خمس ايام حكايات روماني مكرم 1

جوزي سمع الدكتور بيقول إن فاضلي بس خمس أيام وأموت، مسك إيدي وابتسم وهمس وقال:

> «أخيرًا… خمس أيام بس وكل بيتك وفلوسك هيبقوا ملكى انا بتوعي لوحدى»

 

وبعد ما خرج من الأوضة، فضلت أسمع صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، وأنا بحاول أتحكم في دقات قلبي.

 

اسمي إلهام فؤاد… عندي ٤٩ سنة، دكتورة سابقة اتحولت لرئيسة مجلس إدارة مجموعة عيادات ومشروعات طبية في القاهرة. بنيت كل حاجة من الصفر: كل عقار، كل حساب بنكي، كل استثمار كان باسمي قبل ما أتجوز بدير جابر.

ما كانش عندي أطفال، ولا شريك حياة… كان عندي شغلي وبس. ولما وصلت سن ٤٦، حسيت إن بيوتي مليانة، بس حياتي فاضية. وساعتها ظهر بدير — أصغر مني بعشر سنين، وسيم، لَبِق، وشغال إداري في مستشفى من مستشفياتي. لما عزمني على العشا، حسيت إني رجعت بنت عندها ٢٥ سنة، وصدقت إني لقيت الحب أخيرًا.

لكن بعد تلات سنين… لقيت نفسي في أوضة كبار الزوار في المستشفى، كبدي بيقف، وكلاويّ بتنهار، وجسمي أصفر تحت إضاءة أنا اللي كنت منقياها بنفسي عشان تريح العيانين.

وسمعت رئيس الطاقم الطبي بيقول لبدير بصوت مكسور:

> «خمس أيام بالكتير… ويمكن أقل. أنا آسف يا بدير بيه.»

>

كنت حاسة إن جسمي بيهد من بدري، بس لما سمعتها بصوت واضح، عرفت إن اللي بيتغير مش بس اللي جوايا… ده كمان الأقنعة اللي حواليا كلها بتقع.

 

غمضت عيني وعملت نفسي نايمة. دخل بدير، وقعد على طرف السرير، ومسك إيدي وفضل يحرك صباعه على معصمي كأنه في لحظة حنية، لكن لما قرب من ودني، صوته كان حاجة تانية خالص.. صوت يخوف.

قال وهمس:

> «أخيرًا… استنيت اللحظة دي كتير. تلات سنين تمثيل… تلات سنين أصحى على وشك البارد المشغول… أسمع محاضراتك عن الأخلاق وإنتِ قاعدة على ثروة كنتِ فاكرة إنك اشتريتي بيها راجل أصغر منك. ما كنتيش تعرفي إن خطتي أنا أحسن بكثير.»

>

سكت ثانية، وبعدين قال:

> «الشاي كان تحفة… جرعات صغيرة كل يوم. قالوا توتر، قالوا إرهاق، قالوا سن ويأس… ولا مخلوق هيشك في حاجة. هتموتي، وأنا اللي هورث كل حاجة: بيتك، فلوسك، مستشفياتك… كل مليم باسمك هيبقى بتاعي.»

>

ضغط على إيدي آخر ضغطة، وعدّل الغطا عليّ وزبطه زي أي زوج مخلص، وخرج وهو بيكلم الممرضة بصوت متأثر ومكسور، كأنه الزوج المنهار من العياط.

 

الباب اتقفل. فتحت عيني.

**خمس أيام**… هو فاكرهم أيام انتصاره، لكن بالنسبة لي كانوا عدّاد تنازلي لدماره وخربه.

الصدمة خبطتني في الأول، بس عقلي اشتغل في ثانية وبسرعة؛ إزاي أقلب الترابيزة عليه؟ هو ما كانش يعرف إني من شهور مراقبة كل حاجة: كل حركة، كل جرعة شاي، كل ابتسامة صفرا ومزيفة. أنا مش صيد سهل يتاكل كدا.

