اختى راحت قالتلهم 1
أختي راحت قالتلهم إني سبت كلية الطب، كذبة قاطعتني بسببها عيلتي 5 سنين كاملين. لا حضروا تخرجي ولا حتى إكليلي في الكنيسة. والشهر اللي فات، أختي دخلت الطوارئ في حالة حرجة. أول ما دخلت عليها بصفتي الطبيب المعالج، أمي مسكت في دراع أبويا بجمود لدرجة إن دراعه علم مكان مسكتها.
دي كانت أول مرة أمي تشوفني فيها من 5 سنين، واقفة تحت أنوار الطوارئ وفي إيدي دم بنتها المفضلة على جوانتي العمليات. أمي مسكت في دراع أبويا جامد لدرجة إن علامات صوابعها زرقّت على جلده قبل حتى ما حد فيهم ينطق اسمي.
الممرضة سألتني يا دكتورة ماري؟
فضلت باصة في التقرير الطبي وقلت مريضة، 32 سنة، مغص حاد في البطن، هبوط في الدورة الدموية وإغماء. جهزوا العمليات فوراً.
أختي، كيرستن، كانت متكورة على السرير، وشها مخطوف وبتعرق جامد. وحتى من تحت ماسك الأكسجين، أول ما شافتني عينيها وسعت من الصدمة.
همست وقالت ماري؟
ياما تخيلت اللحظة دي في كل عيد قضيته لوحدي، في كل نبطية ليل سهرتها، وفي كل صورة لِمّة عيلة في الأعياد والمناسبات ما كنتش معزومة فيها. في خيالي، كنت مجهزة كلام قوي هقوله يكسر مناخير كيرستن ويهد غرورها.
بس الواقع ما سابليش وقت للكلام.
قلت للممرضين غالباً انفجار حمل خارج الرحم. اعملوا سونار حالاً.
من 5 سنين، كيرستن كلمت أبويا وأمي وأنا كنت بموت في المذاكرة عشان امتحانات سنة ثانية بشرى. قالت لهم إني سقطت في الكلية، وعلّيا ديون من وراهم، وصرفت فلوس مصاريف الكلية على حاجات مش كويسة ومصايب.
كل كلمة قالتها كانت تتبيل وكدب.
أبويا كلمني مرة واحدة بس وقتها وقال قوليلي إنها بتتبلى عليكي.
رديت عليه وأنا بعيط
أنا مستعدة أثبتلك. كلم العميد، اطلب كشف حساب المصاريف من الكلية. أرجوك اسمعني.
كيرستن كانت بتعيط وتتمسكن في الخلفية، وأمي زعقت فيا وقالت إني بمثل. أبويا قال لي إحنا ما ربّيناش حد بالكدب والأستغماية، وققبل ما الليل يليل، كان قطع عني مصاريف السكن والكلية وكل حاجة.
بعتّ لهم رسايل، وشهادات، ودرجات الامتحانات. كيرستن كانت بتستلم الجوابات الرسمية بنفسها من البوسطة وتقطعها عشان كانت هي اللي بتجيب البريد. عملت لأرقامي بلوك من تليفوناتهم، وفبركت رسايل تانية تظهر فيها كأني بشحت منهم فلوس.
صدقوها عشان كيرستن طول عمرها البنت الدلوعة، اللي كلامها حلو، الضعيفة اللي بيسامحوها على أي مصيبة تعملها.
عشت الأيام دي على سلف، ودروس خصوصية كنت بديها، ونوم 4 ساعات في اليوم. اتخرجت من غيرهم. وخلصت نيابتي وبقيت أخصائية من غيرهم. ويوم إكليلي وفرحي، فضلت كرسيتين في أول صف في القاعة فاضيين لحد ما الراجل شالهم بالراحة.
جوزي، دانيال، وهو محامي شاطر بيجيب حق الناس، عمره ما قالي سامحي ناس ما حاولوش حتى يعرفوا الحقيقة. بالعكس، ساعدني أشيل كل جواب رجع، وكل كشف حساب مصاريف، وسجل المكالمات المعمولة بلوك، وحتى إشعار حساب البركة والميراث المشبوه اللي وصلني بعد سنين.
حكايات_صافي_هاني
إشعار الحساب ده كان القشة اللي قطمت ظهر البعير. جدي الله يرحمه كان سايب لنا قرشين في البنك بالتساوي للتعليم، ليا ولكيرستن، بس الحساب بتاعي اتسحب منه فلوس أنا عمري ما وافقت عليها. دانيال جاب محاسب قانوني وبدأ يفتش وراها. كنا مستنيين ورقة واحدة بس عشان نرفع القضية. كيرستن افتكرت سكاتي ده ضعف وخوف، بس هو كان الهدوء اللي قبل العاصفة.
دلوقتي أمي واقفه بتبص للاسم اللي متطرز على بالطو الشغل الأبيض بتاعي.
د. ماري يعقوب
أخصائي أمراض النساء والتوليد
همست ودموعها في عينيها أنتي بقيتي دكتورة!
بصيت في عينيها لأول مرة وقلت ببرود آه دكتورة.. وكيرستن دلوقتي بتنزف نزيف داخلي.
حكايات_صافي_هاني
يتبع
أمي رجعت خطوة لورا وصدمتها اتحولت لذهول كامل، وبصت لأبويا اللي كان واقف متنّح ومش مصدق عينيه، كأنه شايف شبح من الماضي. بص للبالطو الأبيض، وبص لجوانتي العمليات اللي مليان دم، وبعدين بص في عيني كأنه بيدور على البنت الصغيرة اللي طردها من بيته في نص الليل وهي بتعيط وبتترجاه يصدقها.
أبويا شفافه اتهزت وحاول ينطق اسمي ماري.. أنتِ..
ما سيبتلوش فرصة يكمل. لفيت وشي عنه بكل برود وشاورت للممرضين يلا بسرعة على العمليات، المريضة بتدخل في صدمة وعلاماتها الحيوية بتقع!
السرير اتحرك بسرعة والكل جري، وأمي وأبويا جريوا ورا السرير وهم بيبكوا وينادوا على كيرستن. وقفت للحظة قبل ما أدخل العمليات، أخدت نفس طويل، وغمضت عيني. خمس سنين من الوجع والتعب، خمس سنين وأنا بنام على كراسي المستشفيات وبكافح عشان لقمة العيش وعشان أثبت لنفسي قبل أي حد إني مش كدابة. شريط العمر كله مر قدام عيني في ثانية. فتحت عيني، عقمت إيدي بسرعة، لبست الجوانتي الجديد، ودخلت الأوضة المعقمة.
جوا العمليات، الموقف كان حياة أو موت. كيرستن كانت بتنزف بغزارة بسبب انفجار الأنبوب من الحمل خارج الرحم. قعدت ساعتين كاملين مركزة في كل حركة، بفصل تماماً بين مشاعري كأخت اتظلمت، وبين واجبي كدكتورة مسؤولة عن روح بين إيد ربنا. دقات قلبي كانت سريعة بس إيدي كانت ثابتة زي الصخر. نجحت إني أوقف النزيف وأشيل الأنبوب المتضرر وأنقذ حياتها في آخر لحظة.
خرجت من أوضة العمليات وأنا هلكانة، قلعت الكمامة ولقيتهم قاعدين في الممر، شكلهم مكسور وضايعين. أول ما شافوني، قاموا جري عليا.
أمي مسكت إيدي وهي بتبكي بحرقة ماري.. اختك عاملة إيه؟ طمنيني عليها أرجوكي يا بنتي.. سامحينا يا ماري.
سحبت إيدي من قفلتها بالراحة وببرود تام العملية نجحت والنزيف وقف، وهي حالياً في الإفاقة وهتنقل أوضة عادية. حالتها استقرت.
أبويا نزلت دمعة من عينيه وقرب مني، صوته كان مخنوق أنا أسف يا بنتي.. أنا ظلمتك. الجوابات والرسايل.. كيرستن هي اللي..
قاطعت كلامه بابتسامة باهتة مليانة وجع عارفة. عارفة إن كيرستن هي اللي عملت كل ده. بس زمان لما ترجيتك تسمعني، أنت اخترت تصدقها هي وتطردني. خمس سنين يا بابا.. خمس سنين ما فكرتش للحظة ترفع سماعة التليفون وتأكد من الكلية؟ ما فكرتش تسأل العميد؟
أمي قعدت على الركبة وهي بتبكي سامحينا.. الشيطان عمى قلوبنا.
بصيت لهم وأنا حاسة بفضاوة غريبة جوايا، الوجع القديم اتحول لرماد. وقلت أنا أنقذت حياة بنتكوا عشان ده واجبي وقسمي اللي حلفت عليه في الكلية اللي قولتوا إني سقطت فيها. بس اللي بيني وبينكم مش هيتصلح بكلمتين في ممر مستشفى. دانيال جوزي، المحامي، مجهز كل الأوراق اللي تثبت إن كيرستن زورت إمضائي وسحبت فلوس حساب البركة والتعليم اللي جدي سابهولي، والقضية هتترفع الأسبوع الجاي. أنا مش هتنازل عن حقي تاني.
سيبتهم واقفين في صدمتهم، ولفيت ضهري ومشيت في الممر الطويل، وأنا حاسة لأول مرة من خمس سنين إني قادرة اتنفس بجد، والبالطو الأبيض بتاعي فارش ضله على الأرض بكل فخر وقوة.
شارك
