قالت ابنتي ان شقيقها الاكبر لمسها
ثم يطرح السؤال نفسه في كل حلم.
السؤال الذي مزق قلبي أكثر من أي شيء آخر.
لماذا يا أمي؟
وفي كل مرة كنت أستيقظ من ذلك الكابوس، كنت أردد لنفسي العبارة ذاتها
لقد فعلنا الصواب.
لكن مع مرور الوقت…
لم يعد جسدي نفسه يصدقها.
مرّ عامان.
ثم وقع الحادث الذي غيّر كل شيء.
كان ذلك في أحد أيام الشتاء الممطرة.
كان حيدر يقود السيارة ويُعيد زهراء إلى المنزل بعد مشاركتها في نشاط مدرسي.
وفجأة…
اجتازت شاحنة صغيرة الإشارة بسرعة كبيرة.
ولم يتمكن حيدر من تفاديها.
وقع الاصطدام بعنف.
واندفعت السيارة نحو عمود خرساني على جانب الطريق.
خرج حيدر ببعض الكدمات.
وجرح فوق حاجبه.
أما زهراء…
فلم تكن محظوظة مثله.
عندما وصلت إلى المستشفى، وجدتها موصولة بالأجهزة الطبية.
كان وجهها متورمًا.
وشفتاها جافتين.
وجسدها الصغير يبدو أضعف مما رأيته في حياتي كلها.
بدت لي وكأنها عادت طفلة في التاسعة من عمرها من جديد.
جلس الطبيب أمامنا وبدأ يشرح حالتها الصحية.
في البداية لم أفهم معظم ما كان يقوله.
تلف حاد في الكليتين.
مضاعفات خطيرة.
غسيل كلوي.
وحاجة عاجلة إلى زراعة كلية.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي
إذا كان شقيقها الأكبر متوافقًا معها طبيًا، فسيكون أفضل وأسرع متبرع محتمل.
شقيقها الأكبر.
كلمتان فقط.
لكن وقعهما كان كطعنة في القلب.
وقف حيدر صامتًا للحظات.
ثم قال ببرود
لا.
نظر إليه الطبيب باستغراب.
وسأله
لا؟
فأجاب حيدر
ذلك الفتى لم يعد جزءًا من هذه العائلة.
في تلك اللحظة شعرت بأن شيئًا ما قد تحطم داخلي.
لكن هذه المرة…
لم يكن موجّهًا نحو علي.
بل كان موجّهًا نحوي أنا.
لأن الحياة، بكل ما فيها من قسوة، وضعت ابنتي على سرير المستشفى تصارع الموت.
وفي الوقت نفسه وضعت ابني في موضع المنقذ الوحيد القادر على إنقاذها.
الابن الذي عاملناه وكأنه مجرم.
وطردناه من منزلنا.
بدأنا نبحث عنه.
لكن العثور عليه لم يكن سهلًا.
كان علي قد اختفى تمامًا من حياتنا.
غيّر رقم هاتفه.
وترك المكان الذي كان يقيم فيه.
وانتقل إلى جامعة
أخرى لإكمال دراسته.
ولم يكن أحد ممن سألناهم مستعدًا لإخبارنا بأي شيء عنه.
وكأن الجميع يعلم ما فعله وما فعلناه.
وأخيرًا…
وبعد فترة مرهقة من البحث.
عثرنا على خيط أوصلنا إليه.
أخبرنا أحد أساتذته السابقين أنه يعمل في متجر لبيع وصيانة الأجهزة الإلكترونية في بغداد.
ذهبت إليه وحدي.
لم أجرؤ على اصطحاب حيدر معي.
كنت أعلم أن علي قد لا يقبل حتى رؤيته.
عندما وصلت إلى المتجر، رأيته يقف خلف صندوق المحاسبة.
عرفته من اللحظة الأولى.
لكنه لم يعد ذلك الفتى الذي طردناه قبل عامين.
كان أنحف مما أتذكر.
وأكثر صمتًا.
وأكثر قسوة.
أطلق لحية قصيرة.
وكانت هناك ندبة صغيرة قرب حاجبه.
الندبة نفسها التي تركتها تلك الليلة.
ليلة ضربه والده أمام أعيننا جميعًا.
عندما رآني أدخل، لم يتحرك.
لم يبتسم.
ولم يبدُ عليه أي انفعال.
قلت بصوت مرتجف
علي…
أغلق درج النقود بهدوء.
ثم قال كلمة واحدة فقط
لا.
لا أكثر.
ولا أقل.
مجرد لا.
وانهارت كل الكلمات التي كنت قد أعددتها في طريقي إليه.
بكيت أمامه.
أخبرته عن زهراء.
وأخبرته أنها تصارع الموت.
وأخبرته أن الأطباء يحتاجون إلى إجراء الفحوصات.
وأن الوقت ينفد.
وأنها أخته.
عندها رفع عينيه نحوي.
ونظر إليّ بطريقة لم ينظر بها إليّ طوال حياته.
ثم قال
وأنا كنت ابنك أيضًا.
شعرت وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدمي.
فتحت فمي لأجيب.
لكنني لم أجد أي جواب.
لأنه لم يكن هناك شيء يمكن قوله.
ولا اعتذار يكفي.
ولا كلمات تصلح ما حطمناه.
ومع ذلك…
جاء إلى المستشفى.
لم يفعل ذلك من أجلي.
ولم يفعله من أجل حيدر.
ربما فعله من أجل تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تناديه دائمًا
أخي علي.
وتجري خلفه في أرجاء المنزل وهي تحمل دفاتر الرسم الخاصة بها.
عندما دخل علي غرفة العناية، كانت زهراء مستيقظة.
ضعيفة للغاية.
لكنها كانت مستيقظة.
ما إن رأته حتى انفجرت بالبكاء.
وقالت بصوت متقطع
علي…
توقف عند الباب.
ولم يقترب خطوة واحدة.
رفعت زهراء يدها المرتجفة نحوه.
وقالت
سامحني.
في تلك اللحظة شعرت بأن الهواء قد اختفى من الغرفة.
تقدم حيدر خطوة إلى الأمام.
وقال بسرعة
زهراء… لا تتكلمي.
لكنها التفتت إليه.
وعندها فقط…
رأيت شيئًا لم أره قبل عامين.
الخوف.
الخوف الحقيقي.
ذلك الخوف الذي فشلت في ملاحظته عندما كانت طفلة.
هزت رأسها ببطء.
وهمست
لا…
لن أسكت بعد الآن.
ظل علي ينظر إليها دون أن يرمش.
بينما كانت هي تبكي بكل ما تبقى فيها من قوة.
ثم قالت الكلمات التي مزقت عالمنا كله.
لقد كذبت.
توقفت أنفاسي.
وقالت
علي لم يلمسني أبدًا.
لم يفعل شيئًا.
ولا مرة واحدة.
أحسست أن الغرفة تدور من حولي.
أما حيدر…
فتجمد في مكانه.
ثم أضافت زهراء وهي تنتحب
أبي هو من طلب مني أن أقول ذلك.
توقف الزمن.
ولم يكن ذلك النوع من الحقائق التي تمنح الراحة.
لم يكن كشفًا نقيًا.
ولا خلاصًا.
ولا نهاية سعيدة.
بل كان اعترافًا متأخرًا.
قذرًا.
مروعًا.
وغير قابل للمغفرة.
كنت أسمع دقات قلبي تتردد داخل رأسي.
كأنها طبول حرب لا تتوقف.
أما علي…
فلم ينطق بكلمة واحدة.
واصلت زهراء حديثها بين شهقات البكاء.
وقالت
أبي أخبرني أنك لست ابنه الحقيقي.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
وأضافت وهي ترتجف
قال لي إن أمي تحبك أكثر مني.
وقال إنك إذا غادرت البيت فلن يبقى عندها أحد غيري.
وإنها ستحبني أنا فقط.
انهمرت دموعها أكثر.
وقالت
كنت خائفة.
وبعدها لم أستطع قول الحقيقة.
الجميع كانوا يكرهونك.
وكنت أخشى أنه إذا اعترفت، سيكرهونني أنا أيضًا.
شحُب وجه حيدر فجأة.
وقال بصوت متوتر
إنها تهذي.
استدار علي نحوه ببطء.
ولم يرفع صوته.
ولم يغضب.
بل قال بهدوء مخيف
لقد ضربتني.
حاول حيدر أن يثبت نظره في عينيه.
لكنه فشل.
فأكمل علي
وأنت…
ثم التفت نحوي.
كنتِ تشاهدينني وأنا أطلب منكِ المساعدة.
شعرت بأن قلبي يتمزق.
مددت يدي نحوه دون وعي.
أردت لمسه.
أردت أن أقول أي شيء.
أي شيء.
لكنه تراجع خطوة إلى الخلف.
وقال
لا.
كانت تلك الكلمة أشد إيلامًا من أي صراخ.
أما زهراء فكانت تبكي فوق السرير.
وقالت بصوت متهالك
أنا لا أطلب منك التبرع بكليتك.
ليس من حقي أن أطلب ذلك.
كنت فقط أريد أن أقول الحقيقة قبل أن أموت.
أغمض علي عينيه.
لثانية واحدة فقط.
وظننت أنه سينهار.
وظننت أن ذلك الجدار الذي بناه حول نفسه سيتصدع أخيرًا.
لكنه فتح عينيه من جديد.
وعندها أدركت أن الفتى الذي طردناه من المنزل قد اختفى منذ زمن.
كان يقف أمامنا رجل آخر.
رجل عاش وحده.
ونجا وحده.
وبنى نفسه بعيدًا عنا.
قال بهدوء
لا تنتظروا مني شيئًا آخر.
ثم استدار وغادر.
ركضت خلفه في الممر.
وأنا أصرخ
علي… أرجوك.
لكنه واصل السير.
قلت
علي… زهراء تموت.
توقف.
ثم استدار نحوي.
وقال
وعندما كنت أنا في الشارع…
ماذا قلتِ أنتِ؟
عجزت عن الكلام.
ولم أجد جوابًا.
فأجاب هو بدلًا مني
لم تقولي شيئًا.
ثم رحل.
في تلك الليلة…
وبدافع اليأس.
ارتكبت أسوأ خطأ في حياتي.
نشرت اسمه الكامل على مواقع التواصل الاجتماعي.
ونشرت صورة قديمة له أثناء إحدى حفلات التكريم
وكتبت أن أخته تصارع الموت.
وأن الفحوصات أثبتت أنه متوافق معها طبيًا.
لكنني لم أذكر أنه بريء.
ولم أذكر أننا طردناه من المنزل وهو ينزف.
ولم أذكر اعتراف زهراء.
لم أذكر شيئًا من الحقيقة.
نشرت فقط الجزء الذي يخدمني.
الجزء الذي يجعل الناس يقفون إلى جانبي.
وخلال ساعات قليلة فقط…
انتشر المنشور بشكل هائل.
آلاف التعليقات.
ومئات آلاف المشاركات.
أشخاص يصفونه بالقسوة.
وآخرون يتوسلون إليه أن يتبرع.
وكثيرون يكتبون أن الأخ الحقيقي لا يترك أخته تموت.
ثم…
نشر علي مقطع فيديو.
كان يجلس في غرفة صغيرة.
وخلفه جدار رمادي بسيط.
بدا متعبًا.
لكن هادئًا بشكل مخيف.
نظر إلى الكاميرا وقال
اسمي علي.
وقد قامت والدتي بنشر اسمي على الإنترنت للضغط عليّ حتى أتبرع بكليتي.
لكن هناك جزءًا من القصة لم تخبركم به.
ثم بدأ يروي كل شيء.
الاتهام.
والضرب.
وليلة الطرد.
وأكياس الملابس الملقاة خارج المنزل.
والباب المغلق في وجهه.
ثم كرر العبارة التي قالها له حيدر تلك الليلة
بالنسبة لنا… أنت ميت.
شعرت بالغثيان وأنا أستمع.
لكن الكارثة الحقيقية لم تكن قد بدأت بعد.
فجأة شغّل تسجيلًا صوتيًا.
ولم أكن أعلم أصلًا بوجوده.
في ليلة طرده…
سقط هاتفه أسفل إحدى الطاولات.
واستمر في التسجيل لساعات.
بدأ الصوت يُسمع بوضوح.
بكاء علي.
وصراخ حيدر.
والشتائم.
والاتهامات.
ثم سُمعت أنا.
بصوت بارد وجاف.
أقول كلمة واحدة
اخرج.
أغلقت عيني.
لكن التسجيل استمر.
ثم جاء الصوت الذي دمّر ما
لمحة نيوز
تبقى مني.
صوت زهراء الصغيرة وهي تبكي في المطبخ.
تقول
أبي… لا أريد أن أقول ذلك بعد الآن.
وجاء رد حيدر مباشرة
إذا تراجعتِ الآن…
فسوف تكرهك أمك.
سقط هاتفي من يدي.
وشعرت بأن العالم ينهار فوق رأسي.
لكن الفيديو لم ينتهِ.
عاد علي لينظر إلى الكاميرا.
وقال
أنا لا أكره زهراء.
كانت طفلة تم التلاعب بها.
لكن جسدي ليس ملكًا للعائلة التي دمرت حياتي.
ولن أتبرع بعضو من أعضائي مقابل الحصول على غفرانهم.
ثم صمت لحظة.
وأكمل
أطلب من والدتي أن تحذف اسمي من الإنترنت.
لقد أخذت مني منزلي.
وأخذت دراستي.
وأخذت عائلتي.
فلا تسلبي مني راحتي أيضًا.
وخلال دقائق…
تحولتُ إلى أكثر امرأة مكروهة في البلاد.
وربما كانوا محقين.
ليس بالطريقة الوحشية التي يحكم بها الناس عبر الإنترنت.
لكن بالطريقة الأهم.
الطريقة التي لا يمكن الهروب منها.
لقد استخدمت ابني مرتين.
في المرة الأولى…
ضحيت به لأقنع نفسي أنني أحمي زهراء.
وفي المرة الثانية…
كشفت اسمه أمام الجميع لأجبره على إنقاذها.
وبينما كان هاتفي يمتلئ بالإهانات والشتائم من كل اتجاه…
بدأت إشارات جهاز مراقبة زهراء بالانخفاض.
تحول صوت الأجهزة إلى إنذارات متلاحقة.
وفجأة اندفع الأطباء والممرضون إلى الغرفة.
أُخرجتُ إلى الخارج.
وأُغلق الباب في وجهي.
وبقيت واقفة في الممر.
أراقب ذلك الباب وكأن حياتي كلها معلقة خلفه.
كان حيدر يقف إلى جوار الحائط.
شاحب الوجه.
يتصبب عرقًا.
ثم قال فجأة
هذا كله بسبب علي.
التفتُّ إليه.
ولأول مرة منذ زواجنا…
صفعته بكل ما أملك من قوة.
لم أصفعه كزوجة.
ولم أصفعه كأم.
بل كإنسانة استيقظت أخيرًا من كذبة عاشت داخلها سنوات طويلة.
قلت له بصوت مرتجف
لا تذكر اسمه مرة أخرى.
نظر إليّ بعينين ممتلئتين بالكراهية.
وقال
وأنتِ أيضًا فعلتِ ذلك.
أغمضت عيني للحظة.
ثم أجبته
نعم.
وأنا سأعيش بقية عمري أحمل هذا الذنب.
لكن أنت من بدأ كل شيء.
في تلك الليلة نفسها…
أدليت بكل ما أعرفه.
طلبت مقابلة الأخصائية الاجتماعية في المستشفى.
وطلبت المساعدة القانونية.
وأخبرتهم بكل شيء.
ما قالته زهراء.
وما فعله حيدر.
وما سمحتُ أنا بحدوثه.
سلّمتهم تسجيل علي.
والفيديو الذي نشره.
والرسائل.
وحتى المنشور الذي كتبته بنفسي.
لم أفعل ذلك بدافع الشجاعة.
ولم أفعله لأنني إنسانة جيدة.
بل لأن جميع الأكاذيب التي كنت أختبئ خلفها قد انهارت.
ولم يعد هناك مكان أهرب إليه.
نجت زهراء من تلك الأزمة.
لكن حالتها بقيت حرجة.
وبعد أيام…
عندما استعادت وعيها بالكامل.
جلست بجوارها.
وأخبرتها بالحقيقة.
قلت لها إن علي لن يتبرع بكليته.
أغلقت عينيها ببطء.
ثم قالت
من حقه.
قلت بصوت خافت
زهراء…
فقاطعتني فورًا.
وقالت
لا تحاولي الدفاع عني في هذا الأمر يا أمي.
ليس هذه المرة.
كانت في الحادية عشرة من عمرها.
لكن الذنب الذي تحمله كان أكبر من أن يحتمله جسد طفلة.
بعد يومين…
طلبت مني هاتفًا.
وقالت إنها تريد تسجيل رسالة.
رسالة لعلي.
لم ننشرها على الإنترنت.
ولم يطلع عليها أحد.
أرسلناها إليه فقط.
نظرت زهراء إلى الكاميرا.
وكان صوتها ضعيفًا ومتقطعًا.
وقالت
علي…
لقد كذبت.
أنت لم تؤذني أبدًا.
ولم تلمسني يومًا.
أبي هو من طلب مني أن أقول تلك الأشياء.
وأمي صدقتني دون أن تمنحك فرصة للدفاع عن نفسك.
توقفت للحظة.
ثم انهمرت دموعها.
وأكملت
كنت خائفة.
لكن خوفي لا يعيد إليك ما خسرته.
ولا يصلح ما فعلته بك.
أنا لا أطلب كليتك.
ولا أطلب منك العودة.
أريد فقط أن تعرف الحقيقة.
أنت بريء.
أرسلنا الرسالة.
وانتظرنا.
لكن علي لم يرد.
مر يوم كامل.
ثم وصل إلى المستشفى تحويل مالي مجهول المصدر.
يكفي لتغطية تكاليف جلسات غسيل الكلى لأسبوع كامل.
وعندما نظرنا إلى بيانات التحويل…
وجدنا جملة واحدة فقط.
من أجل زهراء.
وليس من أجلكم.
عندها فقط…
انهرت.
لكنني لم أبكِ أمام زهراء.
انتظرت حتى دخلت إلى دورة المياه.
وجلست على الأرض الباردة.
ثم بكيت كما لم أبكِ في حياتي.
ذلك كان ابني.
الابن الذي تركته في الشارع.
والابن الذي سلبناه بيته.
ومستقبله.
وعائلته.
ومع ذلك…
ما زال قادرًا على مساعدة أخته.
دون أن يتخلى عن نفسه.
ودون أن يسمح لنا باستغلاله مرة أخرى.
في تلك اللحظة أدركت شيئًا لن أنساه ما حييت.
علي كان أكثر نبلًا منا جميعًا.
وأقوى منا جميعًا.
وأفضل مني كأم… رغم أنني كنت والدته.
كانت الأسابيع التالية شديدة القسوة.
تم استدعاء حيدر للتحقيق.
في البداية أنكر كل شيء.
أنكر ما قالته زهراء.
وأنكر التسجيل الصوتي.
وأنكر أنه حرّضها على الكذب.
لكن التسجيل كان واضحًا أكثر مما ينبغي.
ولم يترك له أي مساحة للإنكار.
ومع استمرار التحقيقات…
اعترف بما لم يتخيل أحد أنه سيعترف به.
قال إنه كان يشعر بالغيرة من علي.
وأنه لم يستطع يومًا أن يعتبره ابنه الحقيقي.
وأن زهراء وحدها كانت عائلته الحقيقية.
وكانت كل كلمة ينطق بها تدفعه أعمق نحو السقوط.
أما أنا…
فقد أدليت بشهادتي أيضًا.
لم أحاول تبرئة نفسي.
ولم أطلب الشفقة من أحد.
اعترفت بما فعلته.
وبما سمحت بحدوثه.
وبكل مرة خذلت فيها ابني.
لم يحتضنني أحد.
ولم يغفر لي أحد.
ولم تغفر زهراء لنفسها كذلك.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات…
كانت الحقيقة كلها على الطاولة.
كاملة.
عارية.
مؤلمة.
الحقيقة لم تُصلح عائلتنا.
ولم تشفِ جراحنا.
لكنها على الأقل أوقفت ذلك التعفن الذي كان ينهشنا من الداخل.
بعد شهر تقريبًا…
وفي الثالثة فجرًا.
دخل أحد الأطباء إلى غرفتنا على عجل.
وقال إن هناك احتمالًا جديدًا.
تم العثور على متبرع متوفى حديثًا.
وليس علي.
شخص غريب لا نعرفه.
عائلة أخرى كانت تعيش ألمها الخاص.
ومع ذلك وافقت على التبرع بأعضائه لإنقاذ آخرين.
عندما سمعت زهراء الخبر…
بكت.
ثم سألت بصوت خافت
ليست من علي؟
أجبتها
لا.
فغطت وجهها بكلتا يديها.
وهمست
الحمد لله.
استغرقت العملية ساعات طويلة.
جلست خلالها أدعو الله.
رغم أنني لم أعد أعرف إن كان لي حق في طلب أي شيء.
لم أدعُ أن يعود علي إلينا.
ولم أدعُ أن يسامحني.
دعوت فقط أن يكون بخير.
أن يتناول طعامه في مكان دافئ.
أن ينام مطمئنًا.
ألا يتعرض للأذى بسبب ما فعلته به.
ودعوت أن تنجو زهراء…
دون أن يُجبر ابني على خسارة جزء آخر من نفسه.
ونجحت العملية.
نجت زهراء.
لكن الشفاء لم يأتِ دفعة واحدة.
خرجت من المستشفى محاطة بالأدوية.
وبندوب تركتها الجراحة.
وجلسات علاج طويلة.
ونظرة مختلفة تمامًا في عينيها.
لم تعد تلك الطفلة المرحة التي كانت تملأ المنزل ضجيجًا وحياة.
أصبحت فتاة تعرف حجم الكذبة التي يمكن أن تدمر حياة إنسان.
وتعرف أيضًا أن للصمت ثمنًا باهظًا.
أما حيدر…
فلم يعد إلى المنزل.
بدأت إجراءات قانونية طويلة.
وجلسات تحقيق.
وشهادات.
وأوامر قضائية.
لم يكن أي شيء مثاليًا.
ولم تنتهِ الفوضى بسرعة.
لكن القناع الذي كان يرتديه بوصفه الأب الحامي سقط إلى الأبد.
بعد ستة أشهر…
وصلت رسالة من علي.
أرسلها عن طريق محاميه.
فتحتها وأنا أرتجف.
وكان نصها قصيرًا.
لكنه كان أثقل من أي شيء قرأته في حياتي.
قال فيها
لا أرغب في أي تواصل مع حيدر.
ولا أرغب في أي تواصل مع مريم في الوقت الحالي.
يمكن لزهراء أن تكتب لي رسالة واحدة كل عام إذا رأى معالجها النفسي أن ذلك مناسب.
ولا أعد بالرد.
ولا تستخدموا اسمي أو صورتي أو قصتي للتخفيف من شعوركم بالذنب.
أنا على قيد الحياة.
هذا كل ما في الأمر.
قرأت زهراء الرسالة مرتين.
ثم طوتها بعناية شديدة.
ووضعتها داخل صندوق صغير تحت سريرها.
وظلت تنظر إليه للحظات.
ثم همست
إنه حي.
أومأت برأسي.
وقلت
نعم.
سكتت قليلًا.
ثم سألت
ولن يعود، أليس كذلك؟
شعرت بغصة في حلقي.
لكنني لم أجد جوابًا.
فالتفتت نحوي وقالت بهدوء يفوق عمرها بكثير
لا بأس يا أمي.
أحيانًا… إنقاذ نفسك يعني ألا تعود.
تجمدت في مكاني.
كانت الكلمات خارجة من فم زهراء.
لكنها بدت وكأنها جاءت من علي نفسه.
وكأن ابني الذي فقدناه منذ عامين…
كان يرسل إلينا آخر رسالة لن نفهمها إلا بعد فوات الأوان.
مرّ عام كامل.
وعادت زهراء إلى المدرسة.
كان بعض الطلاب يعرفون ما حدث.
والبعض الآخر سمع أجزاءً من القصة فقط.
لكنها لم تعد تختبئ خلف الأعذار.
ولم تعد تحاول الهروب من الحقيقة.
في إحدى المرات سمعتها تتحدث مع إحدى زميلاتها.
سألتها الفتاة عن الشائعات التي انتشرت حول عائلتنا.
فأجابت زهراء بهدوء
لقد كذبت بشأن أخي.
كنت طفلة تم التلاعب بها.
لكن ذلك لا يمحو الضرر الذي تسببت به.
وأحاول الآن أن أعيش بطريقة لا تدمر حياة أي شخص مرة أخرى.
وقفت أستمع إليها من بعيد.
وشعرت بالألم.
ألم لا يمكن وصفه.
لكنني شعرت أيضًا بشيء آخر.
بشيء يشبه الفخر.
ليس بما حدث.
ولا
بما فعلناه.
بل بشجاعتها في مواجهة الحقيقة دون أن تخفيها خلف الكلمات الجميلة.
أما أنا…
فقد تعلمت بدوري أن أقول الحقيقة كاملة.
عندما كان أحدهم يسألني عن علي…
لم أعد أقول
لا نعرف أين هو.
بل أصبحت أجيب
ابني بريء.
وهو على قيد الحياة.
ومن حقه أن يبتعد عنا.
في البداية…
كانت تلك الكلمات تحطم قلبي في كل مرة أنطق بها.
لكن مع مرور الوقت…
أصبحت الشيء الوحيد الذي يساعدني على الاستمرار.
لأنها كانت الشكل الوحيد من الحب الذي ما زال بإمكاني تقديمه له.
أن أتركه وشأنه.
ألا أطارده.
ألا أطلب منه شيئًا.
ألا أستخدمه مرة أخرى.
وألا أحول ألمه إلى وسيلة لتخفيف شعوري بالذنب.
ومر عام آخر.
ثم عام آخر.
وبعد عامين من عملية زراعة الكلية…
وصلت بطاقة بريدية إلى منزلنا.
لم يكن عليها اسم مرسل.
ولا عنوان يمكن الرد عليه.
كانت البطاقة تحمل صورة لطريق جبلي تحيط به أشجار الصنوبر.
وضباب خفيف يغطي المكان.
وطريق مبلل بمياه المطر.
أما على ظهر البطاقة…
فكانت هناك جملة واحدة فقط.
أنهيت هذا الفصل الدراسي بنجاح.
هذا كل ما كُتب.
لا أكثر.
ولا أقل.
حدقت زهراء في البطاقة طويلًا.
ثم بدأت تبكي بصمت.
اقتربت منها.
وضممتها إلى صدري.
كانت يداي ترتجفان.
لكنني كنت أفهم ما تشعر به.
علي يدرس.
علي بخير.
علي ما زال حيًا.
وعلي ما زال بعيدًا عنا.
وللمرة الأولى…
لم أشعر أن ابتعاده عقاب.
بل شعرت أنه عدالة.
عدالة تأخرت كثيرًا.
لكنها جاءت في النهاية.
في تلك الليلة…
وضعت زهراء البطاقة فوق مكتبها.
ولم تضعها في غرفة الجلوس.
ولم تعلقها على الحائط كأنها إنجاز عائلي.
بل احتفظت بها لنفسها.
كذكرى.
وكدرس.
وكحقيقة لا تريد نسيانها.
سألتها قبل النوم
تذكار لأي شيء؟
نظرت إلى البطاقة.
ومررت أصابعها فوق الصورة ببطء.
ثم قالت
تذكار يذكرني بأن علي لا يدين لنا بنهاية سعيدة.
صمتُّ.
لأنني كنت أعلم أنها محقة.
نعم، لم يكن يدين لنا بشيء.
لا بعودة.
ولا بمسامحة.
ولا بعائلة جديدة.
ولا حتى بقصة تنتهي كما نتمنى.
كل ما كان يدين به لنفسه هو أن يعيش.
وقد فعل ذلك.
أما نحن، فلم يبقَ لنا سوى أن نتعلم كيف نعيش مع الحقيقة.
لكن التعايش مع الحقيقة لا يعني الهروب من الذكريات.
فحتى بعد كل تلك السنوات…
ما زال علي يزورني في أحلامي.
أحيانًا أراه كما كان في تلك الليلة.
وجهه مغطى بالدماء.
وعيناه ممتلئتان بالخذلان.
وأحيانًا يقف أمامي بصمت.
ينظر إليّ مباشرة.
ثم يطرح السؤال نفسه الذي لم يفارقني منذ سنوات
لماذا يا أمي؟
في الماضي…
كنت أحاول أن أجيبه.
كنت أبحث عن الأعذار.
وأرتب الكلمات.
وأقنع نفسي أنني كنت أحاول حماية زهراء.
لكنني لم أعد أفعل ذلك.
لأنني أدركت أن بعض الأسئلة لا تملك إجابات تكفي.
ولا تبريرات تشفي ما حدث.
ولهذا…
عندما أستيقظ الآن من تلك الأحلام…
أتوجه إلى غرفة زهراء.
أطمئن إلى أنها تتنفس بهدوء.
أتناول دوائي.
وأُعد فنجان قهوتي.
ثم أبدأ يومًا جديدًا.
يومًا أعيشه دون أكاذيب.
دون أعذار.
ودون محاولات للهروب من الحقيقة.
أعيشه كامرأة أخطأت.
وكأم فشلت.
وكإنسانة أدركت الحقيقة بعد فوات الأوان.
تعلمت أن تصديق طفل لا يعني تدمير طفل آخر.
ولا يعني إصدار الأحكام قبل الاستماع.
ولا يعني التخلي عن التحقيق والبحث والتأكد.
ولا يعني أن نحمي أحد الأبناء على حساب الآخر.
بل أن نحمي الجميع حتى تظهر الحقيقة كاملة.
علي لم يتبرع بكليته.
ولم يعد إلى المنزل.
ولم يعانقنا.
ولم ينقذ عائلتنا.
ورغم أن الاعتراف بذلك ما زال يؤلمني…
فقد كان محقًا.
لأن العائلة التي حطمتك…
لا يحق لها أن تطلب منك أن تكون الدواء الذي يشفي جراحها.
حصلت زهراء على كلية من شخص غريب.
وفقدت أنا الحق في أن أطلب أي شيء من ابني.
وفقد حيدر القدرة على تسمية كراهيته حمايةً أو أبوةً.
أما علي…
ذلك الابن الذي طردناه إلى الشارع ذات ليلة…
فكان الوحيد الذي فهم الحقيقة قبلنا جميعًا.
فهم أن بعض الأماكن لا يمكن النجاة فيها.
وأن بعض الجراح لا تُشفى بالعودة.
وأن الإنسان أحيانًا…
لكي يبقى على قيد الحياة…
عليه أن يستدير.
ويمضي في طريقه.
وألا ينظر خلفه أبدًا.