف حكمت انهم ما يكملوش…
سكتت قليلا ثم تابعت بنبرة طغى عليها الحزن بينما انسابت دمعة وحيدة تجري على وجنتها المرمرية سارعت بمسحا براحتها:
– رشا انا حبيت أحافظ على ذكرى حلوة لهبة عنده, وفي نفس الوقت حبيت أبعد قبل ما يتحول حبي ليه لغضب منه ومن نفسي, حبي عمره ما هيتحول لكره لكن لو اتحول لغضب هيكون غضب اسود هيخليني أكرهني أنا مش هو!
شردت قليلا بينما ربتت رشا على يدها الموضوعه على الطاولة امامها وتابعت بعينين تغيمان في الذكريات:
– عارفة, انا بعد ما مشيت من عنده يوم ما كان عيان واتسحبت وسيبته نايم وهو محاوطني بدراعه زي العيل الصغير اللي نايم في حضن مامته ومش عاوزها تسيبه, نزلت بسرعه وشوفت (علاء) بالصدفة, وقتها طبعا ما صدقش عينيه وكان هيصرخ اني رجعت لكن منظري ودموعي مش منظر واحدة سامحت ورجعت ابدا, سألني فقلت له انى عرفت ان امجد تعب وحبيت أشوفه وبعدين طلبت منه يساعدنى انى اسيب بيت عم (حسانين) لاني كنت متأكده ان ( امجد ) اول ما هيصحى هيقلب المزرعه والبلد كلها عليا, وفعلا ( علاء ) ساعدنى, في الاول نزلت في بنسيون جنب الكلية بتاعته, وبدل ما ارجع بيتي انا وبابا لاني متأكده ان ( امجد ) هيحط اللي يراقبه 24 ساعه او اشوف سكن في #مصر… ومصر كبيرة الناس تتوه فيها, فضلت انى افضل هنا جنبه, آه كفاية عليا انى احس انه جنبي ولما أولد عايزة ابنه او بنته يتربو في نفس المكان اللي موجود فيه باباهم وهتساليني لما اولد هعرفه ولا لأ.. هقولك معرفش!, كل اللي اعرفه دلوقتي.. اني مش قادرة ارجع لـ ( امجد ) طول ما أنا مش متأكده ان بعادي عنه خلاه يتغير, وخلاه يعرف ان هبة دي انسانة بيحبها مش حاجة بيمتلكها, #حب يعني احترام ليا ولرأي, لكن امتلاك يعني شيء او جارية لاغية عقلها وشخصيتها, وطول ما انا لسه شاكّه انه لسه زي ما هو حبه #حب امتلاك مش هرجع!, المشكلة دلوقتي انه فيه بيننا طفل, ماينفعش أربيه وأوجهه وأنا طول الوقت مش عارفة أقول رأيي وفي اللي فوق دماغي يقول اعملي وما تعمليش ومحسسني اني فاقدة الأهلية!…
همت رشا بمقاطعتها فأسكتتها هبة رافعة يدها وقد علمت ما الذي تريد قوله:
– من غير ما تقولي, أمجد بيحبني أنا متأكدة, لكن دا مش #حب طبيعي, أمجد عاوز يمتلك كل حاجه فيا.. قلبي ومشاعري وعقلي!, عاوز يكون هو المحور الوحيد اللي حياتي كلها بتدور حواليه!, عاوز اللي يقرره هو اللي يحصل وانا أبصم وراه على طول!, تقدري تقوليلي جه مرة سألنى وقال لى ايه رأيك في اي شئ يخصنا؟ …لأ… كل حاجه هو اللي كان بياخد القرار فيها من غير اي اهتمام برأيي أنا والمفروض اني أنا شريكه معاه في القرار دا, أنا الطرف التاني يا رشا!, كتب الكتاب بالأمر, الجواز بالأمر, حتى لما افتكرت والذاكرة رجعت لي ما ادانيش مساحه انى ازعل واراجع نفسي وانا كنت متأكده انى هسامحه وارجع له لاني بحبه غير اني انا اتاكدت من كلامه.. بابا أكدهولى وانا عارفة ( امجد ) كويس ..( امجد ) مش كداب ..لكن بدل ما يديني وقتي اني ازعل او حتى اغضب …. بردو اتعامل معايا بالامر المباشر.. انسي يا (هبة)!, لا.. انا آسفة.. انا مش روبوت بزراير يضغط على الزرار… أحب , يضغط… أنسى!, انا انسانه من لحم ودم ومشاعر…
لم تستطع المتابعة وانفجرت في بكاء حار يقطع نياط القلوب فنهضت رشا متجهة اليها وقد احتضنت رأسها بين ذراعيها بينما صاحت ( هبة ) وقالت وسط دموعها الغزيرة التي تهطل كما المطر في فصل الشتاء:
– بس … بس بحبه .. وتعبانه… تعبانه اووي يا ( رشا ) من غيره, انا مش عارفة اكمل حياتي وهو مش فيها لا انا قادرة اكمل ولا انا قادرة ارجع .. اعمل ايه يا ( رشا ).. اعمل ايه ؟؟
ربتت ( رشا ) على راسها وقالت لها مهدئة :
– خلاص يا( هبة ) يا حبيبتي كفاية, حبيبتي ماتفكّريش دلوقتي في أي حاجة, المهم دلوقتي انك تخلّي بالك كويس اوي من اللي في بطنك وتقوميلنا إن شاء الله بالسلامة, لكن انا هقولك كلمة واحده بس.. حبكم دا خسارة انكم تضيعوه.. سواء بالامتلاك او بالعناد …
نامت ( هبة ) قليلا بعد الغذاء والذي لم تتناول منه الا قليلا فيما ذهبت ( رشا ) الى معهد الحاسوب الألي حيث تدرس دورة مكثفة في احدث تقنيات برامج الحاسوب ..
استيقظت ( هبة ) على ألم قوي في أسفل بطنها فتذكرت المجهود الذي تبذله منذ فترة في الإعداد للحفل المدرسي السنوي, وكانت قد وجدت هذه الوظيفة كمعلمة موسيقى في مدرسة لغات خاصة عن طريق علاء والذي ساعدها كثيرا كي تستطيع ايجاد هذه الوظيفة معتمدة فيها على مواهبها وقد لجأ علاء الى ( ممدوح ) مخرج العرض المسرحي والذي اشتركت فيه مع ( علاء ) سابقا في حفل الجامعة, حيث توسط لها لايجاد هذه الوظيفة بل وأعطاها خطاب توصية لتتمكن من العمل في هذه المدرسة الخاصة والتى تدفع لها مرتبا مجزيًّا يُمكِّنها من دفع نصيبها في الايجار لرشا وأيضا أجرة متابعة الطبيب بلْ والادخار للولادة, مسدت بطنها تهمس لطفلها بحب وهى تبتسم:
– معلهش يا روح ماما انت تعبت معايا اليومين دوول, بس خلاص هانت يا قلبي, انا دلوقتى في نص التامن يعني خلاص هانت ان شاء الله واووي كمان وهتشرف قريب وتنوّر لي حياتي كلها…
سمعت رنين جرس الباب فنهضت ببطء وهي تتأوّه ممسكة بأسفل بطنها, لبست خفّها المنزلي ووضعت روبها عليها وتوجهت حيث باب الشقة وهى تضع يدها الأخرى أسفل ظهرها ممسدة إيّاه..
اتجهت الى الباب الذي يرن بالحاح شديد وهى تقول بصوت ضعيف ضاحك وبتعب:
– يعني كل مرة كدا يا ( رشا )!, تنسي المفتاح.. وتكهربيني انا!, انت حلالك تفضلي ملطوعه كدا شوية علشان تتعلمي الادب انت …
وفتحت الباب فيما هى تتابع كلامها لتبتر حديثها بغتة فمن ظهر امامها لم يكن ابدا ( رشا ) بل كان …..( امجد ) ….!!
شهقت ( هبة ) دهشة من فرط المفاجأة واضعة يدها على فمها وقد تركت الباب مفتوحا ومكثت تنظر اليه فزعة فيما دخل هو واغلق الباب خلفه ونظر اليها قليلا ثم قال بهدوء:
– ازيك يا ( هبة )؟
أزاحت يدها بعيدا عن فمها وأجابت بذهول وارتباك:
– أمـ …..أمـ ….( أمجد)!, انت ازاي…
قاطعها بسخرية خفيفة وهو ينظر اليها بعتب:
– ازاي عرفت عنوانك؟ , انا قولتلك يا ( هبة ) قبل كدا.. عمرك ما هتقدري تهربي مني! المسألة كانت مسألة وقت مش أكتر و…صبر!, والصبر دا الفضل فيه لك انتي!, لأنه كان لازم يكون عندى صبر طويل وانا بدوّر عليكي … وهوّ دا اللي خلاني اتحمل الشهور اللي فاتت دي كلها ….
اعتدلت ( هبة ) في وقفتها وقالت بهدوء نوعا ما :
– ماشي يا ( امجد ) وأديك لاقتني, تقدر تقولي ايه اللي يرضيك علشان نخلص من لعبة القط والفار دي؟, لاني فعلا تعبت!
تقدم منها حتى وقف امامها على بعد انشات قليلة وأجاب وهو يميل عليها لينظر في عينيها هامسا بجدية وبقوة بينما نظرات عينيه يسودها العزم والإصرار:
– انتي!
طرفت بعينيها قليلا غير متأكدة مما فهمته, ثم أعادت كلمته باستهجان:
– أنا!, ازاي يعني؟
مد يديه قابضا على ذراعيها مقتربا بوجهه منها حتى لقد لفحت أنفاسه الساخنة بشرة وجهها الحليبية بينما ينظر الى عينيها بنظرات أشاعت الفوضى في حواسها, وتعالت دقات قلبها خوفا و…شوقا!, تحدث بقوة هاتفا:
– عاوز مراتي وابني!
وكأن عبارته قد قطعت الخيط السحري الذي كان يربطها به, فابعدت يديه عن ذراعيها وادارت له ظهرها وهى تقول:
– للاسف يا ( امجد ) ماعادشي ينفع! ف
رفع يديه قابضا برفق على كتفيها وهو يقول بهدوء بلهجة من يقرر أمرا واقعا لا سبيل للنقاش فيه:
– للاسف يا ( هبة ) دا الشئ الوحيد اللي يرضيني ومش عاوز غيره ابدااا…
نفضت هبة كتفيها لتسقط يديه والتفتت اليه وهي تهتف بغضب صارخة:
– كل حاجه انت .. انت …. انت …انت عاوز .. انت اللي يرضيك ….وانا… أنا فيين؟, انا فين يا ( امجد )؟, انا ايه بالنسبة لك؟
صمتت فجأة عندما شعرت بعودة التقلصات في بطنها ولكنها لم تعرها بالا فيما سمعته يهتف مجيبا بحدة نوعا ما :
– انتي ايه؟, بأه لسه ماتعرفيش انتي ايه يا ( هبة )؟, انتي كل شئ بالنسبة لي ..كل حاجة في حياتي, انت مراتي و أم ابني , انت اللي كنت ميت من غيرك بئالى اكتر من 5 شهور وانهارده بس.. رجعت لي الروح من تاني, ايه.. زعلانه علشان بفرض عليكي رأيي؟, اكيد لازم اجبرك كمان مش أفرض رأيي وبس لما احس ان روحى بتروح مني وان الشئ الوحيد اللي حسسني اني لسه عايش اللي هو حبك عاوزة تمنعيه عنى!.. لما أحس ان الانسانه الوحيدة اللي ملِيت عليا دنيتي كلها وخلتني احس بأحلى مشاعر عمري ما كنت أتصور انى أعيشها عاوزة تبعد عني!, انا مش بس اجبرك… لأ!, انا ممكن اعمل اي حاجة تتخيليها او ما تقدريش انك تتخيليها علشان ماتروحيش مني …
التمعت عيناها بالدموع وهى تنظر اليه فيما اضطرت الى وضع يدها اسفل بطنها والاخرى لتمسد ظهرها وقالت ببكاء مكتوم :
– عمرك فكرت انك تسألني؟, يمكن ما كُناش مرِّينا بدا كله لو كنت فكرت انا رأيي ايه ولا عاوزة إيه؟!!, لكن انت اتجاهلتني يا ( امجد ), وخلتني احس اني واحده جاهله او قاصر او عقلها فيه حاجه غلط بتجاهلك ليا ولمشاعري .. انا تعبت يا ( امجد ) تعبت …
اقترب منها ومد يديه مترددا ليقبض على ذراعيها برفق وهو يقول برجاء حار غريب عنه:
– وانا كمان …تعبت …( بصراحه محدش تعب أدي انا واللي متابعين معايا الرواية من الاول ماتخلصي يا ست هبة وتصالحيه وانت اهدى عنها شوية يا سي امجد اووف ما علينا نكمل ) اديني فرصة أخيرة يا قلب ( امجد ) وانا هتغير, وافقى انك ترجعي لي, لو مش علشانى… علشان ابننا اللي جاي في السكة , بلاش اول ما يفتح عينيه يلاقي كل واحد مننا في ناحية.. انا لا يمكن أسيب ابني أبدا, مستحيل!
قاطعته بحدة :
– وانا يستحيل اسيبه !!
قال بهدوء حان :
– خلاص, يبقى ارجعيلي تاني , انا مش بهدد يا ( هبة ) بس انا فعلا مش هسيبك ومش ممكن اسيبك ابداااا, بإرادتك أو من غيرها هترجعيلي… قولي عليا مستبد, ديكتاتور, اللي انتي عاوزاه, بس انا مش ممكن هتخلى عنك ابداا يا ( هبة ) ولا عن ابننا, فهمتيني يا قلب أمجد؟
أجابت هبة وهى تغمض عينيها بينما الألم أسفل بطنها وظهرها يشتد وصوتها قد بدأ يضعف من قة هذه الآلآم: آه …
سارع بإحتضانها فرحا وهو يهتف مندهشا من سرعة استجابتها له :
– يا قلب ( امجد ) يا ( هبة ), حقيقي؟, هترجعيلي بجد؟!
قالت وهى لا تزال مغمضة عينيها وقد بدأت نبرة صوتها تعلو قليلا:
– آه …
لم ينتبه أمجد لنبرة صوتها التي بدأت تعلو من شدة سعادته لموافقتها على العودة اليه, أبعدها عنه قليلا هاتفا بسعادة:
– هترجعي معايا بيتك انهارده يا قلب أمجد مش كدا؟ ف
هتفت وهى تعض على شفتيها:
– آآآآه …
قطب ( امجد ) جبينه بحيرة وهو يشعر ان هناك شيئ خاطئ لا يفهمه!, قال في شك:
– في ايه يا ( هبة ) مالك؟
داهمتها موجة ألم قوية ففتحت عينيها واسعا و نظرت اليه ونظراتها تغشاها بالدموع وهى تعض على شفتيها بقوة مجيبة بألم شديد :
– انا …انا تعبانه أووي يا ( امجد ) ..
هتف ( امجد ) بجزع :
– تعبانه؟, تعبانه حاسة بإيه؟
نظرت اليه قليلا وهى تحاول سحب نفسا عميقا ثم تطلقه لعله يهدأ من حدة الألم قليلا كما سبق وأرشدها الطبيب:
– انا .. بيتهيألي اني …اني …اني هولد!!
نظر اليها بدهشة قائلا:
– طبعا هتولدي اومال هتوديه فين يعني؟
طالعته بسخط هاتفة بغيْظ:
– ( امجد ) ركّز.. انا اقصد اني انا هاولد… دلوقتي يا (امجد)!
لم تعلم هبة أتضحك ام تبكي حالما شاهدت وجه ( امجد ) ما ان أنهت عبارتها حيث فغر فمه واسعا ثم ارتبك ثم سار قليلا روحة وجيئة قبل أن يقف امامها وهو يهتف بحدة وإرتباك:
– انتي مش المفروض في التامن لسه؟, يبقى تولدي ازاي دلوقتي؟
أجابته بسخرية بالرغم من ألمها:
– ( امجد ) الولادة دي مش بقرار هي كمان منك!, لما ابنك يحب ييجي مش هيستأذنك الاول!, ولا انا هعمل حاجه مايصحش إني اعملها من غير ما أخد رأيك قبلها!!, ايه تحب استأذنك الاول واقولك ممكن تحدد لي الوقت اللي يناسب حضرتك علشان أولد؟, انت ….
بترت عبارتها فجأة محدقة بفزع الى أمجد وقد داهمتها موجة ألم شديد جعلها تصرخ هاتفة بصوت عال:
– ( امجد ) الحقني ..آآآآآآآآآآآآه …
ووقعت بين ذراعيه حيث فوجئ ببركة مياه بين قدميها ….

رواية “حلم ولا علم” للكاتبة منى لطفى” الحلقة الأخيرة

وصل ( امجد ) و ( هبة ) الى المشفى, اوقف ( امجد ) سيارته امام المشفى كيفما اتفق وترجل سريعا ليفتح الباب الخلفي حيث كانت ( هبة ) راقدة فوق المقعد الخلفي, حملها بين ذراعيه فيما هي تتأوه بصوت مكتوم من الألم , وهو يزفر من بين اسنانه وما ان وصل الى الاستقبال حتى صرخ عاليا:

– بسرعه .. هاتوا الدكتور .. بتولد!!

و فورا استدعى الموظف المسؤول الممرضة الخاصة بقسم التوليد والتى سريعا ما حضرت مع اثنين من المساعديْن ومعهم السرير النقال, و قد اخبروا الطبيب المناوب بوصول حالة ولادة مبكرة فيما اتصل ( امجد ) بالطبيب الذي كان يباشر ( هبة ) قبل تركها اياه فطمأنه انه سيحضر سريعا الى المشفى. وضعوها على السرير النقال وامسك ( امجد ) بيدها فيما شدّت هي على يده و نظرت اليه فمال عليها وسمعها تقول بصوت متقطع من الالم:

– ( امجد ) …ما تسيبنيش لوحدي ..انا .. انا خايفة !!

فشد على يدها بقوة وهتف بحزم:

– ما تخافيش يا قلب ( امجد ) مش هسيبك ولا يمكن اسيبك..

اتجهوا الى عنبر الولادة وادخلوها الى الغرفة حيث قاموا بتحضيرها, وقام الطبيب المناوب بالكشف عليها فأكد انها في حالة وضع بالفعل, ولم يمر الا دقائق حتى حضر طبيبها الخاص والذي كانت تباشر معه قبل تركها لأمجد, وما ان جهز الطبيب ليدخل ليباشر بعملية التوليد اذ بـ ( امجد ) يضع يده على كتفه قائلا بتصميم:

– معلهش يا دكتور بس انا عاوز احضر الولادة !!

نظر اليه الطبيب مدهوشا وهو يقول:

– نعم؟, حضرتك عاوز ايه؟!, فكرر طلبه فأجابه الطبيب مستنكرا:

– أ. (امجد) ما تخافش الستاف اللي معايا كلهم ممتازين وكويس ان حضرتك جبتها المستشفى هنا, انا بتعامل معهم من زمان ودي احسن مستشفى في البلد عندنا ..

قال ( امجد ) بعناد شديد:

– دكتور انا وعدتها انى مش هسيبها, وبعدين برّه الأب ممكن يحضر ولادة ابنه!

فقال الطبيب بحنق:

– ايوة ,بس الاب بيحضر دروس تدريب لكدا وبيعرفوه لما يكون في اودة الولادة يعمل ايه,احنا هنا الموضوع مش منتشر فا مش بنعمل كدا ..

أصر أمجد على الحضور فكتم الطبيب زفرة حنق والتفتت الى الممرضة قائلا:

– ادي الاستاذ اللبس اللازم علشان هيحضر الولادة ..

ثم نظر الى امجد متابعا:

– جمّد قلبك لأن الموضوع مش سهل زي ما انت فاكر …

لم تعي ( هبة ) شيئا مما حولها, كل ما كانت تشعر به هو الالم الشديد, وسمعت صوت الطبيب وهو يشجعها وهى تبحث بيدها عن اي شئ تشد عليه وفجأة اذ بيد قوية تعرفها جيدا تمسك بيدها وتشد عليها فنظرت قليلا الى العينين اللتان تنظران اليها من فوق الكمامة الطبية وكانا يبتسمان لها فحاولت الابتسام بدورها وفجأة داهمتها موجة ألم شديدة اندفعت اليها فقبضت بقوة شديدة على يده واذ بها تشعر وكأنها تدور في دوامة ثم صوت صراخ رضيع ولم تدر بأي شئ آخر مما حولها ….

فتحت ( هبة ) عينيها قليلا بينما تسمع اصوات من حولها , رفرفت بعينيها مرات عديدة حتى استقرت الصورة المشوشة امامها ورأت من يميل عليها مبتسما ابتسامة سعيدة وهو يمسك يدها مقبلا اياها و يقول:

– حمدلله على السلامة يا أحلى …ماما …

ابتسمت ابتسامة شاحبة هامسة بخفوت بصوت ضعيف:

– امجد, الله يسلمك…

ثم تابعتت بصوت ضعيف مُجهد قليلا ولكنه متلهف:

– هو فين يا ( امجد )؟, شوفته؟, شبه مين؟

جلس بجوارها على الفراش وهو لا يزال ممسكا بيدها وأجاب ضاحكا:

– هو مين ان شاء الله؟, انتِ بردو مش عاوزة تسمعي كلامي؟, اكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة, وانا اكبر منك ب 12 سنة!, احسبيها انتي بقه..

قطبت بحيرة وقالت:

– يعني ايه مش فاهمه .. علشان خاطري يا ( امجد ) اشوفه!

أجاب ضاحكا:

– هتزعل منك!, انتِ مصرة على هوّ ليه؟, مع انها في الحقيقة … هي!

شعّ وجهها بابتسامة سعيدة وهتفت وهى تشد على يده بيديها الاثنتين:

– صحيح يا ( امجد )؟, بنت؟

هز ( امجد ) برأسه ايجابا وهو يقول بإبتسامة عريضة:

– انا مش قولتلك من البداية انها هتكون بنت ان شاء الله؟ وزيّ القمر تمام.. زي مامتها, بس ايه دا؟!

قطبت ( هبة ) متسائلة:

– ايه؟

أجاب رافعا حاجبه الأيمن بإغاظة:

– انا ماكُنتش اعرف انى متجوز بطلة في الريست!

قالت باستغراب ودهشة:

– ريست؟!

علّق ضاحكا:

– ايوة الريست!, انتِ مسكت ايدي تقولي بتلعبي ريست ومصممة تهزميني!

فنظرت اليه بطرف عين وقالت:

– ماحدش طلب منك تحضر الولادة, كنت ممكن امسك اي حاجه او ايد اي حد تاني!

حدجها بنظرة استنكار هاتفا بحنق وهو يتخيل أن شخصا آخر كان من الممكن أن يكون مكانه ويمسك هو بيدها فتتشبث به كما فعلت معه!, هتف بقوة حانقة:

– حد؟, حد زي مين؟, هو فيه حد كان يقدر يقربلك وانا موجود؟!, يبقى هو الجاني على روحه…

قالت بلهفة راجية:

– طيب ممكن اشوف بنتي؟, انا حتى لسه معرفش هسمّيها ايه؟

أجابها بهدوء:

– انتِ ان شاء الله ارتاحي دلوقتي, وانا هبلغ الممرضة انك فوقتي والصبح نروح نشوفها!.

قطبت جبينها قائلة بقلق:

– نروح نشوفها؟, ليه ما هما ممكن يجيبوها؟

أجابها محاولا بثّ الهدوء اليها:

– حبيبتي بنتنا نزلت قبل التاسع بأقل من اسبوعين فلازم يحطوها في الحضانه علشان يطمنو عليها, عموما دكتور الاطفال اللي كان حاضر الولادة طمنى ان البنت وزنها نوعا ما كويس يعني 2 كيلو ونص, وصحتها بخير.. بس علشان يطمنو عليها, فانت ارتاحي انهارده, وبكرة نروح نشوفها…

نظرت اليه برجاء وقالت متسائلة بخوف:

– يعني انا ممكن اطلع من المستشفى من غير بنتي؟

فقال بحب مربتا على يدها التي يحتويها بين يديه:

– لا يا حبيبتي, ان شاء الله خير, انتِ بس ارتاحي دلوقتي وكل شئ هيكون كويس ان شاء الله.

أراحت رأسها فوق الوسادة خلفها فيما استمر هو مربتا على شعرها نظرت اليه وقالت هامسة :

– ( امجد )…

وسكتت, فأجاب وعيناه تلمعان من شدة العاطفة:

– عيون وقلب ( امجد )…

سألته بهمس:

– انت عرفت طريقي ازاي؟

قبّل يدها وهو يقول واضعا يدها فوق صدره لتلامس هذه المضخة القوية المسماة القلب والتي تدق بسرعة دقات متواصلة سريعة:

– حبيبي طريقك هو طريقي يبقى ازاي اتوه عنه؟, عموما يا ستي هقولك .. انتِ من يوم ما جيتيلي وانا تعبان وأنا مش ساكت!

شهقت مندهشة فأكمل مبتسما:

– ايه كنت فاكراني لما اصحى هفتكر اني كنت بخطرف من السخونة واني اتهيألي انك كنت موجودة معايا؟!

سكتت خافضة نظرها لاسفل فمد يده رافعا رأسها ناظرا الى عينيها الرماديتين وتابع بهمس حان:

– انتِ مش عارفة انى لو دخلت اودة مليانه ستات وانا مغمي عينيا انى بردو هعرفك!, انا بشمّك يا ( هبة )!, هما مش بيقولوا ان المولود بيعرف مامته من ريحتها قبل ما يتعرف على ملامحها؟, أهو تقدري تعتبريني زي بنتك كدا تمام!, بعرف من ريحتك من ير ما أشوفك!..

ارتسمت ابتسامة خجل لونت كرز شفتيها فيما تخضب وجهها باللون الاحمر القان وأسدلت عينيها هربا من نظراتها التي تشيع الفوضى في حواسها وتلهب قلبها, فقال غامزا بمكر:

– يعني بئيتي أم ولسه بردو بتتكسفي؟!

رفعت عينيها ناظرة اليه بحنق فاستدرك قائلا:

– خلاص.. خلاص.. قلبك ابيض, نرجع تاني لموضوعنا عرفت طريقك ازاي؟,.. بسيطة .. من موبايل حمايا العزيز !!

حدقت فيه بشدة فاغرة فاها بينما استمر هو قائلا:

– اظاهر انك كنت هددت باباكى لو قالى على مكانك انك هتختفي ومش هتكلميه تانى هو شخصيا, وشكلي صعبت عليه بجد خصوصا وانى هتجنن تكونى روحتي فين؟, لاقيته بيلمّح انك اكيد كويسة.. ولو كان حصلك حاجه لا قدر الله.. اكيد كنت عرفت!, فكرت شوية وقلت اكيد هو عارف عنك حاجه لو مش عنوانك يبقى هو بيطمن عليك بطريقة او بأخرى, وفعلا روحت له المكتب لاقيت موبايله موجود على المكتب وهو كان بيصلي وبسرعه اخدت الموبايل وفتشت فيه, انا عارف انك من يوم ما مشيتي من المزرعه وانت رميتي شريحتك علشان منعرفش نوصلك.. فاعتمدت وانا بفتش على الأرقام اللي مش متسجلة باسماء, وفعلا لاقيت رقم غريب متصل عليه كتير اوي, وواضح انه كان بتجيله مكالمات من الرقم دا بس ليه مش مسجله باسم؟! , حفظت الرقم وخلاص.. الباقي بعد كدا كان سهل جداااا إني أوصلك..

ابتسمت قائلة بتهكم :

– وطبعا مع نفوذ ( امجد علي الدين ) كان في غاية السهولة انك تلاقيني..

أطلق ضحكة عميقة وعلّق:

– لا لا لا, الموضوع مش محتاج نفوذ اووي ولا حاجه, هو بس صديق ليا وبالصدفة بيشتغل في شركة الاتصالات اللي انت واخده منها الخط ونفسه يرد لي جميل عملته له من زمان والموضوع ماكملشي نص ساعه عنده في المكتب على ما شربت القهوة العنوان كان معايا …

ثم مال عليها متابعا بهمس:

– على فكرة بأه.. القهوة بتاعتك وحشتني اوووي, ياللا شدّي حيلك وقومي بالسلامة احسن انا بئالي زمااان ما شربتهاش ..

أومأت برأسها قائلة:

– ان شاء الله, بس نطمن على بنتنا الاول, وربنا يعدي اليومين الجايين دول على خير وتخرج من هنا بالسلامة..

قطب ( امجد ) حاجبيه قليلا وقال:

– نبرتك مش مريحاني!, ( هبة ) احنا بينَّا بنت دلوقتى محتاجه باباها ومامتها مع بعض, حرام نحكم عليها انها تتشتت بيننا وهي لسه جايه الدنيا, ( هبة ) انا بحبك, يمكن طريقة تعبيري عن الحب دا غلط وبيظهر لك في شكل تملك وتحكم بس… انا كدا .. المارد اللى جوايا انت خرجتيه .. وماينفعشي يدخل تاني!, انتِ حولتيني لإنسان تاني خاالص, انسان كنت بهرب منه.. لكن لما دوقت حبك وعرفتك اكتر خوفي انك تروحي مني كبر اكترر, كان عندي استعداد اني احارب الدنيا كلها حتى لو ….انتِ!, بس ما تضعيش مني…

شدت على يده وقالت بخفوت:

– عارف .. يوم ما وقعت في المكتب وانت شلتني وجبتلي الدكتور, يومها حاسيت انك الفارس بتاعي, الفارس اللي كنت بسمع عنه في القصص والحواديت, ولما اتقدمت لي عشمت نفسي انك ممكن تكون اعجبت بيّا, يعني مجرد اعجاب ما كونتش طمعانه في الأول في أكتر من كدا, لكن لاقيتك بتقولي وبمنتهى البرود على حكاية جدك وانك لازم تتجوز علشان الشركة وكلام كتير خلاني افوق واعرف انه كل دا كان حلم!, وانك انت الفارس اللي كنت بحلم بيه لكن ماي نفعش يكون غير بس في الـ حلم!, ولما بعدت وفكرت.. بابا قالي لو انا بحبك بجد لازم اتمسك بيك واحاول اوصلّك احساسي دا, وفعلا وافقت وجينا معاك المزرعه, واتفاجئت بوشّ تانى خاالص لـ ( امجد ) بيه اللي كنّا كلنا بنسميه – رجل التلج – لاقيت انسان عصبي وعنيد ومش بيقبل الا بكلمته هو وبس, خُفت.. خفت منك!, علشان كدا رفضت ارتباطنا.. لكن انت ماقبلتش دا, وصممت على اللي في دماغك, وحاطيتني قدام الامر الواقع بصرف النظر ان بابا كان في صفك لانه عارف ومتاكد انى بحبك, وانت كمان بتحبني, لكن انت ما استنيتش عليا يا امجد, ما حاولتش تخليني أغير رأيي بالراحه والهدوء, لأ.. إنت اتعاملت مع الموضوع على انه صفقة من صفقاتك أو اني موظفة عندك وانت رئيسي وعليك الأمر وأنا عليّا السمع والطاعة, ونفس الشئ اتكرر في الفرح, صحيح أنا وافقتك, لكن انا كنت رافضة في الأول وقلت لك استنى لما ترجع لي الذاكرة, وإنت عملت كل اللي في وسعك انك تأثر عليا وتخليني أوافق, ولما الذاكرة رجعت لي وغضبت منك لأنك خبيت عليا السبب الحقيقي للحادثة بتاعتي, لاقيتك مُصِرّ على رأيك.. ما اديتنيش وقت كافي انى اصفى فعلا, انا عارفة انك كنت خايف تخسرني وخوفك دا هو اللي خلاك تخسرني فعلا!, أنا متأكد هاني كنت عاوزة مساحة أغضب فيها وأزعق وأثور بس كنت ههدى بعد ما أخرج شحنة الغضب اللي جوايا, كنت منتظرة منك إنك تمتص غضبي دا وتفهمني وتديني المساحة اللي انا كنت عاوزاها, وبعد كدا ما كانش هيبقى ليا عذر اني أبقى مصرة على الغضب منك, لكن انت بردوا تعاملت معايا بمنتهى الاستخفاف وقلت لي بصراحه لو معتبراها استبداد يبقى هو استبداد, عاوزة تغضبي تزعلي بس وانتي معايا, ما ينفعش… انا كنت عاوزة اقعد مع نفسي وأفكر وأحلل اللي حصل مع نفسي, لو كنت فضلت انت عمرك ما كنت هتسمح لي انى حتى أفكر في اللي حصل, وللمرة المليون بردو يا امجد تتجاهل رغبتي وإرادتي وتتعامل معايا بمنتهى الاستبداد لدرجة إني حاسيت إني في نظرك واحده فاقدة للأهلية!, لحظة ما سيبتني بعد ما أمرتني إني مش هروح في حتة وانك مستنيني علشان نتغدى وقتها فكرت ولاقيت قودامي حل من اتنين.. يا الحق نفسي وامشي وانا شايله معايا ذكريات حلوة اووي منك, يا اما ارضخ لك.. وساعتها فعلا.. كنت هحس انى واحده مسلوبة الاراده واني بئيت شخصية كارهاها ورفضاها, انسانة سلبية, ومن غير شخصية, وبالتالي كنت هكره حبك دا اللي وصلني لكدا, ففضلت انى ابعد وجوايا ذكرى جميلة منك.. ابنك او بنتك .. بس مقدرتش ابعد يا ( امجد ), اخترت افضل في نفس المكان اللي انت فيه, كفاية عليا إني احس اني قريبة منك وانك جانبي .. انا فعلا مقدرشي اعيش من غيرك ولا من غير حبك, الموضوع كله اني كنت عاوزاك تسألني انا عاوزة ايه؟, مش اكتررر!!

مال عليها مقبلا جبينها ممسكا بيدها ونظر في عينيها وعينيه ترسلان رسائل شوق ملتهب جعل دمها يجري ساخنا كالعسل الدافيء في أوردتها وهمس أمام شفتيها لتضرب أنفاسه الساخنة بشرتها الحليبية:

– بحبك, بحبك أوي يا هبة, بحبك ومقدرش أعيش من غيرك, بحبك وآسف على كل دمعة كنت السبب انها تنزل من عينيكي اللي بموت فيهم دول, بحبك وسامحيني إني مش عاوزك تفارقيني لحظة واحدة , هبة الطفل لما بيبص حواليه مايلاقيش مامته بيتجنن ويقعد يعيط, أنا كدا!!..

نظرت اليه في ذهول بينما تابع بوله وعشق سرمدي يلون صوته الأجش ونظراته العاشقة:

– ما تستغربيش يا هبة, أنا يمكن أكبر منك بـ 12 سنة, لكن أنا طول عمري وانا واخد الدنيا جد, يمكن علشان تربيتي كانت كدا , أو لأني مرة واحدة بعد وفاة والدي الله يرحمه حاسيت اني المسؤول عن اخواتي, غير طبعا تربية جدي ليا, انتي دخلتي حياتي زي النسمة الرقيقة الطرية في جو كله حر وشمس, خفت تسيبيها , خفت تزهقي مني, انا كنتلا بموت لما كنت بشوفك وانتي بتضحكي مع علاء أخويا أو أي حد عارفة ليه؟, مش قلو ثقة فيكي انما عدم ثقة فيا أنا!, لأني كنت متأكد انك مبهورة بيا وكنت مرعوب تفوقي من النبهار دا وتلاقي اني منفعكيش!, انتي واحده دمك خفيف وبتحبي الضحك والهزار واللي عاوزاه بتقولي من غير زوق عكسي خالص, طبيعة شغلي الظروف اللي مريت بيها خليتني انسان متحفظ اوي, ومنغلق على نفسي, كنت بحس بخوف رهيب لو لمحت أي حد قريثب منك, كنت بقول لو عملت مقارنة أكيد انا اللي هخسرها وبالثلث كمان!, علشان كدا كنت مستبد ومتملك معاكي, هي دي الطريقة اللي انا حاسيت انها تضمن لي أنك ما تضيعيش مني بعد ما لاقيتك, لأني وقتها كنت هموت بجد يا هبة!!!..

رفعت هبة يدها ممسدة وجنته وقالت بحنان ونظرات #حب تلمع في رمادي عينيها:

– لو كنت عملت مقارنة بينك وبين أي حد كنت إنت اللي هتفوز بدون أي منافس!, ولسبب بسيطة جدا…. انت كسبت قلبي من زمان, من قبل حتى ما تعرف انه في بنت عندك في طقم السكرتارية الكتير دول اسمها هبة!, من قبل ما تاخد بالك من البنت اللي لبست نضارة مخصوص علشان خايفة من نظراتها تخونها وتفضح حبها الكبير ليك!, أيوة يا أمجد… أنا لبستها علشان أعرف أبص عليك براحتي وأنا مطمنة ان النضارة مخبية نظراتي ليكي وعينيا الملهوفة عليك!!, أمجد أنا…أنا كنت بعاقب نفسي طول المدة دي, ولعلمك بقه… أنا كنت بروح لك الشركة وأشوفك وانت خارج, وبابا انا مكلمتوش غير لما خد باله مني في مرة, يعني لما كلمته كان من فترة قريبة يمكن أقل من شهر, وكان رافض اللي انا بعمله, بس أبو حجاج طلعلا مش سهل, لمح لك انى موجودة وأنا متأكده أنه كان عارف انه تلميحه هتفهمه وتتصرف على أساسه, وعلاء اخو كانا هددته انه لو قالك يبقى المرة دي لما أهرب محدش هيعرف لي طريق بجد وهو خاف من جناني دا, أمجد… أنا ضايعه من غيرك, رشا زميلتي في الشقة سألتني اذا كنت هقولك بعد ما أولد على مكاني وقتها انا قلت لها معرفش بس كنت بكدب عليها وعلى نفسي لأني عارفة ومتأكدة إني أول ما أولد انت اول واحد هكون عاوزة أشوفه, وكنت متاكده انى انا هطلب منها وانا داخله أولد انها تبعت لك علشان تكون معايا, أمجد أنا مش بس بحبك لا انا بموووت فيك أنا……

لم يستطع أمجد تمالك نفسه وتناول شفتيها مقاطعا إياها في عناق شغوف ملتهب أودعه عشقه وشوقه إليها, ولم يتركها الا بعد فترة طويلة عندما شعر بحاجة كليهما الى الهواء للتنفس!!..

أسند جبهته الى جبهتها وقال من بين أنفاسه اللاهثة:

– بحبك, وهفضل أقولها لغاية آخر نفس في صدري, بحبك وعلشان خاطرك سامحت ( صابر ) و ( سميرة ) لانهم على الاقل خدوا بالهم منك, يمكن لو ما كانشي ( صابر ) ساعدك الله اعلم كنت هتروحي فين, وعلشان خاطرك كمان مرة سامحت ( علاء ) اخويا االلي خبا عليا مكانك و كان شايفني قدامه وانا هتجنن علشانك بس هو ما ارضاش يخون ثقتك فيه وعلى كلامك انه كان واثق انك انت اللي هتكلميني ان ما كانش دلوقتي يبقى على الاقل بعد ما تولدي علشان انت عمرك ما هترضي تحرمي طفل من ابوه..

هزت برأسها وقالت بخفوت مؤكدة كلامه:

– فعلا .. عمري ما كان هيجيلي قلب انى ابعدك عن ابنك ..

ابتسم مقاطعا:

– بنتي !! , ابتسمت بحب فيما تابع هو قائلا:

– وكانت احلى حاجه انيكنت موجود وبنتي جاية للدنيا, انا مانكرشي ان فيه وقت كنت حاسس انه هيغمى عليا وانه فعلا شئ صعب.. بس سبحان الله وانت بتشوفي روح بتخرج من روح, انا جه عليا لحظات حسيت انى عاوز اضرب الدكتور.. ليه سايبك تتعذبي؟, اومال هو لازمته ايه؟, يتصرف يديكي بنج او اي حاجة!!, بس الدكتور شرح لي بعدين السبب.. وانه الولادة الحمد لله كانت طبيعية ودا طبيعي..

ابتسمت قائلة :

– يعني انت بأه عندك خبرة دلوقتى؟

أبعد وجهه قليلا عنها وأجاب ضاحكا:

– تقدري تقولي كدا و …..

ثم بتر جملته متسائلا :

– قصدك ايه بخبرة؟, اوعي تكوني ناوية تعمليها تاني؟, لا لا لا انا مش مستعد اني اشوفك بتتعذبي تاني بالشكل دا!, انسي … الحمد لله…. هبة عندي بالدنيا كلها!!…

نظرت اليه مبتسمة وقالت :

– وانت عند ( هبة ) اغلى من الدنيا كلها ..

فنظر اليها مبتسما وعقّب:

– هي قالت لك؟

قطبت وقالت بابتسامة حائرة متسائلة:

– هي مين دي اللي قالت لي؟

أجاب بمكر:

– ( هبة )!, عاوزة تقولي انها قالت لك؟, طب ازاي؟

هتفت بذهول حائر:

– هو ايه دا اللي ازاي؟, انا أقول لنفسي ازاي يعني يا امجد؟

غمزها مجيبا بخبث:

– لا يا قلب ( امجد ).. بنتي هي اللي قالت لك!!

نظرت اليه مصعوقة وهى تكرر كلمته:

– بنتك !! .. انت هتسميها …

فقاطعها قائلا بحب:

– ( هبة ) … احلى واغلى اسم عندي, انتِ ربنا بعتك ليّا هبة من عنده علشان تصحي القلب النايم عندي, وهي ربنا وهبها ليا هبة من عنده علشان تنقذ اللي بيننا, يبقى انتو الاتنين هبة ربنا ليا! …

مدت هبة ذراعيها وطوقت عنقه وهي تقول والدموع تلمع في مقلتيها:

– انا عارفة انى تعبانه وجسمي مكسّر, بس انا هتعب اكترر لو ما اخدتنيش في حضنك حالا.. انا محتاجاه اووي !!

طوقها ( امجد ) بذراعيه محتضنا إيّاها بقوة حانية وهو يتناول شهيقا عميقا هاتفا من أعماق قلبه:

– ياااااااه وحشتيني .. وحشتيني اووي اووي يا قلب ( أمجد )…

دخلت عائلة ( امجد ) غرفة ( هبة ) وهم فرحين لوصول أول حفيدة لهم, فقد اتصل بهم ( امجد ) وبشّرهم بولادة هبة و قدوم ( هبة أمجد علي الدين )..

لم تستطع الأم حبس دموعها التى كانت تجري على وجنتيها فرحة وهى ترى ( هبة ) راقدة على الفراش وبجوارها ( امجد) والفرحة مرسومة على وجهيهما, نهض ( امجد ) مفسحا المجال لعائلته ووالدها لتهنئتها, قبّل ابوها جبينها وقال لها بحنو:

– حمدلله على سلامتك يا حبيبة بابا, اومال فين ( هبة ) الصغيرة ؟

أجابته بأبتسامة شاحبة صغيرة:

– الله يسلمك يا بابا, ( هبة ) في الحضّانة, انهارده الدكتور طمنا عليها بس ان شاء الله هيجيبوهالي اشوفها بكرة, مش محتاجة تقعد أكتر من كدا ..

اقترب الجد و ( علا ) وهنئوا ( هبة ) على سلامتها وباركوا لـ ( امجد ), بينما اقترب ( علاء ) الذي بارك لـ ( هبة ) ثم اقترب ليصافح ( امجد ) مهنئا إياه وقال وهو يضحك:

– ألف مبرووك يا بوس, تتربى في عزك ان شاء الله ..

أجاب ( امجد ) مبتسما:

– الله يسلمك يا ( علاء ), وبالمناسبة.. لك عندي واجب لازم اديهولك!

قال ( علاء ) متسائلا :

واجب؟, واجب ايه….

ولم يكمل عبارته فقد شعر بقذيفة تنطلق في وجهه والتي لم تكن سوى لكمة شديدة من قبضة يد ( امجد ), شهق جميع الموجودين فيما وضع ( علاء ) يده على مكان اللكمة في وجهه مندهشا بينما اقترب ( امجد ) منه فاتحا ذراعيه مبتسما وهو يقول :

– كنت لااااازم اديهالك, ما كانش ينفع اشوفك قدامى من غير ما أفشّ غلِّي .. ودلوقتى بقه.. الله يسلمك يا عم بنتي!

ثم أحاط شقيقه بذراعيه وسط دهشة علاء الفائقة وشهقات الموجودين التي تحولت الى ضحكات …

خرجت ( هبة ) من المشفى بعد بضعة ايام مصطحبة معها ( هبة ) الصغيرة, وكانت الفرحة لا تسع ( امجد ) وتملأ وجهه بإبتسامة فخر ذكوري بإبنته وزوجته الحبيبة, بينما يسير بجانبهما… امرأته وابنته.. حياته التى لن يفرط بها مهما كان ..

ما ان دخلا الى المنزل حتى تعالت الزغاريد من ( حسنية ) و ( سميرة ), واجتمع أفراد العائلة حولهما مباركين عودتها الى كنف العائلة مرة أخرى مع هبة أولى الأحفاد, ذهبت سعاد لإلقاء نظرة على تجهيزات الغذاء بينما جلس الجد ويوسف يتبادلون الحديث المرح, وتكفلت علا بالذهاب للتأكد من ترتيب جناح هبة وأمجد في حين كان علاء بالخارج, ابتسمت ( هبة ) وهي تجلس حاضنة ابنتها النائمة كالملاك بين ذراعيها, اقترب منها أمجد ومال عليها هامسا:

– بيقولو ان الولد لو بيشبه باباه اكتر يبقى الزوجة كانت بتحب جوزها اكترر والعكس لو بيشبه الأم يبقى الزوج هو اللي كان بيحب مراته اكترر, انا شايف ان هبة حتة منك.. يبقى مين فينا بأه اللي بيحب التاني اكتررر؟ والدليل موجود …

ضحكت هبة وما ان همت بالرد عليه حتى حضرت ( سميرة ) وتعبير القلق مرتسم على وجهها وهى تقول بارتباك:

– سي ( امجد ) معلهش.. فيه واحده مصرة تقابل حضرتك!

اعتدل أمجد واقفا بينما صمت الجد ويوسف فيما قال مقطبا جبينه:

– واحدة؟, مين دي؟, فركت سميرة يديها بتوتر وأجابت بخوف:

-الـ..الـ…
تنهد أمجد بنفاذ صبر وقاطعها هاتفا:

– الـ…. مين يا ( سميرة ) ما تقولي؟

فقالت سريعا:

– الانسة ( سارة )!

قطب حاجبيه بقسوة مخيفة وقال بينما عيناه تتراقص فيهما شرارات غضب ناري:

– مين؟, انا مش قلت ومنبه انه لو هوّبت هنا تطلبوا لها البوليس؟, انتو….

وإذ بصوت ضوضاء وجلبة ثم اندفعت أمامهم فتاة لم تعرفها (هبة) لأول وهلة, ولكنها ببعض من التدقيق عرفتها, واندهشت للتغيّر الذي طرأ عليها, فقد كانت مهملة المظهر ووجهها شاحب ليست كالتى كانت تراها قبلا وكأنها خارجة من مجلة ازياء, التفت ( امجد ) الى ( سارة ) وهتف بغضب متوحش:

– انت مافيش فايده فيكي؟, انا مش سبق وحذرتك اكتر من مرة انك تبعدي عننا؟, مش مكفيكي اللي حصل لكم؟, مستنية ايه؟, عاوزاني أموتك انتي وعيلتك واحد واحد المرة اللي جاية؟, لكن واضح كدا انه مافيش حل تاني معاكي!

قالت سارة ببكاء مرير:

– ارجوك يا ( امجد ) ارحمني.. والدي راجل كبير مش حمل بهدله!…

أجاب بقسوة شديدة:

– انا ماليش دعوه, والدك غلط ولازم يتحمل نتيجة غلطه, وأول غلطة غلطها انه ماعرفش يربيكي كويس!

التفتت ( سارة ) الى ( هبة ) ثم تقدمت اليها قائلة:

– انا عارفة انى غلطت وفي حقك انت بالذات بس بابا هيتسجن لو ما سددشي القروض اللي عليه!, ارجوكى.. اعملو فيا انا اي حاجه الا هو.. هو عمره ما بخل عليا بحاجه ابدااا, كان بيتهيالي انى مش ممكن ييجي عليا اليوم واشوف بابا مكسوور بالشكل دا.. انا مستعدة لأي حاجه.. اي حاجه…

التفتت ( هبة ) الى ( امجد ) وقد اعطت ابنتها الى سميرة التى اتجهت بها الى خارج الغرفة بينما قالت ( هبة ) وهى تقف لمواجهة ( امجد ) :

– هو ايه الموضوع بالظبط يا ( أمجد )؟

عقد أمجد يديه وقال محرّكا كتفيه ببرود:

– ابدا …( فريد ) بيه والدها عمل قروض كتيرة بضمانات وهمية وكان مرتب في دماغه انه هيجوزهالي علشان اساعده في سداد القروض دي.. علشان يعرف ينصب عليا انا كمان.. ويدخلني معاه في مشاريع وهمية من مشاريعه, انا كنت عارف وساكت.. بس لأن الهانم بنته اتعودت ان بابا لازم يشتري لها اللي هي عاوزاه, صممت انها تتجوزني, ما تعرفش ان مش (امجد علي الدين) اللي ممكن يتضحك عليه بكلمة ولا حركة وكنت ساكت مراعي الجيرة لكن – واقترب منها وقد انزل ذراعيه متوعدا اياها شاهرا سبابته في وجهها – لما توصل انها تكون عاوزة تخسّرني اغلى حاجه في حياتي يبقى ساعتها ماينفعشي اسكت ..

صرخت ( سارة ) باكية :

– انت كنت بتعاقبني انا في صورة بابا..

قال ساخرا:

– تصدقي ماكنتش فاهم انك هتتأثري اووي كدا بحبس ( فريد) بيه والدك؟, الصراحه انا قلت انه كبيرك دمعتين وتسيبيه وتسافري تمام زى ما والدتك عملت وسافرت عند اختها في كندا …

قالت وهى مختنقه بدموعها :

– ماقدرتش .. ماقدرتش اسيبه في الظروف دى لوحده وأسافر!, ما انكرشي اني كنت هسافر فعلا ويوم السفر اول ما شوفته افتكرت الاب الحنين اللي عمره ما قال لي على حاجه لأ… اللي كان بيركبني على ضهره يعمل لي حصان.. اللي اي حاجه مهما كانت لو طلبتها منه.. كان يجيبهالي على طول, وانا ماكانش يهمني منين.. أد ما كان يهمني ان اللي عاوزاه يجيلي, لغاية ما شوفته يوم سفري انا وماما وهو موطّي راسه للارض, ساعتها بس.. حسيت أد ايه انا واحده وحشة وانانية..

تقدمت ناحية هبة ووقفت امامها مواصلة بترجي:

– ارجوك … ارجوك يا ( هبة ) انا عارفة انك انت اكتر واحده انا اذيتك, ومش عارفة اقولك ايه, بس ارجووكي.. ارجووووكي.. ساعديني, اقنعي ( امجد ) انه يكلم البنك ويرضوا يدوا لـ بابا فرصة تانية, ( امجد ) عميل مهم اووي عندهم و زي ما خلاهم يرفعوا ضده قضية ويبتدوا يفتشوا في الدفاتر القديمة يقدر يقنعهم انهم يدوه فرصة اخيرة ..

نظرت ( هبة ) الى ( امجد) ثم اليها وقالت بهدوء :

– امشي انت يا ( سارة ) دلوقتى وان شاء الله خير..

قالت ( سارة ) بإنكسار:

– انا عارفة انك أد كلمتك.. علشان كدا هستنا خبر منك يفرحني..

خرجت ( سارة ) بينما التفتت ( هبة ) الى ( امجد ) مقطبة جبينها وقالت :

– ايه الموضوع بالظبط يا ( امجد )؟

اشار اليها بالجلوس وجلس بجوارها ثم أجاب:

– لا موضوع ولا حاجه, زي ما قالت لك بالظبط باباها (فريد) بيه كان واخد قروض كتيرة من بنك بضمانات وهمية, وللاسف كان مرتب نفسه مع الموظف المسؤول عن موضوع القروض دي, لما بنته عملت اللي عملته, بعد الحادثة لما فقدتي الذاكرة, جمعت عن شغله معلومات وعرفت بكل حاجه بيعملها أو عملها وسكت مارضيتش اعمل اي شئ, واكتفيت بتحذيرها, كنت عارف انه الموضوع غيرة مجنونة ولمت نفسي اني ماصدقتكيش من الأول, وحاولت امنعها عن الوصول ليكي, وكررتها تاني مرة ورجعت تلعب نفس الدور الخسيس دا من تانى ساعتها قلت خلاص لازم ألم يفوق جااااامد, وفعلا الموظف اتقبض عليه وابوها دلوقتى بيواجه احتمال انه يقضي اغلب عمره الباقي في السجن …..

مالت ( هبة ) عليه واضعه يدها على يده وقالت بخفوت :

– ( امجد ) انا مش هدافع عنها, لانه بالنسبة لي اي شئ يجرالها هيّ عمره ما هيهز فيا شعرة, اللي بجد انا زعلانه عشانه هو باباها, وخصوصا لو كان زي ما قالت كدا.. مراته اللي هي مامتها سابته وسافرت, انت تقدر تلاقي حل تنجده بيه من دخول السجن صح؟

نظر اليها ( امجد ) مندهشا وهو يقول :

– ايه؟, انت بتقولي ايه؟, عاوزاني انا أخرّجه من السجن؟, بعد كل اللي بنته عملته فيكي وفيا دا ؟

أجابته بهدوء:

– كفاية كسرتها قدامى, كفاية انها مش عارفة تحط عينيها في عيني, انت ممكن تضمنه عند البنك وتساعده في شركته, تدخّله معاك من الباطن في مشاريع ليك بحيث انه يكسب ويسدد وانا متاكده انك تقدر …

أمسك بيديها بين راحتيه ناظرا الى عينيها وهو يقول بحب :

– ويلوموني في حبك, انا مهما لفيت.. عمري ما هلاقي في طيبتك وحنانك أبدا, ربنا ما يحرمني منك ابداا انت و ( هبة ) الصغيرة ….

الخاتمة:

======

دخل ( امجد ) غرفتهما, ليفاجأ بـ ( هبة ), أطلق صفيرا عاليا, بينما تقف هي أمام المرآة تتأكد من زينتها حيث كانت مرتدية فستانا طويلا باللون النيلي مشغولا يبهر الابصار وتحمل في يدها اميرتها الصغيرة, فمال عليها يحملها بين ذراعيه وهو يقول ضاحكا :

– بسم الله ما شاء الله اللي يشوفكم يقول فولة وانقسمت نصين..

فقالت ( هبة ) بغيظ:

– فين دا؟, واخده لون عينيا الرمادي ولون شعرك الاسود..

أجاب ضاحكا وهو ينظر الى ابنته النائمة بين ذراعيه كالملاك:

– وواخده لونك الابيض ودقنك الصغيرة, وبؤك اللي زي حباية الفراولة و …

قاطعته هاتفة:

– ايه ايه ايه, حيلك.. حيلك.. انت بتعاكس بنتي ولا بتعاكسني؟

قال بضحك وهو يغمزها بمكر:

– انا بعاكس البنت وامها.. فيه مانع؟

أجابته وهى تميل على ابنتها الساكنة بين ذراعي والدها :

– لا ابداا بس انت نسيت اهم حاجه الـ 111 المعقودين عقدة واشنيطة دوول فاكرهم؟

نظر اليها متسائلا وقال:

– مالهم؟

قالت ضاحكة:

– زي ما ربنا قدرني وفكيت عقدتك, بإذن الله هيقدرني وأفكها لها…

وضحكت وهى تركض خارجة سابقة له في حين نظر اليها نظرة توعد تعلم تماما أنه لن يتركها حتى يقتص من سخريتها منه ووقتها سيجدها أكثر من مرحبة بهكذا عقاب!!

إنضما بعد ذلك للضيوف الذين حضروا للإحتفال بعقيقة ( هبة أمجد علي الدين ) …

**************************************************

– هبة حبيبتي كدا غلط يا ماما ما ينفعشي..

كتفت الصغيرة ذراعيها والتفتت الى ( هبة ) وقد عقدت حاجبيها سوية وقالت:

– وهو ايه دا اللي مث ينفع دا؟

نظرت اليها ( هبة ) وهى تهز برأسها يأسا من ابنتها وهى تقول بابتسامة مهادنة إيّاها:

– يا حبيبتي ماينفعشي, سيبي اخوك نايم يا ( هبة ).. رُزْ ايه اللي عاوزاه ياكله بس؟, حبيتي دا لسه نونو يدوب شهرين مش بياكل زيك انت كبيرة ما شاء الله 3 سنين بتاكلى وشاطرة..

قالت ( هبة ) الصغيرة بعناد طفولي:

– بلدوووو!, انا عاوزاه يكبيي ( يكبر) وياكل معايا, هو قعد كتييييي ( كتييير ) اووي صغييي ( صغيير), خليه يكبييي (يكبررر) بأه!

زفرت ( هبة ) بغيظ وأجابت حانقة:

– ييجي يشوف اللي بيقولي شبهك, فين دا؟, عاوزاه يكبر بالأمر المباشر يا بنت ( امجد )؟, لا يا حبيبتي دي مافيهاش اوامر, وبعدين يا بنتي – ومسدت باصبعها بين حاجبي ابنتها مكملة – حبيبتي فكي الـ 111 العقدة والشنيطة دوول الله يهديكي …

واذ بصوت يتحدث بمرح قائلا :

– مين اللي مزعل روح ( امجد )؟

قفزت ابنته ركضا اليه حيث رمى بحقيبة اوراقه متلقفا اياها بين ذراعيه وهو يقول:

– ايه يا روح بابا مين اللي ضايقك؟

نظرت الى امها بغيظ ثم التفتت اليه قائلة متذمرة شاكية:

– ماما!, قولتلها خلي ( يوثف ) يكبيييي مش ياضييييييه (راضية )!

نظر أمجد الى زوجته الواقفة أمامه تنظر اليهما بدهشة قائلا بضحك مكتوم مقلدا نبرة ابنته :

– ايضييي ( ارضي ) يا ماما !!

لتضرب أمها كفا بكف وتنصرف وهي تهمهم بكلمات دهشة ساخرة…

———————————————————-في المساء بعد ان نام الاطفال دخلت هبة بكوب القهوة الى امجد الّذي كان راقدا على سريرهما يطالع اوراقاً في يده, وضع الاوراق من يده عندما اقتربت منه ثم تناول منها كوب القهوة وهى تجلس بجواره وتقول:

– انا مش عارفة الناس كلها بتشرب قهوة علشان تسهر وانت بتشرب قهوة علشان تنام!

غمزها بخبث فيما هو يرتشف اول رشفة ويقول:

– انتِ قهوتك غيير يا قلب ( امجد )..

ثم ما لبث ان تنهد عميقا وتابع مغمضا عينيه:

– الله .. تسلم ايديكي … احلى كوباية قهوة بشربها .. هي دي اللي جابت رجلي! .

ثم وضع الكوب بجواره وقال لها بابتسامة:

وضع الكوب بجواره وقال لها بابتسامة:

– غمضي عينيكي يا قلب ( امجد ), ليكي عندى مفاجأة جميلة..

قالت بحب:

– يا حبيبي انا مش عاوزة حاجه, كفاية عليا انت وهبة ويوسف, ربنا ما يحرمني منكم ابدااااا يا رب..

قال مبتسما :

– لا بس الهدية دي مفاجأة!, غمضي عينيكي ياللا …

أغمضت عينيها وسرعان ما سمعته يقول :

– افتح يا سمسم ..

فتحت عينيها ففوجئت بورقتين امسكت بهما وقرأتهما لتترقرق الدموع في عينيها ثم ألقت بذراعيها حوله وهى تهتف بسعادة بالغة:

– معقولة يا ( امجد )؟, عمرة؟, عمرة يا ( امجد )؟

أجابها وهو يشدد من احتضانه لها :

– ايوة يا قلب ( امجد ), انا كنت وعدتك بيها, هنسيب الولاد مع ماما وباباكي ( كان والدها وسعاد قد تزوجا بناءا على نصيحة الجد نفسه لأمجد فأمه بحاجة لأنيس في حياتها, ووافقت سعاد وسط ضغط من أبنائها بعد أن كانت تخشى من غضبهم عندما صرح يوسف برغبته لأمجد الذي فاجيء أمه بموافقته على هذا الإرتباط, والآن وقد تزوجا أصبحا مقيمين معهم في منزل المزرعة والذي لم ترغب هبة بتركه والذهاب للسكن في منزل أمجد بالقاهرة, فوظّف أمجد شوكت بصورة دائمة في منصب مدير شركته هناك وتفرغ هو لمتابعة شركة العائلة ) ما هيصدقوا, وجدي هيفرح بيهم طبعا غير ( علا ) و ( علاء ) اللي روحهم في الولاد, هنسافر اسبوعين مكة والمدينة ايه رايك في المفاجأة دي؟

ابتعدت هبة عنه قليلا لتنظر اليه بحب طغى على نظراتها ولون صوتها بعشق خالص وهي تقول:

– احلى مفاجأة يا حبيبي, ربنا ما يحرمني منك ابداا يا حبيب قلبي, ما كنتش اعرف انى لما حلمت بيك انه الحلم هيبقى علم حلو أوي كدا!

علّق بإبتسامة:

– ويا ترى انهي احسن.. الحلم و لا العلم؟

فنظرت اليه قائلة بهمس:

– مافيش أدنى مقارنة الحلم دا خيال.. لكن العلم وااقع واحلى من الخيال كمان…..

لم يمهلها إكمال عبارتها فإحتضنها بقوة بين ذراعيه معانقا اياها بشدة عناقا تمنّا معه ان يطول الى الابد ….

تمت بحمد الله.

بقلم الكاتبة منى لطفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *