حكايات زهره التالت

السائل الأسود على العتبة كان بيغلي ويطلع دخان له ريحة كبريت خنقت أنفاسي. حاولت أقوم تاني، لكن رجلي كانت كأنها متسمرة في الأرض، وصريخ بنتي في الأوضة التانية كان بيزيد لدرجة إن قلبي كان بيتقطع.

صفاء وقفت في نص الصالة، ضحكتها كانت مش ضحكة بشر.. كانت ضحكة فيها شياطين، وبصتلي وهي بتقول: “الخروج من هنا مش زي الدخول يا ندى.. البيت ده بقى ملك، والسحر اللي دلقته ده هو الحارس الجديد.. مفيش حد هيخرج من الأوضة دي لحد ما يخلص الأوان!”

عمر كان بيحاول يقتحم الحاجز الخفي ده عشان يوصل لي، كان بيخبط في الفراغ كأنه بيخبط في جدار خرساني صلب، وبدأ يصرخ من الألم كل ما يلمس الحاجز، كأن في كهرباء عالية بتصعقه. هند، اللي كانت أهدانا، بدأت تنطق بكلمات قوية وبتردد آيات قرآنية بصوت عالي جداً وهي ماسكة المصحف ومغمضة عينيها، وبدأت تمشي ناحية صفاء وهي مش خايفة.

هند قالت بصوت واثق رغم الخوف اللي في عينيها: “حاجزك ده أوهن من بيت العنكبوت يا صفاء.. إنتِ فاكرة إنك بتلعبي مع مين؟ ده كلام ربنا اللي بيمحي أي دنس!”

صفاء اتراجعت لورا، وملامحها بدأت تتشوه، وعينيها احمرت بشكل مرعب، وبدأت تتمتم بكلمات مش مفهومة. وفجأة، ضلفة الدولاب اللي لسه مفتوحة بدأت تترزع تاني بعنف، مش كأن فيه حاجة جواها، لكن كأن الدولاب نفسه بيتحول لبوابة.. وفجأة، خرجت من الدولاب إيد طويلة، ضوافرها سوداء ومشوهة، بدأت تتمد ناحية عمر وهو واقف مذهول!

أنا في اللحظة دي، من كتر الوجع على بنتي وعلى جوزي، طلعت كل طاقتي وصرخت: “يا رب!”، وقمت بكل قوتي أزحف ناحية الباب عشان أتخطى العتبة. هند شافتني، وجريت ناحيتي ورمت المصحف في إيدي وقالتلي: “اقرئي يا ندى.. اقرئي ومتخافيش! الباب مش مقفول بسحر.. الباب مقفول بخوفنا!”

مسكت المصحف بإيد، وبإيد التانية سحبت عمري اللي كان بيحاول يقاوم الإيد المشوهة اللي طالعة من الدولاب.. ولقيت إيدي لمست إيد عمر، وفي اللحظة اللي تلامست فيها إيدينا، حسيت بحرارة عالية جداً.. حرارة خلت الحاجز الخفي اللي كان مانعنا يتكسر زي القزاز!

بمجرد ما الحاجز اتكسر، صفاء وقعت في الأرض وهي بتصرخ كأنها اتلسعت بنار، والزجاجة اللي كانت في إيدها اتكسرت، والسائل الأسود اللي على العتبة بدأ يتبخر ويختفي تماماً.

عمر استجمع قوته، وجري ناحية الدولاب، وبصوت مليان غضب وقوة، قفل ضلفة الدولاب بكل قوته وأطبق عليها، وفجأة.. خيالات سودة بدأت تطلع من الدولاب وتتلاشى في الهوا كأنها دخان، والصريخ اللي كان جاي من أوضة بنتي وقف في ثانية، وحل مكانه هدوء غريب.. سكون تام.

صفاء فضلت واقعة في الأرض، بتتهز وتتمتم بكلام غير مفهوم، وهند قربت منها وهي ماسكة تليفونها وبدأت تصور كل اللي حصل وكل اللي صفاء قالته وهي بتعترف بجرائمها.. وبصتلي وقالت: “ندى.. لازم كل ده يتسجل، ولازم البيت ده يتطهر بالكامل.. مش بس بالقرآن، لكن بالقانون كمان!”

عمر كان واقف بينهج، لسه مش مصدق اللي شافه، وبص لصفاء اللي كانت بتنهار وبدأت تبكي بدموع حقيقية وهي بتقول: “أنا كنت عايزة.. كنت عايزة بس أخليكم تحسوا باللي أنا حاساه.. الجواز والولاد.. كان حقد أعمى!”

وفجأة، الباب الخارجي اتفتح تاني، بس المرة دي مش صفاء اللي كانت وراه.. كان صوت خبط مألوف، وصوت دقات باب هادية.. دقات تانية خالص غير اللي دخلت بيه صفاء!

الخبطات على الباب الخارجي كانت هادية ومنتظمة، عكس الإعصار اللي كان شغال جوة الشقة من دقيقة واحدة. الصوت ده رجعنا للواقع، وفكرنا إننا لسه محبوسين في مكان مقفول بالمفتاح من بره!

عمر بص لصفاء اللي كانت مرمية على الأرض بتعيط وتترعش، وجري على باب الشقة وبص من العين السحرية. لقى البواب واقف ومعاه مفك حديد كبير وكأنه كان بيحاول يساعد. عمر زعق بصوت مكتوم من ورا الباب:

* “مين؟ عم محمد؟”

البواب رد بنبرة قلقانة:

* “أيوا يا عمر بيه.. أنا لقيت أختك صفاء هانم نازلة جري من شوية، بس شكلها كان غريب ومخضوض، ولما سألتها مالك مردتش عليا، ولقيت المفتاح ده واقع منها على السلم.. جيت أشوف فيه إيه ولما لقيت الباب مقفول من بره قلقِت!”

عمر اتجمد مكانه، ويلف بص لصفاء اللي قاعدة على الأرض، وبعدين بص لهند.. إحنا الثلاثة لقطنا الصدمة في نفس اللحظة: إذا كان المفتاح وقع من صفاء وهي نازلة.. وإذا كان البواب شافها نازلة.. يبقى مين اللي بره في الصالة وكان بيمشي بخطوات واثقة؟ ومين “صفاء” اللي واقفة قدامنا في الشقة دلوقتي؟!

هند صرخت وهي بتبص لصفاء اللي على الأرض:

* “عمر.. اوعى تفتح الباب! اللي واقفة قدامنا دي مش أختك.. دي خيالها.. دي التابع بتاع السحر!”

في ثانية واحدة، الست اللي قاعدة على الأرض وبتبكي بدموع حقيقية، شكلها بدأ يتغير.. ملامحها بدأت تسيح كأنها شمع بيتدلق، والعباية السودا بتاعتها بدأت تتحول لدخان أسود كثيف ملى الصالة. الدخان ده طار بسرعة البرق ودخل من فتحات الدولاب المقفول، والضجة والخبط رجعوا تاني جوه الدولاب بس المرة دي بصوت ضحكة مكتومة وساخرة، كأن الحاجة اللي جوه بتلعب بينا!

أنا جريت على أوضة بنتي من غير ما أفكر في أي حاجة تانية. دخلت الأوضة ولقيت البنت نايمة في سريرها بسلام، بس الهوا حواليها كان ساقع جداً كأننا في وسط الشتا. شلتها وفضلت أضمها لصدري وأنا بقرأ آية الكرسي والمعوذتين ودموعي بتغرق وشها.

خرجت بسرعة للصالة وأنا شايلاها، ولقيت عمر فتح الباب لعم محمد البواب اللي دخل وهو مذهول من ريحة الكبريت والعفونة اللي مالية الشقة. هند كانت واقفة في نص الصالة، ماسكة القماشة الحمراء والكيس الأسود اللي جواه العمل والسلسلة، وبصت لعمر وقالتله بحسم:

* “البيت ده مش هنقعد فيه دقيقة واحدة تانية الليلة دي.. العمل ده لازم يتفد في مياه جارية ويدوب، والبيت لازم يتقفل ويتجابله حد من مشايخ الأزهر الثقات يطهره بالكامل.. صفاء الحقيقية هربت بعد ما رمت السائل وخرجت، واللي شفناه هنا كان طيف الأذى اللي اتغذى على السحر!”

عمر كان وشه شاحب، بس عينيه كان فيها غضب ملوش آخر.. غضب من أخته اللي هانت عليها صلة الدم وحاولت تدمر حياته وحياة مراته وبنته. بص لهند وقالها:

* “يلا بينا.. مش هسيب ندى وبنتي هنا ثانية واحدة.”

لمينا أهم حاجاتنا بسرعة، وخرجنا من الشقة وأنا حاسة كأن جبل انزاح من فوق صدري بمجرد ما عدينا عتبة الباب الخارجي. نزلنا وركبنا عربية عمر، وهند قعدت جنبه وهي ماسكة الكيس بحذر شديد، وأنا ورا ضامة بنتي اللي بدأت تدفى في حضني وترجع لطبيعتها.

عمر ساق العربية ليلتها على كورنيش النيل، ووقف في مكان هادي وضلمة. نزل هو وهند، ووقفت أنا أبص عليهم من شباك العربية.. هند فكت السلك المصدي من على العروسة القماش، وبدأت تقرأ قرآن بصوت مسموع وهي بترميه في المية، وجنبها عمر رمى السلسلة الدهب المكسورة بعد ما قرا عليها..

المية بلعت كل حاجة، وفي اللحظة اللي الحاجة نزلت فيها المية، حسيت برعشة غريبة في جسمي.. رعشة تلتها راحة نفسية عمري ما حسيتها من يوم ما ولدت، كأن الغمامة اللي كانت على عيني وعلى بيتي اختفت تماماً.

عمر رجع العربية، وبصلي في المراية وعينيه مدمعة وقال:

* “سامحيني يا ندى.. أنا مكنتش شايف.. مكنتش حاسس بنفسي.”

وقبل ما أرد عليه، تليفون هند اللي كان محطوط على التابلوه رن فجأة.. الرقم كان غريب، بس أول ما هند فتحت الخط وسبيكر.. طلع صوت صفاء الحقيقية، بس صوتها مكنش خايف، صوتها كان مليان غل وشر وبتنهج كأنها بتجري وقالت:

* “فاكرين لما رميتوا العمل في النيل إنكم خلصتوا؟ العمل اللي في الدولاب كان مجرد فخ عشان يشغلكم عن العمل الحقيقي.. العمل الحقيقي مدفون في مكان عمركم ما هتوصلوا له.. في طوق البيبي اللي في رقبتها!”

بصيت لرقبة بنتي برعب، ولقيت…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *