ركبت فريدة الطيارة 1

ركبت فريدة الطيارة وهي شايلة شنطتين، وعربية أطفال مطبقة، وقلبها مكسور ومهموم فوق ما أي حد يتخيل.

​وهي في سن الواحد وتلاتين، عمرها ما تخيلت إنها تسيب الإسكندرية بالطريقة دي—بنتها الصغيرة خديجة نايمة على صدرها، ومن غير بيت ترجع له، ومعاها قرشين صغيرين شايلاهم للزمن، وشايلة معاها اسم جوازة انتهت وفشلت خلاص.

​كانت مسافرة القاهرة، بعد ما ابن خالتها عرض عليها يوضب لها أوضة صغيرة في المطرية تقعد فيها لحد ما تقف على رجليها وتشوف هتعمل إيه.

​مكانتش دي العيشة اللي فريدة حلمت بيها طول عمرها.

​بس دي كانت الفرصة الوحيدة الباقية قدامها عشان تنفذ بجلدها.

​طليقها، طارق سليم، غير كوالين الشقة، وجمد حساباتهم المشتركة في البنك، ونزل صوره مع واحدة تانية ولا كأن فيه عشرة خمس سنين جواز وبيت وعيل.

​فريدة معيطتش وهي بتركب الطيارة.

​هي عيطت كتير وتعبت من كتر العياط ومبقاش فيها دموع.

​بس لما خديجة بدأت تزن وتعيط قبل ما الطيارة تطلع، فريدة حست بنظرات الضيق والزهق من كل اللي حواليها.

​فيه ست شيك لكت مأنتكة قاعدة وراهم نفخت بضيق وقالت بصوت عالي:

“أهو ده اللي كان ناقص.. عيل يفضل يصرخ طول الرحلة!”

​فريدة وطت راسها في الأرض ودموعها هربت منها وهي بتضم شنطة البامبرز لصدورها.

​فجأة، الراجل اللي قاعد جنبها اتكلم، صوته كان هادي بس كله هيبة وثقة:

“يا فندم، الطفلة مأختارتش تركب الرحلة دي، إنما إحنا الكبار نقدر نختار نكون صابرين ومحترمين.”

​صوته مكنش عالي.

​ومحرجش الست بشكل فج.

​بس هدوءه وثقته خلوا الصف كله يسكت، والطيارة كلها هديت.

​الست بكت كبريائها وبصت الناحية التانية، عدلت شنطتها ومطقتش بكلمة تانية.

​فريدة بصت له بطرف عينها.

​شكلة يدخل في الثمانية وتلاتين سنة، لابس قميص أبيض نضيف جداً تحت جاكيت كحلي. دقنه متساوية ومترتبة بالمسطرة، بس عينيه كان فيها تعب وإرهاق لراجل ملاحقوش النوم من فترة طويلة.

​همست فريدة وهي مكسوفة:

“شكراً ليك.”

​”العفو، مفيش حاجة.”

​ومد إيده يسلم عليها:

“كريم.”

​”فريدة.”

​مكانش بيعاكس ولا بيحاول يتلزلز، ولا حتى سألها في خصوصياتها.

​كل اللي عمله إنه ساعدها في شيل عربية الأطفال، وجاب اللعبة بتاعة خديجة لما وقعت على الأرض، وفضل يطبق لها المنديل الورق على شكل أشكال تضحك لحد ما البنت الصغيرة ضحكت من قلبها.

​ولأول مرة من أيام، فريدة حست إنها قادرة تتنفس وتخد نفسها.

​الطيارة كانت زحمة جداً، فيها سياح، وطلبة، ورجال أعمال، وعائلات.

​بعد شوية، فريدة لاحظت حاجة غريبة.

​فيه كذا راكب عمالين يسرقوا النظر ويبصوا على كريم.

​شاب صغير قاعد الناحية التانية من الممر رفع موبايله وكأنه بيصور الشباك، بس الكاميرا كانت عليه.

​وبنتين قاعدين ورا عمالين يوشوشوا بعض ويبصوا عليه كل شوية.

​كريم فضل قاعد ثابت مكانه.

​بس عروق وشه اتشدت وضغط على سنانه.

​بعدها مال على فريدة وهمس لها:

“ممكن أطلب منك طلب غريب شوية؟”

​هي استغربت وقطبت حواجبها:

“طلب إيه؟”

​عينيه راحت ناحية الممر، وبعدها لمح الموبايل بتاع الشاب:

“ممكن تعملي نفسك نمتي على كتفي؟”

​فريدة كانت هتضحك من الصدمة:

“أفندم؟ إيه؟”

​قال بصوت واطي جداً: “أنا عارف الموضوع يبان غريب إزاي.. بس هما بيحاولوا يصوروني. لو افتكروا إننا مجرد عيلة تعبانة ومسافرة مع طفل، يمكن يسيبوني في حالي ويبطلوا.”

​فريدة كانت عارفة إن الأصول والمنطق بيقولوا ترفض.

​هي لسه هربانة من غدر وخيانة.

​وقاعدة لوحدها مع بنتها.

​إنها تثق في راجل غريب متعرفهوش ده جنون ملوش أي مبرر.

​بس فيه حاجة في نظرة عين كريم خليتها تقف.

​مكنش فيه غندرة ولا تلاعب.

​كان فيه كمية تعب رهيبة.

​وخوف حقيقي باين في عينيه يقطع القلب.

​فريدة عدلت خديجة بالراحة في حضنها، وريحت راسها على كتفه.

​النتيجة ظهرت في ثانية.

​الشاب نزل موبايله.

​البنتين بطلوا يبصوا.

​والست اللي كانت متغاظة وراهم فقدت الاهتمام تماماً.

​كريم طلع تنهيدة طويلة من قلبه:

“اللاااااه.. شكراً ليكي..”

​فريدة كان قصدها تبعد بعد دقيقة ولا دقيقتين.

​بس قلة النوم والتعب بتاع الأيام اللي فاتت كله هجم عليها مرة واحدة.

​راحت في نوم عميق ومحستش بالدنيا.

​لما فتحت عينيها تاني، كانت الطيارة بتبدأ تنزل وتستعد للهبوط في مطار القاهرة الدولي.

​كريم مكنش اتحرك سم واحد من مكانه.

​كان قاعد ثابت تماماً، وكأنه رفض يتحرك أو يتهز عشان بس ميقلقش نومها.

​قالها بابتسامة خفيفة وصافية:

“نمتي يجي ساعتين.”

​فريدة اتعدلت بسرعة وهي وشها جايب ألوان:

“أنا آسفة جداً! تلاقيك كتفك نمل بسببي.”

​ضحك ضحكة رجولية واطية:

“صدقيني، أنا عديت وعشت في ظروف أصعب من كده بكتير.”

​وقبل ما العجل يلمس الأرض، مضيفة الطيران قربت منهم بخطوات هادية ووطت وقالت له:

“يا فندم، البشمهندس كريم، طاقم الحراسة والتأمين بتاع حضرتك مستني بره عند صالة كبار الزوار.”

​فريدة جسمها اتخشب.

​طاقم حراسة وتأمين؟

​كريم غمض عينيه لثانية، وكأنه كان يتمنى اللحظة دي تتأخر شوية كمان.

​وبعدين التفت لها وقال:

“أنتي بجد متعرفيش أنا مين، صح؟”

​فريدة هزت راسها ببطء شديد وهي مش فاهمة حاجة.

​”أنا كريم الشناوي.”

​الاسم نزل عليها زي الصاعقة.

​مفيش حد في مصر كلها ميعرفش عيلة الشناوي.

​التكنولوجيا.

​البنوك الرقمية.

​المعمار والعقارات.

​المستشفيات الاستثمارية.

​ومؤسسات التعليم الخيري.

​كريم الشناوي ده واحد من أكبر حيتان البلد، وأغنى وأقوى رجال الأعمال، وفي نفس الوقت أكتر شخصية غامضة وبتبعد عن الإعلام.

​”أنت.. أنت كريم الشناوي بتاع الشركات دي كلها؟”

​هز راسه وهو مبتسم ابتسامة تعبانة:

“وأنتي أول بني آدم من شهور يتعامل معايا على إني راكب طبيعي وبني آدم عادي.”

​وقبل ما فريدة تطلع الكلمة من بؤها، موبايل كريم اتهز وجاله رسالة.

​قرا الرسالة.

​وملامح وشه اتقلبت 180 درجة في ثانية.

​الهدوء والابتسامة اختفوا تماماً.

​فريدة قلقت وسألته:

“في إيه؟ حصل حاجة؟”

​كريم رفع عينه وبص لها ببطء.

​وصوته بقا حاد وجاد جداً:

“فريدة.. فيه حد بره في المطار كان بيسأل عليكي ونازل يدور عليكي بالاسم من قبل ما الطيارة تلمس الأرض.”

​ولأول مرة من ساعة ما رجليها عتبت الطيارة دي، فريدة حست إن الأرض بتلف بيها والبلد كلها بتضيق فوق دماغها.

 

#حكايات_صافي_هاني

 

يتبع في التعليقات ❤❤❤❤❤❤

 

الدم هرب من وش فريدة، وحست إن النفس اتكتم في صدرها. طارق؟ طارق عرف طريقها إزاي؟ وهي لسه بتستوعب الصدمة، عينيها جت على شاشة موبايل كريم اللي كان لسه مفتوح، ولمحت صورة مبعوتة له على الواتساب.. كانت صورتها هي وخديجة من على صفحة طارق القديمة، ومكتوب تحتها جملة واحدة من رئيس طاقم حراسته: “يا فندم، الراجل ده ورجالته واقفين بره عند بوابة الخروج، وموزعين صور المدام على أمن المطار وبيدوروا عليها”.

​كريم قفل شاشة الموبيل بسرعة، وبص لفريدة اللي كانت أطرافها بتترعش، وبنتها خديجة بدأت تلمس وشها ببراءة وتعيط لما حست بخوف أمها. كريم ملامحه اتقدمت وبقت زي الصخر، الهيبة اللي كانت مدارية ورا الابتسامة الهادية ظهرت بكل قوتها.

​”اسمعيني كويس يا فريدة، ومتقاطعينيش..” صوته كان واطي بس فيه أمر ميرفضش. “طليقك مش جاي يضايفك، الراجل ده واقف بره ومعاه اتنين محاميين ومعاهم أمر تتبع أو بلاغ، وناوي ياخد البنت منك هنا في المطار قبل ما رجلك تخطي بره البوابة. أنتي لو خرجتِ من الممر العادي، مش هتعرفي توصلي للمطرية أصلاً.”

​فريدة دموعها نزلت غصب عنها، صوتها كان مخنوق وهي بتضم خديجة لقلبها لدرجة البنت بدأت تصرخ: “ياخد خديجة؟ لأ.. طارق لاء! ده حرمني من كل حاجة، عاوز يحرق قلبي عليها؟ أنا معنديش حد يا كريم بيه، أنا لو خرجت له هيضيعني!”

​كريم بص على الممر، الطيارة كانت خلاص وقفت تماماً، والركاب بدأوا يقفوا ويفتحوا الرفوف اللي فوق عشان ياخدوا الشنط. الست الأنتكة اللي كانت وراهم قامت وقفت وبصت لهم بطرف عينها، والشاب اللي كان بيصور بدأ يتحرك. الوقت كان بيجري ومفيش مجال للتردد.

​كريم وقف، وبكل طوله وهيبته، عدل جاكيته الكحلي وبص لفريدة وقالها بلهجة مفيهاش فصال: “هاتي البنت، وهاتي الشنطة دي، ومتفارقيش كتفي. طول ما أنتي ماشية جمبي، أنتي مش فريدة الهربانة.. أنتي ضيفتي.”

​فريدة مكانش قدامها غير إنها ترمي حمولها على ربنا ثم على الراجل الغريب ده. قامت وقفت، ورجليها مش شايلاها، كريم أخد منها عربية الأطفال المطبقة بإيد، وبالإيد الثانية شال شنطتها التقيلة ولا كأنها وزنه حاجة، ومشي قدامها عشان يفتح لها السكة وسط زحمة الركاب.

​أول ما عتبوا باب الطيارة وخرجوا للممر، فريدة كانت فاكرة إنهم رايحين ناحية الجوازات وسير الشنط زي بقية الناس، بس كريم حدف يمين فجأة ودخل في ممر جانبي مكتوب عليه “ممنوع الدخول لغير المصرح لهم”. هناك، كان واقف اتنين رجالة ببدل سودا كاملة، طول بعرض، وسماعات في ودانهم. أول ما شافوا كريم، انحنوا باحترام شديد: “حمد الله على السلامة يا كريم بيه.”

​كريم ملقاش وقت للسلامات: “عاصم، جهزوا العربية الجيب الكبيرة، ومش هانخرج من البوابة الرئيسية. المدام وبنتها معايا في حمايتي.”

​عاصم، رئيس الحرس، بص لفريدة بنظرة سريعة ومحترفة من غير ما يسأل أي سؤال يفهم منه حاجة، وقال في اللاسلكي بصوت واطي: “تجهيز الموكب عند مخرج مهبط الطائرات فوراً، معانا ضيوف.”

​فريدة كانت ماشية ورا كريم وهي حاسة إنها في حلم، المطار اللي كانت بتدخله زمان وتتفحص في أوراقها، دلوقتي الأبواب الإلكترونية بتتفتح لهم بلمسة كارت من حراسه، ومفيش مخلوق بيجرؤ يسألهم هما رايحين فين. نزلوا سلم داخلي ضيق لحد ما وصلوا لأرض المهبط بره، بعيد تماماً عن صالات الوصول العادية.

​الجو بره كان حر، ونسمة الهوا بتاعة القاهرة محملة بالتراب. كانت واقفة تلات عربيات سودا دفع رباعي، مصفحة، ومفيهاش الهوا، وموتوراتها دايرة بتزن بهدوء. الحراس فتحوا باب العربية اللي في النص، كريم شاور لفريدة تدخل، وفعلاً دخلت وقعدت ورا في الصالون الواسع اللي ريحته جلد غالي ونضيف، وكريم قعد في الكرسي اللي جنبها بعد ما حط شنطتها في الشنطة وورا.

​أول ما الأبواب اتقفلت، العزل الصوتي كان رهيب، كأنهم انفصلوا عن العالم. العربية تحركت بسرعة الصاروخ بس بنعومة غريبة وسط الممرات الخلفية للمطار.

​فريدة بدأت تهدأ شوية، وبصت لخديجة اللي نامت تاني من هدوء العربية. التفتت لكريم وقالت بصوت بترعش: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. أنت أنقذتني من مصيبة. بس أنا كده هعطلك، لو ينفع بس تسيبني عند أقرب محطة مترو أو في أي حتة بره المطار، وأنا هركب للمطرية لابن خالتي.”

​كريم طلع تنهيدة طويلة، وبص لها وعينيه فيها نظرة حزن وغموض غريب، وقالها بصوت رجع هادي وتعبان تاني: “المطرية مبقتش أمان ليكي يا فريدة. طارق مش غبي، وطالما عرف أنك راكبة الطيارة دي، يبقى مراقب خطوط سيرك وعارف قرايبك كلهم في القاهرة. ابن خالتك ده زمان بيته متراقب دلوقتي.”

​فريدة شهقت وحطت إيدها على بؤها: “يا نهار مش فايت! يعني إيه؟ يعني ماليش مكان أروح فيه؟”

​كريم لسه هيتكلم، موبايله رن بنغمة خاصة. بص للشاشة، وملامحه اتشدت تاني. فتح الخط وحطه على ودنه من غير ما يتكلم، وجاله صوت عاصم من العربية اللي قدامهم في الموكب: “يا فندم.. إحنا خارجين من البوابة الخلفية للمطار، بس فيه عربيتين مرسيدس سودا سادين الطريق بره البوابة.. وواقف وسطهم طارق سليم بنفسه، ومعاه قوة من الشرطة ومعاهم أمر تسليم طفلة ومنع سفر!”

​فريدة سمعت الاسم، وجسمها كله اتنفض وبصت لكريم برعب، وعينيها كانت بتتوسل له إنه ميسلمهاش.

​كريم ضغط على سنانه لدرجة عروق رقبته بانت، وبص من الشباك الفاميه بتاع العربية وشاف فعلاً البوابة الحديدية بتاعة المطار بتفتح، وبره في الشارع العام، العربيات واقفة وطارق سليم واقف بكل جبروت وساند على عربيتة، وعينيه بتدور في العربيات اللي خارجة زي الصقر.

​عاصم سأل في اللاسلكي بصوت مشحون: “كريم بيه! نقتحم ونعدي، ولا هنقف؟ طارق سليم مش عارف إن العربية دي تبع حضرتك، وفاكرها عربية تابعة للمطار!”

​كريم بصل لفريدة، وبعدين بص لطارق اللي بره، وأخد القرار في ثانية. مسك اللاسلكي وقال بصوت زلزل العربية:

“محدش يقف، ومحدش يهدّي.. عاصم، اقلب الموكب، وافتحوا الطريق بالقوة.. طارق سليم لازم يعرف دلوقتي حالا هو بيخبط في باب مين!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *