بعد ثلاثة أيام من الولادة 2
الفصل الثالث
في صباح اليوم التالي…
لم تنم سلمى سوى ساعتين متقطعتين.
كلما أغمضت عينيها رأت نفسها واقفة تحت المطر أمام باب منزلها المغلق.
وكلما استيقظت وجدت طفلتها الصغيرة بجوارها.
فتتذكر السبب الحقيقي الذي جعلها تنهض من جديد.
لم يعد الأمر يتعلق بكريم.
ولا بوالدته.
ولا بالإهانة.
أصبح الأمر يتعلق بمستقبل ابنتها.
في التاسعة صباحًا تمامًا…
دخل الأستاذ عادل إلى غرفة المكتب داخل الفيلا.
كانت سلمى تجلس أمام الطاولة الخشبية الكبيرة.
تحمل طفلتها بين ذراعيها.
وأمامها عشرات الملفات.
قال عادل:
“خلصنا مراجعة أولية للحسابات.”
رفعت رأسها.
وكان التعب واضحًا في عينيها.
فسحب كرسيًا وجلس أمامها.
ثم فتح الملف الأسود.
وقال:
“الموضوع أكبر مما توقعنا.”
شعرت معدتها تنقبض.
“يعني إيه؟”
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم بدأ يقلب الصفحات.
“من سنتين تقريبًا بدأ كريم يستخدم صلاحياته في الإدارة.”
“كان بيحول مبالغ صغيرة في الأول.”
“مبالغ محدش يلاحظها.”
“وبعدين الأرقام كبرت.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“وفي شركات اتفتحت بأسماء ناس من عيلته.”
تجمدت سلمى.
“مين؟”
“أمه.”
“وأخته ريهام.”
“وابن خاله.”
شعرت كأن أحدهم سكب ماءً مثلجًا فوق رأسها.
لم تكن تصدق.
ليس لأنهم فعلوا ذلك.
بل لأنها تذكرت عشرات المواقف القديمة.
عشرات التفاصيل التي تجاهلتها.
رحلات مفاجئة.
سيارات جديدة.
مجوهرات.
سفر.
مصروفات بلا حدود.
كانت تسأل أحيانًا.
فيضحك كريم.
ويقول:
“استثمارات.”
وهي كانت تصدقه.
لأن الحب يجعل الإنسان أحيانًا أعمى أكثر مما ينبغي.
قال عادل:
“فيه كمان حاجة.”
نظرت إليه.
فأخرج ظرفًا أبيض.
ووضعه أمامها.
“دي نسخة من رسالة إلكترونية وصلتنا من موظف سابق.”
فتحتها.
وبدأت تقرأ.
ومع كل سطر…
كان لون وجهها يتغير.
حتى وصلت للنهاية.
وأغلقت الورقة ببطء.
ثم رفعت رأسها.
وقالت:
“هو كان بيخطط لكل ده من إمتى؟”
أجاب عادل بهدوء:
“واضح إنه بقاله فترة طويلة.”
في الساحل الشمالي…
لم تكن الأجواء جميلة كما كانت بالأمس.
كريم لم يلمس فطوره.
ولم يدخل البحر.
ولم يرد على أحد.
كان يجلس وحده على الشرفة المطلة على الساحل.
بينما والدته نادية تراقبه بقلق.
قالت:
“ما تكبرش الموضوع.”
“أكيد فيه سوء تفاهم.”
نظر إليها ببطء.
ثم قال:
“الفيلا باسمها.”
اختفت الابتسامة من وجهها.
“إيه؟”
“باسم سلمى.”
“مش باسمي.”
“ولا باسم الشركة.”
ساد الصمت.
لأول مرة منذ سنوات…
لم تجد نادية ما تقوله.
أما ريهام فصرخت:
“مستحيل!”
لكن الحقيقة كانت موجودة أمامهم.
في صورة العقود التي وصلت إلى هاتف كريم قبل ساعة.
كل صفحة تحمل اسمًا واحدًا فقط.
سلمى عبدالسلام.
شعر كريم بشيء يشبه الذعر.
ليس بسبب الفيلا وحدها.
بل لأن هذا يعني شيئًا آخر.
إذا كانت الفيلا باسمها…
فكم من الأشياء الأخرى لا يعرفها؟
في القاهرة…
كانت سلمى تقف أمام الخزنة الصغيرة الموجودة داخل غرفة المكتب.
خزنة لم تفتحها منذ سنوات.
أدخلت الرقم السري.
فُتح الباب المعدني ببطء.
وفي الداخل…
وجدت ملفًا أزرق قديمًا.
أعطاها إياه والدها قبل وفاته بشهور.
وقال يومها:
“لو حصل أي حاجة.”
“افتحيه.”
لم تفتحه أبدًا.
حتى الآن.
جلست على الكرسي.
وفتحت الملف.
وبدأت تقرأ.
كانت هناك عقود.
وحسابات.
ووثائق.
وخطابات مكتوبة بخط يد والدها.
ثم وصلت إلى صفحة جعلتها تتوقف عن التنفس لثوانٍ.
صفحة تؤكد أن والدها لم يترك لها الفيلا فقط.
بل ترك لها حصة الأغلبية في مجموعة استثمارية ضخمة.
مجموعة تقدر قيمتها بمئات الملايين.
وكان كريم يدير جزءًا منها فقط.
مدير.
ليس مالكًا.
أبدًا.
شعرت سلمى بالذهول.
طوال سنوات زواجها…
كان كريم يتصرف وكأنه صاحب الإمبراطورية.
بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.
قرأَت رسالة والدها الأخيرة.
“إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة…”
“فهذا يعني أن شخصًا ما حاول استغلال ثقتك.”
“تذكري دائمًا أن القوة لا تأتي من المال.”
“القوة تأتي من معرفة الحقيقة.”
انهمرت الدموع من عينيها.
لأن والدها كان محقًا.
تمامًا.
في المساء…
وصلت أول ضربة حقيقية إلى كريم.
كان يجلس داخل جناحه الفاخر بالساحل.
حين رن هاتفه.
أجاب بسرعة.
فجاءه صوت مدير الشؤون القانونية للشركة.
“أستاذ كريم.”
“عندي خبر مش كويس.”
شد كريم على الهاتف.
“اتكلم.”
“مجلس الإدارة عقد اجتماع طارئ.”
“وصدر قرار بإيقاف صلاحياتك مؤقتًا لحين مراجعة بعض المعاملات المالية.”
وقف كريم فجأة.
“إيه؟!”
“إزاي؟!”
جاءه الرد البارد:
“بقرار من المالكة الرئيسية.”
شعر وكأن أحدهم لكمه في صدره.
وسأل بصوت مخنوق:
“مين؟”
لكن الإجابة كانت يعرفها مسبقًا.
رغم ذلك سمعها.
واضحة.
وقاسية.
“السيدة سلمى عبدالسلام.”
وفي نفس اللحظة…
كانت سلمى تحمل طفلتها أمام نافذة غرفة الأطفال.
تنظر إلى أضواء القاهرة البعيدة.
بينما يصلها إشعار على هاتفها.
رسالة قصيرة من مجلس الإدارة.
“تم تنفيذ جميع الإجراءات المطلوبة.”
أغلقت الشاشة.
وضمت ابنتها إلى صدرها.
وهمست:
“دي أول خطوة بس يا حبيبتي.”
لأن الحرب الحقيقية…
لم تبدأ بعد.
الفصل الرابع
في صباح اليوم التالي…
استيقظ كريم الشاذلي على أسوأ شعور عرفه في حياته.
الخوف.
ليس الخوف من خسارة المال.
ولا من خسارة الفيلا.
بل الخوف من شيء لم يجربه من قبل.
فقدان السيطرة.
طوال حياته كان يعتقد أنه الرجل الأقوى في أي غرفة يدخلها.
الناس تستمع إليه.
الموظفون ينفذون أوامره.
وأفراد عائلته يتباهون باسمه.
أما سلمى…
فكانت دائمًا تلك الزوجة الهادئة التي لا ترفع صوتها.
الزوجة التي تتنازل.
وتسامح.
وتبحث عن السلام.
ولهذا ارتكب أكبر خطأ في حياته.
اعتقد أن هدوءها ضعف.
في القاهرة الجديدة…
كانت سلمى تجلس في غرفة الاجتماعات الرئيسية داخل مقر المجموعة الاستثمارية.
هذه أول مرة تدخلها منذ أكثر من عامين.
كان حول الطاولة الطويلة عشرة من كبار المديرين.
جميعهم وقفوا فور دخولها.
بعضهم كان يعرف والدها منذ عشرين عامًا.
وبعضهم كان يراها طفلة صغيرة تركض بين المكاتب عندما كانت تزور الشركة في الإجازات.
قال أحدهم:
“حمد لله على السلامة يا أستاذة سلمى.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم جلست.
ورغم الإرهاق الذي كان واضحًا على وجهها…
إلا أن شيئًا مختلفًا كان قد ظهر في عينيها.
القوة.
القوة التي حاول الجميع إقناعها لسنوات بأنها لا تملكها.
بدأ الاجتماع.
وخلال ساعة واحدة فقط…
اكتشفت حقائق صادمة.
شركات وهمية.
تحويلات مالية.
عقود مشبوهة.
وأسماء كثيرة مرتبطة بعائلة كريم.
كل صفحة كانت تكشف جزءًا جديدًا من الحقيقة.
حتى قال المدير المالي فجأة:
“في حاجة لازم تشوفيها بنفسك.”
ثم عرض ملفًا على الشاشة.
وتجمدت سلمى.
كان عقد شراء شقة فاخرة في دبي.
القيمة: سبعة عشر مليون جنيه.
اسم المالك؟
ريهام الشاذلي.
شقيقة كريم.
ثم ظهر عقد آخر.
فيلا بالساحل الشمالي.
باسم نادية الشاذلي.
والدة كريم.
ثم سيارة فارهة.
ثم حسابات بنكية.
ثم تحويلات متكررة.
كلها خرجت من شركات كانت هي المالكة الحقيقية لها.
شعرت سلمى بالغثيان.
ليس بسبب المال.
بل بسبب الخيانة.
لأنها كانت تطبخ لهم الطعام.
وتستقبلهم في منزلها.
وتعاملهم كعائلة.
بينما كانوا يبنون ثرواتهم من جيبها هي.
في نفس الوقت…
كان كريم يقود سيارته عائدًا إلى القاهرة بأقصى سرعة.
لم يعد الساحل مهمًا.
ولم تعد الإجازة مهمة.
كل شيء ينهار.
كل ساعة تمر كانت تجلب له كارثة جديدة.
وفي منتصف الطريق…
رن هاتفه.
كان مدير البنك.
أجاب فورًا.
فقال الرجل:
“أستاذ كريم…”
“في مشكلة.”
أغلق كريم عينيه.
وقال:
“إيه كمان؟”
جاءه الرد:
“الحسابات المشتركة تم تجميدها مؤقتًا لحين انتهاء المراجعة القانونية.”
قبض كريم على المقود بعنف.
حتى كادت أصابعه تنكسر.
ثم صرخ لأول مرة:
“سلمى!”
بعد ساعتين…
وصل إلى الفيلا.
نزل من السيارة بعصبية.
وصعد الدرجات الرخامية بسرعة.
ثم أدخل الرمز القديم.
فأضاءت اللوحة باللون الأحمر.
نظر إليها غير مصدق.
أعاد المحاولة.
أحمر.
ثم للمرة الثالثة.
أحمر.
وقف للحظة.
وشعر بشيء غريب.
الصدمة نفسها التي شعرت بها سلمى قبل يومين.
رفع رأسه نحو الباب.
ثم ضغط الجرس.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
وأخيرًا…
فُتح الباب.
لكن ليس بواسطة سلمى.
بل بواسطة رجل أمن خاص.
نظر إليه الرجل بهدوء.
وقال:
“حضرتك كريم الشاذلي؟”
ارتبك كريم.
“أيوة.”
أخرج الرجل ملفًا.
ثم قال:
“عندي تعليمات واضحة.”
“لا يسمح لأي شخص بالدخول دون موافقة المالكة.”
شعر كريم أن وجهه يحترق.
“أنا جوزها.”
رد الحارس:
“المالكة لم تعطِ تصريح دخول.”
قال بغضب:
“إنت عارف أنا مين؟”
فأجابه الرجل بهدوء قاتل:
“أنا عارف إن العقار ملك السيدة سلمى عبدالسلام.”
ثم أغلق الباب.
في وجهه.
تمامًا كما فعل هو معها.
في الطابق العلوي…
كانت سلمى تسمع كل شيء.
وقفت خلف النافذة.
تحمل طفلتها الصغيرة.
ورأت كريم واقفًا أمام الباب.
غاضبًا.
مصدومًا.
مهانًا.
لثوانٍ شعرت بشفقة صغيرة.
لكنها تذكرت شيئًا واحدًا فقط.
المطر.
وسوار المستشفى.
وابنتها ذات الأيام الثلاثة.
والرجل الذي قال لها:
“اتصرفي كأم.”
اختفت الشفقة فورًا.
في تلك الليلة…
اجتمع كريم مع والدته وشقيقته داخل شقة فندقية بالقاهرة.
كانت نادية تسير ذهابًا وإيابًا.
أما ريهام فكانت تبكي.
قالت:
“هي مش ممكن تعمل فينا كده.”
رد كريم بمرارة:
“هي عملت.”
ثم فتح حاسوبه المحمول.
وبدأ يراجع المستندات التي أرسلها له المحامون.
وفجأة…
توقف.
توقف تمامًا.
لأن ملفًا معينًا جذب انتباهه.
ملف قديم.
تاريخ توقيعه قبل خمس سنوات.
فتح الصفحة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وبدأ وجهه يفقد لونه تدريجيًا.
رفعت والدته رأسها.
وقالت:
“في إيه؟”
لم يجب.
كانت عيناه مثبتتين على الورقة.
ثم همس:
“لا…”
اقتربت نادية.
“في إيه؟”
رفع الورقة ببطء.
وكانت يداه ترتجفان.
ثم قال الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروق والدته.
“إحنا مش خسرنا الفيلا بس.”
“إحنا خسرنا كل حاجة.”
نظرت إليه بصدمة.
فأكمل:
“أغلب الشركات…”
“وأغلب الأصول…”
“وأغلب الاستثمارات…”
“كلها باسم سلمى.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرعب.
ثم جلست نادية على الكرسي فجأة.
وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
أما كريم…
فأدرك أخيرًا الحقيقة التي حاول تجاهلها طوال سنوات.
هو لم يكن الإمبراطور.
ولم يكن المالك.
ولم يكن صاحب النفوذ الحقيقي.
لقد كان يعيش داخل مملكة سلمى…
ثم قرر طرد الملكة منها.
والآن…
بدأت المملكة تسترد نفسها قطعة قطعة.
يتبع…