شوكولاتة 2
كتمت صرختي بكل ما أوتيت من قوة، ووضعت يدي على فمي وأنا أستمع إلى الطرقات الخفيفة المنتظمة على الباب.
صوت مروان في الهاتف كان لا يزال يصرخ بلهفة:
“ندى! سامعاني؟ أنا دخلت شارعنا خلاص.. خمس دقايق بالظبط وهكون عندك، أوعي تفتحي الباب لأي حد!”
همست في الهاتف وصوتي يكاد لا يخرج:
“مروان.. هو واقف ورا الباب.. نفس صوتك.. ونفس لبسك.. بيقولي القهوة جهزت.”
ساد صمت مرعب في الهاتف، قبل أن أسمع صوت ضغط مروان على دواسة البنزين بقوة وصوت عجلات السيارة يصرخ في الأسفلت، وهو يقول:
“أنا ع الوش يا ندى.. متتحركيش من مكانك.”
فجأة، انقطعت الطرقات على الباب.
ساد هدوء قاتل في الشقة، هدوء مرعب جعلني أسمع دقات قلبي وكأنها طبول. ظننت لثانية أن الشيء الذي بالخارج قد رحل، لكن الأمل تلاشى تماماً عندما سمعت صوت خشخشة مفاتيح.. مفاتيح مروان البديلة التي يتركها دائماً في درج الصالون!
كان يحاول إدخال المفتاح في القفل من الخارج. المفتاح يدور ببطء.. وتكاثفت الأنفاس خلف الباب. المفتاح الذي في يدي من الداخل كان يمنعه من فتح الباب تماماً، لكنه بدأ يضغط بقوة غاشمة لا يمكن أن تكون لبشر. القفل بدأ يصدر صوتاً كأنه على وشك الانكسار.
في تلك اللحظة، اهتز هاتفي مجدداً.. كانت رسالة نصية من مدام سوسن:
“ندى! لو مروان كلمك من برا متصدقيهوش.. العمل اللي اتعمل كان بدم غراب، والشيخ قالي إن اللي هياكل الشوكولاتة، الكيان هياخد شكله وصوته وذكرياته كاملة.. يعني اللي في العربية برضه مش ابنـ…”
انقطعت الرسالة ولم تكملها.
تراجعت إلى الخلف وأنا أنظر إلى قفل الباب الذي بدأ ينبعج للداخل.
من أصدق؟ من الذي في المطبخ؟ ومن الذي في السيارة؟ ومن الذي أكل الشوكولاتة بالأساس إذا كان مروان الحقيقي قد نزل في السابعة صباحاً كما يقول؟!
وفجأة.. سمعت صوت صرير حاد يأتي من خلفي.
التفت برعب نحو نافذة الغرفة المطلة على المنور.. كانت الشيش الخشبي مغلقاً، لكن من بين فتحاته الصغير، رأيت عيناً واسعة، جاحظة، وبلا جفون.. تنظر إليّ مباشرة في الظلام، وصوت أنفاس كريهة للغاية يصعد من المنور.
وفي نفس اللحظة.. سمعت صوت فرامل سيارة مروان تصدر صوتاً عنيفاً في الأسفل تحت العمارة، تلاها صوت بواب العمارة وهو يصرخ بهلع:
“استنى يا مروان بيه! أستاذ مروان!! أنت نزلت من دقيقة واحدة بس.. لحقت ترجع تاني إزاي؟!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
تسمرت في مكاني، وعقلي عاجز عن استيعاب حجم الكابوس الذي يحيط بي.
صوت البواب في الأسفل كان يتردد صداه في المنور، بينما العين الجاحظة وراء شيش النافذة لا ترمش، والأنفاس الكريهة تتصاعد لتخنق هواء الغرفة. خلفي مباشرة، كان مقبض الباب يتحرك بعنف جنوني، وصوت المفتاح يلتوي داخل القفل بقوة توشك على كسر الحديد.
فجأة، انطفأت أنوار الشقة بالكامل. حل ظلام دامس لم يقطعه سوى وميض شاشة هاتفي الذي بدأ يهتز في يدي.
كانت مكالمة فيديو… من مروان.
فتحت الخط بلا وعي، ورفعت الهاتف أمام وجهي. ظهرت شاشة الهاتف مقسمة إلى نصفين؛ في النصف الأول كان مروان يجلس في سيارته، وجهه شاحب كالموتى، وعيناه متسعتان من الرعب وهو يصرخ: “ندى! أنا سامع صوت البواب تحت وهو بيصرخ باسمي، بس أنا لسة مدخلتش الشارع أصلاً! أنا شايف عربيتي واقفة تحت البيت وأنا لسة واصل أول الشارع!”
وفي النصف الثاني من شاشة مكالمة الفيديو… رأيت نفسي!
أو بالأحرى، رأيت الكاميرا الأمامية لهاتفي وهي تعرض ما خلفي. كان هناك ظل أسود ضخم، يمتد من ناحية النافذة المطلة على المنور، وبدأ يتشكل ببطء على هيئة جسد بشري يقف وراء ظهري تماماً.
التقطت أذني صوت همس خافت يأتي من هاتفي، لكنه لم يكن صوت مروان، بل كان صوت مدام سوسن، كأنها اخترقت المكالمة أو أن الهاتف لم يعد ملكاً لي: “الشوكولاتة مكانتش علبة واحدة يا ندى… أنا بعت علبتين. واحدة ليكي… وواحدة لمروان في مكتبه…”
سقط الهاتف من يدي على الأرض، ووجهه للأعلى يضيء الغرفة المظلمة بزاوية مائلة.
في تلك اللحظة، تحطم قفل الباب الخشبي بعنف، واندفع الباب مفتوحاً.
وقف على العتبة مروان… بملابس الخروج التي قال إنه نزل بها في السابعة صباحاً، وعلى وجهه ابتسامة هادئة باردة. التفتُّ برعب نحو النافذة، فإذا بالشيش ينفتح ببطء، ليدخل منه مروان آخر… ببيجامته التي كان يرتديها في المطبخ قبل قليل.
الكيانان يملكان نفس الملامح، نفس الطول، ونفس الصوت.
تقابلت أعينهما فوق رأسي، وبدآ يتحركان نحوي في نفس اللحظة، بينما صرّات أسنان مروان الحقيقي -أو من أظنه حقيقياً- بدأت تأتي من الشارع الأسفل وهي تقترب من باب الشقة الخارجي.
خطا الاثنين خطوة متزامنة نحوي، وانحنيا معاً ليلتقطا الهاتف من على الأرض، وتحدثا في نفس الثنائية المرعبة بصوت واحد متطابق:
“ندى… قولي لنا… مين فينا اللي أكل الشوكولاتة؟”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
تراجعت خطوة إلى الخلف حتى التصق ظهري بالحائط. كنت محاصرة بين “مروان” الواقف عند الباب بملابس خروجه الأنيقة، و”مروان” الآخر الواقف عند النافذة ببيجامته المنزلية. الإضاءة المنبعثة من شاشة الهاتف الملقى على الأرض كانت تسلط الضوء على وجهيهما… وجهان متطابقان تمامًا، لدرجة مرعبة، لكن الملامح كانت جامدة، كأنها قناع من الشمع.
أعاد الكيانان السؤال معًا، بنفس النبرة، وبنفس التوقيت الدقيق الذي لا يمكن لبشر أن يحاكيه:
“ندى… قولي لنا… مين فينا اللي أكل الشوكولاتة؟”
في تلك اللحظة، رن صوت ارتطام عنيف في الخارج. باب الشقة الخارجي تم خلعه أو كسر قفله. سمعت صوت أنفاس لاهثة، وصوت حذاء يركض بسرعة في الصالة، ثم ظهر “مروان” الثالث على عتبة الغرفة. كان يرتدي ملابس الخروج أيضًا، لكنه كان غارقًا في عرق غزير، ووجهه ينطق برعب حقيقي لم أره في وجه الاثنين الآخرين.
صرخ مروان الثالث وهو ينظر إلى النسختين الواقفتين أمامي:
“ندى! ابعدي عنهم! أنا مروان… أنا لسة طالع على السلم حالا!”
توقف الكيانان عن النظر إليّ، والتفتت رؤوسهما ببطء شديد نحو مروان الثالث الواقف عند الباب. ابتسم مروان (صاحب البيجامة) وقال بصوت هادئ:
“هو برضه بيقول إنه مروان.”
أما مروان (صاحب ملابس الخروج الأولى) فخطا خطوة نحو مروان الثالث وقال بنفس الصوت البارد:
“بس مروان الحقيقي نزل الساعة 7 الصبح… إنت كنت فين؟”
بدأ الثلاثة يتحركون في الغرفة، يتداخلون ويتبادلون الأماكن في حركة دائرية غريبة وسريعة، وعقلي شُلّ تمامًا عن التمييز بينهم. كلهم يحملون نفس الملامح ونفس الصوت ونفس الذكريات.
فجأة، التقيت بنظرة أحدهم وسط الزحام… كانت عيناه تلمعان بدموع حقيقية، ونظر إلى الخاتم في يده، ثم نظر إليّ وهمس بكلمة واحدة، كلمة سر لم يكن يعلمها أحد سوانا، قصة قديمة حدثت في خطوبتنا: “المنيا…”
عرفته! هذا هو زوجي الحقيقي!
وقبل أن أتحرك نحوه أو أنطق بكلمة، اهتز الهاتف الملقى على الأرض مجددًا بنغمة رسالة. انخفضت عيني تلقائيًا نحو الشاشة المضيئة، لقرابة ثانية واحدة، وكانت الرسالة تكملة لرسالة مدام سوسن التي انقطعت، لكنها أرسلت هذه المرة من رقم مجهول:
“ندى… أنا لحقت مروان في مكتبه قبل ما يأكل الشوكولاتة التانية… مروان الحقيقي معايا في العربية دلوقتي واحنا جايين في الطريق… اللي عندك في الشقة كلهم…”
رفعت رأسي بسرعة والصدمة تلجم لساني، ليتوقف الثلاثة عن الحركة تمامًا، ويلتفتوا إليّ في نفس اللحظة بابتسامة واسعة، اتسعت بشكل غير بشري حتى وصلت لأطراف آذانهم، وقالوا بصوت واحد تملؤه السخرية:
“عرفتي الحقيقة؟ طيب تفتكري مين فينا اللي هياكلك الأول؟”