أول ما سمعت خطواته بتبعد، بصيت على جهاز المراقبة اللي قدامي، النور الأخضر بيرمش بإيقاع ثابت… إيقاع أنا عارفة أتحكم فيه كويس. من ست شهور، أول ما حسيت إن تعبي ده مش طبيعي، بدأت أراجع كل حاجة: عقودي، توكيلاتي، حساباتي في البنوك، وحتى كاميرات بيتي. خبرتي كدكتورة وكمديرة شركات كانت هي درعي… وكل درع استخدمته في داري وبصمت تامر.

والأهم من كل ده… إني ما بقيتش لوحدي زي ما بدير فاكر وغرقان في أوهامه.

 

مديت إيدي بالراحة تحت المخدة وضغطت على زرار صغير… زرار محدش يعرف بطريقه غير تلاتة بس في الشركة كلها. مش طوارئ طبية… دي طوارئ قانونية بحتة.

الزرار ده بعت رسالة واحدة لمكتب المحامي بتاعي:

الخطة اللي حطّيتها أول ما الشك لعب في دماغى لما لاحظت إن الشاي اللي بيعملهولي بإيده عمره ما بيمد إيده يشرب منه بق واحد، ولما بدأ يسأل كتير وبطريقة مكشوفة عن أوراق الملكية والعقود. ماكنتش متأكدة وقتها بنسبة مية في المية… بس كنت عاملة حسابي ومستعدة

#الكاتب_رومانى_مكرم

رفعت جسمي بالعافية وبتحدي، وسحبت ملف بلاستيك صغير من الدرج اللي جنب السرير، ملف فيه أوراق كان ناقصها توقيع واحد بس مني.. كنت مستنية اللحظة اللي بدر يكشف فيها وشه الحقيقي بالكامل.

واللفتة دي جت لحد عندي. مسكت القلم… ودست على وجعي وتجاهلت الألم. **الخمس أيام دول مش هيبقوا بتوعه، هيبقوا الجحيم اللي هيعيش فيه بقية عمره ورا القضبان.**

يا ## الجزء الثاني

وقعت على الورقة الأخيرة. قلمي الحبر جفف السطر الأخير من العقد، كأنه كان بيحط المسمار الأخير في نعش بدير وجشعه.

الملف ده ما كانش وصية… أنا مستحيل أسيب له مليم واحد يفتكر إنه كسبه بالسم اللي كان بيحطهولي في الشاي. الملف ده كان “عقد بيع وشراء وتنازل كامل” عن كافة أصول ومستشفيات وممتلكات إلهام فؤاد لصالح مؤسسة خيرية كبرى ومجموعة استثمارية طبية منافسة، بتاريخ مسبق وموثق بالشهر العقاري، ومرفق معاه توكيل إدارة كامل للمحامي بتاعي، أستاذ عاصم.

في نفس الدقيقة، الباب اتفتح بهدوء، ودخل عاصم. ملامحه كانت صارمة، وعيونه مليانة غضب مكتوم وهو بيبص لحالتي، بس نظرة الذكاء في عينه طمنتني. مد إيده وأخد الملف، وبص للتوقيع وقال بصوت واطي:

> «كل حاجة جاهزة يا دكتورة إلهام. الأوراق هتوصل للجهات الرسمية قبل ما اليوم يخلص. بدير قانونًا من اللحظة دي مش هيملك حتى السرير اللي إنتِ نايمة عليه.»

>

هزيت راسي بتعب، وقلتله بصرامة وأنا بنهج:

> «مش بس الأوراق يا عاصم… التسجيلات. الكاميرا المخفية اللي في أوضة النوم واللا سلكي اللي في المطبخ. أنا عايزة ملف السموم والتحاليل الجنائية للدم اللي عملتها برة المستشفى هنا تكون على مكتب النائب العام.»

>

عاصم ابتسم ابتسامة باهتة وقال:

> «كله تحت السيطرة. التحاليل أثبتت وجود مادة “الثاليوم” بنسب تراكمية في دمك، والملفات والفيديوهات وهو بيحط الجرعات في الشاي وبيمسح الكوبايات جاهزة. بس إحنا محتاجين الخمس أيام دول يمروا كأنك بتموتي فعلاً عشان يقع في الفخ بكامل إرادته ومن غير ما يشك ويهرب.»

>

مر اليوم الأول والتاني… وبدير كان عايش دور الزوج المكلوم ببراعة تستحق الأوسكار. كان بيدخل الأوضة، يمسك إيدي قدام الممرضين والدموع في عينه، ويهمس بـ “أدعية الشفاء”، وأول ما الكل يخرج، يميل على ودني ويقول بامتشاق وفرحة مكتومة:

> «عدى يومين يا لولو… فاضل تلاتة. المحامي بتاعي جهز كل ورق حصر الورثة، ومستني بس شهادة الوفاة عشان يستلم المفاتيح. تصدقي هتوحشيني؟ بس مستشفياتك هتبقى في إيد أمينة.»

>

كنت بكتم دقات قلبي، وبعمل نفسي في غيبوبة تامة، وجهاز النبض كان بيصفر بإيقاع ضعيف ومبرمج بالاتفاق مع رئيس الطاقم الطبي — اللي طلع في الآخر صديق عمري ودفعته في الكلية، وكان معايا في الصورة من أول لحظة.

في اليوم الرابع، بدير بدأ يتصرف كأنه مالك المكان؛ دخل الأوضة وهو بيتكلم في التليفون بصوت عالي وبيقول لسيراميك القصر:

> «أيوا يا متر، جهزلي عقود بيع الفيلا بتاعة التجمع، مش بحب الديكور بتاعها… وأول ما أستلم الإدارة هغير مجلس الإدارة كله.»

>

بصيت له من تحت جفوني الشبه مقفولة، وشفت في عينه نظرة انتصار مريض. كان فاكر إنه قت*ل الضحية وورثها، وما يعرفش إن الضحية هي اللي بتسحبه للمشنقة برجليه.

جاء اليوم الخامس… يوم النهاية المنتظر.

الصبح بدري، بدير دخل الأوضة ومعاه محاميه الخاص، ووشه باين عليه الترقب. النبض على الشاشة بدأ يقل ويقل… والمؤشرات بتنزل للصفر. الدكتور أعلن الوفاة إكلينيكيًا، وبدير أطلق صرخة تمثيلية عالية ورمى نفسه على السرير وهو بيعيط.

بعد ساعتين بس، وبدير واقف في مكتب إدارة المستشفى، لابس أسود، وعلامات الحزن على وشه، دخل عليه المحامي بتاعي، أستاذ عاصم، ومعاه اتنين من رجال الشرطة برتب رفيعة، ومعاهم أمر ضبط وإحضار.

بدير وقف ومسح دموعه بسرعة وقال باستنكار:

> «في إيه؟ إنتو مين؟ وإزاي تدخلوا عليا كده في وقت عزا مراتي؟»

>

عاصم طلع الملف الأسود من شنطته، ورماه على المكتب وقال بثقة زلزلت الأرض تحت رجلين بدير:

> «عزا مين يا بدير بيه؟ الدكتورة إلهام فؤاد باعت وكلت كل ممتلكاتها ومستشفياتها قبل ما تتعب أصلاً. إنت مش هتورث منها غير بدلة السجن… بتهمة الشروع في الق*تل بالسم البطء، والتآمر لسرقة أموالها.»

>

وش بدير اتحول للون الأزرق، وركبه خبطت في بعضها وهو بيشوف الظابط بيطلع الكلبشات وبيقوله:

> «معانا أمر من النيابة العامة بناءً على تسجيلات صوت وصورة وفيديو وإنت بتقدم لها السم، وتقرير الطب الشرعي لعينات دمها. اتفضل معانا من غير شوشرة.»

>

في اللحظة دي، بدير التفت لباب المكتب وهو مش مصدق، والباب اتفتح… ودخلت أنا، على كرسي متحرك، بوش شاحب بس بعيون كلها قوة وتحدي، وبصيت في عينه المبرقة من الصدمة والرعب، وقلتله بصوت هز الأوضة:

> «فاكر إن خمس أيام كفاية عشان تموتني وتورثني يا بدير؟ الخمس أيام دول كانوا حبل المشنقة اللي إنت لفيته حوالين رقبتك بإيدك. الشر برضه غبي… وإلهام فؤاد مش الضحية اللي هتموت في صمت.»

>

 
## الجزء الثالث

بدير وقع على ركبه في الأرض، وعيونه كانت طالعة لبرة وهو بيبصلي وكأنه شاف شبح خرج من القبر. شفايفه كانت بتترعش، وحاول ينطق اسمي، بس الصوت ما طلعش من حنجرته.

الظابط كلبش إيديه ورفعه من على الأرض بعنف، وهو بيصرخ وبيتلوى زي الدبيحة:

> «مستحيل! إزاي؟! الدكاترة قالوا فاضل أيام… التقرير الطبي… النبض وقف! إنتِ لسة عايشة؟! إنتِ شيطانة؟!»

>

قربت بالكرسي المتحرك لحد ما بقيت في وشه بالظبط، وبصيت في عيونه اللي مليانة رعب وقلتله بابتسامة باردة:

> «الشيطان هو اللي يعيش تلات سنين بياكل في خير ست، وبيخطط يق*تلها بالبطء عشان يورثها. أنا دكتورة يا بدير… وعارفة إمتى دقات قلبي تقف وإمتى تشتغل، وعارفة إزاي أخلي الطاقم الطبي كله يمثل عليك اللعبة اللي إنت بدأتها. السم اللي كنت بتحطهولي في الشاي؟ أنا كنت عارفاة من أول شهر، وبدلت الجرعات بمادة تانية تخلي أعراضي تظهر قدامك زي ما إنت عايز، والتحاليل الحقيقية كانت بتتبعت للنيابة أول بأول.»

>

الظابط سحبه وهو بيجري في الممر زي الفأر المذعور، وصوت الكلبشات كان بيرن في ودني زي أحلى معزوفة انتصار سمعتها في حياتي.

مرت تلات أسابيع على ليلة القبض على بدير.

صحتي بدأت ترجعلي تدريجيًا بعد ما وقفت اللعبة وبدأت آخد المضادات الحيوية والكورس العلاجي الحقيقي تحت إشراف دكاترة مخلصين. كنت قاعدة في مكتبي الرئيسي في الشركة، ببص على النيل من الشباك، والهدوء بدأ يرجع لقلبي.

دخل عاصم المحامي وهو شايل في إيده ملف جديد، وقعد قدامي وقال وهو بيتنهد:

> «النيابة قفلت التحقيق يا دكتورة إلهام، وتحويل بدير لمحكمة الجنايات هيكون الأسبوع الجاي. القض*ية مقفولة تمامًا؛ الاعترافات والتسجيلات والتحاليل الطبية مش سايباله أي فرصة للهروب. هيقضي بقية عمره ورا القضبان.»

>

سندت ضهري لورا وقلتله:

> «والأوراق اللي وقعتها؟ أوراق التنازل للمؤسسة الخيرية؟»

>

عاصم ابتسم وقال:

> «زي ما اتفقنا… الأوراق دي كانت مجرد فخ ومناورة قانونية عشان نثبت نية بدير وندفعه للتحرك بسرعة ويكشف كل أوراقه، والعقود دي تعتبر لاغية ومحفوظة عندي في المكتب. ثروتك ومستشفياتك كلها لسة باسمك، ومحدش يقدر يلمس منها مليم واحد.»

>

حسيت براحة كبيرة، بس الراحة دي ما دامتش غير لدقايق.

تليفوني الخاص رن برقم غريب. ردت برسمية:

> «ألو.. مين معايا؟»

>

جاني صوت راجل، بس مش صوت بدير… صوت غريب، خشن، وفي نبرته ثقة مرعبة تخلي الدم يتجمد في العروق. الراجل ضحك ضحكة واطية وقال:

> «مبروك النجاة يا دكتورة إلهام… لحقتي نفسك في آخر لحظة وقلبتي الترابيزة على المغفل بدير. بس تفتكري اللعبة خلصت؟»

>

قبضت إيدي على التليفون، وحسيت بنغزة في قلبي وقلت بحدة:

> «إنت مين؟ وعايز إيه؟»

>

الصوت رد ببرود:

> «بدير ما كانش بيتحرك من دماغه… بدير كان مجرد العروسة اللي بنحركها بالخيوط عشان نوصل لشركتك ومستشفياتك. هو فشل… بس إحنا لسة ما بدأناش. الشاي اللي كنتِ بتشربيه؟ المادة اللي فيه ما كانتش ثاليوم بس يا دكتورة… فيه حاجة تانية جوة جسمك دلوقتي، زرعناها بالبطء، والريموت بتاعها معانا إحنا. لو عايزة تعيشي بجد… جهزي ورق التنازل الحقيقي، وللإدارة الفوقية بتاعتنا… وإلا الخمس أيام اللي فاتوا هيبقوا جنة جنب اللي هيحصلك.»

>

الخط قطع.

بصيت لشاشة التليفون وأنا مش مصدقة، وجسمي بدأ يترعش تاني… بس المرة دي مش من السم، المرة دي من الخوف من المجهول اللي مستنيني. التفت لعاصم اللي كان بيبصلي بقلق، وعرفت إن المعركة الحقيقية لسة هتبدأ حالا.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء الرابع

وقفت مكاني، التليفون وقع من إيدي على المكتب الخشب، وصوته وهو بيخبط في الأرض صحاني من الصدمة. عاصم اتنفض من مكانه وقرب مني وبص لملامحي الوش المخطوفة وقال بقلق:

> «في إيه يا دكتورة؟ مين اللي كان بيتكلم؟ وبدير إيه علاقته باللي بيحصل تاني؟»

>

خدت نفس طويل وصعب، وحسيت فجأة إن الهوا في الأوضة بدأ يقل. بصيت لعاصم وقلت بصوت حاد ومرعش:

> «بدير طلع مجرد مغفل يا عاصم… كلب فلوس، في حد أكبر منه بكتير كان ممشيه. حد هو اللي كان بيديله السم، وحد عارف تفاصيل حالتي الطبية أكتر مني ومن الدكاترة بتوعي.»

>

نزلت على الأرض، جبت التليفون، وطلبت من السكرتارية فوراً يستدعوا رئيس الطاقم الطبي، دكتور شريف، صديق عمري اللي أشرف على خطة الهروب بتاعتي.

بعد نص ساعة، كان شريف قاعد في مكتبي، وشه مقلوب وعلامات القلق واضحة عليه وهو بيسمع اللي حصل في المكالمة.

شريف هز رأسه برفض تام وقال:

> «مستحيل يا إلهام! التحاليل اللي عملناها في معمل برة المستشفى أثبتت إن المادة هي الثاليوم بس، ودي اللي جففنا أثرها من جسمك بالعلاج. كلام الراجل ده إما تهديد عشان يخليكي تتنازلي عن خوف، أو…»

>

سكت شريف فجأة، وعيونه وسعت وكأنه افتكر حاجة مرعبة. أنا وقفت وقربت منه وقلت بلهفة:

> «أو إيه يا شريف؟ انطق!»

>

شريف بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيقول:

> «أو إن نوع السم اللي كان بيتحطلك مش سم كيميائي تقليدي… في بروتوكولات علاجية حديثة وأبحاث نزلت من سنة عن تركيبات جزيئية حيوية (Bio-toxins) ما بتظهرش في تحليل الدم العادي، وبتتنشط في الجسم بعد فترة معينة أو بمحفز خارجي، زي مادة كيميائية تانية أو حتى ضغط عصبي عالي يرفع الأدرينالين.»

>

الكلام نزل عليا زي الصاعقة. خبرتي الطبية خلتني أفهم أبعاد كلامه؛ أنا لسة في خطر، والخمس أيام اللي فاتوا ما كانوش النهاية، دول كانوا مجرد بداية العد التنازلي الحقيقي.

في نفس اللحظة، تليفون المكتب الأرضي رن. عاصم رفع السماعة بسرعة، وسمع ثواني، وبعدين وشّه اتقلب وبصلي وهو بيقول:

> «ده حرس المبنى تحت… بيقولوا إن في طرد وصل باسمك دلوقتي، ومكتوب عليه “سري للغاية ومستعجل”.»

>

عاصم طلب منهم يبعتوا الطرد مع رئيس الأمن بعد ما يفحصوه. الطرد كان عبارة عن صندوق قطيفة أسود صغير. عاصم فتحه بحذر، ولقينا جواه “أمبول” زجاجي فيه سائل شفاف، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط كمبيوتر مطبوع:

> «ده الترياق للجرعة التنشيطية اللي هتبدأ تشتغل في جسمك كمان 48 ساعة. لو حابة الأمبول التاني اللي هينهي الموضوع تماماً، بكرة الساعة 10 الصبح، محاميكِ عاصم يكون واقف في مكتب توثيق الشهر العقاري في الجيزة، ومعاه عقود التنازل عن 51% من أسهم مجموعة المستشفيات لصالح شركة (ألفا هولدنج) العالمية… وإلا، الموت المرة دي مش هيكون تمثيل.»

>

شريف سحب الأمبول بسرعة وقال:

> «أنا هاخد السائل ده فوراً على معمل الأبحاث الرئيسي في الجامعة، لازم أعرف تركيبته إيه عشان نقدر نوصل للمادة المضادة من غير ما نلجأ ليهم.»

>

عاصم بصلي وقال بصرامة:

> «أنا هبدأ أتحرى عن شركة (ألفا هولدنج) دي، لازم نعرف مين اللي وراها في مصر ومين الاسم الحقيقي اللي بيحرك الخيوط من ورا الستار.»

>

مرت الساعات تقيلة ومخيفة. كل دقة في قلبي كنت بحس إنها ممكن تكون الدقة الأخيرة. بدأت أحس بوخز خفيف في أطراف صوابعي، وما كنتش عارفة هل ده وهم من الخوف، ولا السم الحيوي بدأ يتنشط فعلاً زي ما الراجل قال.

الساعة جَت 2 بالليل. تليفوني رن تاني برقم مخفي. فتحت الخط وأنا كابسة على أعصابي:

> «أنا مش هخضع ليكم… ومش هسيب شقى عمري لشوية مجرمين.»

>

الصوت ضحك بسخرية وقال:

> «شقا عمرك؟ إنتِ فاكرة إنك بنيتي الإمبراطورية دي لوحدك يا دكتورة؟ فكري تاني كدا… فكري في الأرض اللي بنيتي عليها أول مستشفى ليكي في القاهرة من خمسطاشر سنة… الأرض دي كانت بتاعة مين؟ ومين اللي سهلك التراخيص والقروض؟ إنتِ مجرد واجهة لفلوسنا من زمان، وبدير كان غلطتنا الكبيرة عشان طماع وجاهل. اللعب دلوقتي بقى على المكشوف ومع الكبار.»

>

جسمي كله سقع. الكلام اللي قاله رجعني سنين لورا… ذكريات وتفاصيل أنا نفسي كنت ناسياها أو فاكرة إنها مشيت بالقانون.

قبل ما أنطق بكلمة، الصوت كمل:

> «وعشان تعرفي إننا جادين… بصي من شباك مكتبك حالا.»

>

جريت على الشباك وبصيت في الشارع… وشفت عربية سودا واقفه، نزل منها راجل لابس كاب، وبص لفوق ناحية مكتبي، وولع ولاعة ونور بيها وشه لثانية واحدة عشان أشوفه.

لما شفت وشه… صرخت وحطيت إيدي على بوقي من الصدمة. الراجل ده مش غريب عليا… ده الشخص اللي كنت فاكرة إنه مات من عشر سنين!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *