كنت لسة مفوقتش 3

حماتي فايزة خطت خطوة لورا لما شافت ضحكة طارق، وبجاحتها اللي كانت داخلة بيها بدأت تتهز، بس المحاميين اللي معاها زقوها بكلامهم، فتنحنحت ورفعت راسها تاني وقالت:

“الضحك ده مش هيغير في القانون حاجة يا طارق بيه.. القانون بيدي الأب الحق في رؤية بنته، وبيدي الجدة للأب الأولوية لو الأم رفضت ترجع لطاعة جوزها، والورق ده رسمي ومعانا محضر تمكين!”

طارق لف ضهره ومشى كام خطوة في الصالة بكل هدوء، وسحب كرسي خشب كبير وقعد عليه، وحط رجل على رجل وبص للمحاميين اللي معاها وقال بنبرة هادية بس تخوف:

“قانون إيه يا حضرة المحامي أنت وهو اللي جايين تطبقوه في بيت طارق علام؟ أنتِ فاكرة يا فايزة إنك لما تاخدي قرشين من ورا ابنك وتجري على محاميين تحت السلم يزوروا ليكي ورق، إنك كده هتلوي دراعنا؟”

المحامي الكبير اللي معاها اتكلم بتوتر:

“يا فايزة هانم.. الورق سليم بس إحنا…”

طارق قاطعه بإشارة من إيده، وطلع موبايله من جيبه وضغط على زرار، وفاتح الاسبيكر.. ثواني وجاء صوته مستشار كبير في المحكمة، وطارق قاله:

“يا سيادة المستشار.. المحضر رقم (….) اللي اتعمل في قسم الجلاء بخصوص سرقة حساب بنت عمي وهي تحت البنج.. تكييف القض..ية الجنائية بتاعه وصل لفين؟”

صوت المستشار طلع من التليفون واضح ومالي الصالة:

“أهلاً يا طارق بيه.. المحضر اتحول للنيابة العامة بتهمة السرقة بالإكراه واستغلال ظرف مرضي يمنع الإدراك، والنيابة أصدرت أمر ضبط وإحضار للمشكو في حقها المدعوة (فايزة عبد الرحمن)، والتحريات أثبتت واقعة تحويل الفلوس بالبصمة وإعادتها بعد التهديد، وده اعتراف ضمني بالسرقة.. القوة التنفيذية نازلة تقبض عليها من بيتها خلال ساعات.”

في اللحظة دي، المحاميين اللي مع حماتي بصوا لبعض، وواحد منهم سحب شنطته وخطى لورا وهو بيقول:

“أنا ماليش دعوة بالكلام ده.. يا فايزة هانم أنتِ مقت..لتيش لينا إن في قض,,ية جنائية وفيها أمر ضبط وإحضار! إحنا كده بنعرض نفسنا للمساءلة القانونية.. السلام عليكم!”

المحاميين جريوا على الباب وسابوا حماتي واقفة بطولها، وشها قلب ألوان، وبقت تبص لطارق وهي مش قادرة تاخد نفسها، والورق اللي في إيدها وقع على الأرض.

طارق قفل الموبايل وقام وقف، وقرب منها وقال وهو بيجز على سنانه:

“كنتِ فاكرة إننا هنستنى لما تيجي تلاعبينا بالقانون في بيتنا؟ المحضر اللي اتعمل في المستشفى ملوش علاقة بالفلوس اللي رجعت.. السرقة تمت والشرطة سجلتها، والنهاردة أنتِ مطلوبة في تخشيبة الحبس.. وورقة طاعة إيه اللي جاية تقدميها لست والدة قيصري مكملتش أسبوعين؟ دي لوحدها قض,,ية تعسف واستغلال!”

حماتي بدأت تترعش، وصوت الجبروت اللي كان فيها اختفى تماماً، وبدأت تتلفت حواليها كأنها بتدور على مخرج:

“يا.. يا طارق بيه.. إحنا أهل برضه، ومحمود ابني غلبان وميعرفش حاجة، وأنا كنت بس بربي دينا وبنعلمها الأصول…”

خرجت أنا من ورا الباب، وشايلة “عزّة” في حضني، وبصيت لها بكل قوة وقلت:

“الأصول اللي بتعلميهالي هي إنك تسرقيني وأنا بموت بين الحياة والموت؟ الأصول إنك تسبيني من غير مليم وتعايريني إن أهلي ماتوا؟ أهلي مماتوش يا طنط.. أهو أهلي واقفين ورجالتهم ماليين المكان، والقرش اللي كنتِ طمعانة فيه، هتدفعي قاده مية مرة للمحاميين عشان ينجدوكي من السجن!”

حماتي بصتلي بعيون مليانة غل وخوف، وقالت بنبرة مكسورة:

“عايزة تخربي بيت جوزك وتوديني السجن يا دينا؟ هتقولي لبنتك إيه لما تكبر؟ إنك حبستي جدتها؟”

ضحكت بسخرية وقلت لها:

“هقول لها إن جدتها كانت حرامية، وإن أبوها كان خاين وملوش كلمة.. وهقول لها إن أمها وقفت وأخدت حقها ومألتش رقبتها لحد.. اطلعي برة بيتي، واستني البوكس اللي زمانه واقف تحت بيتك في القاهرة!”

طارق شاور لرجالته، ودخلوا اتنين مسكوها من دراعها وخرجوها برة البوابة الكبيرة وهي بتصرخ وتعيط، مفيهاش حتة سليمة من الرعب والفضية وسط أهل البلد اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليها وعلى خيبتها.

لما الباب اتقفل، طارق بصلي وابتسم:

“عفارم عليكي يا بنت عمي.. كده الحساب بدأ يصفى.. بس لسه محمود مظهرش في الصورة، وتليفونه مقفول من الصبح، وأنا عارف إن الجبان ده مستخبي ورا أمه.. بس ورب العرش ما هسيبه.”

في نفس الليلة، تليفون طارق رن.. وكان المتصل هو محمود! بس صوته مكنش صوته، كان صوت واحد ملهوف وبيصرخ من الهلع.. والحكاية كانت لسه بتاخد منحنًى جديد مكنش حد فينا يتوقعه…

صوت محمود في التليفون كان طالع متقطع ومبحوح، زي المحبوس في بئر غريق. طارق فتح الاسبيكر وشاورلي أقرب، فسمعته وهو بيشهق من البكاء ويقول:

“طارق بيه.. الحقني يا طارق بيه! أمي اتقبض عليها من على بوابة المحافظة وهي راجعة.. البوليس أخدها في بوكس قدام الناس كلها، وأنا مش عارف أعمل إيه.. دينا فين؟ خلوا دينا تتنازل، أمي بتموت في الحجز، ضغطها عِلي وهتروح مننا!”

طارق رد عليه بكل برود وثبات، وصوته كان زي وقع المطارق:

“وأنا مالي ومال أمك يا محمود؟ اللي يسرق يستحمل تمن سرقته، واللّي يتبجح ويجي لحد بيوتنا بورق مزور عشان يلوي دراعنا، يستاهل الكسرة اللي هو فيها دلوقتي. بنت عمي ملهاش دعوة، ده حق المجتمع والنيابة هي اللي بتحاسبها.”

محمود صرخ بعلو صوته من القهر:

“يا دينا.. أنا عارف إنك سامعاني! عشان خاطر البنت.. بلاش الفضايح دي، أنا مستعد أطلقك حالاً وأمضي على كل الشروط، بس أمي تخرج.. والله العظيم أمي ما تستحمل تبات ليلة واحدة في السجن، ارحمي شيبتها!”

أخدت الموبايل من إيد طارق، وضغطت على كل وجعي وقلت له بنبرة جامدة مفيهاش أي رقة:

“ارحم شيبتها؟ وهي مَرحمتش وجعي ليه وأنا لسه خارجة من بنج العمليات؟ مرَجمتش ضعفي وقلة حيلتي ليه لما سحبت فلوس أبويا المتوفي؟ محمود.. أنت جاي تساومني على طلاقي مقابل حرية أمك؟ طلاقي ده أنا هاخده بقوة القانون وغصب عنك، وأمك هتسيبوها في السجن لحد ما القانون ياخد مجراه.. أنا مش هتنازل يا محمود، ولو ركعت تحت رجلي، حق أبويا وحق كسر نفسي في المستشفى مش هسيبه.”

قفلت السكة في وشه، وحسيت بنشوة انتصار غريبة.. لأول مرة بحس إن الضعيفة اللي كانت بتستأذن في لقمة العيش بقيت هي اللي بتمشي الأمور.

مرت تلات أيام، وحماتي فايزة بايتة في الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق. المحاميين بتوعها حاولوا بكل الطرق يقدموا طلبات إخلاء سبيل بكفالة، بس المحضر كان متقفل صح بالشهود من المستشفى وإشعار التحويل البنكي اللي بيثبت التوقيت والواقعة ونوع البصمة. محمود كان زي المجنون، بيلف في الشوارع، خسر وظيفته بسبب غيابه وجريه ورا الأقسام، وبقى شكله زي الشحاتين بعد ما كان بيتنطط عليا ببدلته وشياكته.

في اليوم الرابع، طارق جالي الأوضة وكان معاه المحامي بتاع عيلتنا، وفي إيده شنطة جلد سودا. قعد وقال وعيونه بتلمع بذكاء:

“دينا.. محمود برة على البوابة.. جاي ودموعه على خده، ومعاه المأذون والورق كله جاهز.. امبارح بالليل كلمني وطلب الستر، وأنا قولتله مفيش كلام إلا لما تيجي لحد عندنا وتنفذ شروطنا بالمليم.”

بصيت لطارق ولقيت المحامي بيطلع الورق ويفرده على الترابيزة:

“يا مدام دينا.. ده صك تنازل من محمود عن الشقة بكل محتوياتها باسمك وباسم بنتك (عزّة) كتأمين لمستقبلها، وده إقرار موثق في الشهر العقاري بدفع مؤخر الصداق كامل فوراً ونفقة شهرية للبنت تضمن لها عيشة كريمة، وقبل ده كله.. دي قسيمة الطلاق جاهزة على الإمضاء.”

قلت له وعيني على عزّة اللي نايمة في سريرها:

“والمحضر بتاع أمّه؟”

طارق ابتسم وقال:

“المحضر مش هتنازل عنه إلا لما محمود يمضي ويوثق كل ورقة، والطلاق يتم طلاق بائن لا رجعة فيه.. وبعدها، هخلّي المحامي يقدم طلب تنازل عن الشق المدني عشان أمّه تخرج بكفالة وتعيش بقية عمرها مكسورة العين، وكل ما تبص في وش ابنها تفتكر إن بجاحتها وطمعها هما اللي خربوا بيته وضيعوا شقته وفلوسه.”

قمت وقفت، وسندت ضهري، وخرجت مع طارق للصالة الكبيرة. محمود كان قاعد على الكرسي، راسه في الأرض، وجسمه بيترعش من قلة النوم والذل.. أول ما شافني، رفع عينه اللي كانت مليانة دموع وانكسار، ومقدرش حتى ينطق بكلمة واحدة..

المأذون فتح دفتره، والمحامي حط القلم قدام محمود.. وطارق وقف ورايا زي الجبل وقال:

“امضي يا محمود.. امضي عشان تشتري حرية أمك وتدفع تمن عيلتك اللي ضيعتها بإيدك.”

محمود مسك القلم وإيده كانت بترتعش لدرجة إن حبر القلم علم على الورق كذا مرة قبل ما يوقع. بص للمأذون وصوته طلع مكسور ومخنوق:

“أنا موافق على كل الشروط يا شيخنا.. امضي واخلص.”

وقع محمود على قسيمة الطلاق، وعلى التنازل عن الشقة، وعلى كل الأوراق الموثقة اللي تضمن حقي وحق بنتي “عزّة” لحد ما تكبر. المأذون لف الدفتر ناحيتي، مسكت القلم بثبات وعين قوية، ووقعت.. وفي اللحظة دي، حسيت إن قيد ثقيل كان كاتم على نفسي اتفك وطار في الهوا.

المأذون بص لنا وقال كلمته الشهيرة اللي أنهت كل حاجة: “باركَ الله لكما وعليكما.. وجعل الطلاق طلاقاً بائناً لا رجعة فيه.”

محمود رفع راسه وبصلي بدموع وعيون مليانة ندم وقال بصوت واطي:

“أنا ضيعت كل حاجة يا دينا.. ضيعتك وضيعت بنتي، والشقة اللي شقيت فيها راحت، وأمي اتهانت في الحبس.. أنا خسرت نفسي قبل ما أخسركم.”

طارق ابن عمي قرب منه، وسحب الورق من قدام المأذون وحطه في الشنطة، وبص لمحمود وقال له بنبرة حاسمة:

“أنت مخسرتش بسببنا يا محمود.. أنت خسرت لأنك وافقت تكون “لوح تلج” وأمك بتسرق عرضك وشرفك ومرأتك وهي بين الحياة والموت.. الست بتتجوز الراجل عشان يكون سندها وحمايتها، وأنت سلمت سلا..حك لأمك ووقفت تتفرج.. المحامي هيتحرك دلوقتي يتنازل عن الشق المدني وأمك هتخرج الصبح، خدهم واطلعوا برة دنيتنا، وملمحش طيفك في طريق بنتك تاني.”

محمود قام وقف، مشى خطوتين وهو باصص في الأرض، وخرج من البوابة الكبيرة مكسور الضهر، من غير ما يحصل حتى على نظرة وداع من بنته.

بعد ما محمود مشى والمأذون خرج، الصالة رجعت لهادية ودافية. طارق قرب مني وطبطب على كتفي وقال: “مبروك حريتك يا بنت الغالي.. حقك رجع بالمليم، وكرامتك فوق سحاب الصعيد كله.”

دخلت الأوضة، شلت “عزّة” في حضني، وبست راسها الصغير، ولأول مرة شميت ريحة النفاس والبهجة الحقيقية.. ريحة الانتصار والأمان وسط ناسي وعزوتي.

### الحكمة من القصة:

> **”إن القرش الحرام يذهب هو وأهله، وإن الكرامة إذا كُسرت لا يجبرها مال الأرض.”**

>

* **الرجل ضهر وسند:** الزواج ليس مجرد عقد وشهادة، بل هو أمان ومسؤولية. الرجل الذي يقف صامتاً أمام ظلم أهله لزوجته، يفقد رجولته وقوامته في عين زوجته أولاً، وفي عين القانون والحق ثانياً. طاعة الوالدين واجبة، لكنها لا تعني أبداً التواطؤ على الظلم والسرقة.

* **عاقبة الطمع والجبروت:** حماتي ظنت أن غياب أهلي يجعلي فريسة سهلة، ونسيت أن الله هو الحق، وأنه يرسل للضعيف من يأخذ بحقه من فوق سابع سماء. طمعها أوردها المهالك، وخسرت مالها، وشقة ابنها، وسمعتها وسط الناس.

* **قوة الست بكرامتها وعزوتها:** المال يروح ويجي، لكن الكرامة إذا ضاعت لا تُسترد. “دينا” لم تستسلم لضعف الجسد بعد العملية، بل استخدمت ذكاءها وقانونها، لتبني لابنتها مستقبلًا خاليًا من الذل، ولتتعلم الطفلة “عزّة” منذ اليوم الأول أن لها أماً قوية وعائلة لا تقبل الضيم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *