تحويشه عمري الاخير

تاني يوم الصبح، جابر نزل شغله وهو فاكر إنه قفل القصة دي للأبد، وإن هويدا خلاص انكسرت وما باليد حيلة. لكن أول ما الباب اتقفل، قمت لبست عبايتي ونزلت وأنا النار لسه واكلة قلبي، بس المرة دي نار هادية.. نار اللي بيخطط لرد اعتباره.
رحت لعم “نادي” الصايغ، الراجل الطيب اللي عارفني من وأنا لسه بضفائر وبحوش المصروف عشان أجيب أول خاتم. أول ما شافني، عرف من وشي إن فيه مصيبة.
عم نادي: خير يا بنتي؟ مالك وشك مخطوف كده ليه؟ الإسورة فيها حاجة مش عاجباكي؟
هويدا (بصوت مخنوق): الإسورة طارت يا عم نادي.. جابر خدها واداها لبنت خالته، وبينكر إنها بتاعتي. أنا عايزة صورة الفاتورة يا عم نادي، وعايزاك تشهد معايا إنك إنت اللي بايعلي الطقم ده بفلوسي وشقايا.
عم نادي سكت شوية وبص في الأرض بحزن، وبعدين بصلي وقالي:
عم نادي: والله يا بنتي أنا كنت حاسس إن فيه حاجة غلط.. جابر جالي هنا من يومين، وكان معاه الفاتورة الأصلية اللي باسمك، وقالي إنك بعتيه عشان يبدلهالك بطقم “أرق” بس يكون باسمه

هو عشان يقدمهولك “هدية” ويفاجئك.. ولأنه جوزك ومعاه الفاتورة، أنا صدقته وعملتله فاتورة جديدة باسم “جابر السيوفي”.
الدنيا اسودت في عيني.. جابر كان مخطط لكل خطوة، حتى الفاتورة اللي كانت هي أملي الوحيد، قدر يغيرها لاسمه. قعدت على الكرسي ومش قادرة أصلب طولي.
هويدا: يعني خلاص يا عم نادي؟ حقي ضاع؟
عم نادي (قرب مني وشوشني): لا يا بنتي، حقك مضاعش.. هو جابر ذكي بس فاته حاجة واحدة، إن المحل هنا متراقب بالكاميرات صوت وصورة.. وفيديو اليوم اللي جيتي فيه إنتي ووالدتك وبدلتي الدهب بفلوسك لسه موجود، وفيديو جابر وهو بيقنعني أغير الاسم موجود كمان.
فتحت عيني بذهول، وحسيت إن الروح ردت فيا من تاني. عم نادي كمل كلامه:
عم نادي: وفيه حاجة كمان يا هويدا.. الإسورة دي أنا اللي صانعها “عمولة” في ورشتي، وعليها ختم المحل بتاعي من جوه برقم تسلسلي خاص مفيش منه اتنين.. يعني لو الإسورة دي راحت لآخر الدنيا، هقدر أثبت إنها طالعة من هنا وباسم مين في السجلات الأصلية.
قمت وقفت وأنا حاسة بانتصار ملوش أول من آخر.
هويدا: طيب يا عم نادي، أنا مش عايزة الفيديو دلوقتي.. أنا عايزة الفاتورة القديمة (صورة منها) وعايزة تسجيل كاميرا اليوم اللي جابر جالك فيه.. بس خلي كل ده سر، لحد ما أقولك “دلوقتي يا عم نادي”.
رجعت البيت وأنا جوايا هدوء غريب. جابر رجع بليل ولقاني محضرة له العشا وقاعدة بضحك مع ولادي ولا كأن فيه حاجة حصلت.
جابر (باستغراب): إيه يا هويدا؟ يعني خلاص، استعوضتي ربنا في الدهب وفقتي لنفسك؟
هويدا (بابتسامة باردة): اه يا جابر.. فكرت في كلامك ولقيت إن الدنيا متستاهلش، وإن “الدهب بيروح وييجي”.. المهم الراحة والستر، مش كده برضه؟
جابر ضحك بانتصار وهو مش فاهم إن الابتسامة دي هي أول مسمار في نعش كدبه، وإن المناسبة الجاية اللي عبير هتلبس فيها الدهب، هتكون هي نفس المناسبة اللي هسحب فيها السجادة من تحت رجليهم هما الاتنين.
مرت الأيام وجابر بقى مطمن خالص، فاكر إن هويدا استسلمت للامر الواقع وصدقت تمثيليته. وفي يوم، جاتلي الفكرة اللي هحرق بيها دمهم زي ما حرقوا قلبي. قررت أعمل عزومة كبيرة في بيتي، وعزمت فيها عيلة جابر كلها، وبالطبع “عبير” كانت على رأس القائمة.
قلت لجابر: “يا جابر، إحنا أهل، ومينفعش نشيل من بعض عشان حتة دهب راحت لحالها.. أنا هعزم خالتي وبنتها والكل، عشان نصفي النفوس ونبين إننا يد واحدة.” جابر فرح جداً، وكان فاكر إن دي لحظة “استسلامي” الكاملة وضمان إن سري اندفن.
يوم العزومة، البيت كان مليان، وعبير دخلت وهي لابسة الإسورة والخاتم فوق الكم عشان الكل يشوفهم، وكانت بتبصلي بنظرة انتصار مقرفة. قعدنا كلنا، وبعد ما خلصنا أكل، والكل بيشرب الشاي، قمت وقفت في نص الصالة ووشي منور بابتسامة غريبة.
هويدا (بصوت عالي خلى الكل يسكت): يا جماعة، أنا عايزة أشكر جابر جوزي قدامكم كلكم.. جابر بجد فاجئني النهاردة بمناسبة العزومة دي، وجابلي هدية غالية أوي، وقالي إنها تعويض عن الدهب اللي ضاع مني.
جابر (وشه جاب ألوان وبدأ يتلجلج): هدية إيه يا هويدا؟ أنا مـ…
هويدا (قاطعته بضحكة): مالك يا جابر؟ مكسوف؟ لا يا حبيبي، ده كرمك لازم الكل يعرفه.
لمحة نيوز

طلعت تليفوني ووصلته بشاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة، والكل كان باصص بفضول.
هويدا: جابر جابلي فيديو “ذكريات” جميل أوي، كان عايز يوريهولي لوحدنا، بس أنا قلت لازم تشاركونا الفرحة.
فجأة، الشاشة نورت.. بس مش بذكريات حب، ده كان فيديو من كاميرا محل عم نادي الصايغ. الفيديو كان واضح جداً، جابر وهو واقف بيسلم عم نادي “الإسورة” و”الخاتم” (بتوع هويدا) وبيرجيه يغير الفاتورة ويخليها باسمه هو عشان “يضحك على مراته” ويقولها إنه جابهم هدية.
الصمت كان رهيب في الصالة، النفس انقطع. عبير وشها بقى زي الكفن، وبدأت تخبي إيدها اللي فيها الإسورة ورا ضهرها. جابر كان واقف زي التمثال، عينه في الأرض والعرق بينضح من كل حتة في جسمه.
هويدا (بكل هدوء وقوة): شوفت يا جابر؟ الفيديو ده عم نادي بعتهولي عشان يباركلي على “كرمك”.. وشوفتي يا عبير؟ الدهب اللي إنتي لابساه وبتقولي إن جابر جابهولك عشان “إنتي الغالية”، ده شقايا

أنا.. ده تعب السنين اللي جابر سرقه مني عشان يداري بيه كسرة عينه قدام أهلك اللي رفضوه زمان.
قمت وقفت قدام عبير ومديت إيدي بكل ثبات:
هويدا: يالا يا عبير.. الدهب ده عليه ختم ورشة عم نادي، والفاتورة الأصلية والتحقيق في السرقة هيتم لو الحاجة دي مقلعتهاش دلوقتي قدام الكل.
خالتي (أم عبير) كانت بتبص لابن أختها بقرف، وعيلة جابر كلها كانت بتبص في الأرض من الخزي. عبير بدأت تقلع الإسورة وهي بتعيط من الفضيحة، ورمتها على الطرابيزة وإيدها بتترعش.
هويدا (بصيت لجابر): الدهب رجع لأصحابه يا جابر.. بس إنت، مفيش حاجة في الدنيا هترجعك لقلبي تاني.
أخدت الدهب من على الطرابيزة ببرود، حطيته في علبته وقفلتها، والكل واقف بيتفرج في ذهول.. مكنش فيه صوت مسموع غير صوت أنفاس جابر العالية وهو حاسس إن الأرض بتنسحب من تحت رجليه.
عبير خدت شنطتها وجريت على بره وهي بتعيط من الفضيحة، وخالتي أخدت ولادها وخرجت وراها وهي بتبص لجابر بقرف وقالت له كلمة واحدة: “يا خسارة يا ابن أختي، بعت عرضك ومراتك عشان تشتري منظرة كدابة”.
أول ما البيت فضي علينا، جابر انفجر.. كان زي الدبيحة اللي بتنازع.
جابر (بصوت عالي وكله غل): إنتي بتفضحيني يا هويدا؟ بتفرجي عليا أهلي وناسي عشان حتتين دهب؟ أنا جوزك.. ستري وغطايا، تروحي تعملي فيا كدة؟
هويدا (بصيت له بمنتهى الهدوء): إنت اللي فضحت نفسك يا جابر يوم ما مديت إيدك على حاجة مش بتاعتك.. ويوم ما وافقت إن واحدة تانية تلبس شقايا وتكسر عيني قدام الكل. إنت مش جوزي، إنت واحد “حرامي” سرقني وسرق أماني.
جابر (حاول يقرب مني ويمسك إيدي): أنا كنت هعوضك.. كنت هجيبلك غيرهم لما الأمور تتيسر، أنا بس كنت عايز أثبت لـ “عبير” وأهلها إني مش الفقير بتاع زمان.
هويدا (زقيت إيده): تثبت لنفسك على حسابي؟ تدوس عليا عشان تعلي نفسك في عين غيري؟ جابر.. إنت خلصت من حياتي.
دخلت الأوضة، طلعت شنطة كبيرة، وبدأت ألم فيها هدومه بكل قوة. مكنتش بعيط، كانت دموعي نشفت من ليلة ما اكتشفت السرقة.
جابر (بذهول): إنتي بتعملي إيه؟ إنتي عايزة تخربي بيتنا عشان خاطر ذهب؟
هويدا: البيت انخرب يوم ما الأمان ضاع.. البيت اللي فيه حرامي ميتعاش فيه. الدهب ده كان “سند للزمن” يا جابر، وأهو فعلاً نفعني في الزمن الصعب ده، وعرفني إن اللي كنت فاكراه سندي هو أول واحد كسرني.
رميت الشنطة قدام رجله وفتحت له باب الشقة.
هويدا: ورقة طلاقي توصلي في أسرع وقت، وإلا الفيديو ده وبلاغ السرقة بتاع عم نادي هيكونوا في القسم الصبح.. والدهب ده هبيعه وهصرفه على ولادي، شقايا وأنا أولى بيه.
بص لي بصه أخيرة فيها ندم مخلوط بكسرة، وشال شنطته وخرج وهو مطاطي راسه.. قفلت الباب وراه بالمفتاح، وسندت ضهري عليه وأخدت نَفَس طويل لأول مرة من أيام.
بصيت لعلبة الدهب اللي في إيدي.. مكنتش شايفة فيها لمعة الدهب، كنت شايفة فيها “كرامتي” اللي رجعت، وقوة “هويدا” اللي مفيش حد هيقدر يكسرها تاني.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *