عندي اتنين وتلاتين سنة
الكل في الصالة اتكتم، الضحكة اللي كانت مالية وش العريس الحاج مرسي اختفت، والهمهمات بين أهله وولاده بدأت تعلو. الصمت بقى سيد المكان، صمت تقيل يخنق، مفيش فيه غير صوت أنفاس مرات أبويا ومرات أخويا اللي بقت تطلع وتدخل زي اللي بتنازع.
جوه البوكس الفخم اللي كان متغلف بالقطيفة، مكنش فيه لا دهب ولا هدايا غالية.. كان فيه “كفن أبيض” مغسول ومكوي، وفوقيه مصحفين صغار، وجنبهم ألبوم صور أسود قديم، وعلى الوش ورقة كارت تذكاري مكتوبة بخط إيد شيرين الواضح والقوي.
مرات أخويا رجليها مكنتش شايلاها، رجعت خطوة لورا وهي بتنهج وكأن الهوا اتقطع عن الصالة. العريس الحاج مرسي وقف، وحمحم بصوته الأجش وقال وهو بيعدل عبايته بنفاد صبر:
> “جرى إيه يا جماعة؟ انتوا هتفضلوا مبلمين كده كتير؟ ورونا العروسة جابت إيه ليكي يا حماتي انتي وأخت جوزها، خلي الناس تفرح وتشوف الذوق!”
شيرين وقفت من مكانها بكل ثبات، الفستان اللي كانت لابساه ومفروض إنه فستان قراية فاتحة كان لونه أسود سادة، مكنش فيه أي مظاهر فرحة، لكن ملامح وشها كانت هادية لدرجة مرعبة. قربت من البوكس ببطء، ومدت إيدها بكل برود، وسحبت الكارت التذكاري وقالت بصوت جهوري مسموع لكل ركن في الشقة:
“أنا هقرا لكم اللي مكتوب في الكارت يا حاج مرسي، عشان الكل هنا يعرف الأصول، ويعرف الجمايل اللي الستات دي عملوها معايا عشان يستروني!”
فتحت الكارت وقرت بصوت واثق مفيش فيه رشة رعشة واحدة:
> “إلى زوجة أبي العزيزة، وزوجة أخي الفاضلة.. الكفن ده أقل هدية أقدر أقدمهالكم في الليلة دي. ده الكفن اللي انتوا كنتوا عايزين تدفنوني فيه بالحيا وأنا عندي اتنين وثلاثين سنة، لمجرد إنكم تخلصوا من لقمة باكلها في بيت أبويا. والمصحفين دول عشان تحلفوا عليهم قدام الناس دي كلها، إنكم مكنتوش بتخططوا لبيعي للراجل ده عشان تاخدوا منه قرشين تسلكوا بيهم مصلحة!”
الصالة اتقلبت لمظاهرة في ثانية. ابن الحاج مرسي الكبير وقف وزعق بعلو صوته:
“قرشين إيه ومصلحة إيه يا بت انتي؟ انتي هتتبلي علينا وعلى أبويا؟ إحنا جايين نستر عليكي وناخدك بالمعروف!”
شيرين لفت له وبصت له بنظرة حادة خلت الكلمة تقف في زوره، ومدت إيدها وسحبت ألبوم الصور الأسود من قلب البوكس، وفتحت أول صفحة ورفعتها في وش الكل وقالت:
“أنا متبلتش على حد.. الألبوم ده فيه صور وصولات أمانة ممضية باسم أخويا، واخدها من الحاج مرسي عشان يشتري بضاعة لمحل القماش الجديد بتاعه، والشرط كان إيه؟ إن الفاتحة تتقري، والمؤخر يتنازل عنه، وأنا أروح هناك أخدم الحاج وعياله من غير ما أفتح بقي.. يعني الجوازة دي كانت صفقة بيع وشرا، أنا البضاعة، والتمن هو سداد ديون أخويا والقرشين اللي دخلوا جيب الست هانم مرات أبويا كمصاريف لزوم السعي والستر!”
الناس كلها بصت لأخويا، اللي وشه جاب ميت لون، وبقى يبص لمراته ويدور على أي حتة يستخبى فيها. أبويا واقف مكانه، مذهول، عينيه بتتحرك بين شيرين وبين أخويا ومراته، وكأنه لأول مرة يكتشف إنه كان عايش مع عصابة مش مع عيلته.
الحاج مرسي وشه احمر وعروق رقبتيه برزت، وحس إن كرامته اتهانت قدام أولاده والناس اللي جايين معاه، وقف وزعق في أبويا:
“جرى إيه يا حاج سالم؟ هي دي الأصول؟ جايبنا بيتك عشان بنتك تشهر بينا وتهزأنا قدام عيالنا؟ إحنا ناس لينا وضعنا في السوق، والبت دي شكلها مجنونة ومش وش ستر!”
شيرين ردت عليه وهي بتحط الألبوم على التربيزة بقوة:
“المجنونة دي يا حاج مرسي هي اللي صانت البيت ده سنين وأنا ساكتة وبستحمل قرفهم. وبالمناسبة، الصور والوصولات دي نسخ.. الأصل متشال في مكان تامن خالص مع محامي. يعني لو فكرتوا بس تفتحوا بوقكم أو تيجوا ناحيتي، الفضائح مش هتقف عند قراية الفاتحة دي، دي هتوصل للسوق كله وللقسم كمان!”
مرات أخويا بدأت تصرخ وتلطم على وشها وهي بتقول بنبرة كلها غل وخوف في نفس الوقت:
“انتي بتخربي بيتنا يا شيرين؟ بتفضحي أخوكي لحمك ودمك عشان خاطر جوازة؟ ده إحنا كنا عايزين نستر عليكي!”
شيرين ضحكت ضحكة عالية رنت في الصالة كلها، ضحكة وجع ممزوجة بالسخرية:
“تستروا عليا؟ بالراجل اللي مطلق تلاتة؟ بالراجل اللي عياله أكبر مني وكانوا جايين يبصوا عليا كأني خدامة جديدة جاية البيت؟ أنا اللي هستر عليكم الليلة دي ومش هطردكم من البيت.. أنا اللي ماشية بمزاجي!”
الحاج مرسي لم حاجته وأولاده وهو بيبرطم ويشتم، وبص لأبويا وقال له:
“ملكمش عندنا جواز، وبنتك دي ملهاش غير الحيطة تسد وراها، دبروا حالكم في الفلوس اللي عليكم، والوصولات دي هتنزل المحكمة الصبح!”
خرج العريس وأهله، ورزعوا الباب وراهم رزعة هزت البيت كله. الصالة بقت فاضية، مفيش فيها غير عيلة متهدمة، عيلة بنتها قررت تكسر كرامتهم زي ما كسروا قلبها سنين وسنين.
—
## الفصل الرابع: نهاية البداية
بعد ما الباب اتقفل والناس مشيت، ساد هدوء قاتل في الشقة. أخويا قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وهو بيعيط من الخوف من الحبس والوصولات اللي هتنزل المحكمة، ومراته واقفة جنبه وشها أصفر وعينيها بتطق غل، ومرات أبويا ساندة على الحيطة ومبلمة، مش قادرة تستوعب إن البنت الهادية المستسلمة هي اللي عملت فيهم كل ده في ليلة واحدة.
أبويا قرب مني بخطوات ثقيلة، كان باين عليه العجز والندم، مد إيده عشان يلمس كتفي وقال بصوت متحشرج:
“يا بنتي.. ليه تعملي كده؟ ليه تفضحينا قدام الناس؟ مكنش العريس عاجبك كنتي قولتيلي وأنا كنت..”
قاطعته شيرين وهي بتبعد خطوة لورا، ودموعها المحبوسة من أول السهرة نزلت أخيرًا، بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع حرية:
“كنت هتعمل إيه يا بابا؟ انت بقالك سنتين بتسمعهم وهم بيلقحوا عليا كلام وبيتمنوا لي الموت عشان يخلصوا مني، وعمرك ما فتحت بوقك بكلمة! كنت بتشوفني وأنا بنام والدموع في عيني من قهرتهم ليا، وتعمل نفسك مش شايف. لما وافقوا على الحاج مرسي، بصيت في عينك وكنت بترجاك بدموعي إنك تقول لأ، إنك تصرخ في وشهم وتقولهم دي بنتي مش للبيع.. لكنك طأطأت راسك وبصيت في الأرض زي كل مرة. السند اللي بجد مش بيكتفي بكلمة ‘يا بنتي’ لما الفاس تقع في الراس، السند بيحمي قبل ما الكسرة تحصل.”
أبويا منطقش، دموعه نزلت وهو باصص للأرض، نفس البصة اللي خذلتها سنين طويلة.
لفت شيرين لمرات أبويا ومرات أخويا وقالتلهم بثقة تزلزل الأرض:
“البوكس ده هديتي ليكم.. الكفن ده خلوه عندكم في الدولاب، كل ما تبصوا له افتكروا إنكم حاولتم تدفنوا شيرين، بس شيرين طلعت أقوى منكم ومن غلكم. والفلوس والوصولات؟ أنا اللي دفعت تمنها للحاج مرسي الصبح من فلوس دهب أمي الله يرحمها اللي كنت شايلاها للزمن، يعني أخوك يا ست هانم ملوش مليم عندنا، والوصولات الأصلية معايا أنا، مش مع المحامي ولا حاجة.. أنا بس حبيت أربيكم وأعرفكم إن اللي تستهونوا بيها وتسموها ‘عانس’ وتفتكروها حيطة مايلة، تقدر تهد البيت كله فوق دماغكم لو فكرتوا تيجوا على كرامتها.”
مرات أخويا برقت عينيها بصدمة وقالت:
“انتي.. انتي اللي سدديت الفلوس؟”
“آه أنا.. عملت كده مش عشانكم، عملت كده عشان اسم أبويا اللي شايلينه، وعشان أخرج من البيت ده وأنا كاسرة عينكم كلكم ومحدش فيكم يملك ليا جمية ولا يقدر يقول إني هربت أو اتطردت. أنا اللي سايبة البيت بكامل إرادتي وكبريائي.”
دخلت شيرين أوضتها، لمت شنطة هدومها اللي كانت مجهزاها من بالليل. مكنتش محتاجة تاخد كتير، بس أخدت ذكرياتها، صورة أمها، وكرامتها اللي حافظت عليها.
خرجت للصالة وهي شالة الشنطة، وبصت للبيت لأخر مرة. البيت اللي شهد طفولتها ووجعها، بس النهاردة بيشهد ولادتها الجديدة. مفيش حد تجرأ يقف في طريقها أو يمنعها، كلهم كانوا باصين لها بنظرات مزيج من الخوف والذهول والاحترام اللي اتفرض عليهم فرض.
فتحت باب الشقة، وبصت لأبوها وقالت:
“ربنا يسامحك يا بابا على كل مرة سبتني فيها لوحدي.”
نزلت السلم بخطوات ثابتة وصوت كعب جزمتها بيرن في العمارة، وكأنه بيعلن نهاية عصر الانكسار. الهوا بره البيت كان مختلف، كان طعمه حرية. شيرين مكنتش رايحة للمجهول، كانت مأجرة شقة صغيرة قريبة من شغلها في الحسابات، وقررت إنها تبدأ حياتها من جديد، مش كبنت مستنية راجل يسترها، لكن كست قوية، ملكة نفسها، وكرامتها فوق كل شيء.
الرقم “اتنين وتلاتين” مابقاش تهمة، بقى رمز لليوم اللي اتولدت فيه شيرين بجد، اليوم اللي عرفت فيه الدنيا كلها فايدتها وقيمتها، وكسرت كرامة اللي حاولوا يكسروها قدام الكل.