زياد وامنية ملك إبراهيم 1

عشان اشتريت لأختي تليفون جديد من مرتبي، جوزي وقف عني مصروف البيت وقالي: “اصرفي من اللي بتبعزقيه على الناس!”.. كان فاكر إني هتناقش معاه، أو هغلطه بس أنا سكت خالص..وتاني يوم، عزمت أهلي وأهله كلهم على الغدا، وعملت حاجة مخطرتش على باله، حاجة طيرت برج من دماغه من الصدمة والذهول!

 

الحكاية مش حكاية تليفون، الحكاية تبدأ من أربعين يوم عشتهم في بيت أهلي بعد ما ولدت ابني مروان. اللي جربت الولادة والنفاس عارفة يعني إيه تكوني مش قادرة ترفعي ضهرك، والوجع هادد حيلك، والطفل الصغير مبيفصلش عياط طول الليل. في الأيام دي، الدنيا كلها كانت كوم، وأختي “هنا” كانت كوم تاني خالص.

​”هنا” سابت كليتها، وسابت صحابها، وسابت كل حاجة وراها وجت قعدت تحت رجلي. كانت بتنام صاحية عشان تريحني، تشيل الواد، تغيرله، تعملي المغات والأكل، وتطبطب عليا وأنا مخنوقة من كآبة ما بعد الولادة. كانت بتخدم بمحبة صافية، من غير ما تشتكي ولا تبين إنها تعبانة. أختي دي هي سندي اللي مالتش عليا في يوم، ولما قمت بالسلامة ورجعت بيتي، كنت حاسة إن أي حاجة هعملها مش هتكفي رد الجميل.

​أنا بشتغل، وعندي مرتبي الخاص اللي بتعب فيه كل شهر. قعدت أفكر أفرحها بإيه؟ افتكرت إن تليفونها قديم وبيقفل لوحده والشاشة مكسورة، فقلت بس.. هي دي! نزلت من وراها، جبت أحدث موديل تليفون كانت بتموت عليه، ولفيته لفة هدايا شيك، وبعتهولها مع دليفري على البيت عشان تفاجأ بيه.

​الدنيا مكنتش سيعاها من الفرحة، كلمتني وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت، ومن كتر فرحتها وعفويتها، صورت التليفون ونشرت الصورة على صفحتها على الفيس بوك وكتبت: “أحلى فون هدية من أحلى وأجمل أخت في الدنيا.. ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدًا”.

​​كنت قاعدة في الصالة بهز سرير مروان ومستنية “عصام” جوزي يرجع من الشغل عشان أوريله العشا اللي عملته، وأنا جوايا حماس أقوله على المفاجأة اللي عملتها لهنا. فجأة، الباب اترزع رزع و​دخل عصام وعينيه بتقدح شرار، مالحقتش أقوله “حمد الله على السلامة”، لقيت صوته بيزلزل الحيطان:

​”انتي صحيح يا هانم روحتي اشتريتي تليفون غالي لست هنا أختك من ورايا ومخبيّة عليا؟!”

​قمت وقفت مذهولة من طريقته، وقولتله باستغراب:

​”إيه يا عصام في إيه؟ داخل حامي كده ليه؟ أنا كنت مستنياك أصلًا عشان أقولك، بس انت عرفت إزاي بالسرعة دي؟”

​ضحك ضحكة صفرا كلها تريقة وزعق:

​”عرفت من أختك المحترمة اللي بتتمنظر بيه على الفيس ! وعايزة تقوليلي كنتي مستنياني عشان تقوليلي بعد ما جبتيه؟ كان المفروض تاخدي رأيي الأول يا هانم! الفلوس بتاعتك دي مش ملكك لوحدك عشان تبعزقيها يمين وشمال، دي تشاركي بيها في مصروف البيت اللي بقيتي جزء منه.. وانسيلي أهلك دول خالص بقى!”

​برقت عيني وقولتله بذهول:

​”أنسى أهلي؟ وأنت مالك بمرتبي يا عصام؟ أنا بقصر في بيتي؟ وبعدين دي أختي اللي شالتني وشالت ابنك أربعين يوم!”

​ما سابنيش أكمل، وشوح بإيده وقالي بنبرة لؤم:

​”بلا شالتك بلا مشالتكيش! ده واجبهم دول اهلك وولادتك من واجباتهم … بدل ما تروحي تجيبيلها تليفون جديد، كان أولى تجيبيه لأختي أنا! مش اختي تليفونها اتكسر من شهر وقاعدة من غير تليفون ومش عارفة تجيب غيره؟ وانتي عارفة ده كويس ولا عينك خلاص مابتشوفش غير أهلك؟”

​هنا أنا مكنتش مصدقة وداني، الرد طلع مني تلقائي ومن صدمتي:

​”واجيب لأختك أنا ليه إن شاء الله؟! أنت أخوها وأولى تجيب لها من مالك، أنا مالي ومال أختك!”

​وكأن ​كلامي داس له على طرف، ولقيته بيقرب مني وبيبصلي بتحدي وعينيه ضيقة:

​”كده يعني؟ بتقسميها بينا؟ طب تمام قوي.. انهارده ١٥ في الشهر، تعملي حسابك بقى إن الخمستاشر يوم اللي فاضلين دول انتي اللي هتصرفي على البيت فيهم من ألالف للياء.. ومن هنا ورايح، الشغل هيبقى بالنص.. أنا نص الشهر وانتي النص، تصرفي على نفسك وعلى بيتك وعلى ابنك يا هانم، أولى ليكي من إنك توزعي على الغريب وتبعزقي فلوسك على الناس!”

​الكلام نزق عليا زي الميّة الساقعة. في ثواني، شريط حياتي معاه عدا قدام عيني.. افتكرت إزاي كنت بحوش قرشي على قرش، وإزاي عمري ما طلبت زيادة، وكنت بصرف كل مرتبي على البيت علشان اساعده هو دلوقت اعتبر ان ده بقى فرض عليا لدرجة اني ميحقليش اشتري حاجه لاي حد غيره هو واهله….حسيت بغصة في حلقي، بس فجأة الغصة دي اتحولت لبرود غريب.. برود قاتل.

​بصيت في عينيه بثبات، ومفيش ولا دمعة نزلت من عيني، وقولتله بكل هدوء:

​”تمام.. اللي تشوفه يا عصام.”

​سابني ودخل الأوضة ورزع الباب وهو فاكر إني هروح أتحايل عليه وأعتذر وأقوله “خلاص توبة مش هعمل كده تاني وهات المصروف”. مكنش يعرف إن السكوت ده كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، وإني في اللحظة دي بالذات، كنت برتب لحاجة تانية خالص.

​​تاني يوم الصبح، صحيت وعصام في الشغل، مسكت التليفون وكلمت والدتي وأخواتي، وكلمت حماتي وحمايا وأخوات عصام كلهم.. عزمتهم كلهم، بلا استثناء، على الغدا عندي في البيت. قولتيلهم: “عاملة لكم مفاجأة بمناسبة إني قمت بالسلامة ومروان نور الدنيا”. الكل فرح ورحب وأكدوا الحضور.

​نزلت السوق، اشتريت أحسن خضار وأفخم لحوم وفراخ، ودخلت المطبخ وكأني داخلة معركة. طبخت وعملت صواني وأصناف تشرف، وروقت الشقة وخليتها بتبرق، ولبست أشيك فستان عندي، ولبست ابني مروان هدوم جديدة.

​وبعد الظهر، الباب بدأ يخبط. وصل أهلي كلهم، وبعدهم بدقائق وصل أهله، وطبعًا عصام رجع من الشغل تفاجأ بالبيت مليان لمة وصوت ضحك. دخل المطبخ وعينيه هتطلع من مكانها وهو شايف الأصناف والخير اللي محطوط، وشايفني واقفة ببتسم وبوزع ترحيب على الكل، همسلي بغيظ وهو بيموت من الحيرة:

​”إيه الهرجلة دي؟ ومين سمحلك تعزمي؟ وجبتي الفلوس دي كلها منين؟”

​ابتسمتله ببرود وثقة وقولتله:

​”مش وقت كلام يا أبو مروان، .. انت مش بتقول باقي الشهر عليا ..خلاص متشلش هم حاجه…يلا بقى الناس مستنيانا بره يلا نطلع نضايفهم.”

​قعدنا كلنا على السفرة، الأكل كان يبهر، وحماتي عمالة تشكر فيا وفي أكلي، وأهلي فرحانين بيا، وعصام قاعد على نار، عينه عليا وعايز يفهم أنا ناوية على إيه، وكان مفكر إن العزومة دي عشان أصالحه او علشان اترجاه يتراجع عن قراره.

​أول ما الكل خلص أكل، وشيلنا الصواني، وروحت والكل كان مستني الشاي

، وعصام حاطط رجل على رجل ومستني اخلص واقول الكلمتين اللي هقولهم واعتذرله..

بس انا طلعت من المطبخ وفي ايدي صينيه كبيره بس مكانش عليها شاي​ كان عليها الكارت الرابح اللي حرق غروره وطير برج من دماغه ، وصدم كل اللي قاعدين صدمة عمرهم ما تخيلوها!!!

 

أنا طلعت من المطبخ وفي إيدي صينية كبيرة، بس مكانش عليها شاي.. كان عليها علبة هدايا تانية، نفس اللفة الشيك اللي لفيت بيها تليفون “هنا”، وجنبها علبة تانية مستطيلة ورفيعة، وعليها ظرف مقفول.

نظرات الكل اتمسمرت على الصينية، وعصام رجله اللي كان حاططها على رجل نزلت الأرض تلقائي، ووشه اتخطف وبدأ لون دمه يهرب وهو شايف ملامح الثقة والبرود اللي على وشي.

مشيت بخطوات ثابتة وابتسامة عريضة لحد ما وقفت قدام “شيماء” أخت عصام. شيماء كانت قاعدة مكسوفة، وتليفونها القديم اللي شاشته مكسورة ومطفي محطوط جنبها على الكنبة. حطيت الصينية قدامها، ورفعت العلبة الكبيرة وقدمتهالها وأنا بقول بصوت عالي وواضح سمّع الصالة كلها:

“ألف مبروك يا شوشو التليفون الجديد.. أحدث موديل برضه زي بتاع هنا بالظبط، عشان متبقيش قاعدة من غير تليفون وزعلانه، وعشان مفيش حد غالي عندنا في العيلة دي، وكلنا واحد.”

الصالة كلها اتملت بصوت شهقات وذهول. شيماء عينيها لمعت بدموع الفرحة وبقت مش مصدقة، وبصت لأخوها عصام اللي كان وشه بيجيب ألوان، وعروق رقبته بدأت تنفر من كتر الصدمة والغيظ. هو كان فاكر إني هعاند، أو إني هبخل على أهله، أو إني جاية أشتكيه قدامهم.. مكنش يتخيل أبدًا إني هحرج بخله بكرمي، وأخليه يبان صغير قدام نفسه وقدام أهله!

حماتي لوت بوزها من المفاجأة بس ملقيتش حاجة تقولها غير: ” كتر خيرك يا بنتي.. أصيلة والله.. بس ده غالي قوي!”

رديت عليها وأنا عيني في عين عصام اللي كان هينفجر: “مفيش حاجة تغلى عليكم يا ماما.. وبعدين عصام لسه قايلي امبارح بالظبط إن الفلوس دي مش بتاعتي لوحدي، دي لبيتي ولأهلي وأهله، وإن أخت عصام أولى بيا من أي حد.. وأنا نفذت كلامه بالحرف!”

عصام اتصلب في مكانه، الكلام نزل عليه زي الصاعقة، مكنش قادر يتكلم ولا يفتح بقه يغلطني، لأن لو اعترض أو زعق هيبقى بيعترض على هدية لأخته قدام أبوه وأمه وأخواته!

بس الصدمة الكبيرة مكانتش في التليفون.. الصدمة الحقيقية كانت في الحاجة التانية اللي باقية على الصينية.

مديت إيدي وأخدت العلبة المستطيلة الرفيعة والظرف المقفول، واتجهت بيهم لعصام مباشرة. انحنيت عليه ودموعي المحبوسة من امبارح بتتحول لضحكة سخرية مكتومة، وحطيت العلبة والظرف في حِجره وقولتله بنبرة هادية بس قوية هزت كيانه:

“وده نصيبك أنت كمان يا أبو مروان من المفاجأة.. افتح هديتك قدام الكل عشان يفرحوا معاك باللي جاي.”

عصام إيده كانت بترعش وهو بيفتح العلبة المستطيلة.. ولما فتحها، وشه اسودّ تمامًا والجمود حل على ملامحه. العلبة كان فيها “دفتر شيكات” جديد باسمي أنا، وتحته عقد..

أبوه (حمايا) قلق من منظره وقال: “في إيه يا عصام؟ ورق إيه ده يا بنتي؟”

عصام مكنش قادر ينطق، فخدت أنا الورقة من إيده وفتحتها وقرأت للكل بصوت جهوري:

“ده عقد تنازل وإيجار لشركتي الخاصة وحسابي البنكي.. من انهارده يا جماعة، وبناءً على طلب عصام امبارح لما قالي (انسي أهلك والشغل بالنص من انهارده ومن ١٥ في الشهر انتي اللي هتصرفي).. أنا قررت أريحه خالص. أنا نقلت كل شغلي الخاص وعيادتي/مكتبي باسمي أنا لوحدي بشكل قانوني منفصل تمامًا، وبقيت بمتلك ذمتي المالية المستقلة اللي القانون بيحميها.. والظرف ده فيه طلب (إجازة بدون مرتب) من وظيفتي الحكومية اللي كان عصام بياخد مرتبها عشان يساعده في البيت!”

الحاضرين كلهم سكتوا سكوت القبور، الصدمة لجمت الكل.

بصيت لعصام وقولتله بابتسامة نصر: “من انهارده يا عصام، النص التاني من الشهر عليك وعليا، بس أنا معنديش مرتب حكومي خلاص يدخل البيت.. أنا عندي شغلي الخاص اللي هكبره لنفسي ولابني مروان وبس، والخمستاشر يوم اللي فاضلين في الشهر ده، أنا صرفت فيهم كل السيولة اللي معايا في العزومة وفي تليفون أختك.. يعني البيت من انهارده مفيهوش جنيه واحد، ومصروف البيت واللبن والحفاضات بتوع ابنك.. من اللحظة دي بقوا عليك أنت لوحدك.. وريني بقى هتمشي النص التاني من الشهر إزاي!”

عصام وقف فجأة وطير الكرسي وراه، وعينيه طالع منها شرار وهو شايف أهله وأهلي بيبصوا له بنظرات لوم وعتاب، وهو مش قادر ينطق بكلمة واحدة يدافع بيها عن رجولته اللي اتهزت قدام الكل..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *