بعد ثلاثة أيام من الولادة 3
الفصل الخامس
مرّت ثلاثة أيام أخرى.
ثلاثة أيام كانت كافية لتتحول حياة كريم الشاذلي من حياة رجل يعتقد أن العالم يدور حوله…
إلى رجل يقضي ساعات طويلة في مكاتب المحامين محاولًا فهم حجم الكارثة التي وقع فيها.
وفي كل مرة كان يسمع الإجابة نفسها.
الأوراق سليمة.
العقود صحيحة.
والملكية كلها تعود إلى سلمى.
أما سلمى…
فكانت تعيش داخل الفيلا بهدوء غريب.
لم تصرخ.
لم تنتقم بطريقة صاخبة.
ولم تملأ مواقع التواصل بالفضائح.
بل كانت تستيقظ كل صباح.
تحمل طفلتها الصغيرة.
وتجلس معها قرب النافذة.
وتخطط لمستقبلها.
لكن خلف ذلك الهدوء…
كانت هناك عاصفة قانونية تقترب.
في صباح يوم الخميس…
دخل الأستاذ عادل إلى الفيلا وهو يحمل ملفًا أحمر.
ومن وجهه عرفت سلمى أن هناك شيئًا مهمًا.
قال:
“وصلنا لسبب استعجالهم في طردك.”
رفعت رأسها فورًا.
“يعني؟”
جلس أمامها.
ووضع الملف على الطاولة.
ثم فتحه.
وقال:
“من شهر تقريبًا…”
“كريم وأمه كانوا بيجهزوا لنقل أصول كبيرة من الشركات.”
عبست سلمى.
“نقلها فين؟”
أخرج عدة أوراق.
وقال:
“لشركة جديدة.”
“باسم ريهام.”
تجمدت ملامحها.
“إيه؟”
هز رأسه.
“واضح إنهم كانوا فاكرين إنك مش هتراجعي أي حاجة.”
“خصوصًا بعد الولادة.”
“وكانوا مستنيين الوقت المناسب.”
ثم أضاف:
“الظاهر إن طردك من البيت كان جزء من الخطة.”
ساد صمت طويل.
حتى قالت سلمى:
“يعني كانوا ناويين يسرقوا كل حاجة؟”
أجاب بهدوء:
“للأسف… أيوة.”
في تلك اللحظة نفسها…
كان كريم يجلس داخل مكتب محاميه الخاص.
وجهه شاحب.
وعيناه حمراوان من قلة النوم.
قال المحامي بصراحة:
“لازم نتصالح.”
رفع كريم رأسه.
“إيه؟”
“لازم تتصالح مع سلمى.”
ضحك كريم بمرارة.
“إنت مش فاهمها.”
رد المحامي:
“وأنت مش فاهم موقفك.”
ثم دفع مجموعة أوراق نحوه.
وأضاف:
“لو رفعت بلاغ رسمي بكل المخالفات اللي اكتشفناها…”
“ممكن تتحول القضية لجنائية.”
اختفى اللون من وجه كريم.
لأول مرة…
شعر بالخطر الحقيقي.
في المساء…
وصل كريم إلى الفيلا مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يأتِ غاضبًا.
ولا متكبرًا.
ولا متوعدًا.
بل جاء خائفًا.
وقف أمام الباب.
وضغط الجرس.
انتظر.
ثم فُتح الباب.
وكانت سلمى هي من فتحت.
لأول مرة منذ أسبوع.
تلاقى نظرهما.
بدت أضعف جسديًا بسبب الولادة.
لكنها أقوى من أي وقت مضى.
أما هو…
فبدا أكبر بعشر سنوات.
قال بصوت منخفض:
“ممكن نتكلم؟”
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
“خمس دقايق.”
دخل.
لأول مرة شعر أن الفيلا غريبة عنه.
كل شيء كما هو.
لكن إحساسه بالمكان اختفى.
جلس في غرفة المعيشة.
بينما جلست سلمى مقابله.
وكانت طفلتها نائمة في المهد بجوارها.
نظر إليها.
ثم قال:
“أنا غلطت.”
لم ترد.
“أنا عارف.”
صمتت.
“وأنا مستعد أصلح كل حاجة.”
رفعت عينيها نحوه أخيرًا.
وقالت بهدوء:
“كل حاجة؟”
هز رأسه.
“أيوة.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكنها لم تكن ابتسامة فرح.
كانت ابتسامة شخص يعرف الحقيقة كاملة.
ثم قالت:
“لما كنت واقفة برة الباب.”
“شايلة بنتك.”
“والدنيا بتمطر.”
“وقولت لي احجزي فندق.”
“كنت ناوي أصلحها إزاي؟”
لم يجد جوابًا.
فأكملت:
“لما أمك كانت بتضحك عليا في التليفون.”
“كنت ناوي تصلحها إزاي؟”
ظل صامتًا.
“ولما سافرت الساحل وسيبت أم بنتك بعد الولادة بثلاث أيام…”
“كنت ناوي تصلحها إزاي؟”
بدأت الكلمات تختنق في حلقه.
لكنها لم تنتهِ بعد.
نظرت إلى طفلتها الصغيرة.
ثم قالت:
“في حاجات بتتصلح.”
“وفي حاجات بتتكسر للأبد.”
خرج كريم من الفيلا بعد ساعة.
وهو يشعر أن كل الأبواب أغلقت أمامه.
لكن ما لم يكن يعرفه…
أن الضربة الأقوى لم تأتِ بعد.
لأنه في صباح اليوم التالي…
وصلت إلى سلمى وثيقة قديمة جدًا كانت مخفية داخل أرشيف الشركة.
وثيقة تحمل توقيعًا واحدًا فقط.
توقيع والدها الراحل.
وتكشف سرًا احتفظ به لسنوات طويلة.
سرًا سيجعل ثروة آل الشاذلي كلها تبدو صغيرة مقارنة بما ستملكه سلمى وحدها.
وعندما قرأت السطر الأخير…
رفعت رأسها بصدمة.
وهمست:
“معقول؟”
ثم أمسكت الهاتف فورًا.
واتصلت بالأستاذ عادل.
وقالت:
“تعال حالًا.”
“لازم تشوف ده بنفسك.”
وكان ما وجدته سلمى كفيلًا بتغيير مصير الجميع… للأبد.
يتبع…
الفصل السادس
وصل الأستاذ عادل إلى الفيلا بعد أقل من ثلاثين دقيقة.
كان يتوقع مستندًا جديدًا.
أو دليلًا إضافيًا ضد كريم.
لكن ما رآه أمامه جعله يتوقف في منتصف الطريق.
كانت سلمى جالسة في غرفة المكتب.
وأمامها الوثيقة القديمة.
أما طفلتها فكانت نائمة بهدوء داخل المهد بجوار النافذة.
قال عادل:
“خير؟”
دفعت الورقة نحوه.
وقالـت:
“اقرأ.”
أخذها.
وبدأ يراجع السطور.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وبعد أقل من دقيقة رفع رأسه ببطء شديد.
وكأنه لا يصدق ما يراه.
قال:
“يا نهار أبيض…”
جلست سلمى صامتة.
فأعاد النظر إلى الورقة مرة أخرى.
ثم قال:
“هو عمره ما عرف؟”
هزت رأسها.
“أبدًا.”
أغلق الملف.
وتنهد طويلًا.
لأن الوثيقة لم تكن مجرد عقد عادي.
كانت وثيقة تأسيس قديمة تعود إلى أكثر من خمسة عشر عامًا.
قبل زواج سلمى وكريم بسنوات طويلة.
وقبل أن تصبح مجموعة عبدالسلام الاستثمارية واحدة من أكبر المجموعات الخاصة في القاهرة.
وكانت تحمل حقيقة واحدة فقط.
الحقيقة التي أخفاها والد سلمى عن الجميع.
أن نسبة 72% من المجموعة الاستثمارية الكبرى كانت مملوكة مباشرة لسلمى.
وليست 28% كما كان يعتقد مجلس الإدارة.
وليست حصة رمزية كما كان كريم يتصور.
بل أغلبية ساحقة تمنحها السيطرة المطلقة على كل شيء تقريبًا.
كل شركة.
كل مشروع.
كل أصل.
كل استثمار.
كل شيء.
جلس عادل على الكرسي ببطء.
وقال:
“يعني كريم كان فاكر نفسه شريك.”
“وهو في الحقيقة موظف.”
لم ترد سلمى.
لكن عينيها امتلأتا بالدموع.
ليس بسبب المال.
بل لأنها تذكرت والدها.
الرجل الذي توقع كل شيء.
حتى هذه اللحظة.
في نفس اليوم…
كان كريم داخل أحد المكاتب الفاخرة بالقاهرة.
يحاول جمع ما تبقى من نفوذه.
لكن الأخبار السيئة لم تتوقف.
دخل عليه أحد المديرين التنفيذيين.
وجهه متوتر.
قال:
“في اجتماع طارئ لمجلس الإدارة.”
رفع كريم رأسه.
“وبعدين؟”
تردد الرجل قليلًا.
ثم قال:
“تم انتخاب رئيس جديد للمجموعة.”
تجمد كريم.
وسأل ببطء:
“مين؟”
جاء الرد الذي كان يخشاه.
“سلمى عبدالسلام.”
شعر وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
جلس مكانه.
دون أن ينطق.
لأنه أدرك أخيرًا أن الأمر لم يعد مجرد خلاف زوجي.
لقد أصبح خارج اللعبة بالكامل.
أما نادية الشاذلي…
فكانت تعيش أسوأ أيام حياتها.
منذ سنوات وهي تتعامل مع سلمى وكأنها ضيفة مؤقتة.
تسخر منها.
وتنتقدها.
وتعاملها كأنها امرأة محظوظة فقط لأنها تزوجت كريم.
أما الآن…
فاكتشفت أن الحقيقة كانت معكوسة تمامًا.
هي وابنها من كانوا يعيشون داخل عالم سلمى.
ويستفيدون من أموالها.
ويستخدمون نفوذها.
دون أن يدركوا.
جلست في الشقة الفندقية تبكي لأول مرة.
وقالت لريهام:
“إحنا ضيعنا نفسنا.”
لكن ريهام لم ترد.
لأنها كانت تنظر إلى شاشة هاتفها.
إلى خبر انتشر بين رجال الأعمال بسرعة البرق.
خبر يقول إن مجموعة عبدالسلام ستعلن خلال أيام عن أكبر مشروع عقاري في تاريخها.
مشروع تقدر قيمته بمليارات الجنيهات.
وتترأسه سلمى بنفسها.
بعد أسبوع…
كانت قاعة المؤتمر الكبرى داخل أحد الفنادق الفاخرة بالقاهرة ممتلئة.
صحفيون.
مستثمرون.
رجال أعمال.
كاميرات.
ومئات الضيوف.
الجميع جاء لرؤية المرأة التي قلبت موازين واحدة من أشهر العائلات الاقتصادية.
وقفت سلمى على المنصة.
ترتدي بدلة أنيقة بلون كحلي.
وشعرها مرفوع للخلف.
بينما كانت ابنتها الصغيرة في غرفة خاصة خلف القاعة مع المربية.
نظر الجميع إليها.
وكان كريم يجلس في الصفوف الخلفية.
صامتًا.
منكسرًا.
لا يشبه الرجل الذي أغلق الباب في وجه زوجته قبل أسابيع.
بدأت سلمى كلمتها.
بهدوء.
وثقة.
ثم أعلنت المشروع الجديد.
فقامت القاعة كلها بالتصفيق.
لكنها لم تنهِ حديثها.
رفعت ورقة صغيرة.
وقالت:
“قبل ما أختم…”
“في حاجة شخصية لازم أقولها.”
ساد الصمت.
وأصبحت كل الكاميرات موجهة نحوها.
ثم قالت:
“من أسابيع قليلة…”
“رجعت من المستشفى بعد ولادة بنتي بثلاث أيام.”
“ولقيت باب بيتي مقفول في وشي.”
تحولت القاعة إلى صمت مطبق.
أما كريم…
فانخفض رأسه ببطء.
وأكملت سلمى:
“وقتها كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل للإنسان هي الخيانة.”
توقفت لحظة.
ثم ابتسمت.
وأضافت:
“بس اكتشفت بعد كده إن الخيانة أحيانًا بتكون أعظم هدية.”
الجميع كان يستمع.
دون حركة.
فقالت:
“لأنها بتكشف الحقيقة.”
“وبتعرفك مين يستحق يبقى في حياتك.”
“ومين لازم يخرج منها للأبد.”
ثم أنهت كلمتها وسط تصفيق هائل.
تصفيق استمر دقائق كاملة.
لكن بالنسبة لكريم…
كان كل صوت تصفيق أشبه بحكم نهائي على حياته القديمة.
بعد انتهاء المؤتمر…
خرج الجميع.
وبقي كريم واقفًا وحده في الممر الطويل المؤدي إلى الخارج.
ثم رآها.
سلمى.
تحمل طفلتهما بين ذراعيها.
اقترب خطوة.
ثم خطوة.
وقال بصوت مبحوح:
“أنا خسرت كل حاجة.”
نظرت إليه طويلًا.
ثم إلى طفلتهما.
ثم قالت بهدوء:
“لا.”
رفع رأسه بسرعة.
فأكملت:
“أنت ما خسرتش كل حاجة.”
“أنت خسرت الحاجة الوحيدة اللي كانت فعلًا ليك.”
وساد الصمت.
لأنه فهم.
كانت تقصد نفسها.
ثم استدارت.
ورحلت.
حاملة طفلتها.
ومتجهة نحو مستقبل جديد.
بينما بقي كريم واقفًا مكانه.
يشاهد المرأة التي ظن يومًا أنها لن تستطيع العيش بدونه.
ويدرك متأخرًا جدًا…
أن بعض الأبواب عندما تُغلق…
لا تُفتح مرة أخرى أبدًا.
الفصل السابع
لكن سلمى لم تكن تعرف أن النهاية التي ظن الجميع أنها انتهت…
لم تكن سوى بداية فصل أخطر بكثير.
لأن الأزمة الحقيقية لم تكن كريم.
ولا والدته.
ولا الأموال التي اختفت.
بل شيئًا آخر كان مختبئًا منذ سنوات.
شيئًا تركه والدها خلفه دون أن يخبر أحدًا.
بعد المؤتمر بثلاثة أيام…
كانت سلمى داخل مكتبها الجديد في الطابق الأخير من برج عبدالسلام للأعمال.
تحمل ابنتها الصغيرة بين ذراعيها.
بينما كانت السكرتيرة ترتب جدول الاجتماعات.
فجأة دخل الأستاذ عادل بسرعة غير معتادة.
وفي يده ظرف بني قديم.
توقفت سلمى فورًا.
لأنها لم تره متوترًا هكذا من قبل.
قال:
“الظرف ده وصل النهارده.”
“من مكتب محاماة في سويسرا.”
عبست سلمى.
“سويسرا؟”
هز رأسه.
ووضع الظرف أمامها.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
وعليه عبارة قصيرة فقط:
“لا يُفتح إلا بواسطة سلمى عبدالسلام شخصيًا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لأنها تعرف هذا الخط.
خط والدها.
رغم مرور سنوات على وفاته.
جلست ببطء.
ثم فتحت الظرف.
وأخرجت الرسالة.
وبدأت تقرأ.
ومع كل سطر…
كانت ملامحها تتغير.
حتى شحب وجهها بالكامل.
سألها عادل بقلق:
“في إيه؟”
لم ترد.
أعطته الرسالة.
فقرأها.
ثم رفع رأسه بصدمة.
وقال:
“مستحيل.”
كانت الرسالة قصيرة.
لكنها حملت سرًا ضخمًا.
كتب والدها قبل وفاته:
“إذا وصلتك هذه الرسالة…”
“فهذا يعني أن هناك من حاول الاستيلاء على إرثك.”
“ولذلك حان الوقت لمعرفة الحقيقة الكاملة.”
ثم كشف عن شيء لم يخبرها به يومًا.
قبل عشرين عامًا…
أسس والدها صندوقًا استثماريًا خاصًا خارج مصر.
بأسماء شركات متعددة.
وظل ينمو في السر طوال تلك السنوات.
لم يكن مسجلًا ضمن مجموعة عبدالسلام.
ولم يكن أحد يعرف بوجوده.
ولا حتى مجلس الإدارة.
وكان المستفيد الوحيد منه…
سلمى.
وحدها.
أما القيمة الحالية للأصول…
فكانت كافية لجعل أكبر رجال الأعمال في القاهرة يلهثون خلفها.
مليارات.
وليس ملايين.
مليارات كاملة.
في نفس الوقت…
كان كريم يحاول إعادة بناء حياته.
لكن المصائب لم تتوقف.
كل يوم تظهر وثيقة جديدة.
وكل يوم يكتشف شيئًا لم يكن يعرفه.
وفي مساء ذلك اليوم…
رن هاتفه.
نظر إلى الرقم.
ثم تجمد.
لأنه يعود إلى أحد كبار المستثمرين الأجانب.
أجاب بسرعة.
لكن الرجل لم يبدُ ودودًا كعادته.
قال مباشرة:
“عندي سؤال واحد.”
ابتلع كريم ريقه.
“اتفضل.”
جاء الرد:
“هل صحيح إنك ما كنتش المالك الحقيقي للمجموعة؟”
شعر كريم وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه.
لأن السؤال نفسه كان كافيًا.
السمعة التي بناها خلال سنوات…
بدأت تتآكل.
أما داخل برج عبدالسلام…
فكانت مفاجأة أخرى في انتظار سلمى.
حين دخلت السكرتيرة فجأة وقالت:
“في شخص مصمم يقابلك.”
رفعت سلمى رأسها.
“مين؟”
ترددت السكرتيرة.
ثم قالت:
“بيقول إنه كان شريك والد حضرتك.”
تجمدت سلمى.
لأن والدها لم يكن يذكر شركاء أبدًا.
قالت:
“دخليه.”
فتح الباب.
ودخل رجل تجاوز السبعين.
شعره أبيض بالكامل.
وعيناه تحملان نظرة شخص يعرف أكثر مما يقول.
وقف أمامها للحظات.
ثم نظر إلى الطفلة الصغيرة النائمة.
وابتسم.
وقال:
“أخيرًا شفت حفيدة صديقي.”
شعرت سلمى بقلبها يخفق بقوة.
وسألته:
“حضرتك تعرف والدي؟”
أجاب بهدوء:
“أعرف عنه حاجات محدش يعرفها.”
ثم أخرج مفتاحًا فضيًا صغيرًا من جيبه.
ووضعه على المكتب.
وقال:
“أبوك طلب مني أسلمه ليكي في الوقت المناسب.”
نظرت إلى المفتاح.
ثم إليه.
وقالت:
“يفتح إيه؟”
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.
ثم قال:
“يفتح الحقيقة كلها.”
ساد الصمت.
حتى صوت المكيف بدا مرتفعًا.
ثم أضاف:
“وفي اللحظة اللي هتفتحي فيها المكان ده…”
“هتعرفي ليه أبوكي كان خايف طول عمره.”
شعرت سلمى ببرودة في أطرافها.
وقالت:
“خايف من إيه؟”
لكن الرجل لم يجب.
بل نظر نحو النافذة الزجاجية العملاقة.
ثم قال بهدوء:
“لأن في ناس فاكرة إن الثروة هي أهم حاجة.”
“لكن اللي أبوكي خباه…”
“أخطر من أي ثروة.”
ثم استدار نحو الباب.
وتوقف قبل أن يخرج.
وأضاف:
“ولو الخبر ده وصل للناس الغلط…”
“مش هتبقى حرب شركات.”
“هتبقى حرب حقيقية.”
ثم غادر.
وترك سلمى تنظر إلى المفتاح الفضي الصغير.
بينما كانت تشعر لأول مرة…
أن القصة التي بدأت بباب مغلق في وجهها…
قد تقودها إلى سر أكبر بكثير مما تخيلت.
وفي تلك الليلة…
لم تستطع النوم.
لأن المفتاح كان موضوعًا فوق الطاولة بجوار سريرها.
ولأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
غدًا…
ستذهب إلى المكان الذي أخفاه والدها.
وما ستجده هناك…
سيغير كل شيء.
يتبع…