اشتغلت في الوظيفة 2
الفصل الثالث
ثبتت ليلى مكانها وهي شايفة مقبض الباب بيتحرك ببطء.
مرة.
واتنين.
وثلاثة.
كأن اللي واقف بره بيجرب يتأكد إن الباب مقفول.
مدت إيدها ناحية التليفون على الكومودينو من غير ما تعمل أي صوت.
قلبها كان بيدق بعنف.
وكل تفكيرها كان في آدم وجنا.
مش في نفسها.
فيهم هما.
لو حد دخل دلوقتي…
هيعمل فيهم إيه؟
فجأة سمعِت همسة خافتة من بره الباب.
وبعدين صوت خطوات بتبعد.
بسرعة.
قامت من السرير فورًا.
جريت ناحية العين السحرية.
لكن الممر كان فاضي.
مفيش حد.
ولا أي أثر لأي شخص.
فضلت واقفة دقيقة كاملة.
ثم اتنين.
ثم فتحت الباب بحذر.
الممر كان مظلم.
لكن حاجة صغيرة لفتت نظرها.
ظرف أبيض.
متساب على الأرض.
قدام الباب مباشرة.
انحنت والتقطته.
قفلت الباب بسرعة.
ثم فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة.
مكتوب عليها بخط كبير:
“خدي ولادك وامشي قبل ما يفوت الأوان.”
شهقت.
وقلبت الورقة.
لقيت كلمة تانية مكتوبة في الخلف.
“بيراقبوكي.”
جلست على طرف السرير وهي حاسة إن جسمها كله تلج.
مين اللي بعت الرسالة؟
أمينة؟
حد من العاملين؟
ولا شخص تاني؟
والأهم…
مين اللي بيراقبها؟
في الصباح دخلت أوضة سليم وعينيها مرهقة من السهر.
أول ما شافها لاحظت إنه ركز في ملامحها.
قالت بهمس:
“حد جه عند شقتي بالليل.”
عينيه اتسعتا.
ثم حاول يحرك إيده.
ببطء.
مسكت النوتة.
وحطت القلم بين أصابعه.
وبعد جهد طويل كتب:
“كاميرا.”
رفعت رأسها بسرعة.
“كاميرا إيه؟”
كتب حرفين.
ثم توقف.
ثم أكمل.
“الحديقة.”
اتسعت عيونها.
يعني في كاميرات؟
كاميرات محدش يعرف عنها حاجة؟
بعد ساعات كانت بتنزل الجنينة مع جنا بحجة التمشية.
كانت عايزة تدور.
من غير ما حد يشك فيها.
لفت حول الأشجار.
وحول سور القصر.
لحد ما لاحظت حاجة غريبة.
كاميرا صغيرة جدًا.
مخفية داخل تمثال رخامي.
ثم كاميرا تانية.
وثالثة.
كلها متوجهة ناحية الشقق الخلفية.
ناحية سكن العاملين.
ناحية شقتها بالتحديد.
رجعت وهي حاسة بالغثيان.
حد كان بيراقب كل حركة بتعملها.
في نفس اليوم.
وصل للقصر زائر جديد.
رجل في الستينات.
شعره أبيض.
وهيبة غريبة.
أول ما شافته أمينة اتوترت.
وأول ما شافه رامز تغير لونه.
عرفت بعدها إن اسمه اللواء المتقاعد نادر الحديدي.
عم سليم ورامز.
وأكبر مساهم فردي في المجموعة بعد سليم.
دخل مباشرة لأوضة سليم.
وقف قدامه طويلًا.
ثم قال:
“وحشتني يا ابن أخويا.”
صوته كان حزين بصدق.
مش زي تمثيل رامز.
رامز حاول يقاطعه.
لكن الرجل أسكته بإشارة واحدة.
ثم التفت لليلى.
وسأل:
“إنتِ هنا بقالك قد إيه؟”
قالت:
“حوالي أسبوعين.”
هز رأسه.
وقال:
“ومن أول مرة أشوفه من سنين عينيه فيها حياة.”
ساد الصمت.
أما رامز فكان بيضغط على أسنانه بعصبية.
في المساء.
استدعى رامز ليلى إلى مكتبه.
المكتب كان واسع.
فخم.
لكن لأول مرة شعرت إنها داخلة قفص.
قال بابتسامة باردة:
“إنتِ شاطرة.”
سكت لحظة.
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج شيك.
رقم كبير جدًا.
أكبر من مرتبها بعشرات المرات.
قال:
“خديه.”
بصت للشيك.
ثم رفعت عينيها.
“ليه؟”
ابتسم.
وقال:
“مكافأة.”
ثم مال للأمام.
وأكمل:
“وكملي شغلك زي ما إنتِ.”
“يعني؟”
“يعني متركزيش في أي حاجة غير الأدوية والأكل.”
سكت ثانية.
ثم أضاف:
“وفي حاجات أحيانًا الأفضل إنها تفضل مدفونة.”
شعرت ليلى بقشعريرة.
التهديد كان واضح.
حتى لو مغلف بابتسامة.
دفعت الشيك نحوه.
وقالت:
“أنا باخد مرتبي وبس.”
اختفت الابتسامة من على وجهه.
لأول مرة.
ورأت حقيقته.
البرود.
والقسوة.
والغضب.
خرجت من المكتب وهي تعرف إن الحرب بدأت.
لكنها ماكانت تعرفش إن رامز في نفس اللحظة كان واقف عند الشباك بيتفرج عليها.
وبيقول لشخص واقف بجانبه:
“خلصوا منها.”
سكت الرجل.
ثم سأله:
“والأطفال؟”
رامز بص للخارج للحظات.
ثم قال ببرود مرعب:
“مش عايز مشاكل… لكن لو اضطرينا…”
ولم يكمل الجملة.
أما في الناحية التانية من القصر…
كان سليم مستلقيًا على سريره.
وعينيه مفتوحتان في الظلام.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات.
شعر بالعجز الحقيقي.
لأنه عرف إن ليلى أصبحت في خطر بسببه.
وفي منتصف تلك الليلة…
استيقظت ليلى على صوت رسالة وصلت إلى هاتفها.
رقم مجهول.
مفيش اسم.
مفيش صورة.
مجرد رسالة واحدة.
فتحتها.
فوجدت صورة.
صورة لآدم وهو خارج من المدرسة صباح ذلك اليوم.
وتحتها جملة قصيرة:
“ابعدي عن أسرار عيلة الحديدي… لو عايزة ابنك يرجع البيت سليم.”
يتبع…
الفصل الرابع
فضلت ليلى باصة للموبايل لثواني طويلة وهي مش قادرة تستوعب اللي شايفاه.
الصورة كانت جديدة.
واضحة جدًا.
آدم واقف قدام المدرسة.
الشنطة على ضهره.
وبيضحك مع واحد من أصحابه.
الصورة متصورة من قريب.
قريب جدًا.
كأن اللي التقطها كان واقف على بعد خطوات منه.
اتجمد الدم في عروقها.
ومش بسبب التهديد.
بسبب إن حد وصل لابنها.
حد يعرف مدرسته.
ويعرف مواعيده.
ويعرف إنها أكتر نقطة ضعف عندها.
جريت ناحية أوضة الأطفال.
فتحت الباب بسرعة.
آدم وجنا كانوا نايمين.
قربت منهم.
ولمست شعرهم.
كأنها بتتأكد إنهم موجودين فعلًا.
ثم رجعت للصالة.
وأعادت قراءة الرسالة عشر مرات.
كل مرة كانت تشعر بالخوف أكتر.
لكن مع الخوف كان فيه غضب بيتولد جواها.
غضب أم.
وأي حد يعرف الأمهات كويس يعرف إن خوف الأم على أولادها ممكن يتحول لأخطر قوة في الدنيا.
في الصباح.
أخذت الأطفال بنفسها للمدرسة.
وانتظرت حتى دخلوا.
ثم فضلت واقفة تراقب المكان.
كانت بتبص لكل عربية.
ولكل شخص.
ولكل وجه.
لكنها ماقدرتش تميز حد.
كل الناس بدوا طبيعيين.
وده كان المرعب.
لأن الخطر الحقيقي عمره ما بيبقى واضح.
لما رجعت القصر دخلت مباشرة إلى أوضة سليم.
كان مستنيها.
هي متأكدة من كده.
لأن أول ما دخلت رفع عينيه نحوها.
وشاف الخوف اللي حاولت تخفيه.
طلعت النوتة.
وكتبت بسرعة:
“هددوا ابني.”
تغيرت ملامحه فورًا.
لأول مرة شافت الغضب في عينيه.
غضب حقيقي.
عنيف.
مكتوم.
بذل مجهودًا هائلًا.
ثم كتب كلمة واحدة.
“رامز.”
هزت رأسها.
وقالت:
“عارفة.”
ثم أضافت:
“لكن معنديش دليل.”
حاول يكتب مرة أخرى.
استغرق الأمر دقائق.
لكن في النهاية ظهرت جملة قصيرة.
“الخزنة.”
بصت له.
“أي خزنة؟”
كتب:
“مكتبي.”
ثم أكمل:
“ملفات.”
اتسعت عيناها.
فهمت.
في مكتب سليم القديم توجد ملفات.
شيء كان محتفظًا به قبل الحادث.
شيء يخاف رامز منه.
في تلك الليلة انتظرت حتى نام الجميع.
أو على الأقل تظاهروا بالنوم.
ثم خرجت من شقتها.
القصر كان هادئًا.
الإضاءة خافتة.
والساعات تمر ببطء.
صعدت للدور الثالث.
حيث مكتب سليم المغلق منذ سنوات.
الباب كان مقفولًا.
لكن أمينة كانت قد أعطتها مفتاحًا صغيرًا قبل ساعات دون كلمة واحدة.
وكأنها تعرف ما ستفعله.
أدخلت المفتاح.
ودخلت.
المكان كان مغطى بطبقة خفيفة من الغبار.
لكن كل شيء ما زال كما هو.
مكتب خشبي ضخم.
مكتبة.
صور.
جوائز.
وأسرار.
أسرار كثيرة.
بدأت تبحث.
درج.
اثنان.
ثلاثة.
لا شيء.
ثم تذكرت كلمة سليم.
الخزنة.
راحت ناحية اللوحة الكبيرة المعلقة خلف المكتب.
وسحبتها.
لتظهر بالفعل خزنة إلكترونية.
لكن المشكلة كانت في الرقم السري.
وقفت تفكر.
ثم تذكرت تاريخًا رأته على إحدى الصور.
صورة لسليم مع طفل صغير.
خلفها مكتوب بخط اليد:
“أجمل يوم في حياتي.”
أسفلها تاريخ.
جربته.
لم تفتح.
جربت تاريخ ميلاده.
لا شيء.
ثم فجأة لاحظت شيئًا غريبًا.
الطفل الموجود في الصورة لم تكن تعرفه.
ليس رامز.
وليس أي شخص رأته في القصر.
طفل عمره حوالي عشر سنوات.
واقف بجوار سليم.
وسليم يحتضنه بفخر.
قلبت الصورة.
كان مكتوبًا:
“أنا ويوسف.”
يوسف؟
مين يوسف؟
أعادت النظر للصورة.
ثم جربت تاريخ ميلاد الطفل المكتوب على الإطار.
سمعت صوتًا خافتًا.
تك.
الخزنة فتحت.
شهقت.
وببطء فتحت الباب المعدني.
في الداخل كانت توجد ملفات كثيرة.
وعقود.
وأقراص تخزين.
وصندوق أسود صغير.
أخرجته.
فتحته.
فوجدت بداخله فلاشة.
وفوقها ورقة.
مكتوب عليها بخط سليم:
“إذا كنت تقرأ هذا… فمعنى ذلك أنني لم أعد قادرًا على حماية ابني.”
شعرت ليلى بقلبها يتوقف.
ابني؟
أي ابن؟
أكملت القراءة بسرعة.
“يوسف هو وريثي الشرعي الوحيد. إذا حدث لي شيء قبل إعلان الأمر رسميًا، فاعلموا أن رامز سيحاول الاستيلاء على كل شيء.”
شهقت بقوة.
يوسف ابن سليم.
وسليم أخفى وجوده.
ولذلك رامز يريد السيطرة على الإمبراطورية.
لكن قبل أن تكمل…
سمعت صوتًا خلفها.
صوت باب المكتب وهو يُغلق ببطء.
استدارت.
لتجد رجلًا ضخم الج*ثة واقفًا أمام الباب.
لم تره من قبل.
لكنها عرفت فورًا أنه ليس عاملًا.
ولا حارسًا عاديًا.
كان ينظر إليها دون ابتسامة.
ثم قال:
“الأستاذ رامز كان متأكد إنك هتوصلي للمكان ده.”
وسحب شيئًا معدنيًا من جيبه.
شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتفها.
على الشاشة ظهر اسم واحد فقط.
آدم.
يتبع…