في جلسة طلاقى

في جلسة طلاقي، كنت حامل في الشهر الثامن لما القاضي حكم إني أخرج من الجوازة دي من غير ولا جنيه.
جوزي ابتسم ابتسامة شماتة وهو حاسس إنه كسب.
وقال وهو مميل ناحيتي
يلا نشوف إنتِ والعيّل اللي في بطنك هتعيشوا إزاي من غيري.
وقتها حسيت إن قلبي بيتكسر.
بس رفضت أعيط قدامه.
اسمي ندى.
وعمري 29 سنة.
ومن يوم ما اتولدت وأنا ماعرفتش يعني إيه عيلة حقيقية.
اتربيت في دار أيتام.
ماعرفش مين أمي.
ولا مين أبويا.
ولما قابلت أحمد، افتكرت أخيرًا إني لقيت الشخص اللي هيبقى سندي وأماني.
لكن بعد الجواز بسنتين، ظهر وشه الحقيقي.
بقى متحكم.
قاسې.
وبيفكر في الفلوس أكتر من أي حاجة.
ولما عرف إني حامل، بدل ما يفرح
بدأ يدور على طريقة يخرجني من حياته بأقل خسائر ممكنة.
استغل إن كل حاجة تقريبًا كانت باسمه.
وقدر يقنع المحكمة إني ما لياش حق في أي حاجة.
كنت قاعدة في القاعة وإيدي على بطني.
حاسّة إن الدنيا كلها پتنهار فوق دماغي.
القاضي أعلن انتهاء الجلسة.
وأحمد بصلي بنظرة انتصار وقال
إنتِ جيتي الدنيا من غير حاجة وهترجعي زي ما جيتي.
قمت بالعافية من مكاني.
كنت ناوية أمشي.
وأبدأ حياتي من الصفر.
أنا وابني.
لكن قبل ما أوصل لباب القاعة
البابين الكبار اتفتحوا فجأة.
وكل اللي في المحكمة لفّوا يبصوا.
دخلت ست أنيقة حواليها حراسة.
لابسة بدلة بيضا فخمة.
وماشية بثقة خلت القاعة كلها تسكت.
الكل كان عارفها.
رجل الأعمال المشهورة والست المليارديرة
ليلى المنشاوي.
أحمد قام بسرعة وهو مرتبك.
وقال
أهلاً يا فندم شرف كبير لينا وجودك.
لكن الست ما بصتلوش أصلًا.
عدّت من جنبه كأنه مش موجود.
وفضلت ماشية لحد ما وقفت قدامي مباشرة.
أنا شخصيًا ماكنتش فاهمة أي حاجة.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما رفعت إيديها ولمست وشي برفق
وقالت بصوت مهزوز
بنتي
اتجمدت مكاني.
حسيت إني ما سمعتش صح.
بنتي؟!
أنا؟
أحمد ضحك ضحكة متوترة وقال
حضرتك أكيد في حاجة غلط ندى يتيمة ومجهولة النسب.
الست بصتله لأول مرة.
وبعدين طلعت ملف قديم من شنطتها.
وقالت بهدوء
لأ ندى مش يتيمة.
ندى بنتي والنهاردة جبت كل الأدلة اللي تثبت ده.
وفي اللحظة دي
وفي اللحظة دي، سكتت القاعة كلها سكوت ما سمعت فيه ولا صوت نفس. الكل كان بيبص على الست ليلى المنشاوي، وبعدين عليا، وبعدين على الملف القديم اللي كانت ماسكاه بإيديها اللي كانت بترتعش شوية رغم ثقتها الظاهرة.
أحمد كان واقف مكانه مش عارف يتصرف إزاي. ابتسامته الشماتة اختفت تمامًا، وبدلها ظهر عليه الارتباك والخۏف. حاول يضحك تاني، لكن ضحكته طلعت رخوة ومش مقنعة، وقال
حضرتك أكيد غلطانة، الناس بتتشابه، خصوصًا في الملامح دي واحدة غريبة، أنا عشت معاها سنتين وسمعت منها أكتر من مرة إنها نشأت في دار الأيتام ومش عارفة أصلها.
ليلى ما التفتتش لكلامه، ولا حتى نظرت له نظرة طويلة. بصت لي تاني، وعينيها كانت مليانة دموع حاولت تمنعها من النزول، وقالت بصوت واضح سمعه كل الموجودين
أنا مش غلطانة. ولا التشابه ده مجرد صدفة. أنا بحثت سنين طويلة، وجمعت كل دليل ممكن يثبت إنك بنتي اللي ضاعت مني وأنتِ لسه طفلة صغيرة.
وبعدين مدت الملف للقاضي، وقالت باحترام لكن بحزم
تفضل يا سعادة القاضي. في الملف ده شهادات طبية، وأوراق رسمية، وتقارير بحث، وحتى نتيجة تحليل حمض نووي عملته قبل ما أجي هنا، وكلها بتثبت إن العلاقة بيني وبين السيدة ندى هي علاقة أم وابنة.
القاضي أخذ الملف باهتمام، وبدأ يقلب فيه بتركيز، والكل كان بيتابع الوضع بدهشة. أنا كنت واقفة مش قادرة أتحرك، إيدي لسه على بطني اللي بيتحرك فيه الجنين، وقلبي بيدق بسرعة جامدة. كنت بحس إن اللي بيحصل ده مش حقيقي، إنه حلم أو خيال. طوال 29 سنة، كنت فاكرة

موقع أيام نيوز

إني ماليش أصل ولا فصل، ولا حد في الدنيا بيفكر فيا، وفجأة بتقف قدامي واحدة من أكبر وأغنى السيدات في البلد وتقولي إنها أمي؟
ليلى قربت مني أكتر، ولمست إيدي برفق، وقالت بصوت أهدأ ومليان دفء
أعرف إنك مصډومة، وإن الكلام ده صعب تصدقيه فجأة. وأنا عارفة إنك كبرتي من غيري، وعانيتي كتير، وده أكبر ذنب في رقبتي، وهدفع تمنه طول عمري. بس أرجوكي تسمعيني، وتعرفي الحقيقة كاملة.
أحمد حاول يتدخل تاني، وقال بصوت عالي شوية
وده معناه إيه؟ يعني الكلام ده يلغي حكم المحكمة؟ أنا لي حقوق في كل شيء، وكل العقود والملكيات باسمي قانونًا!
ليلى التفتت له بسرعة، ونظرت له نظرة باردة قوية خلته يسكت في الحال، وقالت
حقوق؟ أنت بتتكلم عن الحقوق؟ الحقوق اللي حاولت تاخدها من واحدة ضعيفة، وتستغل جهلها وظروفها عشان تاخد كل حاجة وتسيبها هي وجنينها في الشارع؟ اسمعني كويس يا أحمد أنا مش جاية هنا عشان بس أثبت إن ندى بنتي. أنا جاية عشان أرد لها كل حق سلبته منها، وعشان أوريك إن اللي فكرته قوة وذكاء هو في الحقيقة مجرد ضعف واستغلال.
وبعدين بصت للقاضي وقالت
يا سعادة القاضي، بالإضافة لإثبات النسب، عندي طلب تاني. أنا قدمت بالفعل طلب إعادة النظر في الحكم السابق، لأن الزوج ده استغل ظروف زوجته، وأخفى معلومات، وضلل المحكمة عشان يصل لهدفه. وكل الأدلة اللي عندي بتثبت إن معظم الممتلكات اللي حصل عليها كانت من مجهود ندى، أو على الأقل كانت جزء من الحياة الزوجية اللي ما كانش يحق له ياخدها لوحده.
القاضي هز رأسه وقال
حسنًا، بما إن الموضوع دخل فيه إثبات نسب وطلب إعادة نظر، فالجلسة هتتأجل لفحص كل الأوراق والتحاليل، ودراسة الطلبات الجديدة. لكن مؤقتًا، بما إن السيدة ندى حامل في شهرها الثامن، فالمحكمة هتقرر إنه لا يجوز إخراجها من المسكن الزوجي إلا بعد الولادة واستقرار حالتها، وسيتم توفير كل ما تحتاجه من نفقة مؤقتة لحين البت في القضية نهائيًا.
أحمد وجهه تغير لونه، وبدأ يتكلم باحتجاج، لكن القاضي رفع يده وقال
القرار صدر مؤقتًا، والجلسة القادمة هتكون بعد أسبوعين لاستكمال الإجراءات. الجلسة ترفع الآن.
خرج الناس من القاعة وهم بيتكلموا ويتعجبوا من اللي حصل، وفضلنا أنا وليلى واقفين في مكاننا. أحمد نظر لنا بنظرة حقد وڠضب، ومشى بسرعة من غير ما يقول كلمة تانية.
لما فضينا لوحدنا تقريبًا، ليلى مسكت إيدي بإيدينها الاتنين، وقالت بصوت مليان دموع
تعالي معايا يا بنتي. مش هسيبك تفضلي هنا ولا ترجعي معاه. عندي بيت آمن، ومكان نظيف، وكل حاجة تحتاجيها، وتقدري ترتاحي فيه لحد ما تولدي وتكوني بخير.
كنت لسه مش قادرة أتكلم، بس حسيت بدفء غريب في إيديها، وقلبي بدأ يهدأ شوية. بصتلها في عينيها، ولاحظت إن فيه تشابه بيني وبينها، في شكل العينين والحاجبين، وده خلاني أبدأ أشك إن ممكن يكون الكلام حقيقي مش مجرد وهم.
طلعنا من المحكمة، وكان في عربية فخمة واقفة في الانتظار، والحراسة فتحوا الباب لنا. ركبت جنبها، والعربية مشت في شوارع القاهرة، وأنا لسه بفكر في كل اللي حصل من أول ما دخلت القاعة لحد اللحظة دي.
ليلى حست بحيرتي، فقالت بهدوء
عايزة تعرفي الحقيقة من أولها، صح؟
هزيت رأسي، وقلت بصوت ضعيف
أيوة عايزة أعرف كل حاجة. إزاي ضعت؟ وإزاي كنتي تعرفي مكاني ومش جيتي قبل كده؟ وليه كل ده حصل؟
تنهدت ليلى بعمق، وبدأت تحكي
أنا كنت صغيرة لما اتجوزت أبوكي.

كان إنسان طيب في البداية، بس بعدين ظهرت فيه عيوب كتير، وكان بيحب المال أكتر من أي حاجة. لما ولدتك، كنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا، وكنت مستعدة أضحي بكل شيء عشانك. لكن في يوم من الأيام، كان عمري وقتها 22 سنة، وكنت رايحة أجيب طلبات معاكي وأنتِ عمرك سنة ونص، حصل حاډث غريب سرقوا العربة، وأنا أصبت إصابة بالغة وفقدت الوعي. ولما صحيت في المستشفى، ما لقيتكيش.
صوتها اتهز، ومسحت دمعة نزلت من عينيها، وكملت
بحثت عنك في كل مكان. نشرت الإعلانات، وسألت الناس، وتعاملت مع محققين، وكل ما كان عندي من فلوس صرفته في البحث. أبوكي كان معايا في البداية، لكنه بعد فترة مل، وقال إنك أكيد ضعت ومش هنلاقيكي، وبدأ يطلب مني أنسى الموضوع ونكمل حياتنا. لكن أنا ما قدرت أنسى. بعد فترة، اكتشفت إنه هو اللي ساعد في اختفاءك. كان عليه ديون كبيرة، واتفق مع ناس غريبة يبيعوك لقاء مبلغ كبير، وقال لي إنك ماټت في الحاډث.
حسيت پصدمة كبيرة، وقلت
يعني أبويا هو السبب؟
للأسف أيوة. لما عرفت الحقيقة، انفصلت عنه، وبدأت أشتغل بجد عشان أقدر أكمل البحث. بدأت بمشروع صغير، وكبرته شيئًا فشيئًا، لحد ما وصلت للي أنا فيه دلوقتي. وكل ما كنت أجمع معلومة أو دليل، كنت أتابعها. وآخر السنة دي، وصلت لمعلومات بتقول إن طفلة ضاعت في نفس التاريخ والمكان، واتربيت في دار أيتام معينة، واسمها كان مسجل باسم ندى. بدأت أتابع، وعرفت إنك اتجوزت، وبدأت أراقب من بعيد، وكنت عايزة أتأكد الأول قبل ما أتكلم. ولما عرفت إنك متعرضة لظلم، وإن جوزك بيحاول ياخد كل حاجة ويسبك، قررت إني مش هقف متفرجة أكتر من كده. جهزت كل الأدلة، وعملت تحليل الحمض النووي، وطلعت النتيجة مؤكدة، فجيت للمحكمة عشان أنقذك.
سمعت كلامها وقلبي كان بيتأثر، شعرت بمزيج من المشاعر الحزن على السنين اللي ضاعت، والڠضب من اللي حصل، والأمل اللي بدأ يظهر في قلبي. قلت لها
وطوال السنين دي، كنتي بتفكري فيا؟
قالت لي بسرعة، وهي تمسك إيدي بقوة
كل يوم وكل ساعة. ما كان يمر يوم إلا وأنا بفكر فيك، وبسأل نفسي إزاي حالك، وإيه اللي حصلك. لما عرفت إنك حامل، زاد قلقي أكتر، وقلت لنفسي لازم ألقىكي قبل ما يصيرلك أي مكروه.
وصلنا أخيرًا لفيلا كبيرة وهادئة في منطقة راقية في القاهرة، محاطة بحديقة واسعة. نزلت العربية، واتسعت عيني من جمال المكان، لكن اللي كان أهم من الجمال هو الشعور بالأمان اللي غمرني لما دخلت.
أدخلتني ليلى غرفة واسعة ومريحة، مليانة كل ما يحتاجه الحامل، وقالت
دي غرفتك. ارتاحي هنا، وكل شيء تحتاجيه قولي لي أو للخدم، وهيجيبوهولك فورًا. الدكتور هيجي يزورك بكرة عشان يطمن عليك وعلى الجنين.
جلست على السرير الناعم، وبطني بدأ يثقل شوية، وشعرت بتعب من كل ما حدث في اليوم. ليلى جلست جنبي، ولمست بطني برفق بحذر، وقالت بابتسامة دافئة
إنه ولد ولا بنت؟
ابتسمت أنا لأول مرة من فترة طويلة، وقلت
الدكتور قال إنه ولد.
قالت بفرحة حقيقية
ربنا يبارك فيه، ويجعله من الصالحين. وإن شاء الله هتربيه في بيئة آمنة، وما يشوفش اللي شوفتيه أنتِ.
مرت الأيام، وبدأت أتعود على العيش مع ليلى. كانت أمًا حنونة، تحاول تعوضني عن كل السنين اللي فاتت، وكنت أحس بالحب الصادق منها. كنا نجلس مع بعض كل يوم، وتحكي لي عن نفسها، وعن رحلتها الطويلة، وكنت أحكي لها

عن طفولتي في دار الأيتام، وعن أيامي مع أحمد، وعن الألم اللي عشته. كانت تستمع لي بكل انتباه، وتمسح دموعي، وتقول لي دائمًا
خلاص الماضي انتهى، واللي جاي أحلى إن شاء الله. أنا معاكي دلوقتي، ومش هخلي أي حد يأذيك تاني.
وفي نفس الوقت، كانت تعمل كل ما في وسعها لاستعادة حقوقي. عينت أفضل المحامين، وجمعت كل الأدلة اللي تثبت أن أحمد استغلني، وضلل المحكمة، وأن كثير من الممتلكات كانت من مجهودي الخاص قبل وبعد الزواج. عرفنا بعد البحث أن أحمد كان يخطط من البداية، وأنه اتصل ببعض الأقارب القدامى لأبويا، وعرف قصتي، فقرر يتزوجني وهو يعلم إني يتيمة ومش هجد حد يدافع عني، عشان يستغلني وياخد كل ما أملك.
لما عرفنا الحقيقة دي، ڠضبت ليلى جداً، وقالت
ده مش مجرد ظلم، ده خداع مدبر. وده هيساعدنا جداً في القضية، لأن المحكمة هتشوف النية الحقيقية من وراء الزواج.
مر أسبوعان، وجاء موعد الجلسة التالية. ذهبنا للمحكمة مع المحامي، وكانت الأدلة كلها جاهزة. أحمد جاء ومعه محاميه، لكنه كان يبدو عليه التوتر والخۏف، لأنه عرف إن ليلى قوية ولها نفوذ، وإن الحق بدأ يظهر.
في الجلسة، عرض المحامي بتاعنا كل الأدلة شهادات من ناس كانوا يعرفوني ويعرفوا إنني كنت أعمل وأساهم في تكاليف البيت، أوراق بنكية تثبت إن أحمد كان يحول أموالاً لجهات مجهولة، وشهادة من أحد الأقارب القدامى لأبويا اعترف فيها بأن أحمد سأله عن قصتي قبل الزواج، وكل ذلك أثبت أن الزواج كان بغرض الاستغلال.
كما تم تأكيد نتيجة تحليل الحمض النووي، واعترفت المحكمة رسمياً بنسبي للسيدة ليلى المنشاوي، واعتبرت أنني وريثة شرعية لها، مما زاد من قوة موقفي القانوني.
وبعد سماع كل الشهادات وفحص الأوراق، أصدر القاضي حكمه
بعد الاطلاع على جميع الأدلة، وتأكد المحكمة من أن الزوج أحمد قام بتضليل المحكمة واستغلال ظروف زوجته السابقة، تقرر إلغاء الحكم السابق، ورد الحقوق كاملة للسيدة ندى، مع تقسيم عادل للممتلكات، بالإضافة إلى إلزام الزوج بدفع نفقة شهرية مناسبة لها وللمولود القادم لحين بلوغه سن الرشد. كما تقرر فرض تعويض مادي على الزوج نتيجة الأضرار المعنوية والمادية التي لحقت بالسيدة ندى.
لما سمعت الحكم، شعرت وكأن حملاً ثقيلاً جداً انزاح من على صدري. نظرت لليلى، ووجدتها تبتسم لي بفرحة، وعينيها تلمعان بالدموع. أحمد تلقى الحكم پغضب، لكنه لم يستطع فعل شيء، لأن الأدلة كانت قوية جداً ولا يمكن الطعن فيها. خرج من القاعة وهو يلعن ويتوعد، لكن لم يهمني أمره، لأنني أخيراً استعدت كرامتي وحقوقي.
عدنا للفيلا، واحتفلنا بالحكم، لكن الفرحة الأكبر كانت في انتظاري بعد أيام قليلة، حيث شعرت بآلام الولادة، وذهبت للمستشفى برفقة ليلى. وبعد ساعات من التعب، رزقني الله بطفل جميل، سليم معافى، وكانت فرحتنا لا توصف.
ليلى حملت الطفل بين ذراعيها، وقالت وهي تضمه لصدرها
الله أكبر، ما أجمله. هيسمى إيه؟
فكرت قليلاً، ثم قلت
هسميه عمر. يعني الحياة، لأنه بداية حياة جديدة لينا كلنا.
قالت ليلى بفرحة
اسم جميل ومبارك إن شاء الله. ربنا يجعله من أهل الصلاح والتقوى.
أمضيت أيامي في المستشفى، ثم عدت للفيلا، وبدأت حياة جديدة تماماً. ليلى كانت تساعدني في كل شيء، تعلمني كيف أهتم بالطفل، وتجلب لي كل ما يلزمنا، وكانت تحب عمر جداً وكأنه ابنها، وتقضي معه وقتاً طويلاً.
مرت الشهور، وكبر عمر، وبدأ يمشي ويتكلم، وكان مصدر فرحة وسعادة لنا. ليلى أشركتني في إدارة بعض أعمالها، وعلمتني كيف أدير الأموال، وكيف

أكون قوية ومستقلة، فبدأت أتعلم وأتطور، وازدادت ثقتي بنفسي يوماً بعد يوم.
كنا نذهب معاً لزيارة دار الأيتام التي نشأت فيها، ونقدم المساعدة والدعم للأطفال هناك، لأنني كنت أعرف جيداً شعور الوحدة والحاجة. كنت أتحدث معهم، وأخبرهم أن الحياة قد تكون صعبة في البداية، لكن الأمل لا ينقطع، والله دائماً يرسل الڤرج من حيث لا نحتسب.
وفي يوم من الأيام، جاءت ليلى وقالت لي إنها تريد أن تفتح مؤسسة خيرية تحمل اسمي، تهتم بالأطفال المفقودين واليتامى، وتساعد في البحث عن أهلهم، وتوفر لهم الرعاية والتعليم. وافقت على الفور، وبدأت العمل معاً لتحقيق هذا الحلم، حتى أصبحت المؤسسة حقيقة، وساعدت الكثير من العائلات في لم شملها، وساعدت الكثير من الأطفال على الحصول على حياة كريمة.
أما أحمد، فقد عاقبه الله بما فعله، فخسر كل ما حاول أن يأخذه بغير حق، وسمعنا بعد فترة أنه تعرض لخسائر في أعماله، وعاش في ضيق وهم، وكأن العدالة الإلهية أدركته. لكننا لم نكن نحمل له أي حقد، بل كنا ندعو له بالهداية، ونعلم أن ما فعله سيعود عليه.
مرت السنوات، وكبر عمر، وأصبح طفلاً ذكياً ومهذباً، يحب جدته ليلى كثيراً، وكانت هي تعتبره نور حياتها. أصبحت أنا وليلى قريبتين جداً، وملأت المودة والحب بيتنا، وعوضنا الله عن كل ما فاتنا بالسکينة والاطمئنان.
في أحد الأيام، كنت أجلس في الحديقة مع ليلى، وعمر يلعب قريباً منا، قالت لي ليلى وهي تنظر إليه بابتسامة
هل تتصورين أن كل هذا حدث؟ من يوم ما كنتِ في المحكمة حزينة مکسورة، لحد ما بقيتي هنا قوية، ومعك ابنك، وعملنا الخير مع الناس.
نظرت إليها، ثم إلى عمر، وقلت بامتنان
كنت أتمنى أملك، وكنت أتمنى العدالة، لكن ما كنت أتوقع أن الله يعوضني بكل هذا الخير. وجودك في حياتي، وحبك، ووجود عمر، هو أكبر نعمة.
قالت ليلى وهي تمسك يدي
وما كنت أتخيل أن الله سيعوضني بعد كل تلك السنين، ويرد لي ابنتي، ويجعل لي حفيداً يملأ الدنيا فرحاً. الماضي انتهى، والحاضر جميل، والمستقبل بإذن الله أحلى.
عشنا بعدها حياة هادئة ومستقرة، مليئة بالحب والعمل الصالح. تعلمت أن الحياة لا تقف عند محڼة، وأن الظلم لا يدوم، وأن الأمل هو الذي يبقى، وأن الله لا يضيع حق من ضعف، ولا يترك أحداً وحيداً أبداً. قصتي لم تكن مجرد قصة لقاء أم وابنتها، بل كانت قصة عدالة، وبداية جديدة، وثبات في وجه الصعاب، وكيف أن الحب والخير يمكنهما إصلاح كل ما كسرته الأيام.
وبقيت قصتنا تُروى، لتكون درساً لكل من يمر بضيق، أن الڤرج قادم، وأن لكل مظلوم نصيب من العدالة، وأن الحياة دائماً ما تعيد للناس حقوقهم، وإن طال الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *