اتبرع شخص حكايات روماني مكرم 1
تبرع شخص مجهول لم اعرفه بكلية عشان ينقذ حياة بنتي المراهقة… وبعد كام شهر، ظهر المتبرع ده على باب بيتي ومعاه شنتين سفر، وقال جملة واحدة خلتني أتشعبط في حلق الباب من الصدمة!
كانت بنتي **منة** عندها 15 سنة.
ولمدة سنتين كاملين، كنت بشوف جسمها بيموت بالبطيء قدام عينيا.
تلات جلسات غسيل كلى كل أسبوع في مستشفى الدمرداش، وأساور المستشفى البلاستيك الزرقا كانت بتتكوم فوق الكومودينو جنب سريرها كأنها ذكريات حزينة من حرب مابتخلصش. أما دورنا في قوائم المتبرعين فكان بيمشي سلحفاة… بس عمره ما وصل لينا.
توقفت عن حساب الأيام بالشهور.. كنت بحسبها بمواعيد الغسيل.
حفظت صوت أجهزة الغسيل الكلوي وصافرتها زي ما الأمهات بتحفظ صوت مسلسلات رمضان. عرفت أسامي الممرضات كلهم، شفت صباح وشفت بالليل. واتعلمت إزاي أرسم الضحكة على وشي قدام بنتي وأنا من جوايا كلي حطام وبموت في دقيقة ميت مرة.
أما **منة**، فكانت أجدع وأقوى مننا كلنا.
في ليلة من الليالي لقيتها قاعدة بتعلم على برطمان قزاز كبير جنب سريرها، مليان بعشرات من أساور المستشفى البلاستيك.
قلت لها وأنا بحاول أبتسم:
“يا بنتي ما ترمي البلاستيك ده كله.. ملوش لازمة.”
بصت لي وابتسمت وقالت:
“وليه أرميه يا أمي؟”
قلت لها:
“عشان شكله يقبض القلب وبيفكرنا بالمرض.”
هزت البرطمان في إيدها براحة وقالت:
“بالعكس يا ماما.. ده الدليل إني لسه عايشة وبحارب.”
ضحكت قدامها وطبطبت عليها…
ودخلت الحمام، كتمت بوقي بفوطة وقعدت أعيط بحرقة من قلب قلبي.
كانت أختي **رضوى** هي السند اللي شايلنا طول السنين الصعبة دي. كانت بتاخد منة توديها المستشفى لما أكون أنا في الشغل، وتجيب أكياس الخضار والطلبات وتسيبها قدام باب الشقة وتمشي من غير ما تطلب مليم أو حتى كلمة شكراً.
وفي ليلة وأنا منهارة، قالت لي:
“يا أسماء، مش هتعرفي تسقي حد طول ما أنتي بئرك ناشف من جوة.. ارحمي نفسك.”
رديت عليها وأنا مكسورة:
“أنا مابقتش قادرة أدي حد حاجة يا رضوى.. أنا كل همي بس ما اقعش من طولى.”
حد لغاية اليوم اللي غير حياتنا 180 درجة.
كنت واقفة بطبق الغسيل في الصالة لما تليفوني رن.
كان رقم المستشفى.
قلبي اتنفض في صدري أول ما شفت الرقم.. رديت وإيدي بترتعش.
الدكتورة قالت لي بنبرة سريعة:
“يا مدام أسماء، لقينا متبرع مناسب لـ منة.”
الدنيا لفت بيا والزمن وقف.
همست بصوت مش طالع:
“إيه؟ بتقولي إيه يا دكتورة؟”
قالت لي:
“متبرع حي، جه من برة القوائم خالص. عمل كل التحاليل والاشاعات على حسابه واتضح إن الأنسجة مطابقة تماماً لـ منة.”
قعدت على بلاط الأرض.. والهدوم وقعت من إيدي.
بس الدكتورة كملت:
“لكن عنده شرط واحد.. عايز يفضل مجهول الهوية تماماً. مش عايز أي تواصل، لا قبل العملية ولا بعدها.”
ما سألتش ليه ولا مين.
لما ضناك يرجع له الأمل في الحياة، مابتسألش أسئلة.. أنت بس بتبكي وتسجد لربنا شكر.
العملية نجحت الحمد لله.
ولأول مرة من سنين، الدم رد في وش منة تاني.
رجعت تضحك من قلبها.. وتتخانق معايا عشان مابتنظفش أوضتها.
وترزع باب الأوضة زي أي بنت مراهقة طبيعية في سنها.
وفي يوم، أختي رضوى بصلها وهمست لي:
“البنت رجعت لشبابها تاني يا أسماء.”
قلت لها وفرحتي مش سيعاني:
“لا يا رضوى.. دي رجعت طفلة بتولع الدنيا شقاوة من جديد.”
بعت جواب شكر طويل عريض للمتبرع المجهول عن طريق إدارة المستشفى.
كتبت فيه كل حاجة.. الخوف، السهر، الليالي المرة، والأمل، والدعوات اللي كنت بدعيها في عز الفجر وعلى سجادة الصلاة.
بعد أسبوع، الممرضة قالت لي:
“الراجل قرا الجواب بتاعك.”
سألتها بلهفة:
“وقال إيه؟ رد عليا؟”
قالت لي:
“رفض يقول أي كلمة.. واكتفى بإنه ابتسم وبس.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
فقلت لنفسي: “ماشي.. جايز ربنا بيحب يبعت ملايكة على الأرض ومابيبقاش ليهم أسامي.”
مرت كام شهر..
ومنة رجعت مدرستها في شبرا، ودخلت مجموعات القراءة السنوية، وبدأت تتكلم عن تنسيق الثانوية العامة والجامعة اللي هتدخلها.
الدنيا بدأت تضحك لنا وتدوقنا طعم الاستقرار.. لحد ما جه يوم جمعة بالليل.
الساعة كانت داخلة على تسعة.
منة كانت فوق في أوضتها بتتكلم مع صاحبتها “فيديو كول”.
وأختي رضوى نزلت وراحت بيتها.
وفجأة.. جرس الباب رن.
فتحت الباب..
فتحت الباب..
ولقيت قدامي راجل في أواخر التلاتينات، وشه شاحب، وتحت عينه هالات سودا، لابس قميص وبنطلون باهتين كأنه طالع من رحلة سفر طويلة ومهلكة. وفي إيديه الاتنين كان ماسك شنتين سفر كبار وجنب رجله شنطة تالتة صغيرة.
وقفت مذهولة لثواني، سألته:
“أفندم؟ حضرتك مين؟ وعايز مين؟”
الراجل بص في الأرض، وأخد نفس عميق كأنه بيجمع شتات نفسه، وبعدين رفع عينه في عيني مباشرة وقال الجملة الواحدة اللي خلتني أتشعبط في حلق الباب من الصدمة:
“أنا اللي شلت حتة من جسمي وحطيتها في بطن بنتك عشان تعيش.. ودلوقتي أنا ماليش مكان أنام فيه غير بيتك.”
جسمي كله سقع، والدم هرب من عروقي. بصيت لشنتين السفر اللي معاه، وبصيت لوشه اللي فعلاً كان شبه ملامح حد طالع من عملية كبيرة لسه مأثرة على صحته. لساني عجز عن النطق، وأفكاري اتلخبطت.. المتبرع المجهول؟! الملاك اللي كنت بدعي له في الفجر واقف قدام بابي بشناط سفر وعايز يعيش معايا؟!
قبل ما أنطق بحرف، لقى تعابير وشي المذعورة، فكمل بسرعة وصوته مخنوق:
“أرجوكي ما تخافيش مني.. أنا مش جاي أبتزك ولا جاي أطلب فلوس.. أنا بس ضاقت بيا الدنيا ومبقاش معايا تمن إيجار أوضة، وأهلي تبروا مني لما عرفوا إني اتبرعت بكليتي.. ماليش حتة أروحها.”
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات منة نازلة من الأوضة وهي بتغني وبتضحك.. الصوت اللي الراجل ده كان السبب فيه.
اضطريت أتحامل على ركبي اللي كانت بتترعش، ووسعت له الطريق وقلت بصوت مهزوز:
“اتفضل.. اتفضل ادخل.”
دخل الراجل وحط الشنط في الصالة بتعب شديد، ووقعت عينه على منة اللي أول ما شافته استغربت ووقفت مكانها. الراجل أول ما شافها، عينه لمعت بدموع، وبص لبطنها كأنه بيطمن على الأمانة اللي سابها جواها.
قعد على الكنبة وكأنه جبل وتهد، وأنا وقفت بعيد، عقلي شغال ويسأل: إزاي عرف عنواني؟ والمستشفى إزاي سربت بياناتي؟ والأهم من كل ده.. بيتي اللي ميهوش غير أنا وبنتي المراهقة، إزاي هيعيش فيه راجل غريب، حتى لو كان هو اللي أنقذ حياتنا؟
حسيت بالخوف والمسؤولية والحيرة بتنهش فيا، ومبقاش قدامي غير إني أتصرف بحذر.. دخلت المطبخ بسرعة، وإيدي بترحف، وطلعت تليفوني واتصلت بأختي رضوى، وقلت لها بهمس مرعوب:
“رضوى.. الحقي ارجعيلي حالاً.. الملاك المجهول طلع بشر، وواقف في صالة بيتي ومعاه شنط هدومه!”