اهلي حكايات روماني مكرم 1

اهلى رايحين مصيف ماما وبابا واخويا ومراته وعياله

وانا وجوزى لا. كلمت ماما وقولتلها انا عامله حسابى هطلع معاكم علشان مخنوقه انا مليش حد غيركم تسبونى وتمشو

راحت قالتلى انتى عارفه مرات اخوكى مش عاوزاكى

علشان بتعملوا مشاكل مع بعض وأحنا راييحين نهدى أعصابنا

البيت كان شغال خلاط من الحركة، شنط بتتجر على الأرض، وصوت أكياس البلاستيك بتاعة الهدوم الجديدة وهي بتتفرز. الكل كان بيجري حوالين نفسه، وأنا قاعدة في الشقة لوحدي، باصة للسقف، والخنقة واصلة لحد حلقي. جوزي مسافر بقاله شهور شغال برة، والبيت عليا ملوش حس ولا ونيس، والشيطان بدأ يوزّ في ودني: *“انتي غريبة وسط أهلك ولا إيه؟ هيمشوا ويصيّفوا ويسيبوكي تكلّمي نفسك في الحيطان؟”*.

قمت لابة العباية البيتي ونزلت جري على بيت عيلتي، تالت عمارة في الشارع. مفيش في دماغي غير فكرة واحدة: أروح معاهم وأهرب من الوحدة دي.

أول ما فتحت الباب، لقيت ريحة الفينو والجبنة الرومي مالية المكان، وأمي بتعمل ساندوتشات السفر. أبويا قاعد على الكنبة بيراجع رخص العربية، وأخويا «أحمد» واقف في الصالة شايل الشماعات وبيرص الحاجه.

دخلت وبصيتلهم، ودمعتي فرت من عيني من غير إرادة:

— “إيه يا جماعة؟ يعني خلاص.. ماشيين وسايبيني لوحدي؟”

أمي لفت ليا، وشها اتقلب ألوان، وقالت بنبرة عيانة:

— “يا بنتي ما احنا قايلين ليكِ من أسبوع.. هو احنا بنهرب؟ ما انتِ عارفة الميعاد.”

قربت منها، ومسكت إيدها المبلولة من غسيل الطماطم، وقلت بصوت مكسور:

— “يا ماما أنا مخنوقة.. طقيت من جدران الشقة وجوزي مسافر وماليش حد يونسني. أنا عامله حسابي هطلع معاكم علشان مخنوقه، لميت هدمتين في شنطة صغيرة ومش هاخد مكان.. أنا ماليش حد غيركم تسبوني وتمشوا؟ ده أنا بنتك البكرية!”

أحمد أخويا بص في الأرض، ومسح على وشه بضيق، وساب الصالة ودخل الأوضة يقفل الشنط. أبويا تنهد تنهيدة جابت الأرض، وقال:

— “يا صابرين يا بنتي، بلاش تفتحي السيرة دي تاني دلوقتي، المركب سايرة ومش عاوزين عكننة.”

في اللحظة دي، الباب بتاع الأوضة الجوانية اتفتح، وخرجت منه «شيماء» مرات أخويا. كانت لابسة عباية الاستقبال الجديدة، ولفت الطرحة ومبتسمة ابتسامة صفرا، أول ما شافتني الابتسامة اختفت، وبقت تبصلي من فوق لتحت عينها بتقول ميت كلمة.

قالت ببرود مستفز وهي بتعدل غوايشها:

— “أهلاً يا صابرين.. مش كنتِ تقولي إنك جاية؟ كنا عملنا حسابك في فنجان قهوة قبل ما ننزل؟”

أنا دمي فار، الحركة دي عارفاها كويس، حركات لوع الحريم. لفت لأمي وبقيت بكلم أمي وبتجاهلها تماماً:

— “شايفة يا ماما؟ أنا مستعدة أدفع نصيبي في الشاليه وفي الأكل، بس أبقى وسطكم.. أنا محتاجة أشم هوا بدل قعدتي لوحدي.”

#الكاتب_رومانى_مكرم

أمي بصت يمين وشمال، كأنها بتدور على مخرج، وشيماء وقفت مربعة إيدها عند المطبخ وباصة لأمي بنظرة تحذير تطلع شرار. أمي خدتني من إيدي ودخلت بيا البلكونة، وقفلت الباب السلك وراها.

أنا قلبي كان بيدق، كنت مستنية أمي تقولي “يغور الشاليه، هاتي شنطتك وتعالي في حضني”. لكن أمي لفت ليا، ووشها مليان حرج وخوف، وقالتلي بصوت واطي ومكتوم:

— “انتي عارفة مرات اخوكي مش عاوزاكي.. علشان بتعملوا مشاكل مع بعض وأحنا راييحين نهدى أعصابنا.”

— ”

— “يعني هي اللي بتمشي البيت يا ماما؟ شيماء بقت هي الكل في الكل، وبنتك الكبيرة تترمي في الشارع علشان خاطر عيونها؟”

دموعي نزلت حرّاقة على وشي، وأمي حطت إيدها على بوقي وهي بتبص وراها على الباب السلك بخوف:

— “وطي صوتك يا صابرين الله يهديكِ، أخوكي لو سمع الكلام ده هيقلب السفرية نكد، وأبوكي صحته مش حمل مشاكل. شيماء دافعة نص مصاريف الشاليه من ورث أبوها، ومأكدة عليا من شهر إنها رايحة ترتاح من غير شد وجذب. انتِ عارفة إن نقاركم بيجيب لورا، امسحي دموعك وروحي شقتك وأنا أول ما أرجع هجيلك.”

سحبت إيدي من إيد أمي بقوة، وبصيتلها بكسرة نفس عمري ما حسيت بيها قبل كده. سبتها في البلكونة وفتحت الباب السلك وخرجت للصالة. شيماء كانت واقفة في نفس مكانها، حاطة إيدها في وسطها، وعلى وشها نظرة انتصار مدارياها بابتسامة باهتة.

أخويا أحمد خرج من الأوضة وشايل الشنط الكبيرة، بصلي وقال بنبرة مخلوطة بالذنب والعصبية:

— “معلش يا صابرين، الجايات أكتر من الرايحات، لما جوزك ينزل بالسلامة ابقوا اطلعوا لوحدكم.”

ما ردتش على حد فيهم. مشيت خطوتين ناحية الباب، وأبويا ناداني بصوت ضعيف:

— “مع السلامة يا بنتي، لا إله إلا الله.”

التفتّ وقلت والغصة في حلقي:

— “سيدنا محمد رسول الله.. توصلوا بالسلامة.”

قليت الباب ورايا ونزلت السلم جري، دموعي كانت مغمية عيني ومش شايفة الدرج. ركبت شقتي وقفلت الباب بالمفتاح والترباس، وكأنّي بقفل على نفسي قبر. رميت العباية على الأرض وقعدت في الصالة في الضلمة.

بعد حوالي ساعة، سمعت صوت كلاكيت عربية أخويا تحت في الشارع، وصوت ضحك عياله وهما بيركبوا. قمت وقفت ورا الستارة وبصيت من خرم صغير. شفتهم وهما بيتحركوا، العربية لفت أول الشارع واختفت، واختفى معاها كل حس في الدنيا.

الشيطان رجع تاني يوسوس في ودني، بس المرة دي مكنش بيوزني أروح معاهم، كان بيوزني أنتقم لكرامتي اللي اتهانت عشان خاطر مرات أخويا. مسكت تليفوني وبقيت بقلب في الأسماء، وعيني جت على رقم جوزي في الغربة. كنت عاوزة أتصل بيه أصرخ وأقوله “أهلي باعوني عشان الغريبة”، بس اتراجعت في آخر لحظة.. جوزي لو عرف، هيعمل مشكلة مع أخويا، والبيوت هتتخرب.

مسحت دموعي وقعدت على الكنبة، وفجأة تليفوني رن برقم غريب. رديت بصوت مخنوق:

— “ألو؟ مين؟”

جاني صوت راجل غريب ونبرته جادة جداً:

— “حضرتك صابرين؟”

— “أيوا أنا، خير في إيه؟”

— “أنا الرائد محمد من قسم شرطة الطرق السريعة.. العربية بتاعة أحمد أخوكي عملت حادثة كبيرة على طريق الإسكندرية الصحراوي، وحضرتك الرقم الوحيد اللي لقيناه متسجل باسم ‘أختي الغالية’ في التليفون اللي شغال.. لازم تيجي فوراً على مستشفى…”

التليفون وقع من إيدي على الأرض، والشقة اللي كانت خنقااني ومفيهاش حس، اتملت فجأة بصوت صويتي وصراخي اللي هز الجدران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *