حكايات انجي الخطيب الاخير

فوزي ماليش وقت للنقاش. بص في عيني وعرف إن الأوامر دي مش للجدال. سحب نفسه بسرعة وطلع من الباب الخلفي اللي بيوصل على السلم الداخلي لبيت نور.

أنا وقفت ورا الشيش، عينيا مرقبة التلاتة اللي نازلين من العربية الجيب. خطواتهم كانت واثقة، مفيش في إيديهم سلا//ح ظاهر، وده معناه إنهم مش جايين يعملوا تصفية جسدية في وسط الشارع؛ هما جايين ياخدوا حاجة ويمشوا.. جايين ياخدوا الأصول اللي عادل المنشاوي مات عشانها.

دخل الأولاني، طول بعرض، ولابس نظارة شمس رغم إننا المغرب. بص للورشة بقرف، وبص لمكن التصوير المفكك، وبعدين عينه وقعت عليا وأنا قاعد ورا المكتب بنضارة القراية بتاعتي وبصلح قطعة غيار صغيرة، والمسد//س القديم مستخبي تحت فوطة المطبخ اللي بنضف بيها الحبر.

قال بنبرة هادية بس مليانة تهديد: “الأستاذ سيد؟”

قلت من غير ما أرفع عيني: “أهلاً. تصليح ولا تصوير؟”

ضحك ضحكة مكتومة وقال: “لا ده ولا ده. إحنا جايين من طرف ‘الباشا’.. وبيقولك البقاء لله في الدكتور عادل، والبركة فيك.. بس الأمانة اللي إنت خدتها من فيلا المنشاوي تقلت في جيبك، والتقل ده ممكن يقطعه”.

رفعت عيني وبصيت له بثبات: “والباشا بتاعكم مبعتش معاكم وصل أمانة؟ أنا مبرجعش أمانات من غير إيصال رسمي مختوم”.

التاني اتقدم خطوة، وعروق رقبة بارزة من الغل: “متسوقش فيها يا راجل يا عجوز. إنت كنت حتة موظف وطلعت معاش وفاتح دكانة.. الملف الفلاشة اللي نسختها من سيرفر الفيلا، والأوراق الأصلية اللي سحبتها من السفرة.. تطلع دلوقتي، وإلا بنتك اللي في الدور الفوقاني مش هتلحق تفرح بخروجها من المستشفى”.

الكلمة دي كانت كفيلة إنها تخلي صباعي يتحرك تحت الفوطة ويلمس زناد المسدّ//س. بس الراجل بتاع الأمن القومي اللي جوايا لسه صاحي؛ الضرب في وسط الشارع مع عتاولة زي دول معناه إني بضيع القض//ية وبكشف مكاني.

قلت ببرود: “البنت مش فوق.. البنت في مكان لو لفتوا مصر حتة حتة مش هتوصلولها. والأوراق دي مش معايا هنا.. الأوراق في حجز أمانات هيتفتح أوتوماتيك لو جرالي أو جرى لبنتي خدش واحد.. والنسخة هتروح مباشرة للرقابة الإدارية والمخابرات العامة”.

الراجل الكبير بتاعهم ملامحه اتغيرت. عرف إن الكلام مش مع مصلح مكن غلبان. تليفونه اتهز في جيبه. أخرجه بسرعة ورد، ملامحه اتخطفت وهو بيسمع الصوت اللي جاله. بص لي بنظرة ذهول ورعب، وقال للخط: “تمام يا فندم.. حاضر”.

قفل الخط وبص لرجاله وقال: “ارجعوا ورا”.

وبعدين التفت ليا وقال بصوت واطي: “إنت مين يا سيد؟.. الباشا لسه مكلمني وبيقولي سيبوه واطلعوا فوراً.. وبيقولك: الوزير لسه مغيرش رأيه فيك يا سيادة العقيد”.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت: “قول للباشا بتاعك.. اللعب مع عيلة المنشاوي كان تسلية.. لكن اللعب مع الحيتان الكبيرة دي شغلتي القديمة اللي أنا كنت مستني أرجع لها”.

انسحبوا بسرعة البرق، وركبوا العربية وطاروا في وسط الشوارع الضيقة.

طلعت موبايلي وكلمت فوزي: “فوزي، إنت فين؟”

فوزي رد وصوته فيه نهجة: “أنا ونور في العربية على طريق السويس، مأمنها في بيت قديم لواحد من زمايلنا القدام.. إيه اللي حصل عندك؟”

قلت له وأنا بلم حاجتي من الورشة وبقفل الشيش الحديد: “عرفوا الاسمي القديم يا فوزي. الباشا بتاعهم واصل لدرجة إنه جاب ملفي في دقايق. ده معناه إن الاختراق من جوه الجهاز نفسه.. فيه حد كبير بيحميهم وبيسرب لهم المعلومات”.

فوزي سكت ثواني وقال بصدمة: “لو الكلام ده صح.. يبقى إحنا مش بنحارب تاجر مخدرات.. إحنا بنحارب شبكة فساد جوه أجهزة الدولة!”

قلت له وأنا بقفل قفل الورشة الخارجي: “وده اللي هيخلي رقابهم كلهم تحت السكي//نة. كريم المنشاوي في السجن هو المفتاح الوحيد اللي فاضل.. لازم نوصل له قبل ما ‘ينتحر’ هو كمان زي أبوه”.

ركبت عربيتي، والوجهة المرة دي مكنتش البيت ولا المستشفى.. كانت سجن طرة.. المكان اللي كريم محبوس فيه، واللي العاصفة الجاية هتضرب في قلبه.

الطريق لسجن طرة مكنش مجرد طريق طويل بالليل، ده كان أشبه بسباق مع الموت. المطر رجع ينزل تاني، كأن السما رافضة تغسل آثار الليلة دي، وكل مساحات العربية ما تتحرك، يتهألي إني بشوف وش عادل المنشاوي وهو ميت في زنزانته، والسر اللي مات معاه.

وصلت بوابة السجن. الأجواء برة كانت مشدودة، وعربيات الأمن المركزي مغطية المكان. نزلت من العربية، وطلعت كارنيه الجهاز القديم اللي فوزي جددهولي بقرار استثنائي من “الجهة السيادية العليا” اللي بدأت تتدخل لحماية الأمن القومي من الحيتان دي.

الضابط اللي على البوابة قرا الكارنيه، وقف انتباه وقال بنبرة عسكرية: “يا فندم، معالي الوزير باعت إخطار بخصوص وصولك، بس المأمور مستنيك جوة في مكتبه.. الموضوع خطير”.

دخلت مكتب المأمور بسرعة، الراجل كان وشه أصفر والملفات متبهدلة قدامه. أول ما شافني وقف وقال: “سيادة العقيد سيد؟ كويس إنك جيت. كريم عادل المنشاوي حالته تدهورت تماماً من ساعة كاملة. جاله تشنج حاد وأعراض تسمم، وإحنا دلوقتي بنحاول نقله لمستشفى السجن تحت حراسة مشددة”.

قلت بحدة وصوت هز المكتب: “تسمم إيه؟! أنا مش قايل الحراسة عليه تكون 24 ساعة والأكل ميتلمسش غير بمعرفتكم؟!”

المأمور بلع ريقه بخوف: “الأكل جاله من برة يا فندم، عن طريق محاميه اللي زاره من ساعتين.. المحامي قدم طلب رسمي ودخل له وجبة، والظاهر إن المادة كانت جوة الأكل”.

جريت على طرقة السجن المؤدية للمستشفى الداخلي. لمحت السرير المتحرك وهم بيجروا بيه، وكريم مرمي عليه، وشه شاحب، وعينه مقلوبة لفوق، وبيردد كلمات مش مفهومة بصوت مرعوب: “الباشا.. الباشا هيقتلني.. أنا ممضيتش.. الورق مع سيد.. الورق مع سيد”.

قربت منه، مسكت ياقة قميصه السجن الأزرق وزعقت في وشه: “كريم! مين الباشا؟ مين اللي مشغلكم؟ انطق قبل ما تموت زي أبوك!”

كريم بص لي بنظرة مكسورة، شفايفه كانت بتترعش والزبد الأبيض بدأ يخرج من بقه، قال بصوت حشرجة بيقطع النفس: “اللواء.. اللواء… جلال.. هو.. هو الباشا الكبير.. الشحنة.. الشحنة في المينا.. هتخرج.. بكرة.. بكرة الفجر..”

وفجأة، جسمه اتشنج بالكامل، وجهاز نبضات القلب اللي جنبه أصدر صوت صفارة مستمرة.. كريم مات.

وقفت مكانى، الأوضة كلها سكتت، والدكاترة تراجعوا لورا. الاسم اللي كريم نطقه قبل ما يموت صعقني.. “اللواء جلال”. ده مكنش مجرد لواء عادي، ده كان رئيس قطاع التفتيش والرقابة السابق، الراجل اللي كان في إيده ملفاتنا كلنا، واللي خرج معاش من سنتين ودخل مجال الاستثمار العقاري والبحري كغطاء.

تليفوني اتهز في جيبي. كان فوزي.

رديت بصوت ميت وفيه غضب مكتوم: “كريم مات يا فوزي.. لحقوه بالسم”.

فوزي صرخ عبر الخط بصدمة: “يا نهار أسود! سيد.. إنت لازم تخرج من السجن فوراً. القوة اللي كانت مأمنة البيت القديم اللي أنا ونور فيه على طريق السويس.. انسحبت فجأة بأوامر عليا! فيه عربيات مجهولة بدأت تحاصر البيت.. جلال عرف مكانا وفصلنا عن الدعم!”

دمي اتمشى في عروقي زي النار. الحيتان مبقتش بتلعب في الضلمة، دول بقوا بيصفوا حساباتهم عيني عينك في النور، ومستعدين يهدوا الدنيا فوق دماغنا عشان الشحنة اللي هتخرج بكرة الفجر من الميناء.

بصيت لمأمور السجن وقلت له وعيني كلها شرار: “شمع الأوضة دي، والتصريح بالوفاة ميتطلعش غير بأمر مني. مفيش مخلوق برة السجن يعرف إن كريم مات”.

ركبت عربيتي، ودوست بنزين على آخره باتجاه طريق السويس. المسافة كانت طويلة، والمطر كان بيضرب السقف كأنه طبول حرب. في إيدي تليفون، وفي الإيد التانية مسد//س، وجوايا راجل قرر إن الليلة دي مش هتعدي غير يا برقابهم.. يا برقبتي أنا وبنتي.

وانا على الطريق، كلمت رئيس النيابة السيادية اللي ماسك الملف السري، وقلت له بجملة واحدة: “جاهز تتحرك بقوة من العمليات الخاصة على ميناء الإسكندرية بكرة الساعة 4 الفجر؟ الباشا الكبير كشف وشه.. والراس الكبيرة هتقع الليلة دي”.

صوت عجلات العربية وهي بتصرخ على الأسفلت المغرقان بمية المطر كان هو الصوت الوحيد اللي بيقطع هدوء طريق السويس الصحراوي. تليفوني كان على التابلوه، وصوت فوزي طالع منه وسط شوشرة جامدة: “سيد! هما بدأوا يقربوا من البوابة الخارجية.. السلك اتقطع والنور انطفى عن البيت.. أنا معايا طبنجتي و3 خزن، بس نور…”

قاطعته وأنا بكسر الدريكسيون على أقصى السرعة: “فوزي! دقيقتين بالظبط وأكون عندك. ادخل بنور الأوضة اللي جوة والزم الأرض.. متضربش نار غير لو خطوا عتبة الباب”.

قفل الخط. في اللحظة دي، مكنتش شايف قدامي غير وش نور وهي بتعيط في فيلا المنشاوي، ووش كريم وهو بيموت مسموم. اللعبة وصلت لآخر فصولها، واللواء جلال افتكر إن تجريدنا من الدعم الرسمي هيكسر ضهرنا. ميعرفش إن رجال الأمن القومي الحقيقيين، قوتهم مبتقفش على إشارة من مكتب، قوتهم في عقيدتهم.

وصلت للمكان.. بيت قديم معزول وسط الملاحات. النور كان مقطوع تماماً، وعربيتين جيب سود واقفين برة وسادين مدخل المدق الترابي. تلات رجالة مسلحين كانوا بيقربوا من الباب ببطء وكأنهم بيصطادوا صيدة سهلة.

طفيت الأنوار بتاعة عربيتي قبل ما يلمحوني، وسحبت فرامل اليد ببطء. نزلت من العربية زي الضل، المسد//س في إيدي اليمين، وجوايا هدوء غريب.. هدوء الراجل اللي ميبقاش عنده حاجة يخسرها.

اتسحبت من ورا العربية الجيب الأولى. الأولاني كان مدي النهر ضهره وبيأمن زميله. في ثانية، كنت وراه، كتمت بقه بإيدي الشمال، وضربة واحدة قوية بمقبض المسد//س ورا ودنه وقعته على الأرض من غير صوت. سحبت السلا//ح الآلي اللي كان في إيده.

التنين الباقيين حسوا بحركة، واحد منهم لف وشه وبدأ يرفع سلا//حه، بس الرصاصة بتاعتي كانت أسرع.. استقرت في كتفه والآلي وقع من إيده وهو بيصرخ. التالت ارتبك وبدأ يضرب نار عشوائي في الضلمة، الرصاص كان بيخرم صاج العربيات.

في اللحظة دي، باب البيت اتفتح، وفوزي خرج زي الأسد، ضرب طلقتين بدقة عالية استقروا في رجل المسلح التالت، اللي وقع على الركب وهو بيئن من الألم.

المكان رجع يسكت تاني، ومبقاش مسموع غير صوت المطر وأنفاسنا العالية.

جريت جوة البيت، لقيت نور مستخبية ورا السرير، بتترعش ودموعها مغرقة وشها. أول ما شافتني، رمت نفسها في حضني: “يا بابا.. أنا أسفة.. أنا السبب في كل ده”.

بست رأسها وقبلت إيديها: “إنتي مالكيش ذنب يا قلب أبوكِ. خلاص.. الكلاب اللي عملوا كده، حسابهم بيقفل دلوقتي”.

التفتت لفوزي وقلت له بنبرة مأسورة بالغضب: “فوزي.. خد أجهزة اللاسلكي من الرجالة اللي برة، واربط المتصابين في العواميد. الشحنة اللي في الميناء هتتحرك كمان ساعتين، واللواء جلال مستني مكالمة بتمام تصفيتنا عشان يدي أمر الخروج”.

طلعت موبايل الراجل الكبير بتاعهم اللي أغمى عليه. لقيت رقم مسجل باسم “الرئيس”.

دوست اتصال.. الخط فتح، وجاءني صوت أجش، واثق ومتعالي: “خلصتوا؟”

أخدت نفس عميق وقلت ببرود هز الخط: “أنا اللي خلصت على رجالتك يا جلال بيه. كريم مات، وأبوه مات، ورجالتك مربوطين زي الكلاب في ملاحات السويس.. والشحنة بتاعتك اللي في الميناء، قوات العمليات الخاصة والرقابة الإدارية محاصراها دلوقتي بناءً على الدليل الحرز اللي سحبته من فيلا المنشاوي والشركات الوهمية اللي باسم بنتي”.

الخط سكت تماماً. صوته الأجش اتحول لحشرجة خوف: “إنت مين؟.. سيد؟.. إنت متعرفش إنت بتموت مين يا سيد.. أنا ههد البلد فوق دماغك”.

قلت له وأنا بقفل السكة: “البلد دي مبتهدش فوق دماغ ولادها يا جلال.. إنت اللي نهايتك الليلة دي.. اشرب قهوتك الأخيرة، لأن زوار الفجر على الباب عندك دلوقتي”.

الساعة بقت 4 الفجر.

الحكومة والنيابة السيادية مكدبوش خبر، وبناءً على البلاغ المدعم بالوثائق، تم اقتحام مخازن ميناء الإسكندرية وتحريز أكبر شحنة أدوية مخدرة وسموم دخلت البلد في العقد الأخير، بقيمة تعدت المليارات. وفي نفس الدقيقة، كانت قوة من مكافحة الفساد وأمن الدولة بتقدم كلبشات الحديد في إيد اللواء المتقاعد جلال من جوة فيلته في التجمع.

بعد أسبوع..

الورثة والصناديق وكل الفلوس اللي عيلة المنشاوي بغوا وتكبروا بسببها، اتجمدت بحكم قضائي وتأمن حق نور بالكامل قانوناً من غير أي ابتزاز أو ضغوط.

قعدت في ورشتي الصغيرة، الشمس كانت دافية، ومكن التصوير قدامي مفكك وبصلحه براحة. نور دخلت عليا وهي شايلة صينية شاي وبتقول بابتسامة صفت تماماً من الخوف: “تشرب الشاي يا سيادة العقيد؟”

بصيت لها وابتسمت، أخدت منها الكوباية وقلت: “يا بنتي، أنا هنا مجرد الأسطى سيد.. مصلح مكن تصوير”.

ضحكت ونور عينيها رجع زي الأول، وأنا حطيت كوباية الشاي على المكتب وبصيت للشارع الهادي.. عيلة المنشاوي والحيتان اللي وراهم نسوا إن المكنة اللي بتصوّر الحقيقة، مبتعطلش أبداً.. طالما فيه راجل صاحب حق واقف يحميها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *