اتبرع شخص حكايات روماني مكرم الاخير

لم تمر سوى عشر دقائق كأنها دهر، حتى انفتح باب الشقة ودخلت رضوى وهي تنهج، وعيناها تلمعان بقلق غريزي. وضعت حقيبتها بسرعة وتوقفت في الممر المؤدي إلى الصالة، متأملةً ذلك الرجل الغريب الذي كان يجلس مطأطأ الرأس، واضعًا كفيه بين ركبتيه، يبدو ضئيلًا رغم بنيته، كأنه يحاول الاختباء داخل ملابسه الباهتة.

أشرت لرضوى بيدي فتبعتني إلى المطبخ. أغلقنا الباب الخشبي المتهالك نصف إغلاق، وهمست لها والدموع تجف على وجنتي من شدة التوتر:

“أنتِ شايفاه يا رضوى؟ هو ده.. هو ده اللي أحيا بنتي بإذن ربنا. جاي بشنط سفر وبيقول ملوش مكان ينزل فيه! أنا عقلي هيطير.. إزاي عرف طريقنا؟ والبيت ميهوش غيري أنا وبنتي!”

رضوى، بعقلها العملي الصارم، وضعت يدها على كتفي لتهدئتي وقالت بصوت خفيض:

” اهدي يا أسماء، اوزني الأمور. الراجل ده لحم بنتك من لحمه، لو كان نيتة شر ماكانش جه في النور وطلب الستر.. بس برضه إحنا في مجتمع ومينفعش يبيت هنا خطوة واحدة. تعالي نقعد معاه ونفهم الحكاية أولها من آخرها.”

خرجنا معًا إلى الصالة. كانت منة قد انسحبت إلى غرفتها بناءً على نظرة حازمة مني، لكنني كنت أعلم أنها تقف خلف باب غرفتها تسترق السمع.

جلسنا في المقابل منه. تنحنحت رضوى وقالت بنبرة تجمع بين الامتنان والحذر:

“يا أستاذ.. إحنا عاجزين عن شكرك، وفضلك ده فوق راسنا ليوم الدين. بس إحنا محتاجين نفهم.. أنت مين؟ وإزاي وصلت لهنا؟ وإيه اللي جاب شنطك لبيتنا؟”

رفع الرجل رأسه. كانت عيناه حمراوين من قلة النوم والانكسار. ابتلع ريقه وصوته خرج متحشرجًا:

“أنا اسمي يوسف.. مهندس مساحة. من سنة ونص، أبويا جاله فشل كلوي، وكنت جاهز أديله كليتي، لكنه مات قبل ما نعمل العملية بأسبوع. لما شوفت بنتك في المستشفى بالصدفة وأنا بخلص أوراق وفاتها، وشوفت البرطمان اللي بتجمع فيه الأساور.. افتكرت أبويا. حسيت إن ربنا مخليني أعيش عشان أنقذ البنت دي بالذات.”

سكت قليلاً، ثم تنهد بحسرة أكملت ملامح وجهه الشاحب:

“أهلي صعايدة.. وناشفين قوي في الأصول والعادات. لما عرفوا إني اتبرعت بحتة من جسمي لـ ‘بنت غريبة’ ومن غير فلوس، اعتبروني مجنون وضيعت صحتي وهيبتي. أخواتي قاطعوني، وأمي حلفوا عليا ما أدخل البيت. فوق كل ده، صاحب الشغل لما عرف إني هغيب فترة طويلة بسبب العملية، استغنى عني.. الفلوس اللي معايا خلصت على العلاج والإيجار، والنهارده الصبح صاحب الأوضة اللي كنت مأجرها طردني ورمى شنطي في الشارع.”

سألته ونبضات قلبي تتسارع:

“وطيب.. عرفت عنواني منين؟ المستشفى مش بتطلع البيانات دي!”

ابتسم يوسف ابتسامة مريرة وقال:

“الجواب يا مدام أسماء.. الجواب اللي أنتِ كتبتيه وبعتيه للمستشفى. الممرضة لما ادتهوني، كانت ورقة الجواب مقطوعة من كشكول منة للمدرسة، وفي ضهر الورقة كان مكتوب جدول حصصها واسم مدرستها ‘مدرسة شبرا الثانوية بنات’.. واسمك بالكامل كان مكتوب تحت. أنا مهندس مساحة، وتتبع الأثر وسؤال معارف قدامى في المنطقة لحد ما وصلت لباب بيتك ماكانش صعب.. أنا ما لفتش وراكي بشر، أنا جيت للشخص الوحيد في الدنيا اللي حسيت إنه ممكن يفتكر لي الجميل ده وما يسبنيش أنام في الشارع.”

نزلت كلماته كالمطر الثقيل على صدري. الراجل ضحى بمستقبله، وبأهله، وبصحته، عشان بنتي تعيش وتضحك وتتخانق معايا في الصالة. إزاي أقفله الباب في وشه؟ لكن في نفس الوقت، النظرة الاجتماعية، وكلام الناس، ووجود شاب عازب في بيت امرأة مطلقة وبنتها المراهقة.. معادلة مستحيلة!

نظرت لرضوى، فوجدت في عينيها نفس الحيرة. التفتت رضوى ليوسف وقالت:

“يا بشمهندس يوسف.. أنت فوق راسنا، والجميل ده دين في رقبتنا ليوم الدين. بس أنت سيد العارفين، البيت هنا ميهوش رجالة، والناس في الحارة ما بترحمش.. مقعدك هنا ليلة واحدة هيجيب لأسماء وبنتها الكلام.”

انكسرت ملامح يوسف أكتر، وقام وقف وهو بيشيل الشنط بإيد بترتعش وقال:

“أنا أسف.. أنا أسف إني أحرجتكم. أنا بس ضاقت بيا ومفكرتش صح. أنا هأخد شنطي وأتصرف.”

في اللحظة دي، انفتح باب الغرفة بسرعة، وخرجت منة وهي بتبكي، وقفت قدام يوسف وقالت بصوت عالي وهي بتبصلي:

“لا يا ماما! مش هيمشي! الراجل ده جواه حتة مني.. أو أنا اللي جوايا حتة منه! لما كنت بموت، هو اللي حيا بيا الأمل.. مش هنسيبه يترمي في الشارع عشان كلام الناس!”

وقفت حائرة بين نداء الواجب والضمير، وبين الخوف من المجتمع.. وفي اللحظة دي، رضوى وقفت وقالت جملة غيرت مسار الليلة كلها:

“استنى يا يوسف.. الشنط دي مش هتطلع برا.. بس مش هتقعد هنا!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

نظرتُ إلى رضوى بلهفة، كأنني أتعلق بقشة في بحر هائج. التفت يوسف نحوها وهو ما زال ممسكًا بمقابض حقائبه، وعيناه المعلكتان بالخيبة التمعت فيها بارقة أمل ضئيلة.

قالت رضوى وهي تمسح على كتف منة لتهدئتها:

“أنا جوزي الله يرحمه سابلي دكانة قديمة تحت بيتي في الحارة اللي وراكم.. هي مقفولة بقالها سنتين، وفيها حمام صغير وحوض، وكنا بنستخدمها زي مخزن للكراكيب. مساحتها مش كبيرة، بس مستورة، وفيها مروحة وسرير حديد قديم كنا شايلينه هناك. هتنزل معايا حالاً يا بشمهندس، ننظفها ونفرشها لك، وتبقى قاعد في وسطنا، وتحت عينا، ومحدش يقدر يفتح بوقه بكلمة.. دكانة أخت أم منة، وأنت شغال معاها.”

تنفستُ الصعداء، وشعرت بجبل ينزاح عن صدري. يوسف نزلت دموعه رغماً عنه، حط الشنط على الأرض وحط إيده على وشه وهو بيردد:

“الستر من عندك يا رب.. كتر خيركم.. أنا مش عايز أكتر من أربعة جدران أداري فيهم راسي لحد ما أقف على رجلي.”

بدون تضييع وقت، نزلت رضوى ومعاها يوسف، وأنا ومنة جمعنا بسرعة ملايات سرير نظيفة، وبطانية، وشوية علب أكل مطبوخ وجبنة وعيش من الثلاجة. نزلنا وراهم، وطول الطريق في الحارة الضلمة، كنت بلقي نظرات حذرة حواليا، خايفة حد من الجيران يشوفنا ويسأل.

فتحت رضوى قفل الدكانة الحديدي. صرير الباب كان عالي في هدوء الليل. المكان كان مليان تراب وكراكيب كرتون، بس كان أمان. يوسف ساب الشنط وبدأ يشتغل معانا بهمة رغم تعبه. منة كانت بتناوله الحاجه وهي بتبتسم له، وأنا كنت ببص لوشه في نور اللمبة السهاري الضعيفة.. الراجل ده ملامحه أصيلة، ابن ناس وضاقت بيه، مش ممكن يكون نصاب أو بتاع حيل.

على الساعة واحدة بعد نص الليل، كانت الدكانة تحولت لأوضة بسيطة ومقبولة. يوسف قعد على السرير الحديد وهو بيلهث من المجهود، والتعب متمكن من ملامحه.

حطيت قدامه صينية الأكل وقلت له:

“كل لقمة يا بشمهندس، وخد علاجك ونام.. والصبح ربنا يحلها من عنده. إحنا أهلك من النهارده.”

بص لي ودموعه في عينه وقال:

“شكراً يا مدام أسماء.. أنا عمري ما هنسى لكم الستر ده.”

سبناه وقفلنا عليه باب الدكانة الحديد، ورجعنا بيتنا. منة نامت فوراً من كتر التعب، بس أنا ورضوى قعدنا في الصالة مش جاي لنا نوم. صاحيين لحد الفجر بنتكلم بصوت واطي.. إزاي هنساعده يلاقي شغل؟ وإزاي هنمشي في الحارة والناس بتسأل عن ‘الراجل الجديد’ اللي سكن في دكانة رضوى؟

مرت الأسابيع الأولى هادية. يوسف كان قليل الحركة، مبيخرجش غير للصلاة أو يشتري طلبات بسيطة. رضوى كانت بتبعت له أكل مع ابن اختها الصغير، وأنا كنت بتابع حالته الصحية من بعيد لبعيد، وبدأت ألاحظ إن ملامحه الشاحبة بدأت تروح، والدم رد في وشه تاني.

لحد ما جه يوم، بعد حوالي شهر ونص..

كنت في الشغل لما لقيت تليفوني بيرن، وكانت رضوى. صوتها كان فيه رعشة غريبة وخوف مش طبيعي.

رديت بسرعة: “في إيه يا رضوى؟ يوسف جرى له حاجة؟”

قالت لي وهي بتنهج وصوتها واطي كأنها بتستخبى:

“أسماء.. الحقيني وتعالي على الدكانة حالاً.. في تلات رجالة شكلهم غريب، لابسيبن جلاليب وصعايدة، واقفين بعربيتين دفع رباعي قدام الدكانة، ومعاهم سلاح مستخبي تحت الهدوم، وبيتخانقوا مع يوسف وصوتهم مسمع الشارع كله.. بيقولوا له ‘سلم نفسك بالذوق يا يوسف.. عارنا مش هيتغسل غير بدمك’!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

نزلتُ السلالم كالمجنونة، لم أكن أرى أمامي من فرط الرعب. ط طخات قلبي كانت تسابق خطواتي في شوارع شبرا الضيقة حتى وصلت إلى حارة رضوى.

المشهد كان يحبس الأنفاس؛ سيارتان كبيرتان تقفان بعرض الحارة، وثلاثة رجال بوجوه كأنها قُدت من صخر، يلتفون حول يوسف الذي كان واقفاً بصلابة رغم شحوبه، وظهره مسنود إلى باب الدكانة الحديدي. أحد الرجال، وكان يبدو أكبرهم سناً وعيناه تتطاير منهما الشرار، كان يمسك يوسف من ياقة قميصه ويصرخ بصوت زلزل المكان:

“هربت من الصعيد وجمعت ناسك وراك يا يوسف؟ فاكر إنك لما تبيع حتة من جسمك لغلابة في بندر مصر، عارنا هيموت؟ أنت كسرت كلمتنا ودخلت المستشفى من ورا بيك.. والنهاردة هترجع معانا مكسور الرأس، يا إما دمك هيفارق جسمك هنا!”

الجيران كانوا يراقبون من وراء الشيش بخوف، ورضوى كانت تقف بعيداً وهي ترتعش. في تلك اللحظة، شعرت بنار تحترق في صدري؛ هذا الرجل لم يهرب ليفعل جريمة، هذا الرجل منح ابنتي الحياة!

بدون تفكير، دفعت الرجل الكبير بكل ما أوتيت من قوة حتى تراجع للخلف، ووقفت بجسدي حائرة بينه وبين يوسف. صرخت فيهم وعيني تفيض بالدموع:

“دم مين اللي بيتغسل؟ وعار إيه اللي بتتكلموا عنه؟! الراجل ده أشرف منكم كلكم! الراجل ده ملاك ربنا بعته من السما عشان ينقذ بنتي اللي كانت بتموت بالبطيء!”

في هذه اللحظة، وبشكل لم يتوقعه أحد، ظهرت **منة**.

جاءت تجري خلفي بعد أن علمت بالخبر. وقفت وسط الحارة، ورفعت قميصها قليلاً لتظهر لهم أثر جرح العملية الطويل الذي لم يبرأ تماماً بعد، وقالت بصوت متهدج ولكنه قوي:

“شايفين الجرح ده؟ ده مش جرحي لوحدي.. ده جرح ابنكم يوسف! ابنكم ما هربش عشان يضيع شرفكم، ابنكم ساب كليته هنا عشان يحيي نفس ماتت! ربنا بيقول (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).. ابنكم بطل، وأنتم جايين تقتلوه؟!”

حلّ صمت رهيب على الحارة. تراجع الرجل الكبير خطوة للخلف، ونظر إلى الجرح في بطن منة، ثم نظر إلى يوسف الذي كانت الدموع تسيل على لحيته بصمت. نظرات الصعايدة القاسية بدأت تتزلزل؛ فالكلام عن الشرف والدم اصطدم فجأة بآية قرآنية وبأثر تضحية إنسانية تهز الجبال.

تقدم رجل آخر منهم، يبدو أنه عم يوسف، ووضع يده على كتف كبيرهم وقال بصوت منخفض:

“خلاص يا حاج.. يوسف ما عملش العيبة. يوسف أحيا نفس.. ده واد صالح وعمل بأصلنا، الصعيد ما بيخلفش غير رجالة بتنقذ الناس.. بلاش نكفر بنعمة ربنا.”

نظر الكبير ليوسف طويلاً، ثم أطلق زفرة حارة هزت صدره، وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:

“أنت عملت ده لله يا يوسف؟”

رد يوسف بصوت مخنوق: “والله يا عمي ما أخدت مليم، ولا كنت أعرفهم أصلاً.. عملتها لروح أبويا الله يرحمه.”

هز الكبير رأسه، واقترب من يوسف، وفجأة وبدلاً من السلاح، فتح ذراعيه وضمه بقوة إلى صدره وهو يبكي ويقول: “سامحني يا ولدي.. الشيطان عمى قلوبنا وقولنا إنك بعت نفسك بالفلوس ووطيت راسنا.. ارفع راسك، أنت ولد أبوك صحيح.”

السيارات غادرت الحارة بعد أن أصر أهله على إعادته معهم إلى بلدته معززاً مكرماً، ووعدوا بأن يفتحوا له عملاً جديداً هناك. قبل أن يركب يوسف السيارة، التفت إليّ وإلى منة، وانحنى قليلاً وقال:

“أنا مش هودعكم.. لأن حتة مني هتعيش هنا طول العمر.”

### 💡 الحكمة من القصة:

> **”إن صنائع المعروف تقي مصارع السوء”**

> الخير لا يضيع أبداً؛ فالأبواب التي تظن أنها أُغلقت في وجهك بسبب معروف فعلته، هي ذاتها الأبواب التي سيفتحها الله لك لتكون نجاتك. يوسف أنقذ حياة فتاة مجهولة، فكانت هذه الفتاة وأمها هما الدرع والسند الذي حمى حياته ورد له كرامته وأهله في اللحظة الأخيرة. ازرع الخير أينما كنت، فإنه سيعود إليك يوماً ما، ولو بعد حين.

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *