طلعت اريح شوية

شريف ابتسم ابتسامة نصر وهو بيفتح الدوسيه وبيشاورلها بالقلم الدهب على خانة الإمضاء، ورانيا رجعت لورا خطوتين وهي بتميل راسها وبتشرب بق من كاس الشمبانيا، مستنية اللحظة اللي هتلغي فيها وجود البنت اللي كانت دايماً كاسرة عينها بورث أبوها وعزها. شاهندا كانت شايفة كل ده، بس عينيها كانت مركزة على فص الألماظ اللي في رقبتها، وعقلها بيحسب بالثانية رد فعل الناس تحت في الجنينة.

صوت شريف كان طالع واثق وفيه بحة الغل وهو بيقول: “امضي يا شاهندا.. خلصينا.. عشان متشوفيش وش مش هيعجبك، كفاية لحد كده تمثيل دور الضحية، أنتِ من النهاردة ملكيش مكان برة الجدران البيضا.”

شاهندا خدت القلم من إيده، صوابعها كانت بترتعش، بس مش من الخوف، من كتمان الضحكة اللي كانت عايزة تطلع من وسط الوجع. بصت في عينه وقالتله بصوت واطي واصل لكل سماعة وكل شاشة تحت: “يعني أنت متأكد يا شريف إن الدكتور سليم مضى التقرير؟ ومتأكد إن الورق ده هيحميك لما الناس تسأل شاهندا فين؟”

شريف ضحك بصوت عالي، ضحكة هزت أركان الأوضة: “الناس؟ الناس بتصدق اللي معاه الفلوس والورق يا قطة، والورق ده بيقول إنك مجنونة، والدكتور سليم قبض تمن إمضائه شقة في كومباوند محترم في زايد، يعني مأمن نفسي من كله، امضي بقا ومتضيعيش وقتنا.”

في نفس اللحظة دي، تحت في الجنينة، الوسط المخملي كله كان عايش في حالة ذهول تخطف الأنفاس. المزيكا كانت وقفت تماماً، والناس واقفة وعيونها مبرقة للشاشات الـ LED الضخمة اللي متوزعة في كل ركن. الصحفيين نسيوا كاميراتهم، ورجال الأعمال اللي كانوا جايين يباركوا لشركتهم الجديدة وقفوا وكاساتهم في إيديهم متثبتة. الوزير اللي كان واقف يتكلم مع رئيس مجلس الإدارة وشه جاب ألوان، والهمس بدأ يزيد زي فحيح الأفاعي: “شريف بيه بيخون شاهندا هانم؟ وكمان مع رانيا؟ وبيتآمروا يدخلوها العباسية؟”

على الشاشة الكبيرة، شاهندا نزلت القلم على الورقة، بس قبل ما تبدأ تكتب أول حرف من اسمها، بصت للكاميرا المخفية دايركت، وابتسمت ابتسامة باردة خلت جسم شريف يقشعر من غير ما يفهم السبب. شاهندا سابت القلم من إيدها ورمته على الأرض، ورجعت خطوة لورا وهي بتقول: “أنا مش همضي يا شريف.. والتقرير بتاعك ده بله واشرب ميته.”

شريف وشه اتقلب فجأة، وعروق رقبته ظهرت، قرب منها بغشم ومسكها من كتفها: “أنتِ اتجننتي بجد ولا إيه؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ أنا هوريكي النجوم في عز الضهر!”

رانيا سابت الكاس وبدأت تقلق من ثبات شاهندا: “شريف، اخلص، امضيها بالعافية، البنت دي بتلعب بينا.”

شاهندا رفعت إيدها ولمست العقد، وقالت بنبرة قوية، نبرة شاهندا بنت منصور Montes اللي الكل بيخاف منها: “أنا مبلعبش يا رانيا.. أنا بس كنت بستضيفكم في العرض الأخير بتاعكم. شريف.. بص على تليفونك كده.”

في ثانية واحدة، تليفون شريف اللي كان على السرير بدأ يرن ويزن ورا بعض، إشعارات ورسايل ومكالمات مش بتفصل. شريف استغرب، ساب كتف شاهندا وراح مسك التليفون، أول ما فتح الشاشة لقى أكتر من خمسين مكالمة فايتة من المحامي بتاعه، ومن مدير أعماله، ومن صحفيين شغالين في الجريدة الرسمية بتاعته. وقبل ما يستوعب، جتله رسالة من المحامي بتاعه مكتوب فيها: “أنت فين يا مصيبة؟ فضيحتك لايف على شاشات الفرح والبلد كلها بتتفرج عليك أنت ورانيا! اخرج من الأوضة حالاً!”

شريف حس إن الأرض بتلف بيه، التليفون وقع من إيده على السجادة التبريزي الغالية. بص لرانيا وهو وشه أبيض زي الأموات: “الـ.. الشاشات.. الفرح..”

رانيا مكنتش فاهمة حاجة: “في إيه يا شريف؟ مالك؟”

شاهندا ضحكت ضحكة رنت في الأوضة وفي كل ركن في القصر تحت: “الظاهر إن مهندس الصوت والفيديو تحت غبي شوية يا شريف.. أو يمكن ذكي زيادة عن اللزوم. العقد اللي أنت لبستهولي بإيدك عشان تتباهى بيه قدام الناس، جواه كاميرا بتنقل كل قذارتكم لايف.. دلوقتي حالا، الوزراء، ورجال الأعمال، والشرطة اللي واقفه برة بتأمن الفرح، شافوا وسمعوا خطتكم الوسخة.”

رانيا صرخت ووقعت السبت اللي كانت لافاه حولين نفسها، وبدأت تدور على لبسها وهي بترتعش بهستيريا: “يا نهار أسود! يا نهار أسود! الفضيحة! الناس شافت إيه؟”

شريف هجم على شاهندا زي الديب الجريح، وعينيه كلها شرر: “أنا هق..تلك! هقت..لك أنتِ واللي بطنك قبل ما حد يدخل هنا!”

لكن قبل ما يلمس شعرة منها، الباب الخشب الزان اتهد بضربة قوية، جلال رئيس الحرس ومعاه أربعة من الرجالة الضخام دخلوا الأوضة، وفي ثواني كان شريف متثبت على الأرض ووشه في السجادة، ورجالة الحرس كاتمين نفسه. جلال قرب من شاهندا وبصوت كله احترام: “حمد الله على السلامة يا هانم. الشرطة تحت، والوزير بنفسه طلب النجدة لما شاف المهزلة دي.”

شاهندا خدت نفس عميق، وحطت إيدها على بطنها وهي بتحس بدقات قلب ولادها اللي بدأوا يهدوا جواها. بصت لشريف وهو مرمي تحت رجل الحرس وقالتله: “المصحة اللي كنت عايز تدخلي فيها يا شريف؟ أنا حجزتلك فيها جناح ملكي.. بس مش لوحدك، أنت ورانيا والدكتور سليم اللي باع ضميره. والأسهم اللي كنت عايز تاخدها؟ من بكرة الصبح اسمك هيتشال من كل السجلات، وهتطلع من الدنيا دي زي ما دخلتها.. شحات.”

شريف كان بيصرخ وبيحاول يفلت: “مش هسيبك يا شاهندا! هق..تلك! هطلع وهوريكي!”

جلال أخد إشارة من شاهندا، فسحبوا شريف ورانيا اللي كانت بتعيط وتلطم برة الأوضة، والناس تحت كانت واقفة في الممرات بتتفرج عليهم وهم نازلين بالكلابشات في إيديهم، وسط فلاشات الصحفيين اللي مكنتش بتبطل تصوير. الفضيحة بقت تريند مصر كله في أقل من عشر دقائق.

شاهندا مشيت بالراحة لحد البلكونة الكبيرة بتاعة الأوضة اللي بتطل على الجنينة، الناس تحت أول ما شافوها واقفة، بدأوا يصقفوا، تحية لقوتها وللذكاء اللي أنقذها من الد..بح. هي بصت لهم وابتسمت ابتسامة خفيفة، وحست إن حق أبوها بدأ يرجع.

دخلت الأوضة تاني، وقعدت على الكرسي الهزاز وهي بتتنفس براحة لأول مرة من شهور. جلال دخل الأوضة بعد ما الدنيا هديت شوية وسألها: “تؤمري بأي حاجة تاني يا شاهندا هانم؟ المحاميين شغالين برة والكلابشات لفت على الكل.”

شاهندا هزت راسها: “شكراً يا جلال.. روح أنت ارتاح.”

جلال خرج وقفل الباب وراه. الأوضة بقت ضلمة وهادية، مفيش غير صوت دقات الساعة المعلقة على الحيطة. شاهندا مدت إيدها تفتح الدوسيه اللي شريف سابه، كانت عايزة تقطع الورق وتخلص منه، بس وهي بتقلب في المستندات اللي تخص التنازل، لقت مغلف أسود صغير مستخبي في جيب الدوسيه الداخلي، مكنش شريف فتحة ولا جاب سيرته.

فتحت المغلف بفضول، ولقت جواه فلاش ميموري صغيرة، ومعاها ورقة مكتوبة بخط إيد أبوها الله يرحمه!

قلبها بدأ يدق بسرعة وعرق بارد نزل على جبينها. فتحت الورقة وقرت السطور اللي مكتوبة بحبر جاف أزرق: “بنتي الغالية شاهندا.. لو أنتِ بتقري الورقة دي، يبقى شريف ورانيا عملوا اللي أنا كنت خايف منه. أنا ممتش موتة ربنا يا بنتي.. رانيا وشريف كانوا بيدوني سم بطيء في الأكل بقالهم سنة. الفلاشة دي عليها تسجيلات كاميرات المكتب السري بتاعي وهم بيحطوا السم، وعليها كمان السر الحقيقي اللي هم عاوزين يقت..لوكي بسببه.. التوأم اللي في بطنك مش ولاد شريف يا شاهندا.. شريف مبيخلفش أصلاً، والعيال دول يبقوا..”

الكلام وقف لحد هنا، والصفحة التانية من الرسالة مكنتش موجودة في المغلف!

شاهندا حست ببرودة الموت بتسري في جسمها كله، بصت لبطنها المنفوخة برعب، وفي نفس اللحظة، تليفونها الشخصي اللي في جيبها رن.. رقم مخفي. فتحت الخط وهي مش قادرة تنطق، لقت صوت راجل غريب، غامض وبيضحك بفحيح مرعب بيقولها: “مبروك النصر يا شاهندا هانم.. شربتي المقالب والناس سقفتلك.. بس تفتكري هتقدري تواجهي الحقيقة اللي في الفلاشة؟ التوأم دول ولادي أنا.. وأنا جاي أسترد ورثي ومن بكرة الصبح هكون واقف قدام باب فيلتك!”

الخط قطع، وشاهندا فضلت واقفة في وسط الأوضة، والورقة بتترعش في إيدها، وعينيها مبرقة للشاشة وضلمة الليل، وهي مش عارفة هل هي فعلاً انتصرت.. ولا الكابوس الحقيقي يلا دوب لسه بيبدأ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *