السنة اللي عمى 3
الشنطة الجلد وقعت على الأرض، وانفتحت نص فتحة فظهرت أطراف الدفتر الأسود، وعمي يونس واقف مذهول، عينيه الواسعة اللي مكنتش بتخاف من حاجة، برقت برعب حقيقي وهو باصص للراجل اللي واقف ورا المأمور في الضلمة.
الراجل ده مكنش من الأفندية بتوع البندر، ولا كان من غفر العزبة. الراجل ده كان لابس جلابية سودة واسعة، وشبه جدي رضوان بالظبط.. نسخة طبق الأصل منه بس على أصغر بعشرين سنة، وفي رجله يمين.. كان فيه أثر حز أزرق قديم لجنزير حديد!
أبويا عبد العزيز أول ما شافه، صوته هرب منه ووقع على ركبه وهو بيشاور بصباعه وبيردد بكلام مش مفهوم: “يوسف.. يوسف عاد.. الميت صحي من قبرها يا بوي!”.
جدي رضوان ساب العصاية من إيده، ووشه بقى زي الجبس الأبيض، وهمس بصوت حشرجة الموت: “أنت دفنت السر يا يونس.. بس نسيت إن الأرض دي مبتشبعش دم.. وأخوك الكبير اللي قولتوا عليه مات في السجن من عشر سنين.. واقف عتبة بيتي”.
الراجل اللي اسمه “يوسف” – عمي الكبير اللي عمري ما سمعت اسمه في البيت ولا أعرف شكله – خطى عتبة البيت بالراحة، رجليه كانت بتسيب أثر طين نظيف على بلاط المربوعة. بص لجدي رضوان ونظرة عينه كانت ألعن من السِم، ومسك المأمور من داعه وقال بصوت غليظ ومبحوح كأنه خارج من بئر قديم: “هو ده يا باشا.. ده الراجل اللي زور شهادة وفاتي وأنا حي يرزق في سجن المحاميد، عشان يورث أرض الوقف مع عبد العزيز، ولما يونس أخويا الصغير كشفهم.. رموه في الزريبة وربطوه زي البهايم وقالوا عليه مجنون!”.
المأمور شاور للغفر، وفي ثانية كانت الأوضة مليانة عساكر وبنادق. جدي رضوان مقدرش يقف على رجليه، قعد على الأرض وهو بيلهث كأن روحه بتطلع، وأبويا عبد العزيز انكمش في ركن الأوضة وزي العيل الصغير قعد يخبي وشه في الحيطة ويدعي إن ده يكون حلم.
عمي يونس فاق من صدمته، قرب من أخوه يوسف بخطوات مهزوزة، ومد إيده يلمس كتافه كأنه بيتأكد إنه لحم ودم مش خيال: “يوسف؟ إنت عايش؟ أنا.. أنا كنت بكتب اسمك كل ليلة في الطين برة.. كنت بحسبك مت وسبتني لوحدي وسطيهم”.
يوسف حضن عمي يونس بقوة، والدموع نزلت من عينيه الناشفة: “أنا ممتش يا يونس.. أنا كنت مستني اليوم اللي الورق ده يظهر فيه. الشنطة اللي إنت حفرت وطلعتها من تحت الجميزة، أنا اللي دافنها بيدي قبل ما الغفر يكبسوا عليا من عشر سنين.. كنت عارف إنك الوحيد اللي عقلك صاحي وهتفهم الإشارة”.
التفت يوسف ليا وأنا واقف ورا أمي اللي كانت بتبكي من الفرحة والخوف في نفس الوقت، وقال بصوت حنين: “وإنت يا أحمد.. لقمة العيش اللي كنت بتأكلها لعمك، هي اللي حمت عيلة الشناوي من إنها تتمحي من الدفاتر.. إنت بذرة النظافة الوحيدة في الطين ده”.
المأمور قرب ولم الورق والدفتر من الشنطة وحطهم في حرز، وبص لجدي وأبويا وقال بحزم: “هاتوا الحاج رضوان وعبد العزيز على البوكس.. القض..ية دي فيها تزوير، وقتل بالبطيء، وحجز حرية بدون وجه حق.. ليلتكم هتبقى طويلة في المركز”.
العساكر شدوا أبويا وجدي وخرجوهم وسط ذهول العزبة كلها اللي كانت واقفة برة في المطر، بيتفرجوا على كبار عيلة الشناوي وهم خارجين متكتفين والمطر بيغسل هيبتهم في الطين.
المربوعة فضيت، ومبقاش فيها غير عمي يونس، وعمي يوسف، وأنا وأمي.
عمي يونس قعد على الأرض، وبص للقفل القديم والسلسلة اللي كانوا مرميين في الزاوية، وتنفس لأول مرة براحة كأن جبل انزاح من على صدره. بس عمي يوسف مخبّاش الفرحة كتير، وشه رجع يقلب جد، وبص لأخوه يونس وقال بنبرة واطية ومرعبة:
“الحق رجع يا يونس.. وأبوك وأخوك هيتعدموا أو يموتوا في السجن.. بس إنت فاكر إن الوقف كدة خلص؟ الورق اللي مع المأمور ده فيه سِند تاني.. سِند بيقول إن الأرض دي وراها بحر دم من ميت سنة، وأصحاب الأرض الحقيقيين مش الأفندية بتوع البندر.. أصحابها جايين ورايا في الطريق.. ومعاهم سلا..ح!”.
تابعو صفحه رومانى مكرم
الكلمة نزلت على ودن عمي يونس زي الصاعقة، الهدوء اللي كان مالي وشه اختفى في ثانية، وقام وقف على رجليه وهو بيبص لأخوه يوسف وعينيه بتلف في الأوضة برعب جديد: “أصحاب الأرض مين يا يوسف؟ الأرض دي أرض الوقف وخالتي الله يرحمها كانت الواصية عليها.. مين اللي جايين بسلا..ح؟”.
عمي يوسف قفل ضلفة الشباك الخشب بسرعة وبقى يبص من الخروم وعينيه متوترة، المطر برة كان صوته بيعلى وضباب الليل مالي الغيط. التفت ليونس وقال بصوت واطي ومكتوم: “أبوك رضوان مكنش شغال لوحده يا يونس.. السندات القديمة اللي في الدفتر بتثبت إن خالتي باعت الأرض دي بعقد ابتدائي لعرب الجبل من عشرين سنة وقبضت تمنها، وأبوك لما عرف، قتل خالتي بالسِم وزور عقود تانية باسمه وباع الأرض دي تاني لأفندية البندر! عرب الجبل معاهم العقد الأصلي.. وعارفين إن الحاج رضوان اتقبض عليه، وجايين ياخدوا أرضهم بوضع اليد قبل ما الحكومة تحط إيدها عليها.. وإحنا اللي في وش المدفع!”.
أمي صرخت وكتمت بوقها، وشدتني لحضنها وهي بترتعش: “يا خراب بيتك يا أمينة.. الرجالة اتقبض عليهم وهنموت إحنا والعيال هنا!”.
في نفس اللحظة، سمعنا برة البيت صوت كلاب العزبة بتهوهو بنباح هيستيري ومتقطع، وراه صوت حوافر خيل بتجري في الطين وبتقرب من البوابة الكبيرة.
عمي يونس جري على الشنطة الجلد، لم الكام ورقة اللي فاضلين فيها وفضل باصص للقفل الحديد المكسور في الأرض. ملامح المجنون اللي عاش بيها تلات سنين رجعت تظهر على وشه بس المرة دي من الرعب المشحون بالعقل، بص ليوسف وقال: “الغفر مشيوا مع المأمور، والعزبة كلها قفلت بيوتها من الخوف.. مفيش حد هيقف قصاد عرب الجبل.. لازم نخرج من البيت ده فوراً!”.
“نخرج نروح فين يا يونس؟” يوسف زعق وهو بيسحب شومة أبويا اللي كانت مرمية على الأرض: “العرب محاوطين البيت، لو خرجنا في المطر هيصطادونا زي الفراخ.. السلا..ح اللي معاهم مبيجليش!”.
أنا كنت ببكي في حضن أمي، بس عقلي الصغير كان شغال.. افتكرت الزريبة.. وشجرة الجميزة.
قولت بصوت يترعش: “عمي يونس.. السرداب!”.
عمي يونس وبصلي وفجأة عينيه لمعت: “أحمد بيتكلم صح يا يوسف! شجرة الجميزة.. جدي القديم كان حافر تحت جذعها مخزن للغلال زمان وليه باب سري من جوه الزريبة تحت الطوالة بتاعة البهائم.. أنا كنت بنظفه بضوافري طول السنين اللي فاتت وأنا مربوط، ومحدش كان حاسس بيا!”.
صوت ضرب نار حي برة في الهوا كسر قزاز الشباك العالي للمربوعة، وصوت خبط رزين وقوي نزل على البوابة الحديد برة بكعب بندقية، وصوت راجل جش لاهت بينده: “يا ناس اللي جوة! اخرجوا وسلموا الأرض.. الشناوية غاروا في داهية والأرض رجعت لأصحابها!”.
عمي يوسف شاور لنا وبدأنا نتسحب بسرعة من ممر المطبخ الضيق اللي بيودي على الحوش الخلفي والزريبة. المطر كان بينزل على وشوشنا زي الإبر، والطين بيسحب رجلينا لتحت. أمي كانت بتعرج من الخوف وعمي يونس شايلني على كتفه وبيجري، ويوسف مأمن ضهرنا بالشومة.
دخلنا الزريبة.. الريحة اللي كنت بقرف منها زمان، حسيت النهار ده إنها ريحة النجاة. البهائم كانت بتتحرك بقلق وتصدر أصوات عالية بسبب ضرب النار اللي برة.
عمي يونس نزلني، وجري على طوالة البهائم (المذود الأسمنتي)، وبدأ يشيل قش ورمل بيمين وشمال بسرعة جنونية، لحد ما ظهرت دفتين خشب قدام جداً ومصديين، مربوطين بقفل صغير.
عمي يونس طلع القفل القديم الكبير اللي في جيبه.. القفل اللي أنا كسرته بقالب الطوب.. وحطه فوق القفل الصغير وبكل عزم في إيده خبطه خبطة واحدة قوية.. القفل اتكسر والدفتين اتفتحوا على ضلمة كحل وسلالم طين نازلة لتحت الأرض.
في نفس اللحظة، سمعنا صوت البوابة الحديد برة وهي بتتهد وتقع، وصوت خطوات تقيلة وخشخشة س..لاح دخلت حوش البيت الكبير!
عمي يوسف زق أمي وزقني قائلًا: “انزلوا بسرعة!”. ونزل ورا اللمبة الجاز الصغيرة اللي كانت مع يونس.
نزلنا كلنا تحت الأرض، وعمي يونس سحب الدفتين الخشب وقفلهم فوقينا، ورجع القش والطين مكانهم بالراحة من خرم صغير عشان ميبانش حاجة.
المكان تحت كان ضيق، ريحته تراب قديم وناشف، ومفيش غير نور اللمبة الجاز الهادي اللي منور وشوشنا وإحنا بننهج. كنا سامعين فوق راسنا بالظبط، صوت خطوات العرب وهم بيدخلوا الزريبة، وصوت ضرب النار والزعيق مالي المكان.
قعدنا في الضلمة مش عارفين هنعمل إيه، لحد ما عمي يوسف وطى على الأرض ورفع بلاطة قديمة من أرضية السرداب، وطلع منها صندوق خشب صغير مقفول بسلسلة دهب..
بص لعمي يونس وقال بصوت هادي ومرعب: “إنت كنت فاكر إن الشنطة الجلد فيها كل حاجة يا يونس؟ الدفتر اللي مع الحكومة ده فيه نص الحقيقة.. والنص التاني اللي فيه دهب أمنا وعقود البيع الحقيقية اللي هتقلب الحكومة والعرب والبلد كلها.. هنا في الصندوق ده.. وأحمد هو الوحيد اللي هيشيله”.
ولسه عمي يونس هيمد إيده، سمعنا صوت خبط قوي فوق الدفتين الخشب بتوع السرداب.. وصوت راجل بيقول: “البهايم قلقانة هنا.. الحفرة دي لسه ممسوحة.. فيه حد مستخبي تحت الأرض!”.