عزومة اخت الاخير
أخدت نَفَس عميق، وقررت إن دي اللحظة المناسبة. خرجت من المطبخ وأنا لابسة لبس الشغل اللي هي أجبرتني عليه، وشعري مربوط بعشوائية، ومن غير أي ميكب. مشيت بخطوات ثابتة ناحية جوزي وسط الصالون، والكل بيبص لي باستغراب، وهدى واقفة متجمدة، عينيها بتطلع نار وبتحاول تداري الرعب اللي في وشها.
وصلت عنده، ومن غير ما أبص لهدى خالص، ضميته بحرارة وسلمت عليه قدامهُم كُلهُم وقلت بصوت واضح وهادي: “حمد لله على السلامة يا حبيبي.. أنا بجد تعبت النهاردة، ومحتاجة نروح البيت نرتاح”.
في اللحظة دي، ساد سكوت غريب ومريب في الصالون، لدرجة إنك تسمع صوت إبرة لو وقعت. الضيوف بدأوا يتبادلوا نظرات استغراب، وصاحبتها اللي كانت بتريقة من شوية، بطلت كلام خالص.
أما “هدى”، فكانت واقفة وشها بيجيب ألوان؛ مرة أحمر من الغضب، ومرة أصفر من الخوف، ومرة أبيض من الصدمة. كانت بتحاول تفتح بقها عشان تقول أي حاجة تبرر الموقف، بس الكلمات خانتها. جوزي بص لها بصه طويلة مليانة عتاب
وسط السكوت الرهيب ده، وعيون الكل متعلقة بيا وباللي هيحصل، ثبتّ نظري على جوزي “هادي” وبابتسامة هادية جداً، قلت له بصوت يسمعه آخر واحد في الصالون: “إزيك يا هادي؟ مش هتقعد مع أختك شوية؟ مستعجل ليه؟ إحنا لسه بنتعرف على بعض!”
اتحركت خطوة لقدام، وبصيت للضيوف واحد واحد، ورفعت راسي بكل ثقة وأنا بقول: “أنا سعاد.. مرات هادي.”
وبعدين التفت لهدى، اللي كانت بتبص لي برعب وهي بتحاول تبلع ريقها ومش قادرة، وقلت لها بنبرة هادية بس قوية زي الرصاص: “مش كنتي بتقولي لصاحبتك إن سعاد هي الشغالة؟ أهو يا ستي، أخوكي هادي.. هو جوز الشغالة اللي أنتي كنتي بتتباهي بيها وتتمنظري على حسابها قدام الناس.”
كلماتي كانت وقْعها أقوى من أي شتيمة. جوز هدى بص لأخته بذهول، وصاحباتها بصوا لبعض بصدمة بعد ما عرفوا الحقيقة، والبيت كله اتقلب في لحظة من عزومة “فخر” وترقية، لـ “فضيحة” بكل المقاييس. هدى كان لسانها مربوط، ومنظرها وهي واقفة مكسورة قدام الكل كان هو الرد اللي كنت بستناه
الموقف كان أشبه بزلزال ضرب الصالون، السكوت اللي ساد كان بيقطع الأنفاس. الضيوف بقوا بيبصوا لبعض وبيهمسوا، والصدمة كانت واضحة على وشوشهم بعد ما عرفوا إن “شغالة” البيت اللي هدى كانت بتتباهى بيها هي “مرات أخوها”.
جوز هدى كان واقف مش عارف يعمل إيه، ووشه اتحول لكتلة من الغضب وهو بيبص لأخته اللي كانت واقفة زي اللي مأكولة ومذمومة. حاولت تفتح بقها عشان تتكلم، وتبرر، أو حتى تقول إنها كانت بتهزر، بس الكلمات كانت ميتة في حلقها.
أنا مسحت على لبسى البسيط -اللي كانت هي مفكراه لبس شغالة- ووقفت جنب “هادي” جوزي، اللي كان ساندني بنظرة فخر، وبصيت لهدى اللي كانت بتترعش وقُلت لها ببرود:
ـ “ليه مكسوفة يا هدى؟ ده أنا حتى كنت مبسوطة إني بساعد أختي في فرحتها.. بس يا خسارة، الأصول ليها ناس ، والناس بتبان معادنها في المواقف دي.”
صاحبتها اللي كانت بتريقة من شوية، قامت وقفت بإحراج وقالت بصوت واطي: “أنا.. أنا لازم أمشي، مش عارفة أقول إيه بصراحة”. وبدأ الضيوف واحد ورا التاني يلموا حاجتهم ويخرجوا من البيت في حالة من الذهول والكسوف، و”عزومة الترقية” بقت “عزومة الفضيحة” اللي الناس هتتكلم عنها.
هادي جوزي مسك إيدي وقالي بصوت واطي بس كان مسموع للكل: “يا هدى، اللي ينسى أصله وأهله عشان يتمنظر على الناس، مايستحقش يقعد معانا على طاولة واحدة.. يلا بينا.”
الصمت اللي خيّم على البيت كان تقيل، والضيوف كانوا بيتحركوا بسرعة عشان يمشوا من الإحراج اللي حطيتهم فيه، وهدى بقت لوحدها مع جوزها في نص الصالون اللي كان لسه مليان ببواقي الأكل والمشروبات. جوزها، اللي كان وشه بيغلي من الغضب، زعق فيها بصوت عالي: “إنتي إيه اللي عملتيه ده؟ إنتي اتجننتي؟ إزاي تهيني مرات أخوكي وتعمليها شغالة قدام الناس؟ ده أنا شكلي بقى زي الزفت قدامهم!”
هدى، بدل ما تعتذر، ربعت إيديها وبصتله بكل بجاحة وبرود، وقالتله بصوت مسموع وصل لينا واحنا لسه واقفين عند باب الشقة بنلم متعلقاتنا عشان نمشي:
ـ “جرى إيه يا راجل إنت؟ هي يعني كانت لابسالي إيه؟ ما هي كانت لابسة لبس يوحي إنها شغالة، وشبههم بالظبط، عشان كدة هي اللي جاتلي الفكرة، أنا ما عملتش حاجة غلط، ده أنا كنت بساعدها تندمج في الجو!”
الكلام ده كان القشة اللي قسمت ضهر البعير. جوزي هادي، اللي كان ماسك أعصابه بالعافية، اتجمد مكانه وسمع كل كلمة. أنا بصيت لهادي وشفت في عينه نار مش هتنطفي، مش بس بسبب الإهانة اللي ليا، لأ، ده بسبب “النظرة الدونية” اللي أخته شافتني بيها.
بصيت لهادي وقلتله بهدوء: “سمعت؟ دي نظرتها ليا طول عمرها.. بس كانت بتداريها.”
هادي ساب إيدي، وقرب من الباب اللي كان موارب، وزقه بقوة عشان يفتح على آخره، ووقف هو وأنا قدامهم مباشرة. هدى، اللي شافت جوزي واقف بيسمعها، وشها اتخطف واتجمدت في مكانها، وعينها بتبص لنا برعب، والكلمات اتجمدت في حلقها، لأنها عرفت إن “اللعبة” انتهت، والحساب دلوقتي بدأ
هادي، جوزي، دخل الخطوة اللي كانت فاصلة، وبص لأخته بنظرة حزن وقرف في نفس الوقت، وقال بصوت هز أرجاء الشقة:
ـ “شبه الشغالات يا هدى؟ هي دي نظرتك لأخوكي ومراته؟ اللي كانت طول اليوم بتخدمك وتساعدك من قلبها، ومستحملة طلباتك اللي ما بتخلصش، ده كان جزاتها؟”
هدى وشها جاب ألوان فعلاً، حاولت تنطق وتبرر، بس هادي كمل وهو بيشاور لي أخرج من قدامه:
ـ “سعاد أشرف من أي حد بيقيم الناس بمظاهرهم أو بلبسهم. سعاد أختي ومراتي، ومن النهاردة، لا إنتي أختي ولا أعرفك، لحد ما تتعلمي إن الناس مقاماتها بأخلاقها مش بالخدمة اللي بتعمليها.”
أنا وقفت جنب هادي ودموعي في عيني، مش من الوجع، لأ، من الوقفة اللي وقفها دي. بصيت لهدى نظرة أخيرة، نظرة مش مكسورة، بس نظرة واحدة شافت فيها كل اللي فات من استغلالها ليا. لفت هدى وشها للحيطة، وجوزها وقف محرج مش عارف يبص في وشنا ولا وش هدى، والبيت اللي كان مليان دوشة وضحك مزيف، بقى دلوقتي جحيم من الندم.
خرجنا وقفلنا باب الشقة ورانا بقوة، وسمعت صوت “هدي” وهي بتصرخ وتولول لجوزها، بس المرة دي.. صوتها ما عادش يخصني في حاجة. ركبنا العربية، وفي الطريق للبيت كان الهدوء هو سيد الموقف، بس كان هدوء مريح، هدوء حد أخد حقه، وقطع عِشرة كانت مسمومة، وقرر يبدأ صفحة جديدة، ما فيهاش مكان لناس بتشوف نفسها أحسن من غيرها
ركبنا العربية، وساد صمت طويل بينا، بس كان صمت مريح عكس الدوشة اللي كنا فيها. هادي كسر الصمت ده لما مسك إيدي وباسها، وقال لي بصوت دافي ومليان تقدير: “أنا آسف يا سعاد.. آسف إنك اتعرضتي لكل ده بسببي، وبسبب عيلتي اللي نسيت الأصول”.
بصيت له وابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت له: “ولا يهمك يا هادي.. أنا أخدت حقي، والأهم إني عرفت معدن الناس اللي كنت فاكراهم أهلي”.
وصلنا البيت، ومن اللحظة دي، قررت أقفل الصفحة دي تماماً. مش بس قطعت علاقتي بهدى، لكن كمان قررت أركز في حياتي، وفي بيتي، وفي كتاباتي اللي هي ملجئي الحقيقي. هدى بعد الواقعة دي، حاولت تتصل كذا مرة عشان تعتذر وتبرر، بس لا أنا ولا هادي ردينا. كرامتي كانت أغلى بكتير من أي اعتذار بيجي بعد ما الفضيحة تطلع للناس، وبعد ما القناع وقع.
الدرس اللي اتعلمته في اليوم ده كان قاسي، بس غيرني. مابقتش “سعاد” اللي بتيجي على نفسها عشان ترضي حد، ولا بقيت “الشغالة” اللي بيستغلوها. بقيت ست بمليون راجل، عارفة قيمة نفسها كويس، وعارفة إن اللي ما يقدرش وجودي في حياته كأخت، مايستحقش حتى إنه يفتكر اسمي.