طلاق غيابي اماني السيد 2

الدنيا اسودت في عيني لثانية، وخدت نفس طويل عشان ضربات قلبي اللي بقت تدق في وداني متفضحنيش. الصوت هو هو، بنفس نبرة التعالي والغرور اللي كان بيكلمني بيها زمان وهو مش حيلته لقمة العيش، بس المرة دي النبرة وراها فخامة كدابة، فخامة من شقايا.

حطيت إيدي على بوقي ثواني، بلعت ريقي، وحاولت أجمع كل ذرة ثبات انفعالي جوايا. غيرت بحة صوتي ونبرتي خالص، واتكلمت بطريقة رسمية وجافة جداً زي صاحبة عمل بروفيشنال:

ـ أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم. طبعاً، تحت أمرك، إحنا بنجهز بوفيهات كاملة لكل المناسبات وعزومات العمل الكبيرة.

هو ملمحش أي حاجة، ولا حس للحظة إن اللي بتكلمه دي هي نفسها اللي رماها هي وعيالها غيابي. كمل كلامه بكل برود:

ـ تمام، أنا عايز المنيو يكون فيه أطباق مميزة جداً، لأن المعازيم ناس تقيلة في السوق ورجال أعمال، والمدام عندي كانت دايقة شغلكم في عزومة تانية وقالت لي إن أكلكم يشرف.

“المدام عندي”.. الكلمة نزلت عليا زي السكينة، بس المرة دي الوجع مبقاش يكسرني، الوجع بقى بيولد فيا رغبة مرعبة في الانتصار. افتكرت كلام المحامي: *”الضرب اللي بجد بيبقى في الخفاء ومن غير صوت”*.

قلت له ببرود تام:

ـ تمام يا فندم، مفيش أي مشكلة. هبعت لحضرتك المنيو بالتفاصيل والأسعار على الواتساب على نفس الرقم ده، وحضرتك اختار الأصناف وحدد عدد الأفراد، وعشان نعتمد الحجز، بندفع عربون 50% من إجمالي المبلغ، والباقي مع الاستلام.

قال لي بثقة وغطرسة:

ـ مش مشكلة الفلوس، ابعتي المنيو فوراً وأنا هحولك العربون حالا على المحفظة الإلكترونية باسم الشركة.

قفل الخط، وأنا فضلت واقفة باصة للموبايل وإيديا بتترعش.. بس مش من الخوف، من الفرحة! القدر هو اللي جابه لحد عندي، ورجله هي اللي اتسحبت للمصيدة من غير ما أعمل أي مجهود.

جريت علطول على الأوضة مسكت التليفون وكلمت المحامي، وكنت بتكلم بسرعة ومن كل قلبي:

ـ أستاذ أحمد.. صيد سمين وج لحد عندي، طليقي كلمني بنفسه يحجز بوفيه لفيته الأسبوع الجاي من غير ما يعرف طبعاً إني أنا صاحبة المشروع! وهيحول لي حالا العربون من محفظة الشركة!

المحامي ضحك بصوت عالي وقالي:

ـ يا فرج الله! ده هو اللي بيبعت لنا إثباتات أملاكه ورقم حسابات شركته على المقشر. اسمعي بقى يا أمنيه ، إحنا هنمشي معاه في الخط للاخر، واطلبي منه يبعت لك السجل التجاري أو بيانات الشركة عشان الفاتورة الضريبية لو طلب، وحولي لي بيانات التحويل دي فوراً.. إحنا كده هنرتب له المفاجأة الكبيرة في نفس يوم العزومة بتاعته!

قفلت مع المحامي وأنا حاسة إن طاقة جديدة جرت في عروقي، طاقة واحدة بتاخد حقها بإيديها. دخلت على الواتساب وبعت له المنيو والأسعار، وبمنتهى الذكاء والاحترافية قولت له:

ـ يا فندم عشان الإجراءات الحسابية للمطبخ، ياريت تبعت لي صورة السجل التجاري أو بطاقة الشركة مع تحويل العربون عشان نثبت الحجز باسم المؤسسة.

مفيش عشر دقائق، ولقيت رسالة بتأكيد تحويل مبلغ محترم على المحفظة، ومعاها صورة السجل التجاري لشركته! مسكت الموبايل وفضلت باصة للاسم.. اسمه الثلاثي جمب اسم شركتة الجديدة للمقاولات والتوريدات. أخدت “سكرين شوت” لكل حاجة وبعتها للمحامي وأنا بكتب له: “كده تمام؟”.

رد عليا في ثانية: “كده ورقنا كمل، والتحريات هتنزل على عنوان الشركة ده علطول. جهزي نفسك ليوم العزومة”.

الأسبوع ده مكنتش بنام فيه غير ساعتين في اليوم. كنت بشتغل بحماس مرعب، بجهز أكل يكفي أكتر من خمسين فرد، بس المرة دي مكنتش لوحدي، كنت مأجرة اتنين شيفات يساعدوني، وجايبة ستات من المنطقة ينظفوا ويقطعوا ورايا. المطبخ بقى خليه نحل. كل صنف كنت بعمله، كنت بحط فيه كل مهارتي، عايزة الأكل يطلع لوحة فنية، عشان لما الصدمة تيجي، تبقى على نضافة ووسط كل ضيوفه ومعازيمه.

وجيه يوم العزومة المنشود..

الصبح بدري، كلمت المحامي اتأكدت إن كل الإجراءات الإدارية والقانونية جاهزة، وقالي: “أنا مجهز المحضر ومعايا القوة، وهنتحرك بناءً على الميعاد اللي هتقوليلي عليه”.

جهزت الأكل كله في السرافيس الكبيرة، ولفيته بأحلى شكل، واتفقت مع شركة توصيل بعربيات مجهزة تنقل الأكل لحد باب الفيلا. وقبل ما العربيات تتحرك، لبست أحسن عباية عندي، عباية سوداء شيك جداً، ولفيت طرحتي، وبصيت في المراية.. مكنتش شايفة الست الغلبانة اللي كانت بتعيط في المطبخ من أسبوعين، كنت شايفة أم قوية، صاحبة عمل، رايحة تاخد حق عيالها بكرامتها.

وصلنا الفيلا.. نفس المكان اللي اتكسرت فيه من أسبوعين، بس المرة دي دخلت من الباب الكبير وأنا واقفة على رجلي. العربيات بدأت تنزل الأكل، والشغالة أول ما شافتني شهقت من المفاجأة ولطمت على صدرها وقالت بصوت واطي:

ـ أبلة؟! هو أنتِ صاحبة المطبخ؟!

ابتسمت لها بثقة وقولت لها:

ـ أيوا يا حبيبتي أنا.. دخلي الأكل ورصيه على السفرة برة علطول، مش في المطبخ.

وفعلاً، الأكل بدأ يترص، والروائح قلبت المكان، والضيوف ورجال الأعمال بدأوا يوصلوا ويدخلوا الصالون والجنينة، وطليقي واقف ببدلته الغالية والسيجار في إيده بيرحب بيهم، والست بتاعته جنبه مستعرضة فستانها ودهبها.

أنا وقفت في جنب بعيد، مستنية اللحظة الحاسمة. أول ما لقيت الصالون اتملى على آخره والكل بدأ يقعد، طلعت موبايلي ورنيت على المحامي:

ـ أستاذ أحمد.. الكل موجود، والباشا وسط ضيوفه. اتفضلوا ادخلوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *