ضحكو على البنت1
ملك الما فيا ظن أن محاسبته الممتلئة والمنحنية تريد منه رقصة واحدة فقط… حتى نادته: “زوجي”، وأنقذته من النقطة الحمراء على جبهته.
“ارقص كأنك زوجي… هناك نقطة حمراء على جبهتك.”
“ارقص كأنك تحبني”، همست ليلى الشاذلي مبتسمة كما لو أنها ارتكبت للتو أجرأ خطأ رومانسي في حياتها.
“في نقطة حمرا على جبهتك.”سيف الحديدي لم يتحرك لمدة نصف ثانية.
في قاعة الاحتفالات بفندق النيل الملكي في القاهرة الجديدة، كانت نصف ثانية لا تساوي شيئًا.
كانت تضيع وسط أنغام الكمان، وتحت بريق الثريات الكريستالية، وبين ضحكات رجال الأعمال الذين يتظاهرون بعدم معرفة أصحاب النفوذ والخطورة الواقفين بجوارهم.
لكن بالنسبة لسيف، كانت نصف ثانية كافية ليقيس كذبة، ويشم رائحة تهديد، ويقرر ما إذا كانت المرأة الملتصقة بصدره تستحق ثقته أم رصاصة.
كانت يد ليلى اليمنى ممسكة بكتفه بقوة.
أما يدها اليسرى فكانت قد أمسكت يده بالفعل وأجبرته على الدخول في وضعية الرقص.
عبرت أرضية القاعة اللامعة دون استئذان.
دون خوف…ودون اعتذار.
كان فستانها الزمردي مصممًا بعناية ليبرز جمال جسدها الممتلئ الذي اعتاد الآخرون السخرية منه.
احتك القماش الناعم ببدلته السوداء.
ووصل نفسُها إلى فكه.
ابتسامتها ظلت هادئة أمام الحضور.
لكن عينيها كانتا مظلمتين ومليئتين بالتحذير.
سيف رأى رجالًا يتوسلون الرحمة من قبل.
ورأى خونة وقت*لة ومحترفين.
لكن نادرًا ما رأى شخصًا يبدو ثابتًا بهذا الشكل بينما يقف على حافة الخوف.
على الطرف الآخر من القاعة كان كريم منصور، رئيس الأمن الخاص به، يقف بجوار الأبواب الزجاجية المطلة على النيل متظاهرًا بمراقبة الضيوف.
انعكست الأضواء على الزجاج خلفه.
وفي ذلك الانعكاس لمح سيف ومضة حمراء صغيرة ترتجف فوق جبهته.
قناص.
قاعة مليئة بالشهود.
حفل خيري للأطفال المرضى.
والشخص الوحيد القادر على إنقاذه كانت ليلى الشاذلي.
المحاسبة الجنائية الخاصة بإمبراطوريته المالية.
المرأة التي كان رجاله يطلقون عليها لقب “الهادية” لأنهم لم يكونوا أذكياء بما يكفي ليفهموا أن الصمت أحيانًا أخطر سلاح في الغرفة.
سيف لم ينظر نحو الزجاج.
ولم يحاول الوصول إلى المسدس تحت سترته.
فقط قرب شفتيه من أذنها وهمس:
“قوديني.”
بدأت ليلى تتحرك مع الموسيقى وتسحبه معها.
وقالت دون أن تختفي ابتسامتها:
“خليك ثابت… لو ارتبكت هيضرب النار فورًا… ولو بطلت أبتسم كريم هيعرف إني كشفته.”
ضيق سيف عينيه.
“كريم؟”
“هو اللي فتح الطريق للقناص.”
قالتها وهي تتابع الرقص.
“ثلاثة من الحراس غيروا أماكنهم خلال آخر ساعة… وكلهم تابعين له.”
سيف التزم الصمت.
أما ليلى فأكملت:
“وقبل ما تقول إنه مخلص ليك… اسأل نفسك ليه أكتر راجل شكاك عندك سابك مكشوف قدام واجهة زجاجية كاملة.”
استمرت الموسيقى.
والحضور لم يروا محاولة اغتيال.
رأوا فقط بداية فضيحة.
سيف الحديدي… الرجل الذي يخشاه الجميع.
يرقص مع موظفة الحسابات.
ولم تكن ليلى من النوع الذي تعودت تلك القاعات أن تحتفي به.
كانت ممتلئة القوام.
عريضة الوركين.
قوية الحضور.
طويلة بما يكفي لتنظر في عيون من يحتقرونها دون أن ترفع رأسها كثيرًا.
طوال السهرة تجاهلتها النساء.
واستهان بها الرجال.
أما الآن…
فكانت تتحرك كملكة وسط قاعة مليئة بتيجان مستعارة.
انتقلت الموسيقى إلى فالس أكثر قوة.
واستغلت ليلى الدوران لتبعده أكثر عن الواجهة الزجاجية.
انتشرت تنورة فستانها حولها كإشارة مضيئة.
ووضع سيف يده على خصرها بقوة أكبر مما تسمح به قواعد الإتيكيت.
شعر بسرعة أنفاسها.
لكنه لم يشعر بأي تردد في خطواتها.
“مين اللي استأجر القناص؟”
سألها.
ردت فورًا:
“مش عارفة مين ماسك البندقية.”
“يبقى إنتِ عارفة إيه؟”
ابتسمت للضيوف وقالت:
“عارفة إن كريم سرق 240 مليون جنيه من حساباتك الخارجية.”
تجمد الدم في عروق سيف.
“إيه؟”
“استخدم شركات وهمية في دبي وقبرص وإسطنبول علشان يخفي الفلوس.”
“ومين معاه؟”
“شريف الجندي.”
الاسم نزل عليه كقطعة جليد.
شريف الجندي كان أكبر خصومه.
والرجل الوحيد الذي يحلم بإسقاط إمبراطوريته منذ سنوات.
قالت ليلى بهدوء:
“كريم قابل رجال شريف ثلاث مرات الشهر ده.”
سيف لم يرد.
لكن نظراته أصبحت أكثر برودة.
أكملت ليلى:
“الليلة مش مجرد محاولة اغتيال.”
“أمال إيه؟”
“انقلاب كامل.”
سكتت لحظة ثم قالت:
“لو مت الليلة… كل حاجة بنيتها هتروح ليهم.”
نزلت عينا سيف نحوها.
“وليه ما قولتيش الكلام ده قبل كده؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“لأني كنت محتاجة دليل يعيش بعد غضبك.”
رغم القناص.
ورغم الخيانة.
ورغم الخطر.
كاد سيف يضحك.
لأنه عرف ليلى منذ ثلاث سنوات.
وظفها بعد ما شاهدها تسقط شبكة فساد مالية كاملة بأوراق وحسابات فقط.
عمرها ما نافقته.
ولا خافته.
ولا حاولت التقرب منه.
كانت تتعامل مع إمبراطوريته كأنها آلة ضخمة تفهم تفاصيلها أكثر من الرجال الذين يديرونها.
كان يحترمها.
لكنه لم يرها حقًا من قبل.
أما الآن…
فقد رأى كل شيء دفعة واحدة.
ذكاءها.
شجاعتها.
قوتها.
والمرأة التي فشل الجميع في رؤيتها.
في تلك اللحظة رفع كريم يده إلى سماعة الأذن.
شدت ليلى على كتف سيف بقوة.
وقالت بسرعة:
“وطيني.”
رمش سيف.
“إيه؟”
“وطيني دلوقتي… كأنك بترقص مع مراتك.”
ثم ابتسمت وهي تنظر في عينيه مباشرة. وقالت:
الفصل الثاني
ابتسمت ليلى وهي تنظر في عينيه مباشرة وقالت بصوت منخفض لا يسمعه غيره
“دلوقتي بالذات لازم يصدق إننا أقرب لبعض من أي وقت”
ثم اقتربت خطوة أخرى حتى أصبحت المسافة بينهما شبه معدومة.
في أي ليلة أخرى كان سيف الحديدي سيبتعد فورًا.
لم يكن من الرجال الذين يسمحون لأحد باختراق مساحتهم الخاصة.
لكن الليلة لم تكن عادية.
في الخارج كان هناك قناص.
وفي الداخل خائن.
وبين الاثنين كانت ليلى الشاذلي.
المرأة الوحيدة التي بدت وكأنها تسيطر على الفوضى كلها.
استمر الرقص.
وتحركت الأقدام فوق أرضية القاعة اللامعة.
أما عينا سيف فلم تغادرا وجهها.
قال بهدوء
“معاكي دليل على كل كلمة؟”
أومأت برأسها.
“ثلاث نسخ.”
“فين؟”
“في أماكن مختلفة.”
“ولو حصلك حاجة؟”
ابتسمت.
“ساعتها هتوصل للنيابة الاقتصادية والصحافة ومجلس الإدارة في نفس اللحظة.”
لأول مرة منذ سنوات شعر سيف بإعجاب حقيقي.
لم تكن تحمي نفسها فقط.
كانت قد أعدت خطة كاملة لسقوط الإمبراطورية إذا تم اغتياله.
وفجأة انطفأت الموسيقى.
بدأت فرقة العزف في الانتقال إلى مقطوعة جديدة.
وفي تلك الثواني القصيرة لمح سيف حركة غريبة عند الأبواب الرئيسية.
رجل يرتدي بدلة سوداء.
سماعة صغيرة في أذنه.
ثم رجل آخر.
وثالث.
كلهم يتحركون بتوقيت واحد.
همست ليلى فورًا
“وصلوا.”
“مين؟”
“المرحلة التانية من الخطة.”
تصلبت ملامح سيف.
“قولي بسرعة.”
قالت
“لو القناص فشل هيعملوا فوضى جوه القاعة.”
“وبعدين؟”
“يخرجوك من باب الطوارئ.”
“وإيه المشكلة؟”
رفعت حاجبها.
“لأن باب الطوارئ فيه فريق تاني مستني.”
تجمدت ملامحه.
كانت خطة محكمة.
إما رصاصة.
أو كمين.
وفي الحالتين النتيجة واحدة.
موت سيف الحديدي.
في تلك اللحظة لمح كريم منصور ينظر نحوهما.
ابتسم كريم للضيوف.
لكن عينيه كانتا تراقبان كل حركة.
كان ينتظر شيئًا.
أي خطأ.
أي ارتباك.
أي إشارة.
لكن ليلى لم تمنحه شيئًا.
استدارت مع سيف في دورة كاملة وسط القاعة.
وضعت يدها على كتفه بثبات.
وابتسمت أمام الجميع وكأنها تعيش أجمل لحظة في حياتها.
أما في داخلها فكان قلبها يضرب بعنف.
لأنها تعلم أن أي خطوة خاطئة قد تنهي كل شيء.
فجأة اقترب كريم منهم.
اقترب أكثر مما يجب.
ثم قال بابتسامة باردة
“واضح إن الليلة ممتعة يا باشا.”
ابتسم سيف.
“جداً.”
نظر كريم إلى ليلى.
ثم قال
“أول مرة أشوفك بترقصي.”
ردت بهدوء
“وأنا أول مرة أشوفك متوتر.”
لجزء من الثانية تغيرت ملامح كريم.
ثم عادت ابتسامته.
لكنه فهم الرسالة.
ليلى تعرف.
وربما تعرف أكثر مما ينبغي.
ابتعد كريم ببطء.
لكن الخطر لم يبتعد.
بالعكس.
كان يقترب.
قالت ليلى
“شاف الخوف في عيني؟”
رد سيف
“مفيش خوف.”
“كويس.”
ثم أضافت
“لأن الحرب بدأت.”
في تلك اللحظة دوى صوت تحطم زجاج.
صرخة عالية شقت القاعة.
ثم انطفأت الأنوار بالكامل.
ساد الظلام.
وانفجر الذعر بين الحضور.
بدأ الناس يصرخون.
يتدافعون.
يسقطون فوق بعضهم.
لكن قبل أن يتحرك سيف شعر بيد ليلى تمسك يده بقوة.
وقالت بحزم
“متسبنيش.”
كان الظلام كاملاً.
لكن صوتها كان واضحًا.
أكثر وضوحًا من أي شيء آخر.
وفجأة دوى صوت طلقة نارية.
ثم طلقة ثانية.
ثم ثالثة.
وتحول الحفل الخيري إلى ساحة حرب.
يتبع…