خمس ايام الاخير
جوزي سمع الدكتور بيقول إن فاضلي بس خمس أيام وأموت، مسك إيدي وابتسم وهمس وقال:
> «أخيرًا… خمس أيام بس وكل بيتك وفلوسك هيبقوا ملكى انا بتوعي لوحدى»
وبعد ما خرج من الأوضة، فضلت أسمع صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، وأنا بحاول أتحكم في دقات قلبي.
اسمي إلهام فؤاد… عندي ٤٩ سنة، دكتورة سابقة اتحولت لرئيسة مجلس إدارة مجموعة عيادات ومشروعات طبية في القاهرة. بنيت كل حاجة من الصفر: كل عقار، كل حساب بنكي، كل استثمار كان باسمي قبل ما أتجوز بدير جابر.
ما كانش عندي أطفال، ولا شريك حياة… كان عندي شغلي وبس. ولما وصلت سن ٤٦، حسيت إن بيوتي مليانة، بس حياتي فاضية. وساعتها ظهر بدير — أصغر مني بعشر سنين، وسيم، لَبِق، وشغال إداري في مستشفى من مستشفياتي. لما عزمني على العشا، حسيت إني رجعت بنت عندها ٢٥ سنة، وصدقت إني لقيت الحب أخيرًا.
لكن بعد تلات سنين… لقيت نفسي في أوضة كبار الزوار في المستشفى، كبدي بيقف، وكلاويّ بتنهار، وجسمي أصفر تحت إضاءة أنا اللي كنت منقياها بنفسي عشان تريح العيانين.
وسمعت رئيس الطاقم الطبي بيقول لبدير بصوت مكسور:
> «خمس أيام بالكتير… ويمكن أقل. أنا آسف يا بدير بيه.»
>
كنت حاسة إن جسمي بيهد من بدري، بس لما سمعتها بصوت واضح، عرفت إن اللي بيتغير مش بس اللي جوايا… ده كمان الأقنعة اللي حواليا كلها بتقع.
غمضت عيني وعملت نفسي نايمة. دخل بدير، وقعد على طرف السرير، ومسك إيدي وفضل يحرك صباعه على معصمي كأنه في لحظة حنية، لكن لما قرب من ودني، صوته كان حاجة تانية خالص.. صوت يخوف.
قال وهمس:
> «أخيرًا… استنيت اللحظة دي كتير. تلات سنين تمثيل… تلات سنين أصحى على وشك البارد المشغول… أسمع محاضراتك عن الأخلاق وإنتِ قاعدة على ثروة كنتِ فاكرة إنك اشتريتي بيها راجل أصغر منك. ما كنتيش تعرفي إن خطتي أنا أحسن بكثير.»
>
سكت ثانية، وبعدين قال:
> «الشاي كان تحفة… جرعات صغيرة كل يوم. قالوا توتر، قالوا إرهاق، قالوا سن ويأس… ولا مخلوق هيشك في حاجة. هتموتي، وأنا اللي هورث كل حاجة: بيتك، فلوسك، مستشفياتك… كل مليم باسمك هيبقى بتاعي.»
>
ضغط على إيدي آخر ضغطة، وعدّل الغطا عليّ وزبطه زي أي زوج مخلص، وخرج وهو بيكلم الممرضة بصوت متأثر ومكسور، كأنه الزوج المنهار من العياط.
الباب اتقفل. فتحت عيني.
**خمس أيام**… هو فاكرهم أيام انتصاره، لكن بالنسبة لي كانوا عدّاد تنازلي لدماره وخربه.
الصدمة خبطتني في الأول، بس عقلي اشتغل في ثانية وبسرعة؛ إزاي أقلب الترابيزة عليه؟ هو ما كانش يعرف إني من شهور مراقبة كل حاجة: كل حركة، كل جرعة شاي، كل ابتسامة صفرا ومزيفة. أنا مش صيد سهل يتاكل كدا.
أول ما سمعت خطواته بتبعد، بصيت على جهاز المراقبة اللي قدامي، النور الأخضر بيرمش بإيقاع ثابت… إيقاع أنا عارفة أتحكم فيه كويس. من ست شهور، أول ما حسيت إن تعبي ده مش طبيعي، بدأت أراجع كل حاجة: عقودي، توكيلاتي، حساباتي في البنوك، وحتى كاميرات بيتي. خبرتي كدكتورة وكمديرة شركات كانت هي درعي… وكل درع استخدمته في داري وبصمت تامر.
والأهم من كل ده… إني ما بقيتش لوحدي زي ما بدير فاكر وغرقان في أوهامه.
مديت إيدي بالراحة تحت المخدة وضغطت على زرار صغير… زرار محدش يعرف بطريقه غير تلاتة بس في الشركة كلها. مش طوارئ طبية… دي طوارئ قانونية بحتة.
الزرار ده بعت رسالة واحدة لمكتب المحامي بتاعي:
الخطة اللي حطّيتها أول ما الشك لعب في دماغى لما لاحظت إن الشاي اللي بيعملهولي بإيده عمره ما بيمد إيده يشرب منه بق واحد، ولما بدأ يسأل كتير وبطريقة مكشوفة عن أوراق الملكية والعقود. ماكنتش متأكدة وقتها بنسبة مية في المية… بس كنت عاملة حسابي ومستعدة
#الكاتب_رومانى_مكرم
رفعت جسمي بالعافية وبتحدي، وسحبت ملف بلاستيك صغير من الدرج اللي جنب السرير، ملف فيه أوراق كان ناقصها توقيع واحد بس مني.. كنت مستنية اللحظة اللي بدر يكشف فيها وشه الحقيقي بالكامل.
واللفتة دي جت لحد عندي. مسكت القلم… ودست على وجعي وتجاهلت الألم. **الخمس أيام دول مش هيبقوا بتوعه، هيبقوا الجحيم اللي هيعيش فيه بقية عمره ورا القضبان.**
يا ## الجزء الثاني
وقعت على الورقة الأخيرة. قلمي الحبر جفف السطر الأخير من العقد، كأنه كان بيحط المسمار الأخير في نعش بدير وجشعه.
الملف ده ما كانش وصية… أنا مستحيل أسيب له مليم واحد يفتكر إنه كسبه بالسم اللي كان بيحطهولي في الشاي. الملف ده كان “عقد بيع وشراء وتنازل كامل” عن كافة أصول ومستشفيات وممتلكات إلهام فؤاد لصالح مؤسسة خيرية كبرى ومجموعة استثمارية طبية منافسة، بتاريخ مسبق وموثق بالشهر العقاري، ومرفق معاه توكيل إدارة كامل للمحامي بتاعي، أستاذ عاصم.
في نفس الدقيقة، الباب اتفتح بهدوء، ودخل عاصم. ملامحه كانت صارمة، وعيونه مليانة غضب مكتوم وهو بيبص لحالتي، بس نظرة الذكاء في عينه طمنتني. مد إيده وأخد الملف، وبص للتوقيع وقال بصوت واطي:
> «كل حاجة جاهزة يا دكتورة إلهام. الأوراق هتوصل للجهات الرسمية قبل ما اليوم يخلص. بدير قانونًا من اللحظة دي مش هيملك حتى السرير اللي إنتِ نايمة عليه.»
>
هزيت راسي بتعب، وقلتله بصرامة وأنا بنهج:
> «مش بس الأوراق يا عاصم… التسجيلات. الكاميرا المخفية اللي في أوضة النوم واللا سلكي اللي في المطبخ. أنا عايزة ملف السموم والتحاليل الجنائية للدم اللي عملتها برة المستشفى هنا تكون على مكتب النائب العام.»
>
عاصم ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
> «كله تحت السيطرة. التحاليل أثبتت وجود مادة “الثاليوم” بنسب تراكمية في دمك، والملفات والفيديوهات وهو بيحط الجرعات في الشاي وبيمسح الكوبايات جاهزة. بس إحنا محتاجين الخمس أيام دول يمروا كأنك بتموتي فعلاً عشان يقع في الفخ بكامل إرادته ومن غير ما يشك ويهرب.»
>
مر اليوم الأول والتاني… وبدير كان عايش دور الزوج المكلوم ببراعة تستحق الأوسكار. كان بيدخل الأوضة، يمسك إيدي قدام الممرضين والدموع في عينه، ويهمس بـ “أدعية الشفاء”، وأول ما الكل يخرج، يميل على ودني ويقول بامتشاق وفرحة مكتومة:
> «عدى يومين يا لولو… فاضل تلاتة. المحامي بتاعي جهز كل ورق حصر الورثة، ومستني بس شهادة الوفاة عشان يستلم المفاتيح. تصدقي هتوحشيني؟ بس مستشفياتك هتبقى في إيد أمينة.»
>
كنت بكتم دقات قلبي، وبعمل نفسي في غيبوبة تامة، وجهاز النبض كان بيصفر بإيقاع ضعيف ومبرمج بالاتفاق مع رئيس الطاقم الطبي — اللي طلع في الآخر صديق عمري ودفعته في الكلية، وكان معايا في الصورة من أول لحظة.
في اليوم الرابع، بدير بدأ يتصرف كأنه مالك المكان؛ دخل الأوضة وهو بيتكلم في التليفون بصوت عالي وبيقول لسيراميك القصر:
> «أيوا يا متر، جهزلي عقود بيع الفيلا بتاعة التجمع، مش بحب الديكور بتاعها… وأول ما أستلم الإدارة هغير مجلس الإدارة كله.»
>
بصيت له من تحت جفوني الشبه مقفولة، وشفت في عينه نظرة انتصار مريض. كان فاكر إنه قت*ل الضحية وورثها، وما يعرفش إن الضحية هي اللي بتسحبه للمشنقة برجليه.
جاء اليوم الخامس… يوم النهاية المنتظر.
الصبح بدري، بدير دخل الأوضة ومعاه محاميه الخاص، ووشه باين عليه الترقب. النبض على الشاشة بدأ يقل ويقل… والمؤشرات بتنزل للصفر. الدكتور أعلن الوفاة إكلينيكيًا، وبدير أطلق صرخة تمثيلية عالية ورمى نفسه على السرير وهو بيعيط.
بعد ساعتين بس، وبدير واقف في مكتب إدارة المستشفى، لابس أسود، وعلامات الحزن على وشه، دخل عليه المحامي بتاعي، أستاذ عاصم، ومعاه اتنين من رجال الشرطة برتب رفيعة، ومعاهم أمر ضبط وإحضار.
بدير وقف ومسح دموعه بسرعة وقال باستنكار:
> «في إيه؟ إنتو مين؟ وإزاي تدخلوا عليا كده في وقت عزا مراتي؟»
>
عاصم طلع الملف الأسود من شنطته، ورماه على المكتب وقال بثقة زلزلت الأرض تحت رجلين بدير:
> «عزا مين يا بدير بيه؟ الدكتورة إلهام فؤاد باعت وكلت كل ممتلكاتها ومستشفياتها قبل ما تتعب أصلاً. إنت مش هتورث منها غير بدلة السجن… بتهمة الشروع في الق*تل بالسم البطء، والتآمر لسرقة أموالها.»
>
وش بدير اتحول للون الأزرق، وركبه خبطت في بعضها وهو بيشوف الظابط بيطلع الكلبشات وبيقوله:
> «معانا أمر من النيابة العامة بناءً على تسجيلات صوت وصورة وفيديو وإنت بتقدم لها السم، وتقرير الطب الشرعي لعينات دمها. اتفضل معانا من غير شوشرة.»
>
في اللحظة دي، بدير التفت لباب المكتب وهو مش مصدق، والباب اتفتح… ودخلت أنا، على كرسي متحرك، بوش شاحب بس بعيون كلها قوة وتحدي، وبصيت في عينه المبرقة من الصدمة والرعب، وقلتله بصوت هز الأوضة:
> «فاكر إن خمس أيام كفاية عشان تموتني وتورثني يا بدير؟ الخمس أيام دول كانوا حبل المشنقة اللي إنت لفيته حوالين رقبتك بإيدك. الشر برضه غبي… وإلهام فؤاد مش الضحية اللي هتموت في صمت.»
>
الشاشة كانت بتنور باللون الأحمر، وشريط الأخبار العاجلة كان بيتحرك بسرعة مرعبة كأنه سكين بتدبح شقى عمري: **«عاجل: حريق هائل يلتهم مستشفى العاصمة الدولي بالكامل، والبورصة المصرية تعلن الهبوط الحاد لأسهم مجموعة فؤاد الطبية بنسبة 40% بعد دقائق من فتح التداول نتيجة تقارير مسربة عن إفلاس المجموعة قانونياً.»**
الريموت وقع من إيدي على الأرض. الصوت النسائي على الخط ضحك ضحكة خفيفة، باردة كالتلج، وقالت:
> «دي مجرد قرصة ودن يا إلهام. إنتِ قطعتي ديل التعبان في القاهرة، بس راس التعبان قاعدة في جنيف… شركة (ألفا هولدنج) مش مجرد شركة ورق، دي كارتيل دولي لتجارة الس*لاح البيولوجي والأعضاء. والورق اللي عاصم المحامي فاكر إنه حماكي بيه؟ الورق ده اتمضى واتوثق إلكترونياً من تلات ساعات بـ (الذكاء الاصطناعي) والتوقيع الحيوي بتاعك اللي شريف سحبه من الكبسولة الحرارية قبل ما يتسجن.»
>
أنفاسي رجعت تضيق تاني، بس المرة دي مش بسبب سم في دمي، بسبب الحوت اللي بلعني وأنا فاكرة نفسي انتصرت. قلتلها وصوتي طالع من بين سناني بالغل:
> «إنتِ مين؟! وعايزة إيه مني بعد ما حرقتوا المستشفى ودمرتوا الأسهم؟!»
>
الست ردت بنبرة حاسمة:
> «أنا اسمر “الماركيزة”… والوريثة الحقيقية لشبكة رفعت الهواري الدولية. قدامك 12 ساعة بالثانية، الطيارة الخاصة بتاعتي هتكون في مطار القاهرة في انتظارك. هتيجي جنيف برجليكي، ومعاكي الفلاشة السيرفر اللي نقلت البيانات لألمانيا، وتوافقي تشتغلي معانا في تطوير (المركبات النانوية) لعملائنا في أوروبا… يا إما الجزء التاني من الخطة هيتنفذ، والمرة دي مش هحرق مستشفى، أنا هحرق اسم إلهام فؤاد وأخليكي المتهمة الأولى في قض*ية قت*ل بدير وشريف جوة سجنهم!»
>
الخط قطع.
الدنيا اسودت في عيني. المستشفى اللي قضيت عمري أبنيها بقت رماد، والأسهم بتموت، والست دي معاها توقيعي الإلكتروني الحيوي!
في أقل من ساعة، كانت فيلتي عبارة عن خليه نحل. عاصم جه وهو بيجري، لبسه مبهدل ووشه عليه آثار الرماد والدخان:
> «يا دكتورة! المستشفى راحت! الحريق بدأ من غرف التحكم والسيستم الرئيسي اتمسح بالكامل! والأموال العامة قالبة الدنيا برة لأن فيه عقود تنازل بـ (توقيعك الرقمي الموثق) ظهرت فجأة في سويسرا وبتحول كل أصولك لبرة مصر! إحنا بنتحارب من قوى دولية مش هنقدر عليها!»
>
قعدت على الكرسي، وحطيت راسي بين إيدي. الصدمات كانت ورا بعضها، وفجأة، افتكرت كلمة شريف الأخيرة في المعمل قبل ما يتسحب: *«التركيبة الحيوية دي يا إلهام… أنا الوحيد اللي معايا المفتاح!»*
رفعت راسي لعاصم وقلتله بعيون ضيقة وتركيز مرعب:
> «عاصم… شريف ما كانش بيكدب لما قال إن معايا ساعات وأموت. غسيل البلازما اللي عملته في ألمانيا كان مؤقت، والست اللي كلمتني قالت إنهم سحبوا توقيعي الحيوي من الكبسولة… ده معناه إن الكبسولة ما كانتش بتعالجني، دي كانت بتعمل (Scan) كامل لجيناتي ونبضي عشان يسرقوا هويتي البيولوجية والمالية!»
>
عاصم بصلي بذهول:
> «يعني إيه؟ يعني إنتِ لسة في خطر؟! والست دي عايزة إيه؟»
>
قلتله وأنا بقوم وبلم حاجتي بحسم:
> «عايزاني أسافر جنيف بكرة الصبح عشان أبقى عبدة عندهم في معاملهم البيولوجية. عاصم… إحنا مش هنستنى الطيارة بتاعتهم. إحنا هنسبقهم بخطوة. شريف محبوس في مستشفى السجن تحت الحراسة بسبب إصابته برصاصة في كتفه. أنا لازم أدخل لشريف الأوضة بتاعته الليلة دي… هو الخيط الوحيد اللي هيعرفني إزاي أوقف التوقيع الحيوي المزور، وإزاي أوصل للماركيزة دي قبل ما تموتني.»
>
عاصم قال بقلق:
> «تدخلي مستشفى السجن؟! ده انتحار يا دكتورة، الحراسة مشددة والنيابة مانعة الزيارة!»
>
ابتسمت ابتسامة باردة وقلت:
> «أنا الدكتورة إلهام فؤاد… مستشفى السجن دي نص الدكاترة اللي فيها تلاميذي، والمدير بتاعها كان شريكي في أبحاث زمان. جهزلي لبس العمليات والمعقم… الليلة دي هكون جوة الأوضة مع شريف.»
>
الساعة جَت 2 بالليل.
مستشفى سجن طرة كانت هادية والجو برد. كنت لابس العباية الطبية الزرقا، والكمامة مغطية وشي كله، والنظارة الطبية الكبيرة مغير ملامحي. عاصم استناني في العربية برة على بعد خطوتين وجاهز باللاسلكي.
بمساعدة دكتور شاب من تلاميذي القدام، دخلت الممر الخاص بحالات الطوارئ للمساجين. العسكري كان واقف قدام الباب، والدكتور قاله بنبرة عادية:
> «دي الدكتورة الاستشارية جاية تبص على جرح الرصاصة بتاع المتهم شريف قبل جلسة التحقيق الصبح.»
>
العسكري هز راسه وفتح الباب. دخلت وقفلته ورايا.
الأوضة كانت ضلمة، وشريف كان متثبت في السرير بكلبشات حديد، ومحاليل معلقة في إيده السليمة. لما سمع صوت الباب، فتح عينه ببطء وابتسم بتعب ونذالة لما شافني وأنا بشيل الكمامة:
> «كنت عارف إنك هتيجي يا إلهام… الماركيزة كلمتك صح؟ شفتي مستشفياتك وهي بتتحرق؟»
>
قربت منه، وسحبت سرنجة فاضية من جيب الطقم الطبي، وحطيت سنها على عرق رقبتو مباشرة وضغطت سنة صغيرة:
> «شريف… أنا معنديش وقت للعب العيال. السيرفر اللي في ألمانيا بعتلي إن الجزيئات النانوية في دمي بدأت تتنشط تاني بعد الصدمة الحرارية المزورة اللي دخلتني فيها. قولي حالا… إزاي أوقف التوقيع الحيوي اللي سرقتوه مني؟ وإيه هو الكود اللي بيكسر تشفير العقود في سويسرا؟ وإلا والنعمة في ثانية هحقل الهوا ده في عرقك وأنهي حياتك هنا.»
>
شريف ضحك بصوت مكتوم وعيونه طلعت شرار:
> «مش هتقدري يا إلهام… لو موتيني، السيرفر الرئيسي لـ (ألفا هولدنج) في جنيف هينشر تقارير مزورة تثبت إنك إنتِ اللي كنتِ بتهربي أعضاء من مستشفياتك لحساب مافيا دولية، وهتتحولي من ضحية لمجرمة هاربة في نظر الإنتربول!»
>
وفجأة… وقبل ما أرد عليه، تليفون شريف المحرز في كيس شفاف على المكتب جمب السرير نور.
الرسالة كانت جاية من (الماركيزة)، ومكتوب فيها:
> **«التنفيذ حالا يا شريف. تخلص من إلهام عن بُعد… الكود اتمسح من السيستم.»**
>
في نفس اللحظة، سمعت صوت صفارة غريبة طالعة من تليفوني أنا! شاشة المراقبة النانوية لدمي في تليفوني قلبت للون الأسود، وبدأت نبضات قلبي تقع فجأة وبشكل مرعب… الكود النانوي بدأ يشتغل بأمر مباشر من سويسرا!
شريف بصلي وهو بيضحك جنونياً:
> «الماركيزة بدأت التصفية يا إلهام! إنتِ بتموتي دلوقتي حالا… والسر في الشنطة اللي في مكتبك القديم… بس عمرك ما هتلحقي توصليله!»
>
بدأت أحس بدوخة شديدة، والسرنجة وقعت من إيدي، ووقعت على ركبي في أرض الأوضة وأنا بحاول أتنفس، وصوت عاصم جه في اللاسلكي وهو بيصرخ:
> «دكتورة إلهام!! اطلعي حالا!! فيه قوة غريبة مسلحة اقتحمت المستشفى دلوقتي وبتصفي الحراسة… هما جايين يق*تلوكي ويق*تلوا شريف!!»
> حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء التاسع (قبل الأخير)
صوت طلقات الرصاص المكتومة بدأ يضرب في الممر برة الأوضة، يتخللها صرخات العساكر ووقع خطوات تقيلة وسريعة بتقرب من باب الأوضة. “الماركيزة” قررت تقفل الملف كله الليلة دي في القاهرة… تصفية شريف، والتخلص مني، وتقييد الق*ضية بالكامل ضد مجهول.
كنت واقعة على الأرض، الرؤية بتغيم، والدوخة بتزيد مع كل نبضة قلب. السم النانوي اللي اتنشط عن بُعد كان بيقفل شراييني بالبطيء، وشريف على السرير كان بيحاول يشد الكلبشات بجنون وهو بيصرخ:
> «فُكيني يا إلهام! هيموتوني معاكي! الماركيزة مش بتسيب شهود… فُكيني وأنا هقولك على مكان المفتاح اللي في مكتبك!»
>
زحفت على الأرض بكل قوة باقية فيا، وسحبت مفتاح الكلبشات اللي كان واقع من جيب الدكتور برة على التربيزة، ووقفت على رجلي بالعافية. بصيت لشريف وقلتله وصوتي بيقطع:
> «المفتاح… فين… في المكتب؟!»
>
شريف وعيونه طالعة من مكانها من الرعب وهو سامع صوت الرصاص بيلتفت لباب الأوضة مباشرة:
> «الدرج السري تحت الخزنة الفولاذية… جواه أمبول “الفوسفوليبيد المشع”، ده اللي بيكسر التشفير الحيوي وبيقفل النانو تكسين للأبد! فُكيني!»
>
حطيت المفتاح في الكلبش بتاعه، بس ما لفتوش… سبته محطوط وقلتله:
> «لو عشت… فُك نفسك.»
>
في نفس اللحظة، الباب الحديدي للأوضة اضرب بنار وانفتح بقوة. دخل شخصين مقنعين بلبس أسود كامل ومعاهم أسلحة بكاتم صوت. وقبل ما يرفعوا الس*لاح عليا، ظهر عاصم من وراهم في الممر، وبإيده طبنجة حراسة كان واخدها من العسكري المصاب، وضرب نار عشوائي صاب الأول في رجله وشغل التاني ثانية واحدة.
الثانية دي كانت كافية؛ رميت بكل ثقلي على الدكتور المقنع التاني، وقعنا في الأرض، وعاصم جِري عليا وسحبني من وسط ضرب النار والمكان بيتقلب لبركة دم بعد ما المقنعين بدأوا يصفوا شريف اللي صرخ صرخته الأخيرة قبل ما الرصاص يسكت صوته للأبد.
عاصم سحبني في الممرات الضلمة للمستشفى، وأنا بجر رجلي بالعافية:
> «دكتورة! قاومي! العربية برة، لازم نروح أي مستشفى حالا!»
>
قلتله وأنا بركب الكرسي اللي جمبه والدموع بتنزل من الألم:
> «لأ يا عاصم… على مكتبي القديم في المستشفى المحروق… هناك… هناك حياتي وحق عمري كله.»
>
الساعة بقت 3:30 بالليل.
محيط مستشفى العاصمة الدولي كان عبارة عن أرض خراب. عربيات المطافي بتمشي، والدخان الأسود لسة طالع من المبنى المتفحم كأنه ج*ثة هامدة. المكان كان مهجور بعد ما الشرطة فرضت كردون أمني ومشيت بعد السيطرة على الوضع.
نزلت من العربية وسندت على عاصم، ودخلنا من الباب الخلفي للمستشفى وسط الأنقاض والرماد اللي بيتحرك مع الهوا. كل خطوة كانت بتخليني أحس إن روحي بتطلع، حرارة جسمي بدأت تنخفض بشكل مرعب وأطراف صوابعي ازرقت تماماً.
وصلنا مكتب الخراب… المكتب اللي شهد نجاحي وشهد خيانتهم. الخزنة الفولاذية كانت متفحمة من برة بس مقفولة. عاصم ضرب عليها بالحديد لحد ما فتحت، وبدأنا ندور تحتها.
> «لقيته يا دكتورة! البلاطة دي بتتحرك!»
>
عاصم رفع بلاطة خشبية مخفية، وطلع منها صندوق معدني صغير مقاوم للحريق. فتحه… وجواه كان فيه أمبول لونه أصفر فوسفوري مشع، ومعه فلاشة سودا صغيرة مكتوب عليها بخط إيد شريف القديم: **(Alpha – Master Key)**.
مسكت الأمبول، وإيدي بتموت من الرعشة، وعاصم سحب السرنجة وجهزها:
> «دكتورة… أنا هحقنهولك، بس مش عارف المادة دي هتعمل إيه!»
>
قلتله وأنا بغمض عيني واستسلم للقدر:
> «اضرب يا عاصم… مفيش وقت.»
>
المادة دخلت عروقي، وفي ثانية حسيت بصدمة كهربائية ضربت نفوخي. صرخت صرخة مكتومة ووقعت في الأرض، وجسمي بدأ يتنفض بشكل هيستيري، وعاصم ماسكني وهو بيبكي ويقول:
> «إلهام! قاومي! مش بعد كل ده تموتي هنا!»
>
بعد دقيقتين من الجحيم… النفضة وقفت. النفس رجع يدخل صدري بنقاء غريب، والزرقان اللي في صوابعي بدأ يختفي. المادة نجحت… الرابطة النانوية اتكسرت تماماً، وجسمي اتطهر من سمومهم.
قمت وقفت على رجلي، وبصيت للفلاشة السودا اللي في إيد عاصم. ركبناها على اللابتوب المحمول اللي مع عاصم، وفي ثواني، الشاشة نورت بالكامل.
الفلاشة ما كانتش بس ترياق… دي كانت “مفتاح التشفير الرئيسي” لشبكة (ألفا هولدنج) بالكامل. شريف كان مأمن نفسه ومحتفظ بنسخة من حسابات الماركيزة، تحويلاتها الدولية، العقود المزورة اللي اتمضت بتوقيعي الحيوي، والأهم من ده كله: **الموقع الجغرافي الحي والسري لإدارة السيرفر الرئيسي للماركيزة في جنيف.**
وفجأة، اللابتوب طلع صوت تنبيه…
شاشة (Skype) مشفرة انفتحت لوحدها، وظهرت عليها صورة بروفايل سودا، وصوت “الماركيزة” جه من السماعات، بس المرة دي النبرة ما كانتش باردة… كانت مرعوبة:
> «إلهام فؤاد؟! إنتِ لسة عايشة؟! شريف مات… إزاي وصلتي للملفات دي؟!»
>
سحبت اللابتوب وقربت من الشاشة، وابتسمت ابتسامة النصر اللي كنت مستنياها من سنين، وقلت لها بصوت هادي، حاد، ومليان ثقة:
> «أنا مش بس عايشة يا ماركيزة… أنا بقيت جوة السيرفر بتاعك. التوقيع الحيوي اللي سرقتوه؟ أنا لسة حالا قفلته وشفرت الحسابات كلها باستخدام كود شريف. الفلوس، العقود، والأسهم اللي حركتوها… كلها بقت تحت إيدي أنا وعاصم دلوقتي. إنتِ افتكرتي إنك بتحاربي دكتورة طيبة… بس نسيتي إن الإمبراطورية دي أنا اللي بنيتها من الصفر وسط الدئاب.»
>
الماركيزة سكتت ثانية، وصوت أنفاسها الغاضبة كان واضح، وقالت:
> «إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟ إنتِ محبوسة في بلدك والإنتربول هيجيبك…»
>
قاطعتها بحسم وقسوة:
> «لأ يا ماركيزة… اللعبة خلاص بتنتهي. أنا مش هستنى الإنتربول يجيبني… أنا اللي جايلك جنيف بنفسي، والطيارة الخاصة بتاعتك اللي بعتيها عشان تاخدني كأثيرة… أنا وعاصم هنركبها الصبح، بس كصيادين وجايين يهدوا المعبد كله على راسك.»
>
قفلت اللابتوب بعنف، وبصيت لعاصم اللي كان باصصلي وعيونه كلها فخر وعزيمة:
> «عاصم… جهز الشنط والورق. الطيارة في المطار مستنيانا… اليوم الأخير في المعركة هيبدأ في سويسرا.»
>
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء العاشر والأخير: حجر الرخام الأبيض
الطيارة الخاصة كانت بتشق سحاب جنيف، والهدوء اللي جوة الكابينة كان مغشوش؛ برة كان فيه عاصفة بتنذر بنهاية الإمبراطورية. عاصم كان قاعد قصادي، اللابتوب مفتوح قدامه، وعيونه مش بتفارق الشاشة:
> «دكتورة إلهام، إحنا نزلنا الملفات كلها على سيرفر النيابة العامة والأموال العامة في مصر قبل ما نتحرك، وبمجرد ما نوصل لمقر الشركة في جنيف ونرفع “الأمر الماستر” من الفلاشة، الحسابات كلها هتتجمد دولياً بالتعاون مع الـ (Interpol).»
>
هزيت راسي وبصيت من الشباك على بحيرة جنيف اللي بدأت تظهر من وسط الضباب. قلبي كان هادي، الهداوة اللي بتيجي بعد ما البني آدم بيعدي على الموت وميبقاش باقي على حاجة.
الماركيزة كانت فاكرة إنها لما تبعت رجالتها يصفوا شريف ويحرقوا مستشفياي هترعبني، بس الغباء المشترك بين كل المجرمين هو إنهم بيقيسوا قوة خصمهم بالفلوس والمباني… وميعرفوش إن القوة الحقيقية هي “العقل” اللي بنى المباني دي من العدم.
الساعة جَت 11 الصبح بتوقيت سويسرا.
الطيارة هبطت، وكان فيه عربية سودا مستنيانا تابعة لرجال الأمن الدولي (الإنتربول) بالتنسيق مع السلطات المصرية، مش العربية اللي الماركيزة كانت مجهزاها لينا. تحركنا مباشرة على برج الزجاج العملاق اللي بيضم مقر شركة (ألفا هولدنج).
دخلنا المبنى، الهدوء كان مريب، والموظفين واقفين بيبصوا برعب. طلعنا للدور الأخير، مكتب الماركيزة.
الباب انفتح، وكانت قاعدة ورا مكتبها الفخم، ست في الخمسينات من عمرها، ملامحها أوروبية حادة، ولابسة نضارة سودا خبت عيونها. لما شافتني، شالت النضارة ببطء، وابتسمت ابتسامة صفرا فيها غل مكتوم:
> «أهلاً يا دكتورة إلهام… صدمتيني للمرة التانية. دخلتي مكتبي من غير حراستي ما تمنعك.»
>
قعدت على الكرسي المقابل ليها بكل برود، وحطيت الفلاشة السودا على مكتبها:
> «حراستك برة بيسلموا س*لاحهم للشرطة الفيدرالية دلوقتي يا ماركيزة. اللعبة خلصت. التوقيع الحيوي اللي سرقتوه؟ اتمسح. الحسابات السرية اللي بتغسلوا فيها فلوس الس*لاح البيولوجي في بنوك سويسرا؟ بقالها عشر دقائق بالظبط مجمدة بأمر من المحكمة الدولية.»
>
الماركيزة وشها شحب، والوجاهة الكدابة اللي كانت عايشة فيها اتهدت في ثانية. وقفت وصرخت بصوت مرتعش:
> «إنتِ دمرتي شغل سنين! رفعت الهواري قضى عمره يأسس للشبكة دي قبل ما يموت عشان نسيطر على سوق الدوا والأعضاء في الشرق الأوسط! إنتِ فاكرة نفسك مين؟! حتة دكتورة؟!»
>
وقفت قصادها، وبصيت في عيونها بكل حسم:
> «أنا الدكتورة إلهام فؤاد… اللي رفعت الهواري طمع فيها فمات وخسر كل حاجة، وبدير طمع فيها فلبس بدلة الإعدام، وشريف خانها فاندفن في ممر مستشفى سجن. إنتِ مجرد حلقة غبية في سلسلة خيانة بدأت من عشر سنين… والنهاردة السلسلة دي بتتكسر فوق دماغكم كلكم.»
>
عاصم دخل الأوضة ومعاه ضباط الإنتربول اللي حطوا الكلبشات في إيد الماركيزة وسحبوها برة المكتب وهي بتصرخ وبتتوعد، وصوت صراخها كان بيضيع في ممرات البرج الزجاجي اللي بدأ يتهاوى.
بعد تلات شهور…
القاهرة رجعت شمسها تنور من جديد.
كنت واقفة في وسط موقع البناء لمستشفى العاصمة الدولي الجديد. المهندسين والعمال في كل مكان، وصوت الآلات بيعلو كأنه سيمفونية أمل. الفلوس اللي رجعت من حسابات “ألفا هولدنج” المصادرة اتم تخصيصها لإعادة بناء المستشفى، وتأسيس أكبر مركز لأبحاث النانو تكنولوجي لعلاج السرطان بالمجان في الشرق الأوسط.
عاصم جه وقف جمبي، ومعاه ملفات الشغل الجديدة، وبصلي بابتسامة صافية:
> «كل حاجة رجعت أحسن من الأول يا دكتورة. الأسهم في البورصة طارت للسما بعد الإعلان عن المركز الجديد، واسمك بقى في كل المجلات الطبية العالمية.»
>
هزيت راسي وقلتله:
> «الحمد لله يا عاصم… بس الشغل الحقيقي لسة بيبدأ.»
>
مشيت كام خطوة لحد ما وصلت للوحة الرخام الأبيض الكبيرة اللي هتتحط على باب المستشفى الجديد. مشيت إيدي على الحروف المحفورة بالدهب، وابتسمت وأنا بقرا الكلمات اللي اخترت إنها تكون واجهة مكاني… والدرس اللي طلعت بيه من رحلة الدم والنار دي.
### الحكمة من الحكاية:
> **«إن الإمبراطوريات لا تُبنى بـ “المال”، بل تُبنى بـ “العقول”؛ والمال الذي يأتي من الخيانة يذهب بالدم، أما الشرف والشقى فيبقيان كالجذور في الأرض مهما عصفت بها الرياح.
> لا تثق ثقة عمياء تصيبك بالصمم عن سماع خطوات الغدر، ولا تجعل الخوف من الفقد يدفَعُك للتنازل عن كبريائك… فالموت واقفاً وفي يدك حقك، أكرم ألف مرة من العيش راكعاً تحت أقدام من خانوك.
> وفي النهاية… الذئاب قد تتقنع بوجوه الأصدقاء، ولكن ميزان العدالة الإلهية قد يتأخر ثانية… ولكنه لا يخطئ أبداً.»**
>
انتهت الحكاية بانتصار الحق، وبقيت الدكتورة إلهام فؤاد رمزاً للمرأة التي لم تكسرها الخيانة، بل صنعت منها درعاً حطم كل الوجوه المستعارة.