حكايات انجي الخطيب 2

شاشات التلفزيون في استراحة المستشفى العام كانت مطفية، والهدوء مكنش مخيف، بالعكس، كان هدوء ما قبل العاصفة اللي أنا بنفسي رتبت كل رياحها.

نور كانت نايمة على السرير، المحاليل متوصلة بإيدها الزرقا، والدكتور المناوب خرج وهو بيعدل نضارته ويبص لي بنظرة فيها احترام ممزوج بالخوف بعد ما عرف أنا مين ومنين. قال لي بصوت واطي: “المادة اللي في دمها يا فندم طلعت ‘هالوبيريدول’ بجرعة عالية، دي مادة بتشل الإرادة وبتسبب خمول حاد عشان تبان للناس إنها مش متزنة عقلياً. الحمد لله لحقناها في الوقت المناسب وعملنا غسيل سموم سريع”.

هزيت راسي، قعدت على الكرسي جنبها، ومسكت إيدها السخنة. تليفوني اتهز في جيبي. كان “فوزي”.

رديت بسرعة: “إيه الأخبار يا فوزي؟”

صوت فوزي جه عبر الخط، جاد وحاسم كالعادة: “سيد، إنت فتحت عش دبابير. مستشفيات عادل المنشاوي مش مجرد عيادات ومستشفى خاص.. دي محطة ترانزيت لأدوية جدول وسموم بتدخل البلد تحت غطاء مستلزمات طبية، وبتهرب لحساب شخصيات تقيلة. التقرير المبدئي عندي بيقول إن كريم ابنه كان هو المسؤول عن التخليص الجمركي للشحنات دي من خلال شركة استيراد وهمية مسجلة باسم ‘نور سيد’.. بنتك!”

دمي غلي في عروقي. اللعبة مكنتش مجرد ورث وصندوق استثمار.. الكلاب كانوا بيلبسوا بنتي قض//ية تهريب مخدرات وأدوية جدول عشان لو الأمور اتكشفت، تكون هي الكبش اللي هيتضحى بيه، ويحجروا على أملاكها بحجة إنها “مريضة ومجرمة”.

قلت لفوزي وعيني على ملامح نور النايمة: “الملف ده يتقفل ويتشمع بالكامل يا فوزي، مش عايز ثغرة واحدة تفوت. النيابة الصبح لازم تستلم ملف الجناية ومعاه ملف التجارة المشبوهة”.

فوزي قال: “معاك يا سيادة العقيد، بس اعمل حسابك.. سعاد المنشاوي مش قاعدة ساكتة. كلمت ناس فوق، وفيه محاولة دلوقتي لتغيير التقرير الطبي الشرعي اللي هيطلع من المستشفى العام عشان يشيلوا بند ‘المادة المخدرة’ ويخلوها مجرد ‘مهدئات عادية’ لزوم العلاج”.

قمت وقفت، وبصيت من الشباك على عربيات الشرطة اللي واقفة تحت تأمن المستشفى بناءً على أوامر المأمور. قلت بابتسامة باردة: “التقرير اتسحب منه نسخة إلكترونية وراحت لمكتب النائب العام حرز مباشر يا فوزي. اللعب في ورق أنا حرزته يبقى انتحار.. سيبهم يغرقوا نفسهم أكتر”.

الساعة بقت 7 الصبح.

الشمس بدأت تطلع والسما صفت بعد ليلة المطر الطويلة. وصلت سرايا النيابة. الممر كان زحمة، ومحامين عيلة المنشاوي كانوا قالبين الدنيا، ووجوههم باين عليها الإرهاق. كريم وعادل واصلين في كلبش واحد، وشهم في الأرض، وعادل المنشاوي كان هيبته ضاعت تماماً، لابس بدلة مجعدة ومن غير كرافتة.

أول ما كريم شافني، صرخ بهستيريا وسط حرس المحكمة: “إنت هتدفع التمن غالي يا سيد! إنت فاكر نفسك مين؟ الورشة دي هقفلها لك وهرميك ورا الشمس!”

مرديتش عليه. كملت طريقي لمكتب وكيل النائب العام.

دخلت، لقيت رئيس النيابة قاعد وقدامه جبل من الأوراق، والملف الأصلي اللي أنا سحبته من السفرة محطوط في كيس الحرز الشفاف.

رئيس النيابة بص لي وقال: “أهلاً يا فندم. البلاغ اللي جالنا من عمليات الوزارة مدعم بتسجيل صوتي حي، وتقرير المستشفى العام بيأكد الجناية. لكن المحامين مقدمين طعن وبيقولوا إن المستندات دي صور مش أصول، وإن المتهمين موقعوش على حاجة”.

قربت من المكتب، وطلعت من شنطتي “فلاش ميموري” صغيرة وحطيتها قدامه: “ده تفريغ كاميرات المراقبة السرية اللي كريم كان مركبه في صالة الفيلا عشان يراقب مراته. هما نسوا إن السيرفر بتاع الكاميرات متوصل بـ ‘راوتر’ البيت، وأنا وأنا جوه الفيلا، نسخت الهارد بالكامل على السحابة بتاعتي قبل ما أخرج. الفيديو بيوضح كريم وهو بيمسك إيد نور بيجبرها تبصم، وبيوضح الدكتور عادل وهو بيحقنها في رقبتها وهي بتقاوم”.

رئيس النيابة عينه برقت، وحط الفلاشة في الكمبيوتر. ثواني والملامح على وشه اتحولت لغضب عارم وهو بيشوف تفاصيل الجري//مة صوت وصورة وبأعلى جودة.

في نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخل عسكري ومعاه ظرف مغلق بختم “سري للغاية”.

رئيس النيابة فتح الظرف، وقرا الورق اللي جوه.. وشه اتخطف. بص لي وقال بذهول: “ده تقرير من مباحث الأموال العامة وجهاز الأمن القومي.. بخصوص شحنات أدوية مخدرة مهربة باسم زوجة المتهم الأول؟!”

قلت له بثبات: “بالظبط يا فندم. ودي التنازلات اللي كريم كان عايز نور تمضي عليها؛ تنازل عن إدارة الشركة الوهمية لصالحه، عشان بعد ما الشحنة الأخيرة تدخل وتتمسك، تلبس هي القض//ية لوحدها وهو يخرج منها بريء ومعاه الفلوس والورث”.

رئيس النيابة مسك القلم بحدة، وخبط على المكتب، وضغط على زرار الاستدعاء: “هات لي المتهمين كريم عادل المنشاوي، وعادل المنشاوي.. فوراً”.

دخل كريم وعادل، ووراهم المحامي الكبير اللي بدأ يتكلم بسرعة: “يا فندم موكلي..”

قاطعه رئيس النيابة بصوت هز جدران الغرفة: “اسكت خالص! الملعوبة انتهت”.

التفت لكريم وقال له: “تواجه اتهامات بالخطف، والاحتجاز القسري، والتعذيب، والشروع في قتل المجني عليها نور سيد، بالإضافة إلى تزوير مستندات رسمية، وتأسيس شركة وهمية بغرض تهريب مواد مخدرة مدرجة بالجدول رقم 1”.

كريم ركبه خبطت في بعضها وبص لأبوه وقال: “بابا.. اتصرف.. قولهم أي حاجة!”

عادل المنشاوي بص للأرض وهو بيترعش وقال بصوت مخنوق: “أنا ماليش دعوة.. كريم هو اللي رتب كل حاجة.. هو اللي قالي البنت لازم تغيب عن الوعي كام يوم لحد ما الشحنة تخرج من الميناء والتنازلات تخلص”.

كريم اتصدم من شهادة أبوه عليه، وصرخ فيه: “إنت بتبيعني يا بابا؟! مش إنت اللي قولت لي ورث أمها ده هو اللي هينقذ المستشفيات بتاعتنا من الإفلاس بعد قضي//ة التهريب اللي فاتت؟!”

المحامي الكبير حط إيده على وشه وعرف إن القض//ية لبستهم كلهم في حيطة سد، ومفيش قاضي في مصر هيطلعهم.

رئيس النيابة كتب القرار وهو بينطق بكل حرف بقوة: “قررنا نحن رئيس نيابة شمال القاهرة.. حبس المتهمين كريم عادل المنشاوي، وعادل المنشاوي، خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الميعاد القانوني. ويحرز السيرفر والفلاش ميموري وأصول المستندات. وتكليف النيابة العامة بالتحفظ على جميع حسابات المتهمين ومستشفيات المنشاوي وإخضاعها للحراسة القضائية”.

وأمناء الشرطة بيسحبوهم بره المكتب وهم بيصرخوا، وقفت قدام كريم، وبصيت في عينه من مسافة صفر وقلت له: “مصلح مكن التصوير، صوّر نهايتكم بالبطيء.. والنسخة الأصلية هتشوفوها في ليمان طرة”.

خرجت من السرايا، الهوا كان منعش، وتليفوني رن تاني. كانت الممرضة من المستشفى: “أستاذ سيد.. نور صحيت وبتنادي عليك”.

ركبت عربيتي، والمرة دي سقت براحة.. الورشة الصغيرة هتفضل مفتوحة، بس عيلة المنشاوي قفلت كتابها بإيدها.

خرجت من سرايا النيابة والراحة بدأت تتسلل لقلبي لأول مرة من سنين. ركبت عربيتي وطلعت على المستشفى العام. دخلت الأوضة، لقيت نور قاعدة على السرير، وشها لسه باهت وفيه أثر الكدمات، بس عينيها كانت صاحية وبتلمع أول ما شافتني.

قربت منها وبست إيدها ورأسها: “حمد الله على سلامتك يا قلب أبوكِ. خلاص، كابوس المنشاوي انتهى، والاتنين بقوا ورا القضبان بقرار حبس رسمي”.

نور نزلت دمعة من عينيها وقالت بصوت مجروح: “أنا مكنتش خايفة منهم يا بابا.. أنا كنت خايفة عليك إنت. أنا عارفة كريم وأبوه واصلين إزاي وفلوسهم تقدر تعمل إيه”.

ابتسمت لها وقلت بثقة: “فلوسهم خلاص اتحجز عليها، والمستشفيات بتاعتهم بقت تحت الحراسة. والراجل اللي هما استهانوا بيه وقالوا عليه ‘مصلح مكن’ طلع لهم القديم كله”.

في اللحظة دي، تليفوني رن برقم غريب.

رديت: “أيوة، مين؟”

جاءني صوت نسائي منهار ورايح منه كل الغرور.. كانت سعاد المنشاوي.

“سيد بيه.. أرجوك اسمعني.. كريم ضاع وعادل هيموت في السجن، إنت متعرفش عادل مريض قلب والكلبشات دي هتقضي عليه. إحنا مستعدين نكتب لنور الفيلا وكل أملاكنا بس اتنازل عن شق الجنايات.. أرجوس بوس إيدك”.

رديت عليها بنبرة باردة زي التلج: “سعاد هانم.. اللي بينا وبينكم مبقاش قض//ية شخصية عشان اتنازل عنها. دي بقت قض//ية رأي عام وتهريب دولي وجنايات أمن دولة. وفري فلوسك للمحامين.. مع إنها مش هتفيدكم”. وقفت الخط في وشها.

بعد يومين، نور خرجت من المستشفى ورجعت معايا البيت. البيت القديم اللي ريحة أمها الله يرحمها لسه فيه. قعدتها في أوضتها وجهزت لها لقمة تاكلها، ورجعت أنا لورشتي الصغيرة. فتحت الشيش، ودخل نور الشمس، وقعدت قدام مكنة تصوير تفكيكها وتصليحها بيخليني أفكر بصفاء.

ساعتين والباب خبط.

فتحت، لقيت فوزي واقف قدامي، ولابس لبسه الرسمي وملامحه مش مريحة.

“أهلاً يا فوزي.. خطوة عزيزة. ادخل اشرب شاي”.

فوزي دخل وقفل الباب وراه ولفت وشه ليا وقال بصوت واطي: “سيد.. اللعبة كبرت برة حساباتنا. عادل المنشاوي انتحر في زنزانته الصبح.. أو بمعنى أصح: ‘اتنتحر'”.

الصدمة خلتني أقف مكاني. “يعني إيه يا فوزي؟”

فوزي قرب مني وقال: “عادل حس إنه هيشيل الليلة لوحده ويهدد الحيتان الكبيرة اللي بتشغلهم في تهريب أدوية الجدول والمخدرات. لما بدأ يتكلم في التحقيقات ويقول إنه مجرد وسيط، صدرت الأوامر بالتخلص منه جوه الحجز قبل ما ينطق بالاسم الكبير”.

سألت بسرعة: “وكريم؟”

“كريم اتنقل سجن شديد الحراسة تحت حماية مشددة، بس الولد مرعوب وعارف إن الدور عليه. المشكلة مش هنا يا سيد.. المشكلة إن الاسم الكبير اللي عادل كان شغال معاه، عرف إنك إنت اللي سحبت أصول الملفات والتنازلات من فيلا المنشاوي، وعرفوا إن معاك أدلة تانية تخص شبكة التهريب”.

حطيت مفك المكن في إيدي على المكتب، وبصيت لفوزي: “ومين هو الاسم الكبير ده يا فوزي؟”

فوزي طلع ورقة صغيرة من جيبه، وحطها قدامي على مكتب الورشة. قريت الاسم.. دمي جمد في عروقي. الاسم ده لشخصية نفوذها يهد جبال، راجل مبيظهرش في الصورة أبدًا، بس كلمته بتمشي على الكل.

فوزي قال لي وهو بيمشي إيده على كتفي: “سيد، إنت قفلت حساب عيلة المنشاوي.. بس فتحت حساب مع اللي مشغلينهم. نور بنتك مبقتش في أمان، وإنت كمان. الملفات اللي معاك دي لازم تتقدم فوراً لجهات سيادية عليا، لأن لو فضلت في النيابة العادية، الورق ده ممكن يختفي في ثانية”.

في نفس اللحظة، سمعت صوت حركة غريبة برة الورشة.. صوت عربية جيب سودة وقفت على أول الشارع، ونزل منها تلات أشخاص ملامحهم غريبة، وعينيهم مركزة على باب ورشتي.

بصيت لفوزي وقلت له وعيني على الرجالة اللي برة: “فوزي.. خد نور واخرج بيها من باب الظهر بتاع البيت.. وادفنها في مكان ميعرفوش الإنس ولا الجن”.

فوزي سألني بقلق: “وإنت يا سيد؟”

مسكت مسد//سي القديم اللي كنت شايله في الخزنة الأرضية للورشة، وعمرته بصوت مسموع: “أنا قعدت 23 سنة بدير عمليات من ورا المكاتب.. جه الوقت اللي أنزل فيه الأرض بنفسي.. الحرب يلا دوب بدأت”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *