مديرة المطعم

مديرة المطعم أهانت أب وبنته عشان هدومهم القديمة… من غير ما تعرف إنه صاحب المكان وجاي يكشف سنين من الظلم

“يا فندم… حضرتك مش هينفع تدخل بالشكل ده. الزباين هتخاف وتمشي.”

قالتها هالة وهي باصة له من فوق لتحت، وصوتها مليان احتقار، في مطعم فاخر في الزمالك، المطعم اللي كان معروف إن حتى الهدوء فيه ليه تمن.

برا…

المطر كان بينزل بغزارة.

ونور العربيات منعكس على الأسفلت المبلول، والناس بتجري تحت المظلات.

قدام الباب كان واقف سليم العطار، راجل عنده 42 سنة، لابس بالطو أسود قديم لكنه نضيف، وجزمته باين عليها إنها مستعملة من سنين.

وكان شايل على كتفه بنته الصغيرة ليلى، عندها خمس سنين، نايمة وهي حضنة أرنوب لعبة قديم.

وفي إيده التانية…

علبة تورتة بيضا صغيرة، ماسكها بحرص كأنها أغلى حاجة في الدنيا.

قال بهدوء:

“أنا محتاج ترابيزة صغيرة بس.”

“بنتي تعبانة، ومش هنتأخر.”

هالة بصتله باحتقار وقالت:

“المطعم كامل.”

سليم بص ناحية الصالة.

كان فيه أكتر من أربع ترابيزات فاضيين.

قال بهدوء:

“بس أنا شايف ترابيزات فاضية.”

شدت فكها وقالت:

“دي محجوزة.”

وسكتت لحظة، قبل ما تكمل بابتسامة مستفزة:

“وبعدين… إحنا بنحافظ على مستوى معين للمكان.”

“أكيد فاهم إن كل واحد ليه الأماكن اللي تناسبه.”

بعض الزباين عملوا نفسهم مش سامعين.

والبعض التاني لف يتفرج، كأنهم بيتابعوا عرض.

على بعد كام خطوة…

كانت منى، جرسونة عندها 29 سنة، واقفة شايلة صينية.

كانت شغالة شيفتين ورا بعض.

ورجليها خلاص مبقتش شايلة.

وفوق ده كله…

الإيجار متأخر، وصاحب الشقة كل شوية يتصل يطالبها بالفلوس.

كانت عارفة هالة كويس.

عارفة إزاي بتخصم من بقشيش العاملين من غير سبب.

وإزاي بتهزق الطباخين.

وإزاي بتخلي أي موظف يعيط في الممر من كتر الإهانة.

لكن أول ما شافت ليلى وهي بتترعش من البرد في حضڼ أبوها…

حست قلبها اتقبض.

قربت منهم وقالت بهدوء:

“لو تسمحي يا مدام…”

“البنت شكلها تعبان جدًا.”

“ممكن أقعدهم على الترابيزة اللي جنب العمود.”

سليم بص لها باستغراب وقال:

“شكرًا.”

هالة لفت ناحيتها ببطء وقالت:

“إنتِ بتعملي إيه؟”

قالت منى:

“بس بقعدهم.”

“الدنيا مطر برا.”

هالة مسكت دراعها وشدتها بعيد عن الزباين.

وقالت من بين سنانها:

“لو قدمتلهم حتى كباية مية…”

“إنتِ مفصولة النهارده.”

“وهحرمك من البقشيش.”

“وهخلي محدش يشغلك في أي مطعم محترم.”

منى حسّت الخۏف طلع لحد زورها.

افتكرت أوضتها الصغيرة.

والتلاجة الفاضية.

واتصالات صاحب البيت.

لكنها بصت تاني على ليلى…

وقالت بثبات:

“اعملي اللي إنتِ عايزاه.”

“لكن أنا مش هرمي طفلة في المطر…”

“عشان أحافظ على شكل المطعم.”

عيني هالة وسعت من الڠضب.

أما منى…

فرجعت للصالة.

سخنت كباية لبن.

واشترت من فلوسها قطعة جاتوه زيادة.

ورتبت لهم أهدى ترابيزة في المكان.

وقالت بابتسامة:

“اتفضل يا فندم.”

سليم قعد بنته برفق على الكرسي.

وكان واضح من طريقته إنه بيحبها حب الدنيا كلها.

ليلى فتحت عينيها بالعافية وقالت:

“بابا…”

موقع أيام نيوز
“هنغني لماما دلوقتي؟”

الصالة كلها سكتت.

سليم مسح على شعرها وقال:

“لسه يا حبيبتي.”

“هنولع الشمعة بعد شوية.”

جوا العلبة…

كانت فيه تورتة فانيليا صغيرة.

وعليها شمعة واحدة بيضا.

ولا حد في المطعم كان يعرف…

إن النهارده عيد ميلاد نجلاء…

مرات سليم اللي توفت من سنين…

وأم ليلى اللي البنت بقت بالعافية فاكرة ملامحها.

هالة رجعت وهي مولعة من الڠضب.

وشاورت عليهم وقالت بصوت عالي:

“اطلعوا برا.”

“هو… وبنته…”

“وإنتِ كمان يا منى.”

“اقلعي المريلة.”

“إنتِ مفصولة.”

وقبل ما أي حد ينطق…

باب المطعم اتفتح.

ودخل تلات محامين، كل واحد شايل ملف أسود.

أكبرهم سنًا مشي مباشرة ناحية سليم.

وقف قدامه.

وطاطى راسه باحترام وقال:

“أستاذ سليم…”

“جبنا كل المستندات.”

“وكشوف سړقة البقشيش…”

“والتقارير المالية اللي حضرتك طلبتها.”

في اللحظة دي…

اللون اختفى من وش هالة.

سليم العطار قام من مكانه ببطء، بس المرة دي مكنش الشخص اللي كان بيترعش من البرد، ملامحه اتحولت لحدة تخوف، كأنها ملامح صقر شاف فريسته. ليلى الصغيرة كانت قاعدة بتبص حواليها ببراءة وهي حاضنة الأرنب بتاعها.
المحامي كمل كلامه بصوت سمعه كل اللي في المطعم: “بناءً على طلب حضرتك، يا فندم، وبعد مراقبة خفية استمرت أكتر من شهر لكل حركة جوه المطعم ده، اتأكدنا من كل التجاوزات اللي ارتكبتها المديرة ‘هالة’.. من سړقة أرباح، لإهانة الموظفين، لتمييز عنصري ضد الزباين.”
هالة كانت واقفة متجمدة، إيديها بتترعش والموبايل وقع منها على الأرض. حاولت تتكلم، تحاول تبرر، بس صوتها كان طالع زي النهيق: “أستاذ سليم.. أنا.. أنا كنت بفتكر.. أصل..”
سليم قاطعها بصوت هادي بس كان أقوى من الرعد: “كنتِ بتفتكري إيه؟ إن المطعم ده مجرد مكان عشان تمارسي فيه عقد النقص بتاعتك؟ المكان ده من يوم ما اشتريته وأنا بحاول أخليه بيت لكل الناس.. بس إنتِ حولتيه لزنزانة للموظفين، ومكان للتعالي على البشر.”
منى الجرسونة كانت واقفة وراهم، دموعها كانت نازلة بس مش من الخۏف، من الصدمة. سليم لف لها، وابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة، ابتسامة دافية زي أب: “يا منى، كنتِ خاېفة على شغلك عشان خاطر طفلة غريبة؟ اللي يعمل كدة، يستحق يكون شريك في النجاح، مش مجرد موظف.”
المحامي قدم لسليم ملف وورقة تانية: “دي ورقة فصل هالة فوراً، وكمان بلاغ رسمي بكل التجاوزات المالية.”
هالة بدأت ټنهار وټعيط وتتوسل: “أرجوك يا سليم بيه، أنا محتاجة الشغل ده! أنا ماليش غيره!”
سليم بص للمكان كله، وقال بصوت عالي: “إنتِ كنتِ بتدوري على ‘مستوى’ معين للمكان، مش كدة؟ المكان ده مستواه الحقيقي هو الإنسانية، وأنا النهاردة هخليكي تشوفي الفرق بين المستوى اللي إنتِ اخترتيه، وبين الحقيقة.”
شاور لرجال الأمن اللي كانوا واقفين برا وسمعوا كل حاجة، دخلوا بهدوء وخدوا هالة اللي كانت بتصرخ وهي بتتمسك بالترابيزات، لحد ما خرجت بره المطعم تماماً.
سليم قعد تاني، وطلب من منى تقرب. “منى، من اللحظة دي، إنتِ المديرة الجديدة للمطعم. ومش بس كدة، أنا هأمنلك سكن قريب، وهتتولي ملفات الموظفين، وهتكوني عينك على أي حد بيفكر يقلل من شأن إنسان تاني.”
منى مش قادرة تتكلم، بس حضنت ليلى الصغيرة اللي صحيت وبدأت تبتسم.
سليم طلع ولاعة، وۏلع الشمعة الوحيدة فوق التورتة البيضا. “يلا يا ليلى.. نغني لماما.”
المطعم اللي كان من دقايق فيه “احتقار”، اتحول لمكان مليان بمشاعر دافية. كل الزباين اللي كانوا بيتفرجوا، بدأوا يغنوا مع ليلى وباباها: “سنة حلوة يا نجلاء..”
في اللحظة دي، منى وقفت وسطهم، حست إن ربنا عوض صبرها بلقاء راجل، رغم غناه ونفوذه، لسه فاكر يعني إيه “أصل”.
سليم بص لمنى وقال: “دي أول ليلة بنحتفل فيها بذكرى ۏفاتها في المكان اللي كان المفروض تكون موجودة فيه معانا.. شكراً إنك خليتي ليلى تفتكر ملامح باباها وهو بيحس بكرامته.”
سليم العطار، صاحب المطاعم اللي بتدخل ملايين، قعد بياكل تورتة مع بنته في ترابيزة بسيطة، وسط عماله اللي بقوا عيلته. ومن اليوم ده، “مطعم العطار” مكنش مجرد مكان للأكل، كان درس لكل اللي فاكر إن الفلوس ممكن تشتري بيها “الاحترام”، لأن الاحترام هو الحاجة الوحيدة اللي بتدفع تمنها.. “بأخلاقك”.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *