مراتي كانت بتخبي فلوس 2
وقفت في نص الأوضة مش قادر أصلب طولي، العقد في إيدي بيترعش والورقة المكتوبة بالخط الأحمر كأنها نار قادت في صوابعي. “أخوك الكبير عرف.. وجالي المستشفى وهددني.. أوعى تفتكر إن موتي كان طبيعي فتش ورا..” الكلمات كانت بتلف في دماغي زي الإعصار. أخويا؟ محمود؟ أخويا الكبير اللي كان واقف معايا في العزا وبيطبطب على كتفي ويقولي شد حيلك يا أحمد إحنا ملناش غير بعض؟ محمود اللي بكى عليها وكأنه فقد أخته؟
شريط الـ 23 سنة اللي فاتوا كله مر قدام عينيا في ثانية واحدة. تذكرت لما هدى تعبت فجأة في أسبوعها الأخير، وتذكرت إن محمود كان بيجي يزورها كل يوم في المستشفى في وقت غريب.. في وقت الضهرية لما نكون أنا والأولاد بره بنرتب أوراق العلاج أو بنجيب أكياس الدم. تذكرت نظراته القلقانة، وسؤاله الدائم ليا: “هي هدى قالتلك حاجة قبل ما تغيب عن الوعي يا أحمد؟ شالتك أمانة؟ كتبت حاجة؟” وأنا المغفل كنت بفتكره خايف عليا وعلى حزني، كنت بقوله: “لأ يا محمود، دي بتموت يا خويا، مش قادرة تتكلم.”
حسيت بنار بتغلي في عروقي، مسكت العقد والورق وقفلت الخزنة بسرعة، ونزلت السلم جري وكأني مش شايف قدامي. ركبت عربيتي وطيرت على المستشفى اللي هدى قضت فيها أيامها الأخيرة. كنت محتاج إجابة، محتاج أعرف إيه اللي حصل في الأسبوع ده بالظبط.
وصلت المستشفى ودخلت على مكتب الدكتور “شريف” المتابع لحالتها، وكان راجل محترم وصديق شخصي ليا من سنين. دخلت عليه والنهجة واكلاني وشكلي كان يخوف، لدرجة إنه قام من على مكتبه مخضوض وقال: “في إيه يا أحمد يا خويا؟ مالك شكلك عامل كده ليه؟”
رميت الورقة اللي بخط هدى قدامه على المكتب وقلت بصوت حاد ومكتوم من العياط: “هدى ماتت بالسرطان يا شريف؟ ولا ماتت بحاجة تانية؟ قولي الحقيقة.. هدى اتق*تلت؟”
الدكتور شريف وشه اتخطف تماماً، ولونه بقا أبيض زي الورقة. رجع لورا وقعد على كرسيه، وفضل ساكت لثواني كأن الصدمة شلت لسانه. بص للورقة وبصلي، ولقيت دموعه هي كمان بتنزل، وقال بصوت مرعوب: “إنت عرفت منين؟ هدى هي اللي كتبتلك ده؟”
مسكته من هدمه وأنا بصرخ: “يعني إنت كنت عارف؟ كنت عارف وخبّيت عليا يا شريف؟ دي مراتي! دي هدى اللي كانت زي أختك!”
شريف هز راسه وهو بيعيط وقال: “يا أحمد اهدى واسمعني.. هدى هي اللي ترجتني وبواست إيدي وموتت نفسها من العياط عشان مخربش البيت وعشان خافت عليك من أخوك! يوم الأربع اللي قبل وفاتها، أنا دخلت الأوضة فجأة ومحمود أخوك مكنش واخد باله.. شفته وهو بيميل عليها وبيتف في المحلول بتاعها مادة سائلة من أمبول كان في إيده! لما شافني ارتبك ورمى الأمبول في الزبالة وجري.. أنا أخدت سرنجة المحلول وحللتها فوراً، ولقيت فيها جرعة مركزة من مادة بتوقف عضلة القلب فجأة وتظهر في التشريح العادي كأنها سكتة قلبية بسبب ضعف الجسم من الكيماوي!”
شريف كمل وهو بيموت من الرعب: “لما واجهت هدى وكنت هبلغ الشرطة، هدى صرخت وقالتلي لو بلغت أحمد هيروح يقت*ل أخوه ويضيع ويدخل السجن والأولاد يتشردوا.. محمود هددها إنه هيق*تل أولادها لو الورق ده ظهر.. وقالتلي يا شريف سيبني أموت، أنا كده كده ميتة والأيام فاضل فيها كام يوم، بس احمي أحمد وولاده.. وخلتني أقسم على المصحف إني متكلمش إلا لو إنت جيتلي بالورق ده بنفسك!”
الدنيا ضلمت في وشي.. أخويا ق*تل مراتي عشان الأرض؟ قت*ل الست اللي صانتني وصانت شرفي وحقي 23 سنة؟
خرجت من المستشفى زي المجنون، ركبت عربيتي ودموعي عامية عيني.. مكنتش شايف قدامي غير وش محمود.. طرت بأقصى سرعة على بيته، والمرة دي مكنتش رايح أعاتب.. كنت رايح أنهي كل حاجة.
وصلت قدام عمارته، طلعت السلم تلاتات، وفضلت أرزع على الباب بكل قوتي لحد ما الباب اتفتح.. وظهر محمود ورا الباب وهو لابس جلابيته البيضا ومبتسم ويقول: “أحمد؟ خير يا خويا في إيه على المسا؟”
مسكته من رقبته وزقيته جوه الشقة وقفت الباب برجلي وطلعت العقد والورقة وحطيتهم في وشه وأنا بصرخ بصوت زلزل الحيطان: “ق*تلت هدى ليه يا محمود؟ قت*لتها ليه يا ابن أبويا وأمي؟”
محمود لما شاف العقد والورقة، ابتسامته اختفت تماماً، وعينيه برقت بشر مكنتش شفته فيه طول عمري.. رجع خطوتين لورا، وحط إيده في جيب الجلابية وطلع مسدس صغير وقال بصوت فحيح الأفاعي: “كنت عارف إن الست دي مش هتعديها على خير حتى وهي في قبرها.. بس كويس إنك جيت بنفسك يا أحمد.. عشان تلحقها!”
وقفت مكاني متسمر، مش من الخوف، لكن من الصدمة.. من بشاعة المشهد.. أخويا، السند اللي المفروض أتحامى فيه بعد موت مراتي، واقف قدامي وموجه المسدس لصدري وبكل برود الدنيا بيقولي “عشان تلحقها”. في اللحظة دي، ملامح محمود اللي كنت عارفاها طول عمري اتغيرت، مكنتش شايف أخويا، كنت شايف شيطان لابس جلابية بيضا، شيطان عينه مليانة غل وحقد سنين.
ضحكت.. ضحكت بصوت عالي وسط دموعي لدرجة إن محمود ارتبك وإيده اللي ماسكة المسدس اتهزت. بصلي باستغراب وقال بفحيح مكتوم: “إنت اتجننت يا أحمد؟ بتضحك على إيه؟ إنت فاكرني بهزر؟ أنا ضيعت عمري كله وأنا بجمع في ثروة وبأمن مستقبلي ومستقبل عيالي، وتيجي حتة ست لا راحت ولا جت تقلب عليا الطاولة وتكشف ورق قديم فات عليه خمسطاشر سنة؟ الأرض دي بتاعتي.. أنا اللي تعبت فيها وأنا اللي كبرتها، وأبوك الله يرحمه كان ظالمني وكان عاوز يديك نصيب الأسد عشان إنت الصغير المدلل.. أنا مق*تلتش حد، هي كانت كده كده ميتة بالمرض الخبيث، أنا بس ريحتها وسرّعت الأجل عشان تتدفن بسرورها قبل ما توديك في داهية وتوديني معاك!”
كل كلمة كان بيقولها كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين. هدى ضحت بعلاجها، عاشت شهور بتتعصر من الألم ومن غير مسكنات قوية عشان توفر تمن المحامين والتحريات والعقد الأصلي، وهو بكل خسة بيقول “ريحتها”!
قلتله بصوت طالع من قاع جروحي، وبكل ثبات خطيت خطوة ناحيته: “أنا ميهمنيش الأرض، ولا يهمني الملايين يا محمود.. أنا كان يهمني مراتي.. الست اللي عاشت معايا على الحلوة والمرة 23 سنة.. الست اللي كانت بتخبي الـ 200 جنيه في علبة الرز وكيس الدقيق عشان الأيام السودة، وهي مش عارفة إن اليوم الأسود الحقيقي هو اليوم اللي هشوفك فيه وإنت قاتلها! إنت مش أخويا.. إنت حتة من جهنم.”
محمود صرخ فيا: “ثبت مكانك وماتخطيش خطوة كمان وإلا هفضّي المسدس ده في قلبك! العقد ده يرجعلي دلوقتي، وتكتبلي تنازل عن كل حاجة، وإلا هتحصلها وأقول للناس إنك جيت تتهجم عليا في بيتي بسبب الميراث وأنا دافعت عن نفسي.. ومحدش هيشك فيا.. أنا محمود الكبير يا أحمد!”
في اللحظة دي، وأنا شايف عينيه بتلمع بغدر حقيقي، وعرفت إنه فعلاً مستعد يق*تلني وييتم ولادي بعد ما يتمهم من أمهم.. سمعت صوت حركة غريبة ورايا. الباب بتاع الشقة المحكوم بالقفل مكنش مقفول بالكامل، وفجأة الباب اتفتح على آخره ودخل منه تلات رجالة.. دكتور شريف، ومعاه ضابط شرطة برتبة مقدم، واثنين أمناء شرطة مسلحين!
محمود وشه اتقلب ألوان والمسدس وقع من إيده على السجادة وصوته اختفى تماماً. الضابط جرى بسرعة حرز المسدس وزق محمود في الحيطة وكلبش إيده ورا ضهره.
أنا قعدت على أقرب كرسي وأنا حاطط راسي بين إيديا، وجسمي كله بيتنفض. الدكتور شريف جه عليا وأخدني في حضنه وقال: “سامحني يا أحمد.. أنا مكنتش هسيبك تيجي هنا لوحدك.. أنا لما شفت حالتك وإنت خارج من المستشفى عرفت إنك هتيجي لمحمود.. كلمت الشرطة فوراً وبلغت عن الأمبول وعن التحاليل اللي معايا، وجينا وراك.. والحمد لله إننا وصلنا في الوقت المناسب.”
الضابط بص لمحمود وقال بقسوة: “أهلاً يا محمود بيه.. البلاغ اللي اتقدم ضدك مش بس تزوير وسرقة.. ده جناية ق*تل عمد مع سبق الإصرار والترصد، ومحاولة ق*تل تانية مسجلة بالصوت والصورة دلوقتي!”.. الضابط شاور على جهاز تسجيل صغير كان الدكتور شريف مشغله من أول ما دخلوا وسمعوا اعتراف محمود بكل حاجة وهو بيهددني بالمسدس.
محمود وهو بيتسحب من الأمناء، بصلي بنظرة رجاء أخيرة وقال بصوت مرعوب: “أحمد! إلحقني يا أحمد.. أنا أخوك الكبير.. هضيع.. هيدموني يا أحمد! قولهم إنك مسمحني.. قولهم إن الكلام ده مش حقيقي!”
بصيت له ونظرتي كانت خالية من أي مشاعر.. مكنش فيه حزن، ولا عتاب، كان فيه وداع أبدي. قلتله: “أنا ماليش إخوات يا محمود.. أخويا مات مع هدى.”
أخدوا محمود وخرجوا، والشقة فضيت عليا أنا ودكتور شريف. شريف طبطب على كتفي وقالي: “يلا يا أحمد.. حق هدى رجع.. والعدالة هتاخد مجراها.. ارحع لبيتك وولادك.”
رجعت البيت.. الساعة كانت تلاتة الفجر. البيت كان هادي وضلمة. دخلت أوضة النوم، وفتحت الخزنة تاني عشان أشيل العقد والورق.. وأنا بحط الألبوم والصندوق القطيفة، لمحت حاجة صغيرة كانت لازقة في سقف الخزنة من جوه.. علبة كبريت قديمة!
سحبتها وفتحتها.. لقيت جواها مفتاح تاني خالص، أصغر بكتير، وملفوف حواليه ورقة صغيرة تانية مكتوب عليها: “أحمد.. لو محمود اتمسك وعرفت الحقيقة.. يبقى لازم تروح للمكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة.. تحت الشجرة القديمة في الفيوم.. السر لسه مخلصش يا حبيبي.. فيه أمانة تانية لازم تستلمها.”