نسيت اقول لحماتى 1

نسيت أقول لحماتي إن فيه كاميرات مستخبية في بيت ستي الله يرحمها القديم اللي في العزبة.. ولما جيت أخيراً أفرغ الفيديوهات وأشوف التسجيلات، شوفتها وهي بتهد خزين البيت والدولاب بدم بارد وترش عليه كلور، وتسرق علبة الذهب والشبكة اللي كانت مستخبية هناك، وكانت بتبتسم بشر وهي بتعمل كده. بقلم منــال عــلي

في اليوم اللي كنت بوقع فيه على ورق الطلاق، هو كان بيحتفل بـ “الولد” اللي حبيبته حامل فيه.. بس في العيادة، الدكتور وقف قدام جهاز السونار وهو مذهول وقال: “فيه حاجة مش راكبة في تواريخ الحمل دي!”

“بعد خمس دقائق بالظبط من توقيع الورق ده، هسيب البلد أنا وعيالي،” قولت الكلمتين دول بصوت هادي ومسموع. “وأنت تقدر تروح تحتفل بالولد اللي فاكر من قلبك إنه ابنك.”
إيد “شريف المنشاوي” وقفت في نص الإمضاء، والقلم اتعلق في الهواء فوق الورقة.بقلم منــال عــلي

لأول مرة من شهور، حسيت إنه بيبصلي بجد وبيسمعني.
في مكتب تسوية المنازعات الأسرية، كانت ريحة القهوة التركي المحروقة وورق القضايا والكلام الميت تملى المكان. أنا “علا”، وبعد تسع سنين جواز، وطفلين، وليالي طويلة عشتها وأنا بعمل نفسي مش شايفه الرسايل المستخبية اللي بتنور شاشة تليفون جوزي في نص الليل، كنت خلاص على وشك إني مبقاش مراته.

برة من ورا الإزاز، الدنيا كانت ماشية عادي جداً: راجل واقف بيشرب شاي على كشك في الشارع، ست بتظبط طرحتها وهي مستعجلة، وشاب بيمسح جزمته في طرف السلم قبل ما يدخل العمارة. الحياة كانت مستمرة في “المنظرة” والتمثيل برة، في نفس الوقت اللي كانت فيه أسرة كاملة بتهد وتنهار جوة المكتب.
شريف ضحك بسخرية وبرود بقلم منــال عــلي
“بلاش شغل المسلسلات ده يا علا،” قالها وهو بيبصلي من فوق لتحت. “أنا بالعافية أقنعت أهلي إنهم ميعملولكيش شوشرة ويحاكموكي على حاجات عمرها ما كانت بتاعتك أصلاً.”
جنبه كانت قاعدة أخته، “شاهيناز”، وهي مربعة إيديها وبتبصلي البصة اللي حافظاها صم؛ البصة اللي بتقولي بيها من غير ما تنطق حرف: “اعرفي حجمك ومقدارك”.
شاهيناز اتكلمت بسمّها المعتاد: “المفروض تبوسي إيدك وش وضهر وتشكرينا.. هتاخدي العيال من سكات ومن غير شوشرة. أخويا أخيراً هيعرف يبني بيت حقيقي ويعمل عيلة مع (صافي).. دي على الأقل هتجيب له حتة ولد يشيل اسمه.”
“حتة ولد”.
قالوها ببساطة كدة.بقلم منــال عــلي
كأن “ياسين”، ابني اللي عنده تمن سنين، مش مالي عينهم.
كأن “فريدة”، بنتي اللي عندها ست سنين، مجرد كركبة وزيادة عدد.
كأن وجودي معاهم طول السنين دي كان مجرد كرسي دافي ومؤقت لحد ما تيجي “الست الهانم” المناسبة ليهم.
قبل ما الموظف يخلص ترتيب ملفات القضية، تليفون شريف رن.
رد بسرعة، وبنبرة حنينة ومسهوكة عمري ما سمعتها منه بقالي سنين:بقلم منــال عــلي
“أيوا يا صافي يا حبيبتي، كله تمام وبنخلص.. أنا جاي في الطريق. قولي لأمي تطمن ومتقلقش.. هحصلكم على المستشفى فوراً. النهاردة أخيراً هنطمن على ولي العهد.”
ساعتها، قلبي متقبضش.
ولا حتى اتوجعت.
لما الحاجة بتتكسر كذا مرة ورا بعض، في الآخر بتفقد الإحساس بالوجع.
مديت إيدي في شنطتي، طلعت مفاتيح الشقة وحطيتها على الترابيزة جنب الملف اللي كان مدموغ عليه ساعة الجلسة: 10:42 صباحاً.
“أنا لميت كل حاجتي وحاجة العيال ومشينا إمبارح.”
شريف ابتسم بانتصار وغرور.
“كويس.. كويس إنك بدأتي تفهمي وتدخلي دماغك.”
بعدها، طلعت من الشنطة باسبورات “ياسين” و”فريدة”.
الابتسامة اللي كانت على وشه اتجمدت، وبانت كأنها ماسك بلاستيك رخيص ومشرخ.
“أنا فاهمة كويس جداً،” قولت ببرود تام. “وفاهمة كمان اللي أنت مش واخد بالك منه. أنا والولاد مسافرين دبي على طيارة النهاردة.. الطيارة هتطير كمان أقل من ساعتين.”
شاهيناز ضحكت باستهزاء:بقلم منــال عــلي
“دبي؟ ومنين بقى يا حبيبتي؟ كنتِ فاكرة نفسك هتروحي تقطعي التذاكر من على البوابة هناك وتجربي حظك؟”
شريف وقف فجأة لدرجة إن الكرسي اتهبد في الأرض وراه، لدرجة إن السكرتيرة برة الباب الموارب بصت علينا بخضة.
“أنتِ اتجننتي؟ مش هتاخدي العيال وتسافري بيهم كدة!”
“لأ، هاخدهم وهسافر،” قولت بقوة وثبات. “أنت بنفسك مضيت على موافقة السفر من تلات أسابيع لما كنت فاكر إنها مجرد فسحة وفسحتين للعيال. وكمان مضيت في شروط الطلاق على التنازل عن حضانتهم ليا من غير شروط.”
وشه اتقلب في ثانية.بقلم منــال عــلي
مسك الورق وبدأ يفر في الصفحات زي المجنون، يقلب الصفحة ورا الصفحة، وصوابعه بدأت تترعش وتفقد السيطرة. الإمضاء بتاعه كان منور في الصفحة الأخيرة.. التاريخ كان مكتوب ومظبوط.. والنسخة الرسمية المختومة كانت جوة الحافظة. حتى رسالته على الواتساب اللي كاتبلي فيها: “اعملي اللي تعمليه، بس فكينا وماتقرفيناش في يومنا” كانت مطبوعة ومرفقة بالملف.
خلاص.. الوقت فات.
من شباك المكتب، شوفت عربية سودا دفع رباعي فخمة ركنت تحت على الرصيف. السواق نزل، فتح الباب اللي ورا، وبصلي وشاورلي بإيده.
“يا مدام علا،” السواق قال في التليفون وهو بيكلمني، “الأستاذة نهاد الشافعي، المحامية، مستنياكي في المطار ومعاها كل الأوراق والملفات جاهزة.”
شريف عينيه ضيقت بشر وغل:بقلم منــال عــلي
“ملف إيه وأوراق إيه دي كمان؟”
مسكت إيد ياسين الصغيرة، وشيلت فريدة على كتفي. فريدة لفت دراعاتها حوالين رقبتي ومسكت في الطرحة بتاعتي بخوف، بس من غير ما تنزل دمعة واحدة.
بصيت لشريف بابتسامة هادية جداً ولأخر مرة:
“روح يا شريف.. روح بسرعة لأهلك وصافي في المستشفى.. خسارة تفوتك اللحظة اللي الدكتور هيقولك فيها الحقيقة اللي صدمته في السونار.”
ولفيت ضهري ومشيت.
وبينما باب الأسانسير بيقفل علينا، كانت آخر حاجة شوفتها هي شريف وهو واقف مذهول ومبرق للورق اللي في إيده كأنه شايف شبح، وشاهيناز وشها بقى أصفر زي الليمونة من الخضة، وتليفونه بيرن على الترابيزة باسم “صافي” والشاشة عمالة تنور وتطفي…

الأسانسير نزل بينا من غير ولا كلمة.

ياسين كان ماسك الباسبور بتاعه بإيديه الاتنين كأنه تذكرة عشان يعرف يتنفس برياحة. فريدة كانت مخبية وشها كله في كتفي، وكنت حاسة بنَفَسها الدافئ على رقبتي، نَفَس صغيّر ومش منتظم من الخوف. بقلم منــال عــلي

أول ما وصلنا لمدخل العمارة تحت، السواق أخد الشنط بسرعة وفتحلي باب العربية. كنت لسه برفع رجلي عشان أركب، وفجأة تليفوني اتهز في إيدي.

كانت رسالة من الأستاذة نهاد الشافعي، المحامية.

“ما تدخليش صالة المغادرة دلوقتي يا علا. المستشفى لسه مكلمين صافي حالا.. شريف في الطريق وواصل، بس أمه (حماتك) هناك بالفعل. فيه تضارب وتناقض غريب وموثق في ملف الحمل والدكتور قالب الدنيا.”

وقفت مكان سمّرت.بقلم منــال عــلي

وبعدها بثواني وصلتني رسالة تانية، بس المرة دي من رقم غريب مش مسجلاه عندي.

وكانت عبارة عن صورة.بقلم منــال عــلي

صورة من أوضة الانتظار في المستشفى.. شريف كان واقف بضهره.. شاهيناز حاطة إيدها على بوقها من الصدمة.. وصافي قاعدة على الكرسي ووشها أبيض زي الأموات، وفي نفس الوقت كانت حماتي (أم شريف) ماسكاها من معصم إيدها جامد كأنها بتمنعها تهرب أو تتحرك من مكانها.

تحت الصورة كان مكتوب سطر واحد بس:
“هو سأل عليكي أنتِ.”بقلم منــال عــلي

في اللحظة دي، ياسين بَص على شاشة التليفون وقال كلمة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“ماما.. مش هي دي الست اللي بابا كان واقف معاها تحت بيتنا القديم من فترة؟”

وقبل ما أستوعب كلام ياسين أو أرد عليه، التليفون رن في إيدي..بقلم منــال عــلي

وكان الاسم اللي منور على الشاشة: “شريف”.
يتبع…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *