اخد خطيبته لفندق

أخد خطيبته لـ فندق خمس نجوم… بس اتجمد في مكانه لما مراته دخلت وقالتله: “منور فندقي”.

​”الجناح الرئاسي. ومش عايز حد يزعجنا خالص.”

​شريف حط الكارت الأسود بتاع البنك على الكاونتر الرخام، وكأنه لسه شاري سكوت فندق “المنارة” كله باللي فيه.

​الست اللي واقفة جنبه دي مكانتش مراته.

​ندى كانت مبتسمة وهي ماسكة الشنطة الغالية اللي شريف جابهالها من أسبوعين. خطيبته الجديدة اللي عندها تمانية وعشرين سنة، لابسة فستان حرير بلون الشمبانيا، وكعب جزمتها بيخبط على الأرض المتلمعة، وعينيها مش قادرة تشيلهم من على النجف، والورد الطبيعي، والرخام اللي بيبرق في الفندق الفخم ده.

​شريف كان مبسوط وهو شايفها مبهورة كده.

كان بيحب يحس إنه بيملك كل حاجة.

الفلوس.

الكذب.

الستات.

​الصبح، قبل ما يمشي من بيته، باس مراته منى على أورتها وقالها:

“أنا مسافر الإسكندرية. عندي اجتماع مع مستثمرين. هارجع يوم الإثنين.”

​منى كانت واقفة في المطبخ بتصب القهوة، رابطة شعرها لورا، ولابسة بلوزة بيضا بسيطة.

سألته بهدوء: “الإسكندرية تاني؟”

رد وهو بيبص في ساعته: “شغل بقى.. ما تستنينيش.”

“مش هاستناك.”

​شريف مأخدش باله من نبرة صوتها.

بعد تلاتاشر سنة جواز، منى بالنسباله بقت حاجة مضمونة. هادية. راقية آه، بس ملهاش أنياب. الزوجة المثالية للعزومات، وحفلات الخير، وصور العيلة اللي بيطلع فيها الراجل الناجح اللي الكل بيحسده.

​على الساعة أربعة وعشرة العصر، كان شريف بيعمل إجراءات الدخول في الفندق اللي نقاه عشان يخونها فيه.

مأخدش باله من حرف الـ (M) المحفور على أبواب الأسانسير.

مأخدش باله من نفس الشعار اللي على لبس الموظفين.

مأخدش باله من الصورة الضخمة لـ حامد المنشاوي، مؤسس الفندق، اللي متعلقة في آخر الصالة.

الرجالة اللي زي شريف مبيقرأوش الأسامي إلا لو كانوا فاكرين إن الأسامي دي بتاعتهم.

​موظف الاستقبال، شاب بدلة غامقة اسمه كريم، بص على الشاشة:

“منور يا فندم، مستر شريف. الجناح بتاعك جاهز.”

شريف أمره: “عايز كمان ترابيزة في المطعم بكرة بالليل. أحسن ترابيزة.”

كريم ميرمش حتى: “تمام يا فندم. باسم شريف؟”

“أكيد يعني.”

​صوابع كريم وقفت ثانية واحدة فوق الكيبورد.

شريف مأخدش باله.

​أول ما باب الأسانسير قفل عليه هو وندى، كريم رفع سماعة التليفون الداخلي:

“مستر أيمن.. هو وصل.”

​أيمن، المدير العام لفندق المنارة، استقبل المكالمة في مكتبه الخاص.

مسألش مين.

لأنه كان عارف أصلاً.

​سبع أدوار تحتهم، في قاعة اجتماعات بتطل على النيل، منى كانت قاعدة قدام رأفت، المحامي اللي شغال مع عيلتها من تلاتين سنة.

منى كانت لابسة بدلة كحلي، شعرها ملموم ومرفوع بنظام، وملامحها كانت ملامح ست عيطت كل الدموع اللي كانت محوشاها خلاص.

​رأفت حط دوسيه تخين على الترابيزة:

“وصل مع ندى. الجناح الرئاسي. وحاجز عشا بكرة الساعة تمانية.”

منى بصت للدوسيه بس ملمستوش: “نقى الفندق ده بالذات.”

رأفت قالها: “كان ممكن ينقي أي فندق في البلد، بس نقى فندقك أنتِ.”

​منى رفعت عينيها لصورة أبوها. حامد المنشاوي بدأ بمطعم عيلة صغير وبنى سلسلة فنادق كاملة، الموظفين فيها كانوا بيقولوا له “حامد بيه” مش خوف، لكن حب فيه.

لما مات، ناس كتير افتكرت إن منى هتبيع.

وشريف كان أول واحد اقترح ده.

وقتها قالها: “أبوكي كان طيب مع الناس، بس ده مستوى تاني خالص. أنتِ مابتفهميش في البيزنس والفلوس.”

​ومنى صدقته.

سابت يدخل الاجتماعات.

مضت له توكيلات.

سمحت له يتكلم مع البنوك والشركاء وأعضاء مجلس الإدارة.

لحد ما اكتشفت إن شريف مكانش بيساعدها.

ده كان بيستغل اسم عيلتها كـ سلم يطلع عليه.

كان بيمشي فلوس من وراها. رهن أملاك العيلة. وكان بيتباهى قدام المستثمرين إنه أنقذ مجموعة الفنادق دي من “وريثة فاشلة وعاطفية”.

​بقاله أربعتاشر شهر ومنى مبتتخانقش معاه.

كانت بتجمع ورق.

إيميلات.

تسجيلات صوتية.

تحويلات فلوس.

عقود بإمضاءات مزورة.

ودلوقتي شريف فوق في الجناح الرئاسي، بيشرب مع خطيبته الجديدة جوه الفندق اللي منى أنقذته.

​منى سألته: “كل حاجة متأمنة؟”

رأفت هز رأسه: “الحسابات الرئيسية اتفصلت. الصناديق الائتمانية متأمنة. قض*ية الطلاق جاهزة. والدعوى المدنية كمان جاهزة. وشركة شريف هيوصلها تقرير يوم الإثنين بخصوص ندى، بما إنها شغالة في القسم بتاعه.”

​منى أخذت نفس طويل بالراحة: “يبقى بكرة.”

رأفت أكد عليها: “بكرة.”

​الليلة دي، شريف اتعشى مع ندى في الجناح. طلب شامبانيا، وإستاكوزا، وحلويات متزينة بذهب قابل للأكل، وكان بيتكلم عن منى وكأنها حتة عفش قديمة في بيت فخم.

ندى سألته: “هي مش حاسة بأي حاجة؟”

شريف ضحك ضحكة واطية: “منى دي مابتفهمش حتى تقرأ كشف حساب البنك من غير ما ترجعلي.”

​ندى ابتسمت، بس كان في حاجة في الفندق مخلياها مش مكمنة.

حرف الـ (M) كان في كل حتة.

على الفوط.

على البشاكير.

على الكوبايات.

وحتى على كارت الترحيب اللي لقوه على الترابيزة لما رجعوا من الجاكوزي.

الكارت كان مكتوب فيه:

“نتمنى لك إقامة لا تُنسى في فندق المنارة. بنحب تحس إنك في بيتك.”

​شريف قرأ الكارت مرتين.

ندى همست: “حاجة غريبة.”

قالها وهو بيرميه في الباسكت: “دي حركات فنادق بس.”

لكن ولأول مرة في الويكند ده، شريف حس إن في حاجة بتفلت من تحت إيده.

​تاني يوم بالليل، لما دخل المطعم وندى في إيده، كان لسه بيحاول يبان واثق في نفسه.

مكانش يعرف إن الترابيزة رقم سبعة كانت مجهزة خصوصاً عشانه.

مكانش يعرف إن كل موظف في المكان عارف الحقيقة.

مكانش يعرف إن الساعة تمانية وربع، مراته هتدخل من الباب الرئيسي.

ومحدش كان مصدق اللي هيحصل بعد ثواني.

​الجزء التاني في الكومنتات 👇

 

الجزء التاني:

​الباب الرئيسي بتاع المطعم اتفتح، ودخلت منى.

​مكانتش لابتة البلوزة البيضا البسيطة ولا رابطة شعرها لورا زي ما شريف متعود يشوفها في المطبخ. كانت لابسة فستان أسود كلاسيك غالي جدًا، وشعرها معمول بنظام، وماشية بكل ثقة وهيبة وكأنها ملكة داخلة مملكتها.

​المطعم كله هدي فجأة. الموظفين كلهم وقفوا انتباه، والويترز اتنحوا على جنب وبقوا يبصوا لها باحترام وفخر كبير.

​شريف أول ما شافها، الكاس وقع من إيده اتقسم نصين على الأرض. وشه اتقلب ألوان، والدورة الدموية وقفت في عروقه. بص لندى، وبعدين بص لمنى اللي كانت ماشية في اتجاه الترابيزة بتاعتهم بخطوات ثابتة وصوت كعب جزمتها بيرن في المكان.

​ندى ارتبكت وبصت لشريف: “شريف؟ في إيه؟ مين دي؟”

شريف مكانش قادر ينطق، لسانه اتمسك تمامًا وعينيه مبرقة لمراته اللي وصلت لحد الترابيزة وقفت قدامهم.

​منى بصت لشريف بنظرة باردة تخوف، وبعدين نقلت عينيها لـ ندى وبصت لها من فوق لتحت بابتسامة ثقة، وقالت بصوت هادي وواضح سكت المطعم كله:

“منور فندقي يا شريف.. أهو تغيير برضه بدل حر الإسكندرية واجتماعات المستثمرين.”

​ندى وقفت بسرعة وصوتها بيترعش: “فندقك أنتِ؟ شريف.. إيه الكلام ده؟ مش ده الفندق اللي قولتلي إنك لسه شاريه الأسبوع اللي فات وشيلت اسم صاحب القديم وحطيت أول حرف من اسمي (M) عشان ندى؟”

​منى ضحكت ضحكة رقيقة بس تلمس العضم:

“حرف الـ (M) ده يا حبيبتي عشان ‘منى المنشاوي’.. مش عشان ندى خالص. الفندق ده بناه أبويا حامد المنشاوي الله يرحمه، وشريف هنا مجرد موظف.. وتدقيقًا يعني: موظف سابق.”

​شريف حاول يلم الموضوع، وقف على رجليه وهو بيترعش وقال بصوت واطي: “منى.. من فضلك، مش هنا، تعالي نتكلم في المكتب فوق ونحل كل حاجة ودياً، بلاش فضايح قدام الناس والموظفين.”

​منى ملامحها اتحولت للجدية التامة، وشاورت للمحامي رأفت اللي ظهر فجأة من وراها ومعاه المحضر وبوكس كرتون كبير.

منى قالت له: “مفيش حاجة تتحل ودي يا شريف. الدوسيه ده فيه كل تحويلاتك، وإمضاءاتك المزورة، والفلوس اللي سرقتها من ورايا عشان تشتري بيها شبكة وشنط لخطيبتك الجديدة.. كل حاجة متسجلة بالورق والقلم.”

​رأفت المحامي حط البوكس الكرتون على الترابيزة قدام شريف وقال بلهجة حاسمة:

“مستر شريف، دي كل متعلقاتك الشخصية اللي كانت في مكتب الإدارة. الحسابات كلها اتقفلت، وتوكيلاتك اتلغت، وفي بره بوكس بريس ورجال الشرطة في انتظارك برا بناءً على بلاغ التزوير والاختلاس.”

​ندى لما سمعت سيرة الشرطة، مسكت شنطتها بسرعة وبصت لشريف بغضب وزعيق: “تزوير واختلاس؟ أنت ضحكت عليا وفهمتني إنك مليونير وكل ده ملكك؟”

بصت لمنى وقالت لها: “أنا ماليش دعوة يا فندم، أنا مكانش عندي فكرة عن أي حاجة من دي خالص!” وأخدت حاجتها وجريت على بره وهي بتداري وشها من نظرات الناس.

​شريف بقى واقف بطوله، مكسور، وكل الناس في المطعم بتبص له باحتقار، والويترز اللي كان بيتنطط عليهم الصبح واقفين يتفرجوا على نهايته.

​منى قربت منه خطوة واحدة، وبصت في عينيه وقالت له بكل برود:

“أنت قولت لخطيبتك إنني مبعرفش أقرأ كشف حساب البنك من غيرك.. صح؟ أنا فعلاً مبعرفش أقرأ كشوفات المبالغ الصغيرة، أنا بقيت أقرأ عقود نقل الملكية وبلاغات النيابة بس. الخدمة في الفندق عجبتك؟”

​شريف جه يتكلم، بس اتنين من رجال الأمن بتوع الفندق دخلوا ومسكوه من كتافه وأخدوه على بره وسط ذهول ومبركات من كل اللي واقفين.

​منى أخدت نفس طويل، عدلت جاكيت بدلتها الكحلي، وبصت لمدير الفندق أيمن وقالت له بنبرة كلها هيبة:

“أستاذ أيمن.. نضفوا الترابيزة رقم سبعة دي بسرعة، وافتحوا شامبانيا لكل الموجودين في المطعم النهاردة على حسابي.. فندق المنارة رجع لأصحابه.”

​المطعم كله صقف بحرارة، ومنى لفت وضهرها مفرود، وخرجت من باب المطعم وهي عارفة إنها أخدت حقها وحق أبوها تالت ومتلت.

بعد تلات أيام من الليلة دي، وتحديدًا يوم الإثنين الصبح.

​منى كانت قاعدة في مكتبها الرئيسي في الدور الأخير من فندق المنارة، المكتب اللي كان بتاع أبوها حامد المنشاوي الله يرحمه. الشمس كانت مالية المكان، وهي قاعدة بكل هدوء بتشرب قهوتها، وقدامها على المكتب اللاب توب وكام دوسيه مقفولين.

​الباب خبط، ودخل رأفت المحامي وعلى وشه ابتسامة رضا كبيرة، وفي إيده ملف جديد.

​منى رفعت عينيها وسألته بهدوء: “بشر يا أستاذ رأفت.. كله تمام؟”

​رأفت حط الملف قدامها وقعد: “كله فوق التمام يا منى بيه. شريف اتمضى عليه حبس احتياطي على ذمة التحقيق في قض*ية التزوير والاختلاس، والنيابة واجهته بالتحويلات البنكية والعقود اللي عليها إمضاءات مزورة، ومقدرش ينكر حاجة.. محامي شريف بيحاول يطلب كفالة، بس المبالغ ضخمة والتهم ثابتة، والرفض جايله من كل حتة.”

​منى هزت رأسها وهي بتسمعه ببرود تام: “والشركة بتاعته؟”

​رأفت ضحك: “الشركة النهاردة استلمت التقرير المالي والإداري اللي بعتناه. وطبعًا، بعد ما عرفوا إن السيولة اللي كان بيمشي بيها الشغل كانت من وراكي ووقفت، ومع فضيحة الاختلاس، مجلس الإدارة جمد أسهمه وشالوها منه تمامًا. وبخصوص كاميلا.. أقصد ندى، الشركة رفعت اسمها من القسم بتاع شريف وأقيلت فورًا عشان ثبت إنها كانت مستفيدة من المبالغ دي.”

​منى قفلت اللاب توب وقالت: “أنا مكانش فارق معايا ندى في حاجة.. هي مجرد واحدة عماها الطمع وجريت ورا قشرة كدابة، شريف هو اللي كان لازم يتعلم الأدب ويعرف إن اسم المنشاوي مش سلم لأي حد.”

​في نفس اللحظة، تليفون المكتب الداخلي رن. منى رفعت السماعة: “أيوة يا أستاذ أيمن؟”

​أيمن، المدير العام، قال بنبرة محترمة: “منى بيه، المستثمرين بتوع مجموعة ‘جروب الشرق’ اللي شريف كان بيقول إنه بيقابلهم في الإسكندرية، موجودين تحت في صالة الاستقبال.. هما عرفوا باللي حصل، وجايين يطلبوا مقابلة مع حضرتك شخصيًا عشان يكملوا الشراكة، بس معاكي أنتِ مش مع شريف.”

​منى ابتسمت ابتسامة ثقة وذكاء، وبصت لصورة أبوها اللي حاطاها على المكتب وقالت لأيمن:

“طلعهم قاعة الاجتماعات يا أستاذ أيمن.. وخليهم يستنوني خمس دقائق. وبلغ المطبخ يجهز القهوة اللي كان بيحبها دون إفـ… أقصد أبويا حامد بيه.”

​قفلت السماعة، وبصت لرأفت وقالتله: “يلا بينا يا أستاذ رأفت.. ورانا شغل كتير، الفندق ده لازم يرجع رقم واحد في البلد زي ما أبويا سابه وأحسن.”

​قامت منى، عدلت بدلتها الكحلي، وخرجت من المكتب بخطوات واسعة وواثقة، والمرة دي مكانتش بتداوي جرح.. المرة دي كانت بتبني الإمبراطورية من جديد وهي عارفة إن مفيش مخلوق هيقدر يكسرها تاني.

 

 

عدت تلات شهور على الليلة دي، وفندق “المنارة” كان حرفيًا شايل البلد على كفوف الراحة. الحفلات رجعت، والنزلاء بقوا يحجزوا بالجناح والرئاسي بالشهور، واسم “منى المنشاوي” بقى يتردد في السوق كواحدة من أقوى سيدات الأعمال.

​في ليلة خريفية رايقة، منى كانت واقفة في البلكونة الكبيرة بتاعة قاعة الاجتماعات، بتشرب قهوتها وبتبص على أضواء النيل والمدينة اللي مابتنامش.

​دخل عليها أستاذ رأفت المحامي وهو ماسك في إيده حكم محكمة نهائي في دوسيه جلده أسود.

​منى لفت له بابتسامة هادية: “أهلاً يا أستاذ رأفت. شكلك شايل أخبار تفرح.”

​رأفت حط الدوسيه على الترابيزة وقال بفخر: “مبروك يا منى بيه. صدر الحكم النهائي النهاردة بتعويض مالي ضخم جداً لصالحك، وتم الحجز على كل ما يملك شريف؛ شقته، وعربيتة، وحساباته القديمة.. كله اتنقل باسمك وباسم الفندق تالت ومتلت تعويض عن الخسائر والاختلاس.”

​منى بصت للدوسيه وقالت بنبرة مرتاحة: “وشريف؟”

​رأفت سكت ثانية وقال: “شريف اترحّل على السجن عشان يقضي عقوبته.. خمس سنين مع الشغل والنفاذ. محاميه قالي إنه بقى شبه المجنون جوه، مش مصدق إن كل اللي بناه في سنين على قفا الناس ضاع في ليلة واحدة، وبقى يكلم نفسه وندمان على اليوم اللي فكر فيه يتذاكى عليكي.”

​منى أخدت نفس طويل، وخرجت كل الهوا اللي كان كاتم على نفسها من سنين، وقالت: “هو اللي اختار نهايته يا رأفت.. اللي يبني حياته على كذبة، لازم يقع على الجذور اللي غشها.”

​سألته وهي بتشرب بق من قهوتها: “وندي؟ لمحت اسمها في أي ورق؟”

​رأفت ضحك بسخرية: “ندى رجعت لمنطقتها القديمة، بتدور على شغل من مكان لمكان بعد ما اسمها اتمسح من السوق ومحدش بقى راضي يشغلها بسبب الفضيحة وقض*ية شريف.. الطمع بيعمي يا منى بيه.”

​في اللحظة دي، أيمن مدير الفندق دخل ومعاه باقة ورد حمراء ضخمة جداً، ووراها كارت شيك.

​منى استغربت: “إيه ده يا أستاذ أيمن؟”

​أيمن ابتسم وقال: “دي من رئيس مجلس إدارة ‘جروب الشرق’.. بيبارك لحضرتك على صفقة الاندماج الجديدة اللي مضيناها الأسبوع اللي فات، وبيقولك إن فندق المنارة بقى رسميًا الواجهة الأولى لكل رجال الأعمال في الوطن العربي.”

​منى مسكت الكارت، قرأته، وبعدين بصت لأيمن ورأفت وقالت بلهجة فيها هيبة وثقة:

“الورد ده يتوزع على مكتب الاستقبال تحت عشان النزلاء هما اللي يشوفوا نجاحنا.. وإحنا مكاننا فوق، بنبص على الشغل وبس.”

​رأفت بص لها بإعجاب كبير وقال: “أبوكي حامد بيه الله يرحمه لو كان عايش، كان هيبقى فخور بيكي جداً يا منى.. أنتِ مش بس حافظتي على اسمه، أنتِ كبرتيه وخليتيه يلمع أكتر من الأول.”

​منى بصت لصورة أبوها المرفوعة في القاعة، ابتسمت من قلبها ولأول مرة تحس بأمان حقيقي، وقالت: “هو معايا في كل خطوة يا رأفت.. والمنارة عمر نورها ما هيطفي.”

​لفت ضهرها وبصت للنيل وهي حاسة إنها قفلت الصفحة القديمة للي الأبد، وبدأت كتابة فصل جديد كله نجاح وقوة.. فصل ملوش نهاية.

 

بعد سنة كاملة من اليوم ده.

​كان فندق “المنارة” بيمر بأكبر مرحلة توسع في تاريخه، وبقت فروع الفندق بتفتح في أكتر من محافظة ساحلية، واسم منى المنشاوي بقى يتصدر غلاف المجلات الاقتصاديّة كأقوى امرأة في إدارة الضيافة والبيزنس.

​في يوم دافي من أيام الصيف، منى كانت واقفة في صالة الاستقبال الرئيسية في الفندق، بتتابع بنفسها التجهيزات لحفلة سنوية كبيرة معمولة لتكريم الموظفين المثاليين؛ التقليد اللي رجعته تاني زي ما كان أبوها بيعمل بالظبط عشان يحسس كل عامل إنه صاحب مكان.

​دخل عليها أيمن، المدير العام، وهو لابس بدلة الاستقبال الرسمية، وبان على وشه ملامح تردد غريبة.

​منى لاحظت نظراته، فسألته بهدوء وثقة: “في إيه يا أستاذ أيمن؟ شكل في حاجة مش مظبوطة برة؟”

​أيمن فرك إيده وقال بصوت واطي: “منى بيه.. في واحدة واقفة برة الفندق بقالها أكتر من ساعتين، الأمن منعها تدخل بناءً على التعليمات القديمة، بس هي مصممة ومقيمة هناك، وبتقول إنها عايزة تقابل حضرتك دقيقة واحدة بس.. لله وللوطن.”

​منى رفعت حاجبها: “مين دي؟”

​أيمن بلق لقى الكلمة صعبة: “دي.. ندى يا فندم.”

​منى سكتت لحظة، وبصت للرخام اللي بيبرق تحت رجليها، وافتكرت الليلة اللي ندى كانت واقفة فيها بنفس المكان وهي مبهورة وعينيها مليانة طمع. قالت لأيمن بنبرة باردة مفيهاش أي شماتة، مجرد حسم: “خليها تدخل مكتب الاستقبال الفرعي.. هشوفها.”

​دخلت منى المكتب، ولقت ندى قاعدة على طرف الكرسي. ملامحها كانت متغيرة تماماً؛ الفستان الحرير والشنطة الغالية والكعب العالي كل ده اختفى. كانت لابسة عباية سودا بسيطة جداً، وشكلها دبلان والتعب باين تحت عينيها.

​أول ما شافت منى دخلت بهيبتها وفستانها الكلاسيك الشيك، ندى وقفت بسرعة وصوتها بيترعش: “منى بيه.. أنا عارفة إن ماليش عين أجي هنا، وعارفة إنك ممكن تطرديني.. بس أنا ضاقت بيا الدنيا ومبقاش في باب إلا وقفل في وشي.”

​منى قعدت ورا المكتب وربعت إيديها: “إيه اللي جابك يا ندى؟”

​ندى نزلت دموعها وقالت بكسرة: “أنا اترميت في الشارع يا فندم.. شريف سابلي ديون وقضايا ومحدش راضي يشغلني في أي مكان في البلد، أول ما بيقرأوا اسمي في الفيش أو يعرفوا إني كنت مرتبطة بقضيته، بيطردوني.. أنا جاية أطلب منك السماح، وجاية أترجاكي تشغليني هنا.. أي حاجة، لو حتى في المطبخ ورا أو النظافة.. أنا بس عايزة لقمة عيش بالحلال ومستعدة لأي شروط.”

​منى بصت لها نظرة طويلة.. مكانش في عينيها غل، لأن شريف وندى بقوا بالنسبالها ماضي تافه وخلص.

​منى اتنفست بهدوء وقالت بصوت قوي وراسي: “أنا مش زعلانة منك يا ندى، لأنك مكانتيش سبب في خيانة شريف ليّا.. شريف كان خاين بطبعه، وأنتِ كنتِ مجرد وسيلة وطمعك عماكي. وفندق المنارة مبيشغلش بالواسطة ولا بالعطف.. الفندق ده بيشغل اللي بيحترم المكان ويصونه.”

​ندى نزلت رأسها في الأرض وهي بتعيط، فمنى كملت كلامها وشاورت لأيمن اللي كان واقف عند الباب: “أستاذ أيمن.. ندى هتروح لفرع الفندق الجديد اللي بنفتحه في الغردقة، هتبدأ هناك من الصفر في قسم الحسابات والأرشيف تحت إشراف الإدارة مباشرة.. لو أثبتت جدارتها وأمانتها، شغلها يكمل، لو لمحت حركـة مش مظبوطة أو طمع.. مكانها برة الفندق فورا.”

​ندى رفعت رأسها ومش مصدقة، وبقت تشكر منى وهي بتمسح دموعها وفرحانة بفرصة الحياة الجديدة اللي جاتلها من الست اللي كانت فاكرة إنها كسرتها في يوم من الأيام.

​خرجت ندى، وبقت منى لوحدها في المكتب.

​بصت من الشباك على الحفلة اللي بدأت برة، وصوت الأغاني والموظفين وهم بيضحكوا وفرحانين بالخير اللي بقوا فيه. حست برضا داخلي كبير.. إنها مش بس أخدت حقها وعاقبت الخاين، دي كمان بقت قوية لدرجة إنها تقدر تعفو وتدي فرص تانية وهي واقفة في مكان عالي جداً محدش يطوله.

​عدلت منى ساعتها، وخرجت عشان تشارك موظفينها فرحتهم، وهي متأكدة إن “حكايات المنارة” اللي بدأت بدموع صامتة في المطبخ، بقت النهاردة قصة نجاح تدرس لكل الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